السبت، 12 يوليو، 2008

الاختطاف والاغتيال


الحرب في كل الأوقات والأزمان شقاء ودماء وآلام لا حصر لها. غير أن للحرب الشيشانية صفتان مميزتان وشاذتان : الاختطاف والاغتيال

الاختطاف ( 1 )

كره الشيشان للروس ليس نزعة قومية. هو واقع يفضل الروس ألا يروه ويفضل الجانب الآخر تغطيته بدماثة الأخلاق القوقازية.
ومن جانبها لا تعترف روسيا حتى في حق الشيشانيين في الانتساب الى قوميتهم وتسميهم في أحسن الأحول بالأقلية القومية. لذلك يدافع الشيشانيون عن بقائهم الأثني ويتميزون في غضون ذلك بالعدوانية. ومن مظاهرها اعتبار اختطاف " الكفار " جهادا ليس قبله ولا بعده.
لا توجد معطيات رسمية محددة بعدد المخطوفين في الشيشان قبل الحرب وبعدها. وهذا الإحصاء ليس سهل المنال ، فثمة مخطوفين يعيشون مع خاطفيهم تارة كالعبيد وتارة أخرى بثبات ونبات. وحتى وزارة الداخلية الروسية التي تعد عملية الاختطاف من شأنها تذكر مرة رقم ألفين ، ثم يجيء رقم ثلاثة آلاف مخطوف على لسان أحد مسؤوليها.
ولعل ظاهرة الاختطاف الكريهة كادت تطمس من اهتمامات وسائل الإعلام ، لولا ظهور ضحية جديدة لها ينتمي الى البلد السعيد الذي لا ينبغي أن يدوس أحد على مواطنيه بطرف. وهكذا راح ممثل منظمة " أطباء بلا حدود " وأخرى على هامشها يطلقون عليها " ضد الجوع " المواطن الأمريكي غلوك كيني ضحية هجوم مسلح أدى الى اختطافه ومن معه. ولأن العالم غير مشغول تماما بمن معه فأن هذه الأعراض انتقلت الى روسيا أيضا وشكلت على الفور هيئة للتنسيق بين وزارة الداخلية والمخابرات والاستخبارات التابعة لهيئة الأركان للبحث عن الرهينة. ولكن هذا الهيكل الجديد موجود منذ فترة طويلة وهو في الوقت نفسه غير موجود.
قاعدة عامة
وإذا بقى المخطوف حيا فأن الكشف عن آثاره أمر ممكن نظريا. ولكن يصعب التسلل الى محيط الخاطفين ، حيث ستكون المخاطرة كبيرة جدا ، فمن الممكن أن يقتل الخاطفون رهائنهم لو تعلق الأمر بقرب القبض عليهم.
وتجدر الإشارة بإنصاف الى أن القلائل من الشيشانيين كانوا يمارسون " حرفة " اختطاف الناس في وقت حكم الجنرال جوهر دوداييف. ولمّ القائد الميداني روسلان لابازونوف ( الذي انقلب على دوداييف وصاهر روسيا ) من حوله لفيف من سفاكي الدماء ليفتتح ظاهرة الخطف من أجل المال.
وكانت هذه الظاهرة تستر خلف القاعدة " الروبنهودية " المعروفة لدى صدام بإعادة تقسيم الثروة ، وكان لابازانوف يدعي بأنه يأخذ المال من الأغنياء ليوزعها للفقراء. وفي حالات يستخدم الرهائن من أجل استرجاع ديون متأخرة على الدائنين. ومنذ ذلك الحين أصبحت عملية اختطاف الرهائن قاعدة عامة في المجتمع الشيشاني وتعودت عليها العشائر التي كانت تهرع لجمع الأموال لتحرير الرهائن بسلام وبدون تدخل قوات الدولة.
وساعدت هذه القاعدة العامة على ظهور أصحاب ملايين جدد جمعوها أيضا من خطف أقارب أصحاب البنوك ومن ثم من المواطنين العاديين. وبالنتيجة أثرى لابازانوف بسرعة ، والنقود تؤدي دائما الى الإدعاء بالسلطة.
وما أن وصل الأمر الى الإدعاء بالسلطة ، حتى جاء رد فعل الجنرال دوداييف سريعا وحازما. وقاد عملية عسكرية في غروزني ضد تشكيلات لابازونوف وطردها الى أرغون ومن هناك تابع مطاردة فلولها. وأدى ذلك الى انتهاء ظاهرة الاختطاف لوقت ما.
الحرب الأولى
وما أن بدأت الحرب الشيشانية الأولى في عام 1994 حتى بدأ الطرفان المتحاربان يمارسان بيع الجثث والأسرى بعضهما الى البعض الآخر. وكان ممثلو القوات الفيدرالية يتلقون مقابل ذلك الرشوات ، بينما أفراد التشكيلات الشيشانية يتلقون الفديات. وكانت أعمال إطلاق الأسرى مصحوبة دائما بالدعاية لهذا الطرف أو ذاك وعلى هامش هذه الحملة الانتخابية أو تلك.
غير أن هذا " السخاء " انحدر في عام 1996 الى الصفر. فقد التزموا بقاعدة جديدة هي طلب الفدية مقابل الأسرى أو استبدالهم بذويهم.
واستمر " سلام المخطوفين " حتى إهدار أول قطرة دماء منهم بعد أن قامت تشكيلة روسلان خايخارويف باختطاف ثلاثة خبراء من المدينة الأنغوشية مالغوبيك كانت الحكومة الأنغوشية قد دعتهم لترسيم خرائط المدينة والقيام ببعض الأعمال.
استقر المخطوفون في قرية باموت وفي خريف 1996 ذبحوا ودفنوا في إحدى الغابات. فلماذا نسف الخاطفون القاعدة العامة ؟
قال أحد المشاركين في عملية " تحرير " الرهائن بأن الخاطفين عرفوا بانكشاف أمرهم وحاولوا التخلص من الرهائن بغية طمس معالم الجريمة.
كان الخاطفون إذن يخافون من العقاب ، غير أنهم بعد توقيع اتفاقية خساف يورت وانسحاب القوات الروسية ونقل السلطات الى حكومة أصلان مسخادوف لم يعودوا يخافوا من شيء أبدا.
لقد كان السلام في الشيشان بين الحربين فترة فريدة من نوعها. كان الجميع بمن فيهم السلطات الروسية يدركون عدم ضرورة حشر أنفسهم بقضايا الشيشان الداخلية والاكتفاء باعتبارها ضمن قوام روسيا في المحافل الرسمية فقط. وكان أصلان مسخادوف رئيسا منتخبا للشيشان. ولكن على من كان يسيطر ؟ لم يسمع القادة الميدانيين كلمته أبدا وكانوا مسلحين جيدا وذوو خبرة عالية ومغمورون بغرور الانتصار. وكانت العشائر الشيشانية بعد اتفاقية خساف يورت مسلحة جيدا وكانت كل واحدة مستعدة للذود عن استقلاليتها وتعتني بأفرادها.
كيف ؟
بدءوا يكسبون الأموال من الاتجار بالبشر وكانت أرباحهم مخيفة. ولم يكن بوسع أحد في ذلك الوقت مواجهة هذه الكارثة. وكان القادة الميدانيون يبررون اختطافهم للناس في بداية الأمر لاستلام الفدية بغية إعادة بناء بيوتهم المدمرة أثناء الحرب وتنظيم الحياة في القرى. والرهائن ليسوا إلا خونة تعانوا مع المحتل الروسي في وقت كانوا يمتشقون فيه السلاح للدفاع عن الوطن.
ولابد من التأكيد على إن هذه التصريحات ليست من نسج الخيال ، بل كانوا يطلقونها عبر شاشات التلفزة وفي كل اللقاءات الصحافية الميدانية التي أجريناها معهم.
الثأر
لكن حسب العادات القوقازية يعتبر الاختطاف إهانة خطيرة تواجه بالثأر. ومع ذلك استمر القادة الميدانيين بممارسة هذا البيزنيس لغرض إعالة أنفسهم وتشكيلاتهم الكبيرة. علما بأنه لم تكن لديهم في ذلك الوقت مصادر رزق أخرى ولا يجيدون في الوقت نفسه ممارسة أية أعمال سوى الحرب ، وحتى لو كانوا يريدون العمل ، فلا وجود له ، لأن كل شيء في الجمهورية كان مدمرا تماما.
وفي غضون ذلك ظهر في الشيشان وفي روسيا ، بل ومن بين كبار رجال الأعمال الروس ما يسمى بالوسطاء الذين أثروا من استلامهم نسبة من الفدية. وكيف لا إذا علمنا أن سعر الصحافي من القنوات التلفزيونية " الروسية " أو " المستقلة " والموظفين الأجانب والضباط وصل الى 5 ملايين دولار بالإضافة الى أفراد الميليشيات والمواطنين العاديين الذين تراوحت أسعارهم بين 200 - 500 ألف دولار أو مقابل بعض الهكتارات من الأراضي الزراعية وغير ذلك.
الحرب الإقطاعية
وإلى جانب التشكيلات التقليدية المحترفة خطف الناس والتي لم تكن تخفي نفسها أمثال مجموعات : روسلان خيخارويف ، عمر سولبانوف ، حمزات توتشييف ، سليم ياماداييف ، باودي باكوييف ، أوفاييس ميرجويف … الخ ، نُظمت في الشيشان تدريجيا جماعات مماثلة تحت غطاء ديني. وتشكلت على أساس فصائل المتعصبين التي قاومت القوات الروسية بعناد خلال حرب 1994 - 1996 وأهمها تلك التي كان يقودها فتح ويساعده خطاب.
وبعد وفاة فتح تولى خطاب قيادة هذه التشكيلات. ونجح بفضل سيطرته الميدانية والفكرية على أنصاره وكذلك التمويل الخارجي من تشكيل قوة كبيرة لا يستطيع مسخادوف أو غيره الوقوف بوجهها. وتغير مفهوم الخطف بعد أن وضع تحت شعار " النضال ضد الكفار " باعتباره شكل من أشكال الجهاد والقاعدة الأيدلوجية لتبرير جرائم من هذا النوع.
وأثارت المنافسة من أجل " البضاعة الحية " منازعات مسلحة بين الفصائل الأيدلوجية وقطاع الطرق التقليديين التي تعيش على اختطاف الناس. وجرت في غوديرميس معارك ضارية بين فصائل سليم يامادييف وجماعة عربي بارييف الموالية لخطاب. وانتهت بطرد جماعة بارييف من المدينة. ومنذ تلك المعركة ثبتت فصائل الأيدلوجيين أقدامها في عروس مرتان ، فيما سيطر يامادييف حتى الآن على غوديرميس وهو يعتبر الساعد الأيمن لرئيس إدارة الشيشان الحالي أحمد قاديروف وتتعامل معه موسكو كواحد من أهم رجالها في الشيشان ، بغض النظر عن علمها بسوابقه الإجرامية.
كان الإنكليز الثلاثة والنيوزلندي يقبعون في واحدة من أقبية عروس مرتان قبل أن تقطع رؤوسهم وترسل الى لندن. وكان من زوار هذه الأقبية ممثل الرئيس الروسي في الشيشان فالنتين فلاسوف والفرنسي فينيست كوشتيل والشيشانيان محمد و راؤول تشلغوتشييف وموظفا دائرة مكافحة الجريمة المنظمة الروسية فيتالي خابوف وزاور تشيبوف والكابردي فاديم شماخوف ومئات الرهائن الآخرين الذين أطلق سراحهم بعد دفع الفدية. وكان الخاطفون بغية تسريع دفع الفدية يقطعون أصابع الرهائن ويطلقون النار على سيقانهم وأيديهم ويصورون كل ذلك بأفلام فيديو ترسل الى أهلهم بواسطة وسطاء أو بالبريد. وفي حالة تأخر دفع الفدية كانت رؤوس الرهائن تقطع وترسل بفيلم فيديو أيضا.
تقسيم الإقطاعيات
وزعت المدن والقرى الشيشانية على " الأمراء " عن طريق ما يسمى " مجلس الشورى " بالشكل التالي : رضوان فاربييف يسيطر على مدينة عروس مرتان بالإضافة الى الشقيقان أحمدوف وأبتي أبيتاييف وخطاب وعربي بارييف على قريتي ألخان قلعة وألخان يورت وحي ستاروبروميلوفسكي في غروزني تحت سيطرة إدريس مجيدوف وسليم يامادييف على غوديرميس ومناطق فيدينوفسكي ونوجناي يورتوفسكي والمحيطة بهما لشامل وشرواني بساييف وخطاب وأتشخوي مرتان لروسىن خيخارويف وسعيد أمين وبلدتا اسينوفسكيا وسيرنوفودسكيا لآدم عمرييف …الخ
وكان جميع هؤلاء " الأمراء " يمارسون خطف الناس بغية الحصول على الفدية وكانت تشكيلات أخرى تكسب رزقها من عمليات سرقة النفط المنظمة.
قال محمد يفلويف وكيل نيابة مدينة ملغوبيك الأنغوشية بأن " الرئيس أصلان مسخادوف كان يسيطر على القصر الرئاسي فحسب. وأحيانا بعد الجرائم الشهيرة التي لقت صدى دوليا مثل قتل الإنكليز واختطاف ممثل الرئيس الروسي فلاسوف وبعده الجنرال شيبغون يعلن الحرب الحاسمة ضد الجريمة. وكانت هذه الحرب محصورة في توزيع مراكز الحرس حول قصره وتفتيش عدد من السيارات في غروزني. وكانت هذه الحرب ضد الجريمة تصور وتعرض في التلفزيون المحلي يوميا للظهور بدور مكافح الجريمة ".
بطل أنغوشيا
كانت أكثرية الرهائن تفتدى من قبل الأقرباء والعشائر ويأمل هؤلاء بعد تحرير رهائنهم الثأر من العصابات فيما بعد. واعتبر ذلك اضعف الإيمان. غير أن ثمة أشخاص رفضوا دفع الفدية وأعلنوا الثأر على الخاطفين.
وكان بين هؤلاء الأنغوشي موسى كيليغوف رجل الأعمال في موسكو ونائب رئيس الشركة المساهمة " لوكويل إنترناشينال ". اختطف أخوه الأكبر محمد في سبتمبر 1998 من عروس مرتان بواسطة تشكيلة رضوان فراييف. وسرعان ما ظهر الوسيط وهو الأنغوشي سليمان تسيتشوييف.
رد موسى على ذلك بالقول أن عشيرة آل كيليغوف أقسمت بعدم دفع الفدية وتحريرها بالقوة.
شكل موسى كيليغوف تشكيلات مسلحة من عشيرته ورابطت بالقرب من باموت. وأجريت عشرات عمليات البحث عن الرهينة. وحررت في غضون ذلك أربع رهائن بالصدفة. وساعد موسى في غضون هذه العمليات السلطات الأنغوشية في معطيات بالغة الأهمية عن أماكن مرابطة التشكيلات وطرق توزيعها وانتشارها وصور زعمائها.
في نهاية المطاف عرف موسى كل المشاركين في عملية اختطاف أخيه وتتبع مسار حركة عصابة فراييف وأعد كمينا لها. وفي سير معركة ضارية جرت في 22 سبتمبر 1999 قتل في ضواحي عروس مرتان سبعة من زعماء الخاطفين بمن فيهم شقيق رئيسهم رضوان فراييف الذي أصيب بجروح خطيرة وتم القبض عليه ونقله الى أنغوشيا.
وبنتيجة ذلك وافق الأحياء من الخاطفين بتبديل الرهينة بزعيمهم رضوان والجثث. وفي غضون عملية تبادل الرهائن ظهر واحد من آل كيليغوف وأطلق الرصاص على رضوان وأرداه قتيلا. غير أن ذلك لم يمنع من تسليم الأخ الأكبر لموسى لقاء تسليم الجثث.
وبناء على ذلك حكم " مجلس الشورى " بإعدام موسى كيليغوف وأعلنت مكافأة لمن ينفذ هذا الحكم. ولكن حقيقة برزت بعد موقف عشيرة آل كيليغوف وهي أن الاختطافات توقفت في أنغوشيا ، لكن هذا البيزنيس ما زال مستمرا في الشيشان ومناطق روسيا الأخرى.
الاغتيال ( 2 )
بين أحجار الرحى

من أحد أساليب " المقاومة " الشيشانية الراهنة تبرز عمليات الاغتيال التي لا يمكن أن ينقضي يوم بدون الإعلان عنها. وهذه العمليات تتميز بالاشتراكية فلم يسلم منها لا كبير ولا صغير ولا ملتح ولا علماني ولا غني ولا فقير. أن أسلوب المقاتلين الشيشان هذا يريدون منه إظهار روسيا كنظام محتل طالما أن روسيا لا تستطيع قهر هذه السيكولوجيا. إلى جانب ذلك يعتقد المقاتلون أن ذلك يمنع أو على الأقل يخفف من تعاون المواطنين مع المحتلين.
وبنظرة سريعة على عمليات الاغتيال يمكن ملاحظة التركيز على كل العاملين في الإدارات المحلية ورجال الدين ومن له صلة بالروس. قتل رئيس الإدارة المحلية لقرية تسوتي روت سليم أحمدوف وقتل رئيس الإدارة المحلية في قرية حيدي خوتور أحمد يشوركاييف ونجى رئيس الإدارة المحلية لقرية باتشي يورت علييف من محاولة اعتيال وقتل روسلان موساجييف نائب رئيس قسم الشرطة وتعرض مكحال تراموف رئيس الإدارة المحلية لمنطقة كورتشالويفسكي لمحاولة اغتيال وتتعرض كل أقسام الداخلية في الجمهورية للتفجير. وقتل إمام مسجد قرية غيرمنتشوك محمد خوسييف البالغ من العمر 70 عاما وهو إمام البلدة منذ 10 أعوام عند خروجه من المنزل لتأدية صلاة الفجر و قتل إمام منطقة عروس مرتان خاسمغود أومالاتوف عند مدخل منزله بسبع رصاصات من مسدس كاتم للصوت وقتل في عروس مرتان صاحب مزرعة وهو بهاء أحمدوف وفي نفس اليوم قتل أب وأبنه من آل إدريسوف قريبان لإمام المسجد المحلي عمر إدريسوف الذي اغتيل أيضا قبل أشهر و قتل في قرية تشيرفلنايا عريسا روسيا الكسندر لوكيانوف 20 سنة وعروسه الشيشانية ميلاني مورضايفا لأنهما لم يغيرا من قرارهما بالزواج بعد تلقيهما تهديدات عديدة خلال حفل الزواج.وتتوالى عمليات اغتيال رئيس إدارة الشيشان أحمد قاديروف ونائبه بيسلان غانتيميروف.
تجدر الإشارة الى أنه قد سبقت حملة الاغتيالات إعلان بيان ألفته ما أطلق عليها " المحكمة الشرعية الميدانية العليا " هذا نصه : " يوجه هذا البيان الى رؤساء الإدارات المحلية وفي المدن والقرى كما يسمونهم. لقد فقدنا صبرنا ونذكركم بأن السلطة الشرعية المنتخبة من قبل الشعب تقترح عليكم ترك وظائفكم بلا تأجيل قبل 15 نوفمبر 2000 بأية حجة. وإلا ستعتبرون بعد انتهاء هذه المدة أعداء لشعبكم والدولة الشيشانية وشركاء لدائرة الأمن الفيدرالية. وستصدر المحكمة الشرعية الميدانية العليا أحكاما بحق المخالفين سيكلف قادة الفصائل بتنفيذها ".
لا يشك أحد في الشيشان بأصلية هذا البيان والجهة التي أصدرته. وفي حقيقة الأمر لا يحمي أحد رؤساء الإدارات المحلية. وكل ما فعلوه هو منحهم سلاح شخصي للدفاع عن النفس وتأمينهم بحراسة تتألف من 1 - 3 أشخاص. ومع ذلك فأن السلطات الشيشانية المحلية في الريف مسلحة بشكل تقليدي بسلاح العشائر. وينحصر أمر آخر هو أن القوات الروسية لا تثق بالسلطات الشيشانية المحلية وتخاف من تسليحها. وفي الوقت نفسه فأن هذه القوات أكثر من يصب الزيت على النار بإثارة حقد الأهالي على السلطات المحلية بإجرائهم عمليات التحقيق والمداهمة بدون تنسيق مع الإدارات ويبعدون في أحيان كثيرة بوقاحة من مسائل في صلب اختصاصهم.
الشفعاء
وثمة حادثة مميزة جدا في هذا الشأن ، فقد انفجر في ضاحية بلدة كورتشالوي باص كان يستقله أفراد الشرطة المحلية. وردا على ذلك أجريت في البلدة حملة تمشيط تحولت الى عقوبة جماعية لسكان البلدة الذين ليس لهم ذنب فيما حصل. وقبضوا على كل من كان في الشارع وضرب الجميع ضربا قاسيا واحتجزوا في معتقل مؤقت.
ووقعت في صيف 2001 اتفاقية بين قيادة التشكيلات الموحدة وإدارة الشيشان تقضي بإجراء كل عمليات التمشيط بعد إبلاغ رؤساء الداخلية المحليين. لكن أفراد القوات الروسية يستخفون بهذه الاتفاقية ، ربما لأن عمليات التمشيط تساعدهم في إخراج كل ما يمكن سرقته من البيوت الخاضعة للتمشيط.
ولا ينحصر الأمر بالطبع في سعي الجنود للسرقة فحسب، بل ثمة سبب أكثر عمقا. وهو السبب نفسه الذي يتركون فيه رؤساء الإدارات الشيشانية في مهب الرياح بلا حراسة ولا تأمين. لأنهم لا يثقون بجميع الشيشان حتى الذين يتعاونون معهم لسبب واضح : يعتقدون أن الجزء الأكبر من المقاتلين الشيشان الموجودين في الجبال يضعون في الليل العبوات المتفجرة بالتنسيق مع الإدارات المحلية وبمساعدة السكان. وهكذا فأن سيكولوجية الاحتلال لم تتغير مهما يبدي رؤساء الإدارات المحلية من نوايا للتعاون مع القوات الروسية. وإذا استمرت هذه الحالة فستبقى السلطات الروسية كما كانت في السابق سلطات احتلالية.
تنظيم الحوار
يحاول اليوم بعض ممثلي الإدارات الريفية تنظيم الحوار مع أفراد القوات الشيشانية بغية وقاية قراهم من الاستفزازات والعقاب اللاحق من جانب الوحدات الروسية. ويضطرون للاتفاق مع القوات الروسية أيضا ليس بسبب حبهم وولائهم الكبير لهم ، بل يحاولون بذلك وقاية سكانهم من العنف.
أن الإدارات المحلية تعد السلطة الوحيدة الحقيقية في الشيشان الآن. وإذا جاءت القوات الروسية الى الشيشان ليس بهدف القتل فحسب ، بل لإحلال النظام كما قالوا فعليهم الاعتماد على الإدارات المحلية. ومع ذلك فحتى رئيس الإدارة الشيشانية أحمد قاديروف يصرح مرارا بعدم وجود أية صلاحيات لديه ويحرم من إمكانية التأثير ولو قليلا على مجريات " التمشيطات ".
وتريد روسيا أن يكون الشيشانيون مطيعين للقانون ، في وقت تفعل فيه كل شيء خارج نطاق هذا القانون ، ناهيك عن تشويه سمعة تلك السلطة التي عينتها بنفسها.