السبت، 12 يوليو، 2008

أخطاء الحرب الشيشانية الأولى


خرجنا من تغطية الحرب الشيشانية الأولى 1994 – 1995 بالكامل ، بفهم لدروس فشل الحملة السابقة ضد الشيشان ومنها عدم الاعتماد على الطيران لحسم المعركة. وكان وزير الدفاع الروسي الأسبق بافل غراتشوف ، يعول على المظليين و الدبابات لحسم المعركة حتى تحولت الشوارع والساحات الشيشانية الى مقبرة لها. لهذا السبب انحصرت الخطة الاستراتيجية الروسية في الحرب الثانية في مسألة يمكن قراءتها في أي مطبوع يحلل خصائص الحروب المعاصرة وهي تعليق الأمر على الطيران لدعم قوات المشاة بشكل مباشر وعزل مناطق العمليات الحربية ومهمات الاستطلاع الجوي والتموين ونقل القوات والجرحى. كان القادة السوفيت يدركون هذه الاستراتيجية جيدا ولهذا السبب زودوا حلفائهم في كوريا الشمالية ومصر وفيتنام الذين وجدوا أنفسهم في " الخطوط الأمامية لمحاربة الإمبريالية العالمية " بالدرجة الأولى بالطائرات ووسائل الدفاع الجوي الحديثة وحتى الكثير من الأطقم. وفي مطلع التسعينات تحول الطيران بعد تجربة " عاصفة الصحراء " الى أداة رئيسية للحرب حيث استمرت العمليات الحربية 5 أيام فقط بعد أن توضح سقوط دفاعات العراق القوية من الناحية العسكرية خلال 43 يوما من القصف الجوي.
وقبل الحرب الشيشانية السابقة عممت الأكاديميات العسكرية الروسية هذه التجربة وحللتها. وكانت النتائج تؤدي الى مدلول واحد : ينبغي إعادة النظر بجد في وجهات النظر المشكلة بخصوص الاستراتيجية والتكتيك وإدخال تغييرات حاسمة في مذاهب الجيوش المعاصرة العملياتية التكتيكية.
ومع ذلك لم ينو أحد كما أظهرت تجربة الحرب الشيشانية السابقة المحاربة بجد. وكان غراتشوف يطمح في حسم الموضوع بقوة إنزال مظلي فيما أكد رئيس المخابرات وقتذاك سيرغي ستيباشين على أن السكان الشيشان سيستقبلون القوات الروسية بالخبز والملح.
وأرادت روسيا تدمير الطائرات الشيشانية في المطارات وتوجيه ضربات مركزة على المناطق المحصنة لجوهر دوداييف وأنصاره فقط. وبدأت العمليات البرية للقوات الروسية في وقت غير ملائم للغاية عندما حجب ضباب ديسمبر 1994 السماء عن الأرض الشيشانية. لذلك لم يتمكن الطيران الروسي مساعدة المشاة بشيء.
ويبدو أنهم الآن أخذوا بنظر الاعتبار أخطاء الحرب السابقة. فالطائرات الروسية تحل نسبة 70 % تقريبا من المهام القتالية. ولا يجري تقدم القوات البرية الا بعد تكثيف النيران وإخماد الأهداف المكتشفة من الجو بوسائل الاستطلاع كلها بما فيها الفضائية. وتمنع الطائرات الروسية وصول الإمدادات الى المقاتلين الشيشان وتطاردهم حتى في حالة تراجعهم. ومع ذلك الطيران قد يمنع المقاتلين من التقدم من الوحدات البرية الروسية ويحرمهم من إمكانية مشاغلتهم بالأسلحة الخفيفة كما لا حظنا الأمر في ضواحي أرغون ، لكنه لن يحرمهم من أهم ورقة وهي حرية المناورة. فأسلوب حرب العصابات لن تؤثر عليه انزال الضربات على التجمعات السكانية والبيوت والطرق والجسور والمعابر ، لأنه يعتمد بالأساس على الحركة الديناميكية غير المتوقفة. وكلما تعقدت الأمور في الأرض فهذا يجري لصالح حرب العصابات وضد القوات النظامية التي ستضطر لبناء جسور الهندسة الوقتية في كل متر تعبره نظرا لحملها آلة حرب ثقيلة.
ويبالغ العسكريون الروس في اختيار وسائل الإبادة. فهم يستخدمون على نطاق واسع أنواع من الذخائر الجوية والأسلحة " العالية الدقة " والقنابل العادية والقذائف الصاروخية غير المتحكم بها وقنابل التشظية والانفلاق الجوي والقنابل الفراغية والحجمية ذات القدرة الهائلة عند إصابتها. هذه الوسائل لم تستخدمها القوات الروسية في الحرب الماضية لعدم " إنسانيتها ".
يجيبون على أسئلتنا بهذا الصدد بأن ازدياد الضحايا بين السكان المدنيين يجري تلقائيا ولا يمكن أن تسير الأمور على نحو آخر في الحرب. ويذكروننا بأن أحدث القنابل والصواريخ الأمريكية أصابت في كوسوفو بيوتا مأهولة بالسكان وباصات اللاجئين.
يذكر انه بعد انسحاب القوات الروسية من الشيشان في عام 1992 بقيت في مطاراتها 265 طائرة كانت تابعة لقوات شمال القوقاز السوفيتية وكانت صالحة للاستخدام في العمليات الحربية : 260 طائرة قتالية وللتدريب تشيكية الصنع وثلاث مطاردات " ميغ - 17 " وطائرتان " ميغ - 15 ". وكلها كانت ترابط في مطــار " سيفيرني " ( الشيخ منصور الآن ) وخنكلا وكالينوفسكيا.
وكان جنرال سلاح الجو جوهر دوداييف يعلق على هذه الطائرات آمالا كبيرة. ونعتقد بأن طموحاته كانت إقليمية بحتة من وجهة نظر التفوق الاستراتيجي على جيرانه الضعفاء مثل داغستان وجورجيا وأبخازيا وأذربيجان. وكان يكرر في سنوات التوتر الأولى مع روسيا بأن لديه " قوة جوية تستطيع دك موسكو بالصواريخ " وأنه شخصيا سيقوم بأول غارة عليها ! وهدد باستخدام هذه الطائرات ضد المحطات الكهروذرية و المصانع الكيميائية الروسية.
ولهذا كانت مهمة القوة الجوية الروسية الأولى في الحرب السابقة تدمير هذه الطائرات قبل شن الهجوم البري في 14 ديسمبر 1994. وهكذا بدأ الطيران الروسي لغاية 29 نوفمبر 1994 غاراته التي انطلقت من المطارات العسكرية في شمال القوقاز على المطارات الشيشانية وأدى ذلك الى تدمير 140 طائرة قتالية. وفي صباح 1 ديسمبر أنزلت الطائرات المهاجمة " سو - 25 " ضربات على قاعدتي كلينوفسكيا وخنكالا. وفي نصف اليوم الثاني دمرت كل الطائرات الشيشانية في مطار " سيفيرني " بما فيها الطائرة الشخصية للرئيس دوداييف. ولم يفقد سلاح الجو الروسي طائرة واحدة.
غير أن القوات الروسية اصطدمت منذ أيام هجومها الأولى بمقاومة ضارية من الدفاعات الشيشانية المنظمة جيدا. وكان الشيشان يضعون وسائل دفاعهم الجوي على الشاحنات وسيارات الجيب. وكان في حوزتهم عند مطلع العمليات الحربية 40 منظومة متنقلة " زو - 23 " وأكثر من 80 منظومة رشاشات من العيار الثقيل و20 منظومة " شيلكا " وعدد من قذائف " إيغلا - 1" المحمولة على الكتف و " ستريلا - 3 " والأمريكية " ستينغر ". غير أن هذه المنظومات لم تستخدم على نطاق واسع حيث مكنت تجربة الطيارين الروس في أفغانستان من درء الهجمات عليهم. والأهم لم يكن الشيشانيون مستعدون لاستخدام هذه المنظومات المعقدة.
وهكذا سيطر سلاح الجو الروسي على سماء الشيشان بالكامل اعتبارا من 21 ديسمبر 1994 الأمر الذي أدى الى تدمير هيئة الأركان الشيشانية في يناير 1995 والواقعة في القصر الرئاسي.
وأخبرنا القادة الجويين الروس بأن بوريس يلتسين منع في 24 ديسمبر 1994 قصف غروزني بالطائرات. واعتبروا ذلك من أهم أخطاء الحملة السابقة حيث بقت القوات البرية التي انقضت على العاصمة الشيشانية بدون مساعدة من الجو. وقالوا أن المروحيات استخدمت بشكل محدود ضد بعض أهداف غروزني في 3 يناير 95 فقط.
وأظهرت حرب الـ 99 بأن القيادة العسكرية الروسية لا تنوي إعادة خطأها السابق ومطاردة المقاتلين الشيشان " حتى في الكهوف " كما قال قائد جوي لنا. مشيرا الى ان القرار اتخذ في اجتماع مجلس الأمن القومي الروسي المنعقد في أغسطس 99 والذي نص على تأمين سلاح الجو بكل شيء.
وقال سكان المناطق الشمالية من الشيشان بأنهم لم يشاهدوا قوات برية في بداية الحرب وكانت الطائرات فقط تقصف حتى دخلت القوات بدون مقاومة تذكر. وفي المناطق الأكثر عمقا تلعب المروحيات دورا بالغ الأهمية في مساندة الوحدات البرية.
وتنتهي الآن مرحلة الظروف الجوية الملائمة لعمليات الطائرات الروسية في الشيشان بعد بدء تكثف الضباب والغيوم الثلجية. وقالوا لنا بأنهم في هذه المرحلة سيستخدمون القاذفات " سو - 24 م " والقاذفة الحديثة " سو - 25 ت " التي تستطيع أداء مهماتها القتالية في هذه الظروف وتمتلك وزارة الدفاع الروسية 8 طائرات فقط من هذا الطراز نقلت 4 منها الى الشيشان.
خطوط الجنرالات
مررنا بنفس المدن التي تتكرر في نشرات الأخبار في الآونة الأخيرة والتي كانت أقدامنا تدوس في أوحال معاركها مطلع التسعينات . وبنظرة سريعة لطريقة انتشار القوات الروسية في الخطوط الأمامية والخلفية يجوز إطلاق تسمية روتينية هي "حرب الخنادق " على ما يجري في القوقاز حتى لشخص غير مطلع على التفاصيل العسكرية.
في غضون ذلك لا تخلو بقعة على الأراضي الشيشانية من الحرب بكل آثارها. وما تزال كتائب القوات الروسية تواصل تقدمها ويحاول الناس الساكنين في المناطق "المحررة " العودة الى الحياة الطبيعية حتى لو اضطروا لبنائها من الصفر وأمامهم الخوف والجوع والكراهية والدموع.
خط الجنرال شامانوف
عمليات الجبهة الغربية التي يقودها الجنرال فلاديمير شامانوف جرت بنجاح في مناطق باموت وسيرنوفودسسك وأسينوفسكيا. حتى باموت التي كانت قلعة قوية وصمدت في الحرب السابقة تهاوت بفضل سكانها ولم يبق الا عمليات تطهيرها.
أذهلتنا الصورة في الخطوط الأمامية للكمية الهائلة من المدفعية التي تنزل الضربات على مراكز المقاتلين الشيشان بشكل منتظم دون أن تترك لهم فرصة التقاط الأنفاس. لا أحد هناك يتقشف في الذخائر والصواريخ والألغام . وعندما سألت عن سبب كل هذه الكثافة النارية لمنطقة صغيرة فيها عدد صغير من المقاتلين قالوا بأن هذه " نار إزعاج " فحسب.
وإذا كانت كل هذه الحمم لمجرد إزعاج المقاتلين ، فكيف ستكون لتدميرهم ؟ وفجأة سرح فكري نحو غروزني : كيف فعلوا بها عند اقتحامها !
و يبدو أن هذا السبب هو الذي دفع من تبقى من أهالي غروزني الأصليين بتنظيم مظاهرة وسط العاصمة منددين من خلالها بالسلطات الرسمية ومطالبين المسلحين مغادرة المدينة تماما كما حصل في المدن الشيشانية الكبرى الأخرى. لا يمكن التكهن الآن بردة فعل المسلحين تجاه هذا الضغط الشعبي فهم الآن بين النار الروسية وعدم رغبة الأهالي باستضافتهم .
وفسروا كثافة القصف على " باموت " كونها تحتوي على تحصينات سميكة كان الاتحاد السوفيتي قد بناها لنقاط قيادة الدفاع الجوي لشمال القوقاز. وفيها عدة كيلومترات من المتاهات الخرسانية تحت الأرض. ولأن اختراق هذه التحصينات بمدافع الهوتزر لا جدوى منه فقد استعانوا بالطائرات لتنفيذ هذه المهمة التي استخدمت قنابل قوية جدا و " دقيقة " حسب قولهم مما أدى الى وقوع خسائر جسيمة في صفوف المقاتلين. وأسمعوني في نقاط المخابرة اللاسلكية تسجيل لصوت قائد ميداني شيشاني يخبر الوحدات الخلفية وكانت عبارته : " للأسف خسرنا الكثيرين من الجماعة ".
وشاهدنا كيف أنزلت أحدث المنظومات الصاروخية " توشكا - أو " التي كنا نراها في المعارض العسكرية فقط ضربات شديدة على مدينة أرغون التي سيشهد سقوطها ( الحتمي ) بداية النهاية للمقاومة في غروزني.
وعلمتنا الجولات في الخطوط الأمامية بأن لا خطر علينا في النهار حتى لو اقتربنا على مبعدة عشرات الأمتار من مواقع المقاتلين الشيشان ، لأنهم لا يخرجون من مخابئهم نهارا مهما كلف الأمر خوفا من انكشاف مواقعهم وتدميرهم بعد ذلك. ولكن ما أن يحل الليل حتى يبدأ " الذئاب " كما يشير ذلك حتى العلم الشيشاني بالهجوم بكل عنف على مواقع القوات الروسية.
لاحظت العقيدة التي أرساها الجنرال شامانوف في هذه الحملة في مناطق مختلفة من الجبهة والتي تتلخص : لا توفروا الذخائر ، بل حافظوا على أرواح الجنود. وأخبرني نائب قائد فرقة متقدمة بأن شامانوف يعلم بحالة كل جريح وقتيل ويطلب تحديد المذنبين في ذلك.
غير أن شامانوف لا يعرف الجرحى والقتلى بين المدنيين ويصر في كل مرة يسأل عن هذا الأمر بترديد عبارته التي كما لو نسجت على شفتيه : الحرب هي الحرب !
ويؤكد القادة الميدانيون الروس بأن رجال العصابات يستخدمون السكان الباقين في القرى والمدن والذين لم يتمكنوا من تركها بمثابة " دروع حية ". وعندما أكثرنا الحديث عن مصير المدنيين المتبقين في الجحيم قالوا لنا بأن الكشافين سيقومون في المرحلة الأولى قبل الاستيلاء على بلدة أسينوفسكيا خاصة ( فيها عشرات الآلاف من المدنيين ) بتنفيذ مهمة رئيسية وهي تحديد مواقع نقاط النيران وجس نبض خطوط العدو الدفاعية. ومع ذلك كانت مكبرات الصوت تذيع على أسماعنا باستمرار عبارة لم أدرك مدى إنسانيتها بعد : ندعوكم كرجال مواجهة أعدائكم وجها لوجه وعدم الاختفاء خلف النساء والأطفال. وتعود مكبرات الصوت بشحذ همم المدنيين وتدعوهم الى طرد المسلحين من ديارهم بالوسائل السلمية. وهكذا يعاد هذا الشريط عشرات المرات كل يوم !
خط الجنرال تروشيف
في هذا الخط بقينا وقتا أكثر. فقد كان المظليون يسيطرون بالكامل على مدينة غوديرميس بحيث أعطتنا هذه السيطرة فرصة لمقابلة أكبر عدد ممكن من سكان المدينة سنفرد لهم أحد الفصول اللاحقة .
وفتحت قوات الجنرال غينادي تروشيف الذي يقود الجبهة الشرقية والتي يقودها من الجانب الشيشاني شامل بساييف معبرا لخروج المدنيين من أرغون. وتوقع أن تشهد هذه الجبهة أعنف المعارك. لكن العكس هو الذي حصل حيث كانت القوات الروسية تخترق هذه الجبهة بيسر وكان المقاتلين الشيشان يتراجعون أو يسلمون أنفسهم بدون قتال. وقال قائد إحدى الفصائل بأنه سلم نفسه مع وحدته لأن " بساييف الذي ينبغي أن يكون معنا لم يكلف نفسه حتى الاتصال ومعرفة ما يجري لنا ". وأضاف " بساييف هو قائد الجبهة الشرقية لكن الله وحده يعلم أين يختبئ الآن وتركنا مع الأهالي تحت النار ". ولم تتعامل القوات الروسية مع هذه الوحدة كأسرى حرب بل شملهم العفو الذي صدر في وقت سابق لمن يسلم نفسه وأسلحته بشكل طوعي. وهذا المقاتل يتجول الآن بحرية في غوديرميس مع أفراد مجموعته وفوق ذلك يتوعد ويتهدد ويشتم بساييف.
عبور نهر تيريك
تعتبر الأراضي الشيشانية الواقعة على طول نهر تيريك خالية من المقاتلين. ولم تحدث هناك معارك عمليا بعد ثلاثة أسابيع من وصول القوات الروسية الى النهر نهاية 1999. وهناك أفراد فقط من المسلحين يطلقون النار على الوحدات الروسية لإثارتها على الأرجح وإجبارها على إطلاق النار على القرى الآمنة وتصوير الأمر وكأن تلك المناطق ما زالت تقاوم وتجري فيها المعارك لكي يبقى اللاجئين في انغوشيا واستغلال وضعهم للضغط السياسي الخارجي على روسيا. ومع ذلك تستمر عملية عودة اللاجئين الى هذه القرى. وتسنى لنا التحدث مع عدد من سكانها الذين لم يغادروها وتبين أن أعمال المقاتلين وحتى وجودهم لا يحظى بتأييدهم ، لا سيما وأن المناطق السهلية لشمال الشيشان كانت على الدوام تعارض نظام دوداييف ومسخادوف على السواء.
ورأينا في القرى الشيشانية " المحررة " الكثير من البيوت الخاصة الفاخرة الجديدة التي يمكننا مقارنتها تماما مع بيوت " الروس الجدد " في روسيا. وهذه البيوت بنيت كما يقول المحليون بالأموال التي تم جنيها لقاء بيع " البنزين الشيشاني " المنتج من مصانع تكرير النفط الصغيرة السرية وصناعة الفودكا المغشوشة والاتجار بالرهائن والبزنيس في روسيا.
واستلمت حوالي 12 قرية نحو 62 طنا من المواد الغذائية كدفعة أولى. وتعدهم السلطات الروسية بإيصال الغاز والكهرباء في أقرب وقت. كما حضرنا لقاء أناتولي تشوبايس رئيس مؤسسة الكهرباء الموحدة الروسية والسياسي المؤثر في موسكو مع إدارة مدينة غوديرميس. كما تنهال الوعود بفتح المستشفيات والمدارس المغلقة حتى يناير القادم. ويعدون كذلك بفتح خط السكك الحديدية موزدوك - كيزلار. وتجري الآن المراحل الختامية من بناء " قطار مدرع " خاص يربط القطاعين الواقعين بين محطتي تشيرفيليونايا وكيزلار. وتسير اليوم تحت حمايته قطارات الركاب التي تنقل أساسا اللاجئين الى قراهم.
الذئب الوحيد
ينظر كل الشيشانيون الذين التقينا معهم الى الرئيس أصلان مسخادوف بأن زمنه انتهى. ويعللون ذلك بأنه لم يتخذ قرارات صارمة اتجاه الجماعات المسلحة التي لعبت بمقدرات البلاد كما تشتهي طموحاتها السياسية والمالية وعلاقاتها الغريبة مع طواغيت المال في موسكو والمخابرات الروسية. وحملوه مسؤولية عبث هذه الجماعات بمصائرهم ومستقبل أطفالهم في الوقت الذي كانت فيه الشيشان على قاب قوس أو أدنى من الاستقرار.
وحول الاتحاد الجديد بين مسخادوف والجماعات المسلحة أكد المواطنون الشيشان بأنه تحصيل حاصل لعدم وجود منفذ آخر لديه بعد أن سحبت السلطات الروسية اعترافها به وبعد أن وقع بين المطرقة والسندان ففضل أحدهما.
وأضاف المتنورين من الشعب الشيشاني بأنه لم يكن لدوداييف أو مسخادوف سند متين في البيئة الشيشانية الرئيسية المتمثلة بزعماء العشائر والأقرباء الكثيرين لأنهما عاشا القسم الأكبر من حياتهما خارج الشيشان ( الانتقال من منطقة الى أخرى أوقات الخدمة في الجيش السوفيتي ومن ثم الاستقرار في فيلنوس البلطيقية ).
وسمعنا من أفواه الناس بأن مسخادوف لم يتمكن من تكتيل المجتمع الشيشاني وتحقيق ما كانت القوى المتمدنة ( الحضر ) داخل وخارج البلاد تأمل فيه.
تجدر الإشارة الى أن المجتمع الشيشاني مقسم بين سكان السهول ( الحضر المسالمون) وسكان الجبال ( الجبليون المحاربون ). والأخيرين هم الذين امسكوا بزمام السلطة منذ انقلاب جوهر دوداييف في سبتمبر 1991 عندما اقتحم مقر السوفيت الأعلى الشيشاني ( البرلمان ) الذي كان يترأسه " السهلي " دوكو زفغاييف بقوة مسلحة وأمطر النواب بوابل من الرصاص سلموا بعدها برئاسته وعد ذلك انتخاب شرعي له! ويمكن عد هذا التاريخ بداية لحكم الجبليين الذي استمر ليومنا هذا. ولأن الجبليون تتملكهم عقدة من السهليين بسبب سيطرتهم على السلطة في الشيشان فغيروا أسم جمهورية الشيشان لتصبح جمهورية إيتشكيرا وهي قرية جبلية انحدرت منها أغلبية العشائر الجبلية الشيشانية.
وعبر الشيشانيون لنا عن تذمرهم من تسلط عشيرتي " أليروي " وهي عشيرة مسخادوف و عشيرة زوجته " غوردالوي " وخاصة بعد فوزه بكرسي الرئاسة وتوزيعه أغلب المناصب الحكومية على أقربائه. وكان استيائهم واضحا من " سياسته التوفيقية " و " اختلاس الأموال " ونمو دور المعارضة المسلحة وعدم قدرة القوات الحكومية على فرض السيطرة ليس على الأراضي الشيشانية فحسب ، بل وحتى وسط العاصمة غروزني.
وأشار بعض المواطنين الشيشان بأن مسخادوف لا يتمتع باحترام في الخارج أيضا ، بعد أن فقد " تأنقه " العسكري الأوربي الذي ناله في الجيش السوفيتي وتحوله الى سياسي شيشاني نموذجي في كل شيء وتخبطه بين العلمانية وحكم الشريعة وتهميشه دور البرلمان وتوزيع حصص النفط والمناصب التي تدر على أصحابها بأموال كثيرة على القادة الذين تقف ورائهم أكبر عدد ممكن من البنادق.
وأخبر المواطنون بأنه في الوقت الذي كانت فيه المدفعية الروسية تدك مدنهم هرب مسخادوف عائلته من غروزني الى العاصمة الجورجية تبليسي ويعيشون هناك في فيلا ضخمة يعرفون جيدا من أين أتى بالأموال التي بناها بها.
وأكد أهالي غوديرميس وهي ثاني أكبر مدينة شيشانية ، بل وتعتبر الأولى من حيث أصلية سكانها بأن مدينتهم باعتبارها معقلا للمثقفين الشيشان والتي تخرج منها أغلب العلماء والأدباء والفنانين الشيشانيين المرموقين لم تحظ بأي قدر من اهتمام سلطات غروزني. ووصل الضيم الذي ألحق بها الى نهب بنيتها التحتية من مصانع وكفاءات ونقلها الى غروزني. وأكدوا بأن كل الأنظمة التي تعاقبت على غروزني منذ انهيار الاتحاد السوفيتي لم تبن حجارة واحدة في مدينتهم وكان العكس هو الصحيح.