الأربعاء، 9 يوليو، 2008

أوجاع جامعة كابول ومسرّاتها

لم تشهد بناية جامعة كابول نشوة وزهوا حتى في افتتاحها الأول ، كما تشهده الآن ، بعد زوال همّها وغمّها. وكانت إجراءات استقبال 3500 طالبا بينهم 500 امرأة جارية بمنتهى النشاط المسرور الذي شملنا ونحن نشاركهم لأيام عديدة فرحة انبعاث الجامعة من رماد الحروب.
وحسب التقليد كان من الواجب افتتاح عملنا في الجامعة بلقاء رئيسها. وصادف أن يكون تواجدنا في هذا الصرح العلمي في اليوم الأول من تعيينه في هذا المنصب ، وربما في الساعات الأولى. فما أن دخلنا في مكتب البروفيسور محمد أكبر ، حتى داهمته وفود التهنئة من أساتذة الجامعة ورؤساء الأقسام. وامتلأ مكتبه الواسع بهم. ولبساطته وبساطتهم الشديدة نسوه وتعلقوا بنا بعد معرفتهم جهة قدومنا ليشبع نصفهم جوعه في التحدث باللغة الروسية وأيام الاتحاد السوفيتي الحلوة.
هياكل الجامعة
حدثنا الدكتور محمد أكبر بإنكليزية رشيقة عن هياكل الجامعة الرئيسية وعدد أسماء كلياتها الرئيسية التي بلغ عددها 14 كلية : العلوم وتشمل الفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك والجيولوجيا والبيولوجيا والكمبيوتر والهندسة وتشمل الميكانيكا والإلكترونيك والكهرباء والبناء والسياسة والتربية والطب العام والطب البيطري وطب الأسنان والآداب والاقتصاد والدراسات الإسلامية وغيرها.
وأكد على أن الجامعة فقيرة جدا وبحاجة الى إعادة بناء من الصفر ، دون أن يخوض بحيثيات الأسباب والأرقام والمواصفات والقياسات. ولم نطلب منه ذلك أيضا تاركين المسألة تحل نفسها فيما بعد.
مصاعبهن جسيمة
وعن الآلية التي يتم التعامل فيها مع الطالبات المحرومات من التعليم في السنوات الست الأخيرة من حكم طالبان وكيف يتم التعامل معهن وهل يلتحقن في المرحلة الدراسية التي توقفن عندها وما تأثير ذلك على مستواهن العلمي بعد فترة ليست بالقليلة ابتعدن فيها عن الدراسة وخاصة في العلوم التطبيقية قال رئيس جامعة كابول بأنه تم الاتفاق على أن يدخلن كل حسب اختصاصه في كورس تقوية لتأهيلهن على الدخول مباشرة في مناهج المرحلة التي تركوها. وتعتمد النتائج على حرصهن على اللحاق بما فاتهن.
وبتفاؤل قال الدكتور أكبر بأن الجامعة بأقسامها وإمكاناتها وأساتذتها موجودة لخدمة طلابها ، وإذا تعرضت النساء لما تعرضن من ضيم فأن خدمتهن ستكون مضاعفة والجميع في الجامعة والمجتمع مدرك الصعوبات التي يلاقينها في هذا المجال. لا سيما وأن أغلبهن الآن تغير كثيرا من الجانب العقلي والبيولوجي والاجتماعي أيضا. فأغلبهن الآن يصطحبن أطفالهن الى الجامعة وهناك من تعودن على قعدة البيت وتربية الأطفال ونسين مشارط التشريح وأدوات الهندسة وأجهزة الفيزياء ومعادلات الرياضيات. مهمتهن جسيمة وتتطلب الى جانب الاستعداد العقلي شجاعة شخصية ودعما من أزواجهن والعائلة بشكل عام.
الفقر الآفة الأولى
تجدر الإشارة الى أن جامعة كابول تتبع الى وزارة التعليم العالي والتي فضلنا مناقشة أمر واحد مع مسئوليها والمتعلق بعبارة أن الجامعة فقيرة جدا والذي لم نشأ إثارة أوجاع رئيس الجامعة حوله في الساعة الأولى من تنصيبه.
وعلمنا أن " وزارات تحصيلات عالي " أي وزارة التعليم العالي بالعربية ، كباقي وزارات الحكومة المؤقتة تعيش على " الاكتفاء الذاتي ". وهذا خير مصطلح يمكن سماعه في كل مكان زرناه : المرضى يدفعون الأجر للأطباء ويحملون دوائهم معهم ، تلاميذ المدارس يدفعون أجر المعلمين ويدبرون كتبهم ودفاترهم وربما رجال الشرطة يلتحقون بواجباتهم بالبنادق الشخصية. وتبين أن الأمر نفسه ينطبق على طلبة الجامعة. فالرسوم التي يدفعونها كفيلة بتمشية أمورهم والجامعة على السواء. ولا تمنحهم الجامعة سوى غرفة الدرس والأستاذ.
ولعلها بداية طبيعية لجامعة أدارها في عهد طالبان ملالي مجهولين لا يعرفهم أحد في كابول ولا يعلم لهم شهادة أو تعليم. حتى أن بعض رؤساء أقسام كليات مرموقة لم يعرف الواحد منهم القراءة والكتابة ، كما أكد لنا ذلك أساتذة معروفون عملوا تحت امرأتهم.
الشريعة والحياة
كانت أحاديثنا شيقة وودية الى حد بعيد مع زملائنا خريجي المعاهد السوفيتية. وكان حديثهم مليئا بالحنين والصراحة وفهمنا منهم ما لا نستطيع إدراكه بتجوال عادي في أروقة الجامعة وتسجيل لقاءات مع رسميين.
يقول مثلا أستاذ في الرياضيات بأنه لم يستوعب حتى الآن ما أمروه بضخ التعاليم الدينية والشريعة في مادة الرياضيات. هذه المادة التي لا تستوعب الثرثرة وخاصة في مراحل متقدمة في الجامعة. فكيف تدخل الشريعة في مواد كالدوال المعقدة أو الإحصاء الكمي أو المنطق الرياضي أو اللوغاريتمات ؟ كيف ستشع التعاليم الدينية في مواد البصريات الفيزياء ونظريات الكم والجسيمات الدقيقة والفيزياء النووية والنظرية الكهرومغناطيسية والإلكترونيك ؟
لم يكلف الطالبان أنفسهم تصليح الكمبيوتر الوحيد في قسم الكمبيوتر ! كيف يمكن لطلبة الجامعة استيعاب ولو درس واحد دون تطبيق عملي على كمبيوتر حي ؟
منّة طالبان
وفوق ذلك لم تدفع طالبان المرتبات لأساتذة الجامعة ومن لا يعجبه الأمر فليترك الجامعة حيث ينتظره القصاص في ملعب كابول ! وإذا دفعوا لهم ما تيسر لهم من " بيت المال " للإمارة يسمون ذلك حتى في أوراقهم الرسمية " منحة ". ولو نسوا حرف الحاء لكان أفضل لهم ولبيت مالهم.
وصل الأمر الى أن بروفيسور في الكيمياء حول بنطاله الذي منعوه من ارتدائه الى سترة على الطراز التقليدي الذي يرتديه طلاب الحركة بسبب الفقر ولا يزال يرتديها حتى الآن. وحتى هذا البنطلون الذي استنسخه ليصبح سترة طالبانية اشتراه من روسيا في الأيام الحلوة.
الكيمياء سحر فاجتنبوها
ولم تقتصر التراجيديا في " بنطلون البروفيسور " ، بل في الكيمياء التي يحملها في عقله ووجدانه وأصابع يديه. أغلقوا المختبرات في بادئ الأمر. ومن ثم أغلقوا قسم الكيمياء برمته. فالكيمياء حسب " مجلس ملالي الجامعة " ليست بعلم وهي غواية شيطانية ومن أعمال السحر !! وكان منطلقهم الأيدلوجي الذي أسسوا عليه هذا القرار وحيد في دماغ أوحد : الكيميائيون يصنعون الخمر من العنب.
رحم الله جداتنا وأمهاتنا فكانوا أيضا يصنعون الخل من التمر دون أن يكملوا كلية الكيمياء وكان العطارون ومحترفو الطب الشعبي يصنعون كل الأدوية دون أن يكملوا كلية الصيدلة. وتقريبا كل الشعب الروسي وشعوب البلدان المتجمدة يصنعون الخمر في بيوتهم بدون معارف أكاديمية وكيمياء.
حرق الكتب
لم يحارب قادة الجامعة من الأميين العلوم الراقية فحسب ، بل وصلوا الى المكتبات وأمروا بحرق كل المناهج والكتب العلمية الصرفة المطبوعة باللغة الروسية !
تجدر الإشارة الى أن جامعة كابول تغذت كثيرا من العلوم الروسية وفي كافة المجالات. بل أن أغلب المعاهد الأفغانية العلمية تأسست كطابوق ومعرفة بفضل السوفيت ولا مجال لتعدادها الآن. لذلك من الطبيعي أن تحتوي مكتبة جامعة كابول على نوادر الكتب العلمية السوفيتية في هذا المجال أو ذاك ، أضف الى ذلك ، أن أغلب الأساتذة لا يعرفون من اللغات الأجنبية غير الروسية وهو ما يحتاجه الباحث أو المدرس دائما. فكيف يمكن تنفيذ فتوى إحراق الكتب العلمية التي تعتبر الزاد الأساسي لهؤلاء ؟
ولأن ملالي الجامعة في الغالب لا يعرفون القراءة والكتابة ومن يعرفها فلا يعرف الروسية ، فقد أحرق الأساتذة أمامهم بعض الكتب الروسية التافهة والمؤدلجة بالفعل والتي لا حسرة على حرقها وأخفوا في قبو سري الكتب العلمية البحتة. وكانت هذه العملية خطوة في منتهى الشجاعة في تلك الأيام العصيبة ، تسجل فائدتها العظيمة لكل من أخفى كتاب علمي وأنقذه من الضياع. وفي هذه الأوقات الرحبة لا يمكن وصف مشاعر الغبطة والفخر التي ارتسمت على أبطال عملية الإنقاذ وهم يخرجون الكتب من الأقبية ويمسحونها بملابسهم.
الحياة آتية
لابد أن نشير الى أن جامعة كابول تتكون من بنايات عديدة تنتشر على مساحة عريضة في المدينة. ولكبر مساحتها فيمكن أن تتجول فيها في السيارة. وتفصل الحدائق الواسعة هذه البنايات. وهي مكان ملائم لنزهة الطلاب من الجنسين ، بالرغم من ملاحظتنا تجمع الطالبات في ناحية والطلاب في الناحية المجاورة. غير أن قليل من الزمن وبعض من العشرة الطلابية كفيلة بترتيب الحياة كما ينبغي أن تكون عليه.