الأربعاء، 9 يوليو، 2008

الأفغان يزوقون حاجياتهم

تسير العربات في الشوارع الأفغانية مزهوة بالألوان واللوحات. يصفها السائقون بأنها كالعروس. ويكاد اهتمامهم بتزويقها يفوق ما يقدمونه الى عروسهم.
خليط عجيب من الوجوه والملامح والإشارات والقسمات والعبارات تتداخل على جدران العربات كأنها تدميها بالأصباغ أو تبعث منها رائحة الأماني الضائعة.
هي مرآة للأحلام المؤجلة ، مشاعر من رقد مع أهل الكهف. تجدها عند الأركان وعلى المرايا ولا يمكن أن تسير العربة بلا تاج يكسوها كضوء أبدي. تتقدم نحوك ولا تصادفك ، نغم يسري طلق اللسان :
يا واهبة الروح و السعادة
شعّي على قلبي
تنغمس الكلمات كالسحر ، عميقة ، مؤذية … هل كل السواق في أفغانستان يحملون هذا القدر من العشق : معبودك الدائم ، متيمك الولهان ، المجروح بيديك …
قدر لا يقاوم من عبارات يستلها الفنانون من كتب عاشقين تمزقوا قبلهم لينسجوها لوحات متجولة في البلاد - الديدبان.
أهذه الألسنة كاذبة ؟
فنانون ، أم محترفو لعبة الأصباغ ، مؤلفو التعاويذ والأدعية وأشعار لا نهائية تفطر فؤاد الإسفلت. ولا يمكن التغاضي عن إشراك الحيوانات المفترسة في كرنفال السيارات: أسود ونمور وضوار وحيوانات خرافية أخرى ، ملمح لجبروت السائق وشجاعته.
أدعية لا تجارى ، إسهام قائد الحافلة في الموكب الأزلي : توكلت على الله ، سفر بخير ، ما شاء الله ، عد لنا سالما ، من الله وإليه … ولابد أن تختتم هذه الأدعية برقّ الحبيب : أعزف أسمك في كل هورن !


وفي المواكب البطيئة تسمع الأجراس والحلي البرونزية والمعدنية تخفق أصواتها لتملك اللحظة. تتدلى من كل زوايا العربة كأنها مناديل نحاسية ، جلبة مقتنصة بأصوات مصقولة في روح السبّاك : هي صرخات الحب المجعد عبر السنين .. إيواء لجمر المدفأة .. ليلا مطويا بالأخطاء ممعن بالظلمة .. ما وراء الحدود وقبلها وبعدها ، مناشدة للغائبين والبعيدين ولتلك الأيام اللزجة :
حيث العربة تتحول الى نشيج
لامرأة أو مستحيل
كأنها ورود حجرية وسلال راكعة تساعد المسافرين على التنهد والتهدل. وهجها يتدفق بمشقة الطرق الغراء ، استبدال للنواقص التي قربتها الحياة العاصفة.


في جدار واحد لعربة مئات النوافذ ، ولكل نافذة حكاية ولوحة وسراب : خيول وطلاء باهت لأطيار ، مروج طليقة ، سخرية ، رموز لشتاء لا يعود ، جرة أرجوانية ، طفل يتأجج. نوافذ كمسرح عرائس متجول أو سيرك أنجز عرضه.
عربات كالمنازل اللاهثة ، وهمها وسبيلها ، بغضها وجفافها.
وللشر والحساد تكبر العيون وتكثر السهام مبشرة بالخير.
هكذا ابتدع الأفغان هذا المصطلح المقترح لإزالة الآلام. مصطلح متجول متعثر الخطى ، يحكي قصصهم ويسيّج أحلامهم وأمانيهم بالألوان الغامضة. ومع ظهور الأطباق الفضائية أو الدشات ارتفعت مصطلحاتهم لتتسلق فوق المباني ليحيكوا من خلالها تجارب السماء. والأطباق المعدنية أكثر رصانة ولوحاتها مختصرة ؛ بين حقل زهور أو غيوم متناثرة ، نجوم أو أشجار. ويعتمد ذلك على موقع الدش ، الذي يتحول الى مائدة احتفالية بلا كلمات وكأنه معلق على غصن أو طافيا في صوان.