الخميس، 10 يوليو، 2008

الاتجار بالعرب


"نحن لا نمسك إلا الأسماء "
- أ . إيكو -
جاء اهتمامنا بمصير العرب في أفغانستان طبيعيا ولأسباب موضوعية معروفة. ولابد من الإشارة في بداية هذا التحقيق الى أن العرب في أفغانستان أنواع وأشكال : المجاهدون منذ أيام الحرب مع الاتحاد السوفيتي ، المنتمون رسميا وعقائديا الى تنظيم القاعدة ، المنتمون الى الجماعات الإسلامية المختلفة الموالية للقاعدة ، أنصار القاعدة والجماعات الإسلامية والذين ينتظرون قبولهم في التنظيمات الإسلامية ، المتطوعون بشكل منفرد ولم تتح لهم الفرصة حتى للإعراب عن تضامنهم ولم يتمكنوا من الانخراط عمليا في التشكيلات المسلحة لهذه أو تلك من التنظيمات الإسلامية وبقوا يذرعون شوارع كابول والمدن الأفغانية الأخرى بانتظار وصول طلباتهم أو الإجابة عليها من قادة التنظيمات المعنية ، المرتزقة الذين اعتقدوا أن الانتماء الى هذه التنظيمات سيوفر لهم عملا نافعا من الناحية المادية ، محبو الشهرة والظهور والباحثين عن المجد بين خرائب أفغانستان ، العرب المقيمون أصلا في أفغانستان لظروف سياسية أو اجتماعية أو تلك المتعلقة بالنسب أو الهروب من جحيم الأوطان لأسباب نصفها سياسي كالعراقيين الذين تم تهجيرهم قسرا من العراق الى إيران وضاقت بهم الحياة هناك ففضلوا الانتقال الى أفغانستان وهم بالمناسبة نسبة لا بأس بها من العرب الأفغان.
وهكذا ، عدا المجاهدين الأوائل والمنتمين الى القاعدة عقائديا وعسكريا فباقي العرب وجدوا أنفسهم بشكل أو بآخر تحت قبضة قوات التحالف الشمالي ومن ثم القوات الأمريكي وأصبحوا مع الآخرين : أسرى القاعدة بدون قيد أو شرط.
ويجدر التأكيد على أمر هام وهو أن تنظيم القاعدة أبعد ما يكون عن التنظيم. وبالرغم من كونه حركة فتية ، إلا أن الروتين والتقليدية في بنائه وهيكليته ، بالإضافة الى الحس الأمني والشك في كل قادم جديد ، جعل " أوراق قبول " المتطوعين والأنصار الجدد تنام عند " الأمراء " لأسابيع وأشهر وأحيانا لا تتم الإجابة عليها. ومع ذلك ، طالما العربي يتجول في شوارع كابول أو قندهار أو باقي المدن الأفغانية فهو حسب العرف المحلي أو الدولي وحتى الشائع من القاعدة.
وبالمناسبة ينطبق الأمر على معظم الأجانب وخاصة الباكستانيين ، الذين وصلوا الى أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر بالآلاف ، وفي وقت كانت كل هياكل القاعدة مشغولة بالتحضير للحرب ولا تمتلك الكادر الكافي لاستيعاب موجات المتطوعين الذين كانوا ينهمرون على مقارها يوميا. حتى الجيوش الحديثة تحتاج الى مزيد من الوقت لترتيب أمور الملتحقين الجدد ، فما بالك بتنظيم من غير تنظيم كالقاعدة ؟
هذه المقدمة ضرورية للغاية لتوضيح التباس القصد بشأن العرب والباكستانيين والملل الأخرى ويفسر أسباب ترحيل الولايات المتحدة لعدد قليل جدا من أعضاء القاعدة الى كوبا. أي أن الأمريكان رحلوا وسيرحلون الى غوانتانامو من يظنون أنهم أعضاء تنظيم القاعدة الأساسيين ، أي المنتمين رسميا الى التنظيم وليس من انتمى إليه بقلبه وبتأشيرة جواز سفره ووجد نفسه تائها في شوارع أفغانستان وأزقتها. هو السبب بعينه الذي جعل الكثير جدا من العرب يغفون ليلة انسحاب طالبان والقاعدة من كابول ودخول قوات التحالف فجرا إليها. ناموا لأنهم غير مسجلين عند أحد ولا أحد يعرفهم لذلك لم يبلغهم أحد بأوامر الانسحاب ، ربما يعلم بوجودهم أصدقاء لهم ، وهناك من جاء ووقع في الأسر دون أن يرى بندقية في حياته!

كل العرب والأجانب الآخرين الذين لم ينتموا بعد الى القاعدة وقعوا جميعا في الأسر لقلة خبرتهم وحيلتهم ووصولهم المتأخر الى أفغانستان وعندما كانت الأمور تؤول الى " الانسحاب التكتيكي ". فكيف يتم التعامل مع هؤلاء من الناحية الحقوقية والأخلاقية ؟
المحققون الأمريكيون يدركون هذه الحقيقة ، لذلك أبقوا عليهم في أفغانستان ريثما يتفرغون من كوادر القاعدة الأساسيين الذين وقعوا في الأسر بعد معارك حقيقية ولم يتم انتزاعهم من غرف نومهم كما حصل مع سكان الفنادق والفلل المفروشة وغيرها.
وحصل أن كل عربي أو أجنبي قبض عليه على الأراضي الأفغانية في تلك الأيام الملتهبة اعتبر من " أسرى القاعدة " حسب الأعراف والموجة الشائعة ( بالمناسبة عندما تم القبض عليهم لم يكن في البلاد شرع أو قضاء أو دستور وبقى التحالف يؤلف الدستور والقوانين حتى هذه اللحظة ، لذلك فأن ارتكاب الجرم قبل سن القوانين نقطة لصالح المتهم من الجانب الحقوقي ، فلم يوجد قانون في أو دستور في البلاد يمنع الانخراط في تنظيم سياسي - عسكري كالقاعدة ، بل العكس).
وفي النتيجة امتلأت السجون والقلاع والبنايات وحتى الحاويات بما يسمونهم أسرى القاعدة. وكان المحققون الأمريكيون وعناصر الدائرة الثالثة للاستخبارات الأفغانية منهمكون في التحقيقات معهم. ويضخون الى كوبا كل أسبوع أو أكثر بعشرين شخص من ألف. أي أن الأمريكان أنفسهم يعتقدون في قرارة تحقيقاتهم بأن
2 % فقط من كل هذه الجوقة المجاهدة يستحقون منصب " أسير القاعدة "!
وإذا كان الأمريكان أنفسهم لا يريدون كل هذه الآلاف لأسباب واقعية وموضوعية تتعلق بسير المهمة الأساسية التي أنجبت الحرب ، فكيف الحال بالأفغان ؟
حسبها أمراء الحرب الأفغان جيدا : استلموا السلطة على طبق من طائرات بي 52 وأف 16 وبدون قتال في أغلب الأحيان ، فتحت لهم المدن الواحدة تلو الأخرى، تقاسموا مناطق النفوذ الى حين تقاسم الخيرات والغنائم. وهنا بيت القصيد : فالأسرى غنائم ، خاصة أولئك الذين لا يريدونهم الأمريكان ولا يحتاجون حتى لإطعامهم في قواعدهم أو تخصيص ثلاثة من المارينز للسهر على " راحتهم " ( راحة الثلاثة بطبيعة الحال ! ). الأمريكان يفضلون الاعتناء وإطعام كلابهم بدلا من إهدار طاقتهم بمتطوعين وأنصار ومرتزقة لا يعرفهم حتى المتطوعين إليه. وأثبتت أجهزة لدى الأمريكان أن أصابع البعض لم تقبض على زناد ولم تتعرف بعد حتى على بندقية آلية. هؤلاء أعضاء القاعدة بالتمني والرضاعة وليس بالولادة أو التبني ، تركهم الأمريكان للأفغان يتولون أمرهم.
والأفغان في حيرة ، لا يمتلكون ما يسد رمق شعبهم الذي يعيش ملايين منه تحت الأكياس ، أجل ، يخيطون أكياس الطحين الفارغة مع بعضها ليستروا عريهم بشيء يشبه الخيمة لدى الانطباعيين ، فماذا يفعلون بكل هذه الآلاف ؟
عليهم أن يقنعوا المنظمات الإنسانية الدولية والصحافيين بحسن تعاملهم مع الأسرى ، عليهم تدفئتهم وإطعامهم وتنويمهم وتدثيرهم بالأغطية حسب المواصفات العالمية لحقوق الإنسان وإلباسهم زيا موحدا لطيفا ورشيقا للكاميرات.
وهكذا بقوا بين نارين أو أكثر : لا يستطيعون منع المنظمات والصحافيين من زيارة الأسرى ولا يستطيعون تدبير أمورهم فيكونوا عرضة للانتقادات كما سنفعل في حلقة خاصة حول سجون أسرى القاعدة. ترفضهم الولايات المتحدة وحتى دولهم ! فماذا ستفعل بهم أفغانستان وإلى متى يسكنون في مرابع سجونها معززين مهمشين ؟
الحل هو أما ينتظرونهم يموتون بشكل بطيء وهو أمر سيطول لأن جميعهم شباب أو يبيعونهم لمن يريد أن يشتريهم : دول ، منظمات ، أقرباء ، صحافيين ، من يريد !
وبصراحة ولدواعي مهنية ، سلكنا في سير هذا التحقيق كل الطرق واتبعنا كل الوسائل التي تخطر ولا تخطر على البال للوصول الى الحقائق السابقة واللاحقة. لم يكن الأمر يسيرا لأسباب طالما تحدثنا عنها وأشبعها الآخرون وخاصة تلك المتعلقة بانتمائنا وعرقنا. جمعنا كل الخيوط والأدلة التي تثبت ادعاءاتنا بالصور والأحاديث والشهود الأحياء.
ونؤكد بأنه عرضوا علينا شراء العرب. لم يبدأ الاستنطاق بهذه البساطة. في البداية عرضوا إجراء لقاءات صحافية معهم. ويمكن تصور إجراء لقاء صحافي مع عراقي ( من القاعدة ) لقاء 5 آلاف دولار وهو أجر لم يطلبه لا المستر بوش ولا المستر بلير من أعرق القنوات التلفزيونية على حد علمنا. ووصل الأمر إن قالوا : خذه بخمسة آلاف دولار !!
وعندما أصبح الكلام على المكشوف تبين أن أسعار العراقيين واليمنيين وعرب الشمال الأفريقي تتراوح من 5 - 10 آلاف دولار للأسير. يليهم في التعريفة المصريين حيث تصل أسعارهم الى 25 ألف دولار. أما السعوديين والكويتيين والإماراتيين فقد ضربوا السعر حتى مائة ألف دولار.
قلنا لهم بأننا نريد أن نرى " السلعة " بشكل مباشر لكي يتسنى لنا أخذ عناوينهم أو هواتفهم لكي نتصل بذويهم أو أقاربهم لتدبير المبالغ. وقبل أن يحل الفجر طرقوا علينا باب غرفتنا في الفندق ليعلنوا موافقتهم وضرورة الذهاب حالا لمقابلتهم. كانت دقائق كافية للتحضير لهذا الانطلاق الحذر.
لم تكن المجموعة التي رافقتنا مدربة جيدا لقيادة عمليات من هذا النوع. تركونا نحمل ما نريد من عدة الشغل ، لم يفتشونا على الإطلاق وتركوا أعيننا تتفرس بالطريق دون أن يغلقوها كما يفعل الشيشان في مثل هذه المواقف على سبيل المثال. أدركت وقتها بأنهم أما حديثي العهد ببيزنيس العبيد أو لا تفرق عندهم لارتكازهم الى قوة أكبر منا ومن كلماتنا.

لحسن الحظ سلكوا طريقا نعرفه جيدا وهو الطريق التي تربط كابول بباغرام. كنت أعد الكيلومترات بالدقائق حتى لا أضيع المكان. وما أن اجتزنا 20 - 25 كيلومترا حتى توقفت السيارة عند موقع عسكري تسيطر عليه قوات " التحالف " في منقطة " كتل خير خانة " . لم يكن ذلك مستغربا ، غير أن هول المفاجئة اختصرته عبارة البائع :
- عندك في هذه الحاوية 18 عربيا تكلم معهم لعشر دقائق لا أكثر. خذ ما تريده من معلومات وبسرعة.
لم يسمح الوقت للاستغراق بالصدمة : أسرى في حاوية !! 18 شخص في حاوية طولها 20 قدما وارتفاعها بضعة أقدام في هذا البرد القارس !! تبادرت الى ذهننا عبارة " لماذا لم تطرقوا جدار الخزان " عندما أمرنا الباعة بالحديث معهم من الخارج لأن فتح الحاوية ممنوع بأوامر عليا !!
طرقنا جدران الخزان مرة وأخرى. لم يجبنا أحد. وخشينا أن يكون الأمر مزاحا ثقيلا أو فخا نصبوه لابتزازنا بتهم مختلفة : التسلل الى موقع عسكري ، محاولة التعاون مع القاعدة ، التجسس …الخ من تهم كنا متلبسين فيها بالفعل.
وفي لحظة ارتجاج هذه المخاوف سمعنا طرقات مشابهة من داخل الحاوية أفسحت كل الأمل في إزالة هذه الشكوك. عندها بدأت بتعريف نفسي بصوت عال .. كررت الجمل نفسها وتبعتها برجاء : أنا هنا لمساعدتكم ، لا أطلب منكم شيئا سوى ذكر أسمائكم الحقيقية وعناوينكم وهواتفكم لكي أتصل بأهلكم. بعد ثوان سمعنا صوتا متهالكا أنهى كل شكوكنا لأنه جاء بعربية لا تقبل الجدل : تعال عند الباب لا نستطيع سماعك. وبعد أن أعدت عليهم الرجاء ، جاءني الصوت نفسه : شوف يا أخي ، أسمائنا وعناويننا عند الذين جلبوك في هذا اليوم … وبدأ بشتائم أخفاها تدريجيا صوته المتعب وابتعادي الحزين.
في هذه اللحظة شعرنا بأننا وقعنا في فخ آخر تماما وأن هؤلاء الذين جلبونا الى هنا محترفون للغاية وحاولوا استغلالنا لمعرفة شخصيات أسرى الحاوية الحقيقية. تداركنا الأمر بسرعة وتظاهرنا باستحالة الحديث من وراء جدران الحاوية. وطلبنا منهم الانفراد مع كل شخص على حدة في غرفة داخل القاعدة. كنا نعلم باستحالة تلبية هذا الطلب في هذا الوقت بالذات. لكنه في كل الأحوال رغبة لإظهار حسن النية والانسحاب بسلام من هذه المغامرة بعد تحقيق هدفنا المهني.
ظلت فكرة وقوعنا في الفخ لمعرفة شخصيات الأسرى الحقيقية عالقة في ذهننا حتى اليوم الذي تكرر فيه السيناريو نفسه في منطقة " طاش قورغان " عندما عرض علينا الأمر نفسه وبذات الأسلوب عندما أرانا بعض البائعين حاوية فيها 11 عربيا ، غير أن هؤلاء لم يسمحوا لنا بالاقتراب منها ، غير أننا صورناها.
عندها عرفنا أن الأمور وصلت في أفغانستان الى هذا الحد من الوقاحة والصراحة والشجاعة غير المحدودة.
لا أحد يخاف من أحد
لا يوجد قانون يحمي الضعفاء من الأقوياء
يكفي أن تحمل السلاح لتسن شعائرك على من لا سلطة لديه.
وطالما أدان كل العالم العرب وغيرهم في أفغانستان فكلهم منبوذون ، حتى أولئك الذين لا يريدهم الأمريكان ولم يصلوا حتى لمنصب " الإرهابي " فهم بشريعة حملة السلاح عبيد ورقّ وغنائم بل وغنم حرب.
فمن يستطيع إيقاف هذه المغنمة ؟!