السبت، 12 يوليو، 2008

الشيشان الصغيرة الأخرى


وجد أكثر من 200 ألف شخص شيشاني أنفسهم بلا مأوى جراء الحرب. وحسب آخر البيانات التي أطلعنا عليها في دوائر اللاجئين وجد في انغوشيا قرابة 190 ألف لاجئ في أسبوع الحرب الأول فقط ( كان 20 ألفا قد عادوا الى ديارهم في الآونة الأخيرة ). ويترك هذا الرقم انطباعا محيرا لو أخذنا بنظر الاعتبار أن عدد سكان انغوشيا نفسها لا يتجاوز 180 ألف نسمة ! وتواجه السلطات الروسية والمحلية مشكلة ديموغرافية تتلخص في ظهور " شيشان أخرى " في انغوشيا المسالمة والفقيرة.
ويبدو أن المسؤولين عن ملف اللاجئين في انغوشيا لم يتحمسوا جدا لطرح هذا الملف في زيارتنا لهم لأن القيادة الروسية تعتني الآن وحتى قبل قمة اسطنبول لكي لا يحول " عامل اللاجئين " دون تحقيق أهداف العملية العسكرية في الشيشان. كما لم يرحب القائمين على هذه القضية بدعواتنا الملحة بزيارة معسكرات اللاجئين وأجابوا على إصرارنا بجملة مقتضبة : " ماذا يثير اهتمامك هناك .. اللاجئون لاجئون " ! ومع ذلك اضطروا للموافقة على تلبية فضولنا بعد عملية " احتجاز " مهذبة لأدوات التصوير التي نحملها بحجة وجود مواقع استراتيجية توضح طريقة توزيع المستودعات العسكرية الروسية في الطريق. وعبروا عن خشيتهم من وقوع هذه الصور بيد " الإرهابيين " الذين يخططون في الهجوم عليها وتفجيرها حسب معلومات المخابرات الحربية الروسية.
شيشان بديلة
تتكدس في بيت صغير في المدينة الانغوشية قره بولاغ 15 امرأة ولكل منهن 3 - 6 أطفال. ومع ذلك يعتبرون أنفسهم في النعيم بالمقارنة مع الحالة في المعسكرات. لاحظنا أن الماء ينقصهم ويوجد حمام واحد لعدة مئات من الأشخاص يستخدمه اللاجئين من معسكر قريب أيضا.
وفي المعسكرات يأتون بالماء في براميل خاصة وبالكاد يكفي هذا الماء للشرب. ومع ذلك لا يوجد مكان مخصص للاغتسال.
ويتلقى اللاجئون منذ الأيام الأولى الخبز مجانا من السلطات الانغوشية. ولم يحدث انقطاع في إيصال الخبز وماء الشرب أبدا. غير أن مساعدات المركز الفيدرالي لا تكفي علاوة على أنها تصل متأخرة جدا فهناك الكثير من اللاجئين لم يستلموا الأغطية والبطانيات ويلتحفون بملابسهم التي هربوا فيها ليلا ونهارا.
دور الانغوش
يعطف أكثرية الانغوش على الأخوة والجيران في الشيشان ويشتمون السلفيين بحرقة ويمدحون رئيسهم روسلان عايشف لأنه أدرك مشكلتهم مبكرا وطرد قبل سنتين كل الدعاة الإسلاميين العرب. ويلصق الانغوش كافة الاتهامات بالمتشددين الإسلاميين ، غير أنهم يعاملون الشيشان بعطف واضح.
الخدمات الطبية
الحالة مع الخدمات الصحية صعبة. ويعمل قرب معسكر اللاجئين في " سونجا " القريبة من الحدود الشيشانية مستشفى " الحماية " كان الاتحاد السوفيتي قد بناه لمتضرري الكوارث المحتملين وكأن القادة السوفيت في ذلك الوقت كانوا يدركون حجم الكوارث التي ستلمّ بهذا الإقليم.
يعمل في المستشفى أطباء أكفاء ( أغلبهم حملة الدكتوراه ) وتصل الأدوية إليه بانتظام حسب أقوالهم. غير أن هذا المستشفى يشرف على علاج المرضى من معسكر سونجا واللاجئين الذين استقروا داخل الأراضي الشيشانية فقط. أما الذين وجدوا أنفسهم داخل الأراضي الانغوشية فلديهم الأمل في تلقي الخدمات الطبية من المستشفيات الانغوشية فقط.
ولا تستقبل جمهورية أوسيتيا الشمالية ومدينة راستوف ومقاطعة ستافروبولسكي اللاجئين المرضى لأنهم " غرباء ". ولاحظنا انعدام الأدوية في المستشفيات الانغوشية عمليا. واعترف الكادر الطبي بهذه الحقيقة مفسرا شحة الأدوية بالعدد الهائل من المرضى والجرحى الذين تستقبلهم يوميا.
وقال لنا الجرحى الشيشان من المدنيين بأنهم فقط تعرضوا للقصف المدفعي والجوي لأن المقاتلين يختبئون في ملاجئ خاصة مجهزة من قبل ويعرفون طرق التخلص من القذائف. واعتبر بعض الجرحى أن أعمال المقاتلين وحتى استقلال الشيشان أشياء تافهة دمرت بيوتهم بسببها.
وأخبر اللاجئون الذين التقينا بهم ، بأن الحياة في الشيشان بعد عام 1996 كانت صعبة وأن الأغلبية الساحقة من الشعب عاشت في فقر مدقع. ولكن مهما كان الأمر فقد كانت ثمة حياة هادئة. ولا يعتبر اللاجئين بأن القوات الروسية جاءت الى الشيشان كمنقذة من العصابات والإرهابيين بل لتحقيق مصالح روسيا الخاصة ولتدمير حتى مثل هذه الحياة الحقيرة !
مساعدة أو إسعاف
وقد يبقى 17 ألف مهاجر شيشاني بلا سقف طوال هذا الشتاء والذي سيليه لو توقفت عملية العودة الى الديار.
فقد قال لنا رئيس دائرة الهجرة الداغستانية رجب عبد اللطيفوف ( الأخ الأصغر للوزير الفيدرالي السابق رمضان عبد اللطيفوف ) أن عددا كبيرا من اللاجئين الشيشان واللاجئين من القرى المدمرة التي احتلتها قوات بساييف وخطاب في أغسطس 1999 ( وخاصة قرى بوتليخسكي ) قد تم توزيعهم في المصايف ودور الاستجمام التي لا توجد فيها أية تدفئة لأنها مخصصة للاستخدام في الصيف فقط. وزد على ذلك رفض الكثيرون من الذين تعرضت بيوتهم للتدمير مغادرة قراهم ويعيشون الآن بلا سقف يحميهم من البرد والصقيع. ويضيف " جلبنا لهم بعض الخيام ، لكن كميتها غير كافية علما أن الشتاء في الجبال قارس جدا ".
وحدثنا نائب رئيس إدارة منطقة بوتليخسكي شامل كريموف بقوله : أن اللجنة الخاصة أبلغت السلطات بتدمير 1472 بيتا بشكل كلي وإصابة 1175 بأضرار أساسية . وحسب القوانين والوعود ينبغي أن تتلقى المنطقة 440 مليون روبل كتعويضات للسكان عن بيوتهم المدمرة ولإدارة المنطقة لكي تعيد بناء النية التحتية التي دمرت بدورها أيضا. لكن كريموف يقول : " تلقينا اليوم 60 مليون روبل فقط بمعدل 25 ألف روبل لكل عائلة منكوبة وهذا المبلغ غير كاف لإصلاح بيت " . وأضاف: " يقولون لنا في وزارة المالية الداغستانية بأن النقود لم تصل من موسكو حتى الآن ".
معطيات رسمية
وصرح لنا رئيس دائرة الهجرة الفيدرالية فلاديمير كالامانوف بأن المساعدات تقدم الى من تنطبق عليه حالة المهاجر المضطر ( رفض نطق كلمة لاجئ لأن روسيا لا تعد مواطنيها لاجئين داخل أراضيها حسب معاهدة جنيف التي تعرف حالة اللاجئ ) وهي أربعة أنواع :
- السلفة بلا فائدة مئوية لمدة 10 - 15 سنة. ويتلقى الأشخاص من 30 الى 40 ألف روبل.
- التعويض. وهذه مبالغ كبيرة تغطي نسبة 70 % من قيمة السكن المتضرر.
- تقديم شقة جاهزة للمنكوبين.
- توجد برامج " أطفال المهاجرين " . والنقود المخصصة لها ليست كبيرة. ومع ذلك تساعد على إعالة الأطفال. (الحديث لكالامانوف ).
ويرى المسؤول الروسي ، في الحديث الذي خصه لنا ، بأن هياكل دائرة الهجرة الفيدرالية تحل كل هذه المسائل في الوقت الحاضر " وعلى الشخص تقديم البراهين المناسبة التي تثبت أنه فقد سكنه . وذكر بأن نسبة 90 % من المهاجرين يمتلكون وقدموا الوثائق المناسبة. وتجري ، على حد قوله ، الإجراءات الخاصة بإثبات الأضرار التي أصابت كل البيوت حتى في الشيشان. ووعد بالانتهاء من هذه القضية خلال أسبوع واحد ! ( نعتقد بأنه لا ينتهي منها حتى في 10 أعوام ).
وقال بأن إدارته تشرف على مراكز إسكان اللاجئين وهي مؤقتة في 17 جزء من روسيا الاتحادية. وأضاف بأن " أكثر من 90 % من النازحين الشيشان رفضوا التوجه الى هذه المراكز والابتعاد عن بيوتهم وفضلوا جميعا البقاء في انغوشيا وهذه الحالة مفهومة تماما ". ويعتقد بأن 20 ألف شيشاني يرغبون الآن في العودة الى مناطق نادتيلاتسيني وناورسكي وشيلكوفسكي في الشيشان.
وحول الخدمات الطبية قال : " أصرح بكل مسؤولية بأن وزارة الصحة ومستشفى " الحماية " مستعدة كليا لتقديم المساعدات الطبية وعمل كل ما بوسعها من أجل تحقيق ذلك ". غير أنه أعترف بأن " الخدمات الطبية في انغوشيا مضطربة جدا بسبب السيل الكبير من اللاجئين ".
وأفاد لنا وزير حالات الطوارئ الروسي سيرغي شايغو في حديث سريع في مطار عسكري روسي ، بأن عودة اللاجئين بدأت بالفعل. وأضاف بأنه حسب الخطة الموضوعة في موسكو ينبغي عودة 25 ألف شيشاني من انغوشيا الى الشيشان قبل 1 ديسمبر. وتقضي المرحلة الثانية بعودة 100 ألف شخص قبل 25 ديسمبر.
وحسب أقوال العسكريين الروس فأنه يمر يوميا 600 - 800 شخص من نقاط المراقبة الى انغوشيا ويعود نفس العدد الى الشيشان. واعتبروا أن العدد الأكبر أحيانا يكون للعائدين.
وحسب أقوال شايغو فأن الحكومة الروسية خصصت لشهر ديسمبر 280 مليون روبل من صندوقها الاحتياطي. وستوجه هذه الأموال الى تحسين ظروف سكن اللاجئين ولشراء الأدوية والمعدات الطبية والكتب المدرسية ودفع رواتب المدرسين والأطباء. وأضاف بأن60 مدرسة بدأت تعمل في شمال الشيشان .
تجدر الإشارة الى أنه بعد زيارة مندوبة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سادوكا أوغاتا الى شمال القوقاز في 20 نوفمبر 1999 تورد مؤسسات الأمم المتحدة المختصة 100 طن من المساعدات الإنسانية الى اللاجئين في الأسبوع وتستمر هذه العملية. وتم زيادة ملاك المنظمات الدولية التي تراقب على توزيع هذه المساعدات وتعهدت الحكومة الروسية بتوفير الأمن لهم.