السبت، 12 يوليو، 2008

ماذا بعد غروزني ؟


بدأت إذن ، معركة السيطرة على غروزني بين القوات الروسية والمقاتلين الشيشان. وتبعا لمقاييس الحروب ، فأن المعركة كانت غير متكافئة لاعتبارات عسكرية عديدة. والكفة ستميل الى القوات الروسية بغض النظر عن الوقت والخسائر التي ستتكبدها.
وأعيدت نفس أحداث نهاية عام 1994 ، وأدت الى نفس نتيجة الحرب السابقة : تفرض القوات الروسية سيطرتها على العاصمة الشيشانية وتفرض الحكومة التي تناسبها وتسن القوانين حسبما تشاء ، يسير الناس في النهار ويمارسون أعمالهم بسلام ووئام مع القوات المحتلة ، وما أن يحل الليل ، يمتشقون السلاح وتبدأ عمليات حصد الرؤوس الروسية بالتدريج. وهكذا فأن روسيا تسير من نصر الى نصر نحو الهزيمة الثانية وفقا لهذه النظرية الأكثر ثباتا في الواقع العملي.
ومن الواضح أن الجيش الروسي استخدم في هذه الحرب تكتيك الجنرال يرمولوف في القرن التاسع عشر. وهو التقدم التدريجي في أراضي الخصم مع " فرض " الصلح على المناطق المأهولة بالسكان ومنح الزعماء المحليين الامتيازات التي يطلبونها.
غير أن المقارنة لا يمكن أن تكون متوائمة تماما. فالحالة العسكرية الاستراتيجية الراهنة في القوقاز تختلف أصلا عن الحالة الماضية. فلا تحاصر اليوم جورجيا الموالية بالكامل للحاكم العسكري الروسي المقاتلين من الجنوب. بل يرى العكس ، حيث تتعامل جورجيا مع روسيا بشكل غير ودي لم يسبق له مثيل.
عند ذلك ، تطرح تصريحات القادة الروس بأنهم طوقوا " الانفصاليين " أو حاصروهم الكثير من الشكوك. ويبقى الموقف مرهون بتبليسي. ورغم أن المسؤولين الجورجيين يعرفون أن فصائل شامل بساييف كانت القوة الضاربة للانفصاليين الأبخاز الذين سلبوا من جمهوريتهم الفتية مقاطعة أبخازيا بفضل تفوقهم على قواتهم غير المدربة جيدا. الا أن تبليسي الرسمية تفضل مجابهة موسكو عن التورط مع الشيشان.
لذلك لم تسمح جورجيا ذات السيادة للقوات الروسية بالقيام بعمليات عسكرية انطلاقا من أراضيها ضد الشيشان. وروسيا لم تترك هذا الموقف بلا جواب ، وسارعت في اتهام جورجيا بتزويد المقاتلين الشيشان بالأسلحة أو السماح بمرورها عبر أراضيها. وإذا تم تسمية الأشياء فأن موسكو تتهم تبليسي بدعم الإرهاب الدولي …الخ.
ويثير ذلك امتعاض جورجيا التي كانت تدعو الصحفيين دائما لزيارة المعابر الجبلية وتسمح لهم بالتحدث مع سكان شاتيلي وبانديسكويه.
ويتساءل الجنرال فاليري تشيدزيه قائد حرس الحدود الجورجي لماذا لم يستخدم رفاقه السابقون في الحرب الأفغانية الأساليب المجربة في إنزال الوحدات في البر وتنظيم مراكز الحراسة في جميع الشعاب وعلى المرتفعات المنتشرة في القطاع الشيشاني للحدود الروسية - الجورجية.
ويعتبر أن التفاف القوات الروسية عبر الحدود الجورجية لتطويق الشيشان مسألة يحلها الساسة وليس العسكر. وقال أن نقل وحدات عسكرية كبيرة مع معداتها الثقيلة عبر الحدود الجورجية أمر ممكن وأيسر للروس.
ولا يطرحون في تبليسي اعتذارات سياسية ، بل يتكلمون عن صعوبة السير في المعابر الجبلية وحالات الانهيار الثلجي في الجبال وعدم تمكن تبليسي من مواجهة المقاتلين الشيشان في حالة تفرقهم الى مجموعات صغيرة الأمر الذي سيؤدي الى فقدان الاستقرار في مناطقها الشمالية التي يسكنها الكيستينيين الذين يشكلون مع الأكينيين شعب واحد مع الشيشان والأنغوش.
والكيستينيين سيستقبلون الشيشان في كل الأحوال بحرارة تختلف عن الصورة التي استقبل فيها البوتيلخيون والأنديون في داغستان جماعة شامل بساييف وخطاب. وفي النتيجة تخشى جورجيا من نشوء منتجع شيشاني شتوي يضم مقاتلين محترفين لا تستطيع تبليسي التصدي لهم بدون مساعدة خارجية.
وفي الوقت الذي تتقدم فيه القوات الروسية في عمق غروزني وصلت طلائع القوات الأمريكية التي تتهيأ للقيام بالمناورة العسكرية الأمريكية - الجورجية التي أطلق عليها " ميد كيب - 2000 ". وأرست في ميناء بوتي سفينة الحراسة الفرنسية " كارتيه ميتر أنكيتيل " التي حضرت تعبيرا عن الصداقة بين البلدين. ومن المؤكد أنه عندما تنتهي فترة بقائها في بوتي ( حددت 3 أسابيع كفترة قصوى لبقاء سفن الناتو في البحر الأسود ) ستستبدلها سفينة أخرى وحتى أسطول كامل من الأطلسي للتعبير عن مشاعر الصداقة.
وقد تأتي المساعدات العسكرية لجورجيا من القواعد العسكرية الروسية المرابطة على الأراضي الجورجية ( هناك 4 قواعد في فازياني قرب تبليسي وفي أخالكلعك عند الحدود مع أرمينيا وفي باتومي في الحدود مع تركيا وفي أبخازيا ).
ومهما كان الأمر ، فأن إطلاق الرصاصة الأولى في الأراضي الجورجية يعني الموت السياسي الفوري لحزب " اتحاد مواطني جورجيا" الحاكم والرئيس ( السابق ) أدورد شيفرنادزه. والخروج من المصيدة التي ستقع بها تبليسي صعب جدا وخاصة هي على أبواب الانتخابات الرئاسية التي ستجري في الربيع القادم. وربما تتناثر في الرياح شعارات الحزب الحاكم وشيفرنادزه عن الاستقرار والأمن عندما تتحول جورجيا الى ساحة صراع بين روسيا والأطلسي في خضم الفوضى في الحدود مع الشيشان وحرب العصابات التي يتوقع لها أن تستمر طال الاحتلال الروسي للشيشان أو قصر.
في غضون ذلك سترتفع أسهم حزب البعث الجورجي ورئيسه أصلان أباشيدزه الذي يلمحون منذ الآن بتمتعه بتأييد جدي من " أوساط روسية معينة " ناهيك عن إمكانياته المالية الهائلة.
والأوساط الروسية " المعنية " لا ينقصها سوى إعادة سيناريو الشيشان في تبليسي أو سوخومي. المهم حادثة صغيرة كالتي جرت في داغستان لكي يدرك الشعب الجورجي حقيقة الوعود بالمستقبل النير المفروش بطريق الحرير العظيم الجديد المزين بقطعة من أنبوب النفط.
يكمن هنا بالذات السبب الرئيسي للتفاقم " الشيشاني " الأخير من حيث التوقيت في العلاقات الروسية - الجورجية. كما أن النزعة الانفصالية الأبخازية التي تدعمها روسيا تمثل المعرقل الدائم لإقامة علاقات رسمية ذات قيمة بين الدولتين. وفي الحقيقة فأن الممر الأبخازي لنقل النفط ليست له أية أهمية لجورجيا كما تعتقد قيادة تبليسي الحالية. ومن اليسير رؤية هذه الآفاق بالعين المجردة في خريطة الخط الغليظ لخط أنابيب النفط باكو - سوبسا والخطوط المنتشرة من سوبسا الى الجنوب في اتجاه ميناء جيهان التركي والى الشمال الغربي الى أوديسا الأوكرانية. وتستمر الخطوط أبعد الى الطرفين : من باكو الى آسيا الوسطى وتنغيز الكازاخية ومكامن الغاز التركمانية. ومن أوكرانيا الى البلقان وأوربا الغربية.
هكذا شاهد الاستراتيجيون الروس الأمر على الخرائط وأدركوا أن موسكو ستبقى بعيدة في الشمال ولا تحرم من الفوائد الاقتصادية فحسب ، بل وحتى من أذرع التأثير السياسي على كييف وتبليسي وباكو وكل دول آسيا الوسطى. وكان لابد لحرب في القوقاز من أجل السيطرة على صنبور الوقود ، حتى لو تطلب الأمر قتل المدنيين في موسكو ، في بيوتهم ، الكثير منهم قدر الإمكان.
يمكن القول أشياء كثيرة عن شيفرنادزه ، غير أنه قاد جورجيا وفقا لنهج بناء " بيت قوقازي مشترك ". وكان الرئيس الجورجي السابق زفياد غمزاكورد والرئيس الشيشاني السابق جوهر دوداييف في وقتهما المفكرين الرئيسيين لهذا المشروع.
ولا يمكن بناء " بيت قوقازي " مستقل عن موسكو الا بأسلوب واحد وهو إنشاء كونفدرالية تضم ثلاث جمهوريات ما وراء القوقاز تكون فيه أذربيجان قاعدة المواد الخام الرئيسية ونقطة إعادة نقل الطاقة من آسيا الوسطى وسيل السلع من الشرق وتتمتع جورجيا بدور منظم الترانزيت بالإضافة الى منتجاتها الخاصة من الخمور والشاي وغيرها من المحاصيل الزراعية وأرمينيا الى حد ما رغم وقوعها في منطقة مغلقة وشراكتها الاستراتيجية مع روسيا وهي الوحيدة فيما وراء القوقاز. ولكن إذا فكت عقدة قره باغ ستدخل أرمينيا عضويا في الكونفدرالية وستنحصر مهمتها في التأمين المالي والمنتجات التكنولوجية العالية. علما أن يريفان الرسمية صرحت خلال السنتين الأخيرتين بأنها ترى آفاق دولتها في هذه المجالات.
وسيضمن الأطلسي أمن هذه الكونفدرالية من الجنوب. وسيغطي " البيت القوقازي" من الشمال الجار الجبار الذي لا يمكن لأحد التنبؤ بتصرفاته.
هذه الخطة التي تريد روسيا نسفها بشنها الحرب ضد الشيشان. ويوجد لدى الجميع ما يخشونه في حالة نجاحها.
أليس واضحا الآن من قام بتفجير البيوت السكنية في المدن الروسية ومن دفع بساييف للقيام بعملية داغستان ؟