السبت، 12 يوليو، 2008

جنرالات أم مرتزقة!

لغرابة أحداث الحرب الشيشانية شرح بسيط ومؤلم جدا وهو أن الجنرالات فيها يؤدون دور المرتزقة الذين فازوا بمزاد المناقصة القاضية بتحويل رئيس الوزراء الأكثر من العادي الى بطل قومي تحمله هذه الهالة للفوز بانتخابات الرئاسة. وهذا يعني أن جنرالات وزارة الدفاع والداخلية يؤدون دور رجال الأعمال ببسالة لتنفيذ " شو " قهر الشيشان. لقد أتقن هؤلاء في السنوات الأخيرة خبرة " بيزنيس الحرب " وحصلوا على أرباح كبيرة من العملية " المعادية للإرهاب ".
والإشارة الأولى ظهرت بازدياد تكاليف الدفاع لعام 2000 بنسبة 20% على حساب النفقات في مجال الضمان الاجتماعي والتعليم والعلوم…الخ أي على حساب موارد الميزانية القليلة أساسا. وحسب تقديرات خاصة فقد تمت سرقة 20 بليون روبل ( أقل من بليون دولار ) من نفقات الدفاع في الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب. وقد يبلغ حجم المال المسروق من ميزانية الدفاع 30 بليون دولار حتى الانتخابات الرئاسية في 26 مارس وهو الموعد الذي ينبغي أن يرفرف فيه العلم الروسي على غروزني شاء المقاتلون هناك أم أبوا.
وتجدر الإشارة أيضا الى أنه حسب تقديرات هيئة الأركان العامة نفسها تستطيع البلاد إعالة جيش تعداده 600 ألف فرد فقط. غير أن هذا الجيش سيكون بحاجة الى عدد أقل من الجنرالات بأربع مرات تقريبا. ولهذا فأنهم لن يوافقون على هذا التقليص أبدا.
كما أن الـ 20 % التي أضافوها الى ميزانية الدفاع ستعطي فرص أكبر للسرقة دون أن تتحسن الأوضاع داخل الجيش.
وحسب وزارة الدفاع فأن معدلات تأمين القوات في الشيشان من ناحية المؤن والمعدات والرواتب تزداد باطراد. وهذه الزيادة تعتبر الآن من أكبر " الأسرار العسكرية " ، غير أن معرفة هذا السر لا تحتاج الى نباهة : تسرق المؤن الإضافية قبل أن تخرج من موسكو وترسل المواد الغذائية الى الشيشان على الورق فقط !! ويقولون للجنود هناك بأن رواتبهم سيتم تحويلها لهم الى مناطقهم ما أن تنتهي الحرب ويعودون ظافرين الى ذويهم !! ووفقا للآلية البارعة والمنظمة جيدا في وزارة الدفاع ، سيحسب كل شيء ضمن خسائر الحرب.
ومع ذلك ما زال الجنرالات يصرخون بأن الرئيس فلاديمير بوتين لا يخصص الأموال اللازمة للحرب. وهذا الأمر مستحيل من حيث المبدأ ، لأن ترقيه السياسي ومصيره البشري يعتمد على هذه الحرب. وتوفير الأموال على حساب الجنرالات يعني لبوتين انتحار سياسي. فما أن تجرأ وعزل جنرالان فقط عشية رأس السنة حتى فقدت روسيا بعد ساعات مدن أكثر عددا من الجنرالين المعزولين ! لهذا السبب جمع بوتين للجنرالات مبالغ أكثر بـ 100 بليون روبل عن السنوات الماضية. ويدل هذا الرقم على أن الجنرالات تلقوا أموالا كافية أو سرقوا أكثر من العادة ، مما أدى الى ظهور عجز في ميزانية الدفاع سارع بعده بوتين لسده ، عندها كف الجنرالات عن الصراخ.
ويحصل الجنرالات اليوم على أكبر ربح من بيزنيس النفط. وشاهدنا الكثير من الوحدات تدمر المصانع البدائية لتكرير النفط في الشيشان ( عددها عدة مئات ). وبعد الحملة الإعلامية التي صاحبت تدمير بعض هذه المصانع ، انتقلت إدارة المصانع غير المدمرة الى سيطرة الجنرالات. وهذا سبب انعدام المعلومات عن عدد مصانع تكرير النفط وعدد الذي دمر منها. وهكذا تحولوا الى جنرالات نفط جمعوا بين الوظيفتين.
ولضباط الرتب المتوسطة حلقتهم أيضا ، فهم يشرفون على مراكز السيطرة والنقل والتصدير ولهم نصيبهم. وأغلبهم يمارسون بيزنيس بشع آخر هو بيع جثث القتلى الشيشان الى أقاربهم وتجارة الأسلحة والذخائر. والملاحظ أنهم لا يعرضون جثث المقاتلين لأنه ما أن يصل الصحفيين الى المكان ، يكون أقربائهم قد استلموها ودفنوها.
ويأتي الاتجار بالأسلحة والذخائر بدخل لا بأس به أيضا. فمن السهولة شطبها وعدها ضمن الخسائر.
وتخلو هذه الحرب من الأسرى ومن المعتقلين المشتبه بهم. والتفسير بسيط أيضا ، يسلم الأسرى وتنزع صفة الاشتباه مقابل أجر محدد. ولهذا السبب تدر كل عملية تمشيط للمدن الشيشانية أموالا للذين يقومون بها.
هذا موجز واقعي لـ " العملية المعادية للإرهاب ". وتعد حرب ما قبل الانتخابات بيزنيسا يفوق كل نشاطات الحملة الانتخابية. وفي حالة توقف هذه الحرب فسيمارس الجيش الروسي في الشيشان كل الأعمال المذكورة أعلاه.
والشعب الروسي يؤيد هذه الحرب لأنه يعتقد أن السلطة سهرت على أمنه أخيرا وعرفت واجباتها وبعثت القوة في الجيش. غير أن " استيقاظ " السلطة لم يحدث في الواقع بالمرة. وما يحدث مجرد بيزنيس عادي يقوم به محتالون محترفون هدفه الانتخابات الرئاسية. والجنرالات ينفذون الطلب في خلق " البطل القومي " آخذين مصالحهم بنظر الاعتبار.