السبت، 12 يوليو، 2008

كيف خسرت روسيا السلام في الشيشان بعد أن خسرت الحرب ؟

أصبح واضحا ان الشيشان تحولت الى قرحة دائمة في الجسد الروسي ولن يشفى هذا الجسد بنشوب حرب جديدة هناك .
يعتبر الرئيس الروسي المذنب الرئيسي في عدم حل الأزمة الشيشانية . ويقع أكثر فأكثر في الفهم السطحي لعمقها وتعقد الأمر سلطته المطلقة . يريد بوريس يلتسين من الحين والآخر السفر للشيشان " لينظر هناك الى عيون الناس " ورغم أن هذه الرغبة الشاعرية لا تتناسب مع أفعاله ، الا انه لا يدرك تلك المسؤولية الفظيعة التي تقع عليه جراء الحرب في الشيشان والتنكيل الذي تعرض له الشعب الشيشاني من القوات الروسية .
ان آفاق التطورات حول الشيشان يمكن حصرها بما يلي : سيستمر الصراع في موسكو داخل السلطة بين المحبين للسلام ودعاة الانتقام . لن تنفذ الاتفاقيات الخاصة بالتعويضات الناجمة عن الخسائر التي أفرزتها الحرب ( وجهت للشيشان 800 بليون روبل ولكن وصلتها 120 بليونا
فقط ) . سدس روسيا أنفها في كل صغيرة و كبيرة تخص الشأن الشيشاني . سيهيأ الرأي العام الروسي بالمبالغة في حجم الجريمة في الشيشان .
وعندما بدأ نفط قزوين يضخ عبر الأنبوب الشيشاني ( كتجربة فنية لا أكثر ) كان الكثيرون في روسيا يضحكون بسخرية منتظرين تفجير الأنبوب في أقرب فرصة . غير ان ذلك لم يحدث .
وبعد اكتشاف العدة التفجيرية القوية في محطة السكك الحديدية في كراسنيارسك الروسية بدأت وسائل الاعلام الروسية الكتابة عن " الأثر الشيشاني " غير ان المحافظ السابق كوندراتينكو علق على هذه الاتهامات قائلا : " ليس ثمة أي أثر شيشاني " ! واتضح بأنه من الممكن لقوى معينة استئجار شيشان أو روس لتهيئة الأجواء للحرب . وتبقى الشكوك قليلة لانبعاث " حزب الحرب" طالما يجري الحديث عن مد أنبوب النفط عبر جورجيا الى تركيا . وحسابات " حزب الحرب " واضحة : سيحاولون إخضاع الشيشان بالجوع وإذا لا يتسنى لهم ذلك يمكن إعداد قوى خاصة وإجراء عمليات خاصة . وثمة عامل يساعد على ذلك هو غياب النخبة الروسية المثقفة المناضلة ضد السياسة العدوانية الإمبراطورية ولم يناضل أحد من هذه النخبة بجد من اجل السلام في الشيشان .
فما زال الموقف من شامل بساييف واحد من القياسات المبتذلة الواضحة . ما زالوا يسمونه في النيابة والتلفزيون والصحافة بالإرهابي رقم واحد . يسمون في البلاد التي شنت أقسى حرب إرهابية في السنوات الأخيرة الشخص الذي عمل أكثر من الجميع على إيقاف هذه الحرب بالإرهابي . توصل بساييف بعد غارته على بلدة بوديونوفسك الى هدنة طويلة تحولت الى صلح لولا عملية الاغتيال التي تعرض لها الجنرال رومانوف قائد القوات الروسية في الشيشان التي لم ينظمها الشيشان بالطبع . وانقض بساييف على جروزني في أغسطس 1996 وحررها واضطرت السلطات الروسية التوقيع على اتفاقية خساف يورت السلمية . صحيح ان بساييف احتجز رهائن ( أصابتهم العقدة الهولندية بعد أن أحبوا مختطفهم ) لكنها كانت عملية سببها اليأس من انتهاء الحرب فضلا عن ان السلطات الروسية هي التي تميزت بالقسوة بعد أن أعطت الأوامر باقتحام المستشفى الذي احتجزت فيه الرهائن . كان في ذلك الوقت القياس المزدوج المتمثل بالاستهتار بأبسط حقوق الإنسان والخراب وعدم احترام القانون ومبادئ الأخلاق والعدل .
إن وضع الشيشان خاص وهم حصلوا على حق الاستقلال بمقاومة لا مثيل لها خلال 150 سنة ( من الناحية العملية ) وواجهوا ثلاث محاولات للإبادة بالجملة ، في القرن التاسع عشر والتهجير في عام 1944 وفي الحرب الأخيرة .
ولا يمكن أن تثوب روسيا على نفسها وتطلق سراح الشعب الشيشاني ولا تريد أن تعترف بذنبها تجاهه ولا يريد أحد في روسيا التكلم عن هذا . ثمة حظر للحديث عن الموضوع . وتنسى الدولة الديمقراطية الفتية بأن مبدأ وحدة الأراضي منبثق من بطن العصور التي كانت فيه البلدان القوية تستولي على البلدان الأضعف وعندما كانت تسود في العالم قوانين الغاب . والذين يدفعون للاستيلاء على الأراضي الشيشانية هم أنفسهم الذين استولوا على ثروات روسيا وأفقروا الشعب .
وليس ثمة حل آخر لحل العقدة الشيشانية سوى الاعتراف باستقلال الشيشان وهو بذلك يكون بعيدا واستثنائيا ويتطلب موقفا جريئا . نقول ذلك لأن الشيشان لا يسلمون أبدا بالاحتلال ولن تساعد أية عمليات خاصة أو شاملة لإخضاعهم .
وسيؤدي استقلال الشيشان الى تحديد الأنظمة الجمركية والحدودية العادية وستضعف العداوة وتتلاشى أزمة الثقة مع روسيا والشيشان بشكل خاص وشعوب القوقاز بشكل عام وسيقوى نفوذ الزعماء المعتدلين أمثال أصلان مسخادوف . وسيوافقون على التحالف مع روسيا تحت ضغوط الصعوبات الاقتصادية وعلى إنشاء فضاء دفاعي ونقدي مشترك . فماذا سيتغير في روسيا إذا أقام الشيشان علاقات كونفدرالية معها مع بقاء وضعها المستقل وتكون المساعدات الروسية شرطا ثانيا للتقارب .
تقول الأوساط المستاءة من حديثنا أعلاه ( وهم دعاة السياسة الإمبراطورية ) : " إذا أطلقنا سراح الشيشان فستحاول شعوب شمال القوقاز كلها أن ترحل من روسيا " . ونجيبهم بأن من العدالة دعوتهم للانصراف إذا أيدت أغلبية السكان الانفصال عن روسيا . لقد انفصلت جمهوريات كبيرة وغنية بمختلف الموارد فماذا تمثل لروسيا مناطق صغيرة وفقيرة جدا محصورة في جبال القوقاز بالمقارنة مع هذه الجمهوريات !
ويعتبر غياب المعارضة لسياسة السلطات الروسية في البرلمان ظرفا مأساويا لروسيا . يناضل نواب الدوما وأعضاء المجلس الفيدرالي ضد الاعتراف باستقلال الشيشان ويؤيدون النهج الصارم تجاهها. غير ان كل استطلاعات الرأي تثبت بأن الشعب الروسي أذكى من ساسته وأكثر أخلاقية منهم لأن أغلبية السكان تؤيد انفصال الشيشان .
فكيف يمكن تعليل سلوك النواب الغريب الذي لا يأخذ آراء الناخبين بنظر الاعتبار ؟ ثمة تفسير واحد : لا يأخذون في الاعتبار سوى رأي النخبة المالية الذين لا يهتمون بمصير الشيشان ويحافظون على التوتر هناك . كما لا توجد للساسة الحاليين أفكار وبرامج مقنعة وجذابة للشعب تعيش أغلبيته دون مستوى الفقر وإذ يدركون ذلك يحاولون الاستفادة من " النزعة الوطنية " كوسيلة لإطعامهم .
فمثلا ، يصرخ حزب الحكم و " الوطنيون " بأن البلاد بحاجة الى فكرة وطنية واحدة . وكأن النضال من أجل العدالة في المسألة القومية " والاجتماعية أيضا " والنضال من أجل تقرير المصير ضد هذه الفكرة الوطنية التي تحمل قياسها المزدوج في تطبيق قوانين الغاب في السياسة والاقتصاد وحتى في تثبيت الأخلاقيات في السياسة .