الأربعاء، 9 يوليو، 2008

كيف تقضي المرأة الأفغانية يومها ؟

أني أحب ! أني أحب
لن أكتم حبي ولن أنكره
حتى لو نزعوا لي بالسكين كل شاماتي
من الشعر النسائي الأفغاني

الشارع الأفغاني متحرك إلى أقصى حد ويقبل التقدم لا التراجع وللأفغان ميزة استيعاب الجديد. وللمرأة من وجهة النظر هذه الفضل الأكبر ، فلا يمكن أن تطأ قدم القريب أو الغريب في هذه البلاد دون أن تعيش وجودهن وليس فقط أن تشعر به.
وبسبب عدم وجود مراكز علمية متخصصة بمناقشة مسائل الديموغرافيا وتوزيع السكان ، ناهيك عن الإحصاء العام للنفوس ، فلا يمكن أن يجيبك أحد على السؤال المتعلق بنسبة المرأة في المجتمع الأفغاني أو حتى يعطيك رقما تقريبا لنفوس هذه النفس المغرقة بالآلام.
غير أنه حتى مراقبا بعيدا يمكنه التنبؤ بهذه النسبة في بلاد اهتمت كثيرا بحصد الرجال ، وأولئك الذين رحلوا بدون تذكرة العودة ، الهاربون واللاجئون في أصقاع الدنيا. وفي النتيجة اختار القدر للمرأة الأفغانية لعب دور القلب النابض للمجتمع فهي الأرملة والزوجة التي تهفو إلى سماع حفيف الغائبين ، حاملة أسماء المفقودين والأسرى والضائعين والمهاجرين. وهي الفتاة اليانعة التي تحفظ قصص الآباء عن ظهر قلب والأخت المجروحة المحتفظة بعباءة الأخ الغائب أو المطارد أو المتلاشي والمحفور خلف زجاجة الصورة اليتيمة في مهب الدار.
نسبة المرأة الأفغانية في دولة لا تعرف عدد سكانها هي الأعلى من الرجل وفق منطق الحرب وعصفات الزمان. لذلك تجدهن زهرات شاحبات يحملن أرواحا متآكلة لم يدفئها نسيم العزيز ولم يرشها برماده الخامد.

أصل الخيمة

يريد حبيبي إبقاء لساني في فمه
لا من أجل اللذة
لكن ليفرض حقوقه الدائمة عليّ
من الشعر النسائي الأفغاني

البرقع التقليدي الذي اصبح سنّة طالبان وبدأ به دستورهم وكأن وجه المرأة يهدد الأمن القومي للبلاد ، لم يكن وليد هذه الحركة الأمريكية ، بل هو اختراع بشتوني بحت ليس للأثنيات الأفغانية الأخرى علاقة به. وهو منحدر منذ الأزمنة الغابرة حيث وطن البشتون المنطقة. ولم يفعل الطالبان شيئا سوى العودة الى مقاساته.
ولأنهم تركزوا في الجنوب الأفغاني وكابول ، فتجد حتى الآن حساسية بالغة وخشية محسوبة للمرأة في رفعه بسرعة.
غير أن الأمر يختفي تدريجيا ما أن تتحرك نحو الشمال. فمثلا ، لا يعد مستغربا رؤية مجموعة من الفتيات في مزار شريف يرتدين الملابس المعتادة ( التنورة والقميص والجاكيت ) بلا أغطية ولا خيام زرقاء أو بيضاء أو سوداء. ربما لأن طالبان لم تمكث طويلا في العاصمة الشمالية ، ويرجح اقترابها وتأثرها في الجار السوفيتي وتقاليده وخاصة أوزبكستان التي تبث قناتها التلفزيونية يوميا في المدينة ، ولعل عامل الشمال الأكثر تطورا من الجنوب لعب دوره هو الآخر حتى على هذه الأرض.
ويبدو أن المرأة في كابول وجنوبا ، بحاجة الى من يساعدها في إزالة وتد الخيمة التي نصبوها عليها بلا إذن ولا شفقة. ويلاحظ حتى في كابول ، أن المرأة التي امتلكت قدرا من الشجاعة وبادرت في رفع النقاب ، لم يعتب عليها الشارع ولم ينتبه لها ولم يسارع في تأنيبها. بمعنى ، أن النقاب الآن في ملعب المرأة الأفغانية ، يمكنها إزالته في الوقت الذي تقرر فيه ، وأصبح الأمر شخصيا يتعلق بها وبزوجها أو برب عائلتها.
والتزامن ضروري أيضا في هذه الحالة. فالطاجيك والأوزبيك يقولون بأنه عادة بشتونية اضطررنا لمسايرتها حتى لا نصبح استثناء. وهذا الأرث الصعب آذى الجميع لكونه أشغلهم عن صنوف أكثر أهمية في الحياة وأزاح زهو الفتيات ووأد المزيد منهن منذ المهاد.
وإذا كان الطاجيك يسيطرون على أوضاع العاصمة بالكامل ، فأمامهم المبادرة لإثبات جدية اعتراضاتهم القديمة ، ولو كانت فردية في بادئ الأمر ( وهذه المبادرات تمضي قدما الآن ) ، ففي النهاية ستزول الحاجة للخوض في جدل حول التعقيد والتراخي أو البحث في الفروقات بين النور والظلمة.
الأسواق نسائية
السوق " عامل " اجتماعي - سيكولوجي هام ساعد المرأة الأفغانية ( وفي بلداننا أيضا ) على إيجاد ساعة النشوة للأقدام لتتحرك خارج الحيطان. أي إنسان بلا ائتلاف الجسد والروح سيخلو قلبه ودورته الدموية من الحرارة. فما بالك بالمرأة في أفغانستان التي تقوم بمهام متعددة وكما ذكرنا فهي العمود الفقري للدار بغياب الرجال وحتى بوجودهم.
بالإضافة الى ذلك فأن المرأة الأفغانية هي المسؤولة عن توفير كافة متطلبات البيت ووجودها في الأسواق أمر طبيعي وليس " مكرمة " من السادة.
ولكي تحصن نفسها من زعيق محتمل ، توزع ربة البيت احتياجاته بشكل يجعلها تذهب للسوق مرة واحدة في اليوم على الأقل. فلا تشتري الخضار مع الفواكه ، وتتناسى الخبز أو اللبن أحيانا. وهذه الملاءة مرقعة أكثر من اللازم ، عصرا بحاجة لزيارة سوق القماش. ويقال أن بضاعة رخيصة نزلت في سوق الهرج عليها البحث عن حلة جديدة - قديمة ، والطريف أنها تشتري لرجلها أول الأمر حتى تملأ فمه ويسكت.
باختصار ، يمكن للمرأة إيجاد مئات من المتطلبات ( أو الأعذار ) لكي تتواجد في السوق. وهذا ما تقوم به الأفغانية على أفضل وجه.
عرس وذهب
و هناك أعذار المناسبات. فالاستعداد لحفلة العرس يعطي المجال للقريبات والصديقات لفترة لا تقل عن شهرين للذهاب يوميا لمساعدة العروس في اختيار بدلتها والتمعن في ذهبها والتدقيق في صلاحية أثاثها. ولكل قريبة اختصاص ، فهذه تفهم في أدوات الماكياج ، والأخرى خبيرة في الذهب ، أما المتزوجة فتدرك أهمية البحث عن أثاث متين لمجابهة أعصاب الزوج الفائرة. وبعدها يأتي دور خبراء الصحون والتحف والسجادات …الخ.
والطريف أن جميع الخبيرات يتجمعن كل صباح لمصاحبة العروس في هذا التجوال الممتع ويستمر هذا العيد المتحرك لأسابيع حتى ظهور عروس جديدة‍.
الأمراض المفروضة
ولعل البحث عن مرض وهمي في النفس أو الطفل ، أزعج أعذار النساء للخروج من شحوب الجدران. وخلال تجولنا في كل مستشفيات كابول تقريبا ، وجدنا أن الرجال لا يمثلون إلا 5 % من المراجعين ، وعلى الأرجح هم المرضى الحقيقيون من بين الجمع الغفير لنساء لا عدّ لهن تمتلئ بهن الممرات والغرف وباحات المستشفيات. ومن السهولة ملاحظة انشغالهن بالحديث مع بعضهن البعض والتسامر ولا يلتفتن حتى لوجود الأطباء أو الممرضات أو لدورهن في الطابور الاختياري. ويبدو أن العاملين في المستشفيات يدركون هذه " الموهبة " فلا يضيرهم أن تتحول أروقة مستشفياتهم الى نواد نسائية مجانية ، طالما أن وجود هذه الزحمة اللطيفة يعطي أنوثة للمكان كانوا محرومين منها ، بالإضافة الى أن هذه الزحمة تبرر شكاواهم لـ " وزارات صحات عامات " ولليونسيف بالتكثير من المساعدات.


تسالي وحجج أخرى
وهناك مرافقة الصغار للمدرسة في الذهاب والإياب. وفي الفترة ما بين الذهاب والإياب هناك الدكات التي يتجمعن عليها مثل واحة نساء.
وتجدهن في منتصف نهر كابول ، يغسلن الملابس ويغلين ماءه ، يحملن الحطب والملابس الرطبة على ظهورهن لمسافات بعيدة.
وتطل المرأة على أعلى القمم الأفغانية تنشر البذور وتطعم الحيوانات وتمتطيها ، تحمل الحطب وتبني الدور.
وقد تراها في صندوق سيارة أو على متن دراجة هوائية.
وكما ذكرنا في تقارير سابقة تتزايد أعداد المتعلمات في مراكز تعليم اللغات والكمبيوتر وحتى لو تأخذ المحاضرة ساعة واحدة ، فيمكنهن التجمع قبل المحاضرة بساعة ويغادرنها بمشي سلحفاة أو يتوقفن عند المركز لمناقشة آخر المستجدات. وكذلك الحال في جامعة كابول ومعاهد الدراسات الأخرى.
المصرّفة الحديدية
يتجمع مصرفو العملات الأجنبية في مركز كابول بأعداد تكفي لقافلة جمال محملة بالدولارات. أغلبهم من الشباب في العشرينات من العمر. وهذه الظاهرة طبيعية. ولكن المثير أن من يسيطر على سوق التصريف والبورصة وتحديد السعر امرأة. وهذه المصرّفة الحديدية تجدها في كل مكان في السوق ، توجه حملة النقود وتعطي الأوامر بحزم ، وأحيانا تصل الى درجة تنظيم السير في المنطقة في حالة تزاحم سيارات الراغبين بالتصريف.
بعد اكتشافنا للرأس الكبيرة في سوق التصريف ، أخذنا نتعامل معها بشكل مباشر ودون وسيط وكانت للإنصاف تعطينا أفضل سعر وأنظف أوراق نقدية.
نواد نسائية
وللطبقة الأفغانية الراقية عالمها الخاص. ونساء هذه الطبقة يحتجبن داخل بيوت العائلة الفخمة ومزارعها ومنتجعاتها. ويشكلن ما يمكن أن نطلق عليه " الأندية النسوية " بتجمعهن بشكل دوري. يمارسن السباحة ويلهون بكرة الطائرة والريشة والبليارد. وهذا التجمع في مظهره العام لا يعدو كونه زيارات عائلية ، غير أنه في حقيقة الأمر ، نواة لنشاط نسوي عريق في أفغانستان منذ أيام الملكية التي ازدهرت بها العائلات الأرستقراطية. ولتجمعات " الفلل " النسوية في كابول تأثير كبير حتى على سياسة البلاد ، لأنها تضم عائلات الحكومة المؤقتة وأمراء الحرب ورجال الأعمال الكبار في أفغانستان ، زد على ذلك أن الكثير من العائدات الى هذه التجمعات من المهجر ، أعضاء في حركات نسوية أفغانية معروفة وناشطات لهن باع طويل في هذا المجال ومحترفات العمل الجماهيري والسياسي منذ التواجد السوفيتي. عضوات الحزب والكمسمول وغيرهن.
وإذا كان الأمريكان يدسون ضابطات المارينز وأجهزتهم الخاصة الأخرى في لقاءات الأرستقراطيات الأفغانيات الدورية ، فأن الروس يهتمون بعضوات الحزب والكمسمول الأفغاني السابقات.
وليس من المصادفة اللقاءات الحميمة في دار الطبيبات الروسيات في كابول ( وهو من الفلل الراقية أيضا ) مع هذه الشخصيات النسائية اللواتي تخرجن من معاهد الاتحاد السوفيتي العلمية والسياسية ، في تجمع أقرب للصالونات النسائية التي تضم مثقفات المجتمع.
ويمارس الجزءان ( الأرستقراطي والسياسي - الاجتماعي ) الدور نفسه تقريبا وحتى الأسلوب. وفي النتيجة أن المرأة الأفغانية دخلت الى السياسة الكبرى من الفلل الخاصة وتساهم ولو بالخفاء في الوقت الحاضر في دفع الحركة النسوية الأفغانية الى الأمام.