السبت، 12 يوليو، 2008

هل كانت فعلا ثورة إسلامية ؟!


أن توزيع القوى السياسية في الشيشان مختلط ورتيب في آن واحد. وتبنى كل الحياة السياسية هناك على سلطتين رئيسيتين هما " الرسمية " و " الفعلية " وبذلك لا توجد ثمة معارضة بالمفهوم المعروف للمصطلح. ولا يدرك إلا القلائل مغزى التجمعات السياسية التي كانت تجري في الجمهورية طوال السنة الحالية.
وكانت هذه التجمعات تعبيرا للمواجهة العنيفة بين الرئيس أصلان مسخادوف الذي كان يهاجم موسكو في كل منها وشامل بساييف الذي كان يتهمه بخيانة " المثل العليا " للاستقلال الشيشاني والإسلام. وانتهى الصراع في مارس الماضي بعد أن يأس مسخادوف من تحقيق لقائه مع الرئيس بوريس يلتسين وضياع الأمل في المساعدات التي كانوا في موسكو يعدونه بها فانتقل كليا الى جانب المعارضة وأعلن " الإصلاح حسب الشريعة الإسلامية " الذي كانت المعارضة تطالب به منذ زمن بعيد وأراد أيضا سلب الورقة التي طالما استخدموها للعب بأعصابه. ولم يبق لشامل بساييف ونائب الرئيس السابق واحا أرسانوف والرئيس السابق سليم خان يندرباييف أي شيء ينتقدون به مسخادوف سوى خطوات تنفيذ هذا الإصلاح. غير أن شعارات مسخادوف تغيرت ليس لوحدها بل بسبب تضييق الخناق على سلطته من قبل المذكورين وغيرهم وحاول بإصرار الاتفاق مع موسكو بغية تخفيف الجريمة ومنع ازدهار التطرف الديني في الجمهورية.
وجرى في يونيو 1997 وفي ملعب " دينامو " في العاصمة غروزني مؤتمر الشورى ( ضم رجال ذو شأن في الشيشان كلهم من أنصار بساييف ) ولم يشترك به مسخادوف ، بل وحاول سحب البساط من تحت أقدامهم بإعلانه تأسيس مجلس " الزعماء العسكريين " ( ضم قادة الجبهات السابقين ) والتزم بمناقشة كل القرارات الهامة معهم. ولكن التجربة أثبتت شكلية مجلس مسخادوف الذي اعترض على كل ما يوصل الحالة الى الحرب مع روسيا. وهذا ما لم يجد تقبلا من " القادة " العسكريين الذين لم يألفوا الحياة على المعاش. وكما في أيام الحرب الشيشانية المريرة كان مسخادوف دائما يجنح للسلم في الوقت الذي كان بساييف يقرع قذائف الحرب.
وبساييف بلا أدنى شك مقاتل محترف وبطل قومي حسب السيكولوجية الشيشانية لأنه الذي قاد عملية تحرير غروزني في 6 أغسطس 1996 وفقا للخطة التي وضعها مسخادوف وهو بالذات من حقق الانتصار العسكري على القوات الروسية. لكن بساييف شعر بالملل ؛ فلم يصبح رئيسا ولم يملأ عينيه منصب رئيس الوزراء لذلك سرعان ما تركه وبالنتيجة لا يوجد لديه ما يشغل نفسه به ولا يعرف ماذا يعمل سوى القتال وهو الذي تحت قيادته توجد تشكيلة مسلحة قوية جدا تقدر بأكثر من ألفا شخص. فكيف يمكن إعالة كل هؤلاء المسلحين وعائلاتهم حيث لا يمكن للميزانية الشيشانية أن تصرف عليهم الا إذا خضعوا لسلطة مسخادوف الأمر الذي لا يريد بساييف حتى التفكير به. والأهم أن فتية بساييف يجدون " معنى للحياة " عند إرسالهم الى الجبهة : لهم عدو واضح ومزمن وفكرة يمكن أن يموتوا من أجلها ولجميعهم رابطة الحرب التي من الصعب فصمها. والغريب أن هؤلاء الفتية يعملون كل شيء من أجل المال في وقت السلم ولكنهم في الحرب لا يطالبوا حتى براتبهم الشهري !
الإصلاح الشرعي
غير أن ضمن نوايا مسخادوف " دولة إسلامية ذات خصائص شيشانية". أي يجب التوليف بين التعاليم الإسلامية والعادات القومية المحلية بالرغم من التعارض الكبير في كثير منها. وإصلاح مسخادوف يوظف بمهارة التباين الشيشاني الأبدي بين ما هو " رسمي " و " فعلي ". فكل الشيشان يمنون أنفسهم " رسميا " بفكرة ظهور دولة إسلامية لديهم ، غير أن قليل من الأشياء تغيرت نتيجة هذا الإصلاح. فمثلا ، كان البرلمان قبل إعلان دولة الشريعة يلغي مراسيم الرئيس ويعترض على قراراته. وبعد الإصلاح تحول الى جهاز أليف وجوده غير مرئي. فقد حرمه مسخادوف في أبريل الماضي من صلاحياته التشريعية وخضع النواب وإن كانوا يضمروا الاستياء. فلا يمكن معارضة الإصلاح الذي يطلقون عليه رسميا " حكم الشريعة " !!". ولكي لا يتحول البرلمان الى منظومة معطلة تماما سمحوا للنواب مراقبة تنفيذ القوانين حتى تبني دستور جديد.
ولكن بعد تبني دستور " الشريعة " الجديد سيختفي أصلا البرلمان وسيظهر في الشيشان كل يوم " مجلس شورى " حسب الطراز الذي ترتئيه كل عشيرة وقائد ميداني وصاحب دبابة. ومن الصعب تكوين " مجلس شورى " أو هيئة استشارية أخرى تضم الجميع بلا استثناء : محاربون وعلماء واقتصاديون ومحامون وصحفيون ونواب وممثلو الأحزاب وشيوخ عشائر … الخ. مثل هذه التشكيلة النادرة لن تظهر في أي مجلس شورى شيشاني لذلك سيصوت الشعب الشيشاني على الدستور الجديد كما صوت من قبل على الدستور السوفيتي.
الإمام العقيد
بعد إصلاح الشريعة سينتخبون مجلس شورى وهو برلمان بمسمى آخر وسيسمى الرئيس وفقا للدستور بـ "الإمام".
بناء على ذلك ، لا توجد معارضة في الشيشان .. فمن يضع إذن باستمرار القنابل على الطريق الذي يسلكه مسخادوف ؟
يتهمون السلفيين في كل محاولات اغتيال الرئيس الشيشاني ، فمسخادوف ضابط علماني لا يختلف عن الجنرالات في تركيا قيد أنملة. والعادات الشيشانية التي يحرص على الحفاظ عليها ما هي الا رواسب وثنية اختارها الضالين. لذلك فأن إصلاح مسخادوف حسب الشريعة ليس سوى وهم تغذيه أفكاره التركية العلمانية. أما المثل العليا التي يسعى لتحقيقها السلفيين فلا تؤيدها غروزني ولا موسكو. والإسلام فوق القومية لذلك لا توجد حدود إدارية بين الشيشان وداغستان وما موجود ليس له أية أهمية.
لكن مسخادوف رجل دولة ويفهم أن هذا الكلام يعني التدخل بشؤون الغير ناهيك عن التدخل العسكري فهذا يسمى حسب القانون الدولي عدوانا يعاقب عليه المعتدي. ولا توجد في شرائع وقوانين الأمم المتحدة والاتفاقيات التي أقرتها كل دول العالم مفاهيم مثل " نجدة الأخوان في الدين " أو " الإسلام فوق الحدود والقوميات " …الخ . وحرصا من الرئيس الشيشاني على سلامة بلاده أمام المجتمع الدولي على الأقل أصدر قوانين حظر بها ما يسمونه " الوهابية " ويعاقب في السجن من يساعد على نشرها والدعاية لها. وفي الواقع لم يسجن أحد في الشـيشان بسبـب " الوهابية ". وكيف يتم ذلك إذا كان 80 % من أفراد الميليشــيا ، مثلا ، في عروس مرتان " وهابيون ".
توزيع القوى العسكرية
إذا كان توزيع القوى السياسية في الشيشان غامضا أو غريبا فيكون توزيع القوات العسكرية واضحا الى حد معين. وبالمناسبة ، فأن التوزيع العسكري مرادف في الشيشان مع التوزيع السياسي. ويمكن تسمية ثلاث قوات رئيسية :
- القوات الحكومية ( الجيش والشرطة والأمن ).
- قوات الفصائل التي يقودها القادة الميدانيين الموالين للسلطة شكليا.
- فصائل الوهابيين ( أو السلفيين ). وحالة هذه التشكيلات محيرة وطريفة. فهم مع الأولى والثانية في وقت ومستقلون في وقت آخر. فأحيانا يتلقون التعليمات من وزارة الداخلية في غروزني وأحيانا من قادتهم الإسلاميين مثل شامل بساييف أو عربي بارييف أو روسلان غلاييف …الخ ومعظمهم حارب تحت قيادة هؤلاء في الأعوام 1994 - 1996 وشكلوا عماد الحرس الوطني ووزارة الداخلية. ولا أحد يعرف لمن سيخضعون في حالة حدوث مجابهة بين السلطات الرسمية و " المعارضة ".
الأجهزة الحساسة
وزارة الداخلية : يمتلك أفرادها الأسلحة الخفيفة.
وزارة أمن الدولة : يصلون الى ألفا فرد. يعملون في حقل جمع المعلومات عن هياكل قطاع الطرق المنظمة المسؤولة عن اختطاف الرهائن وآبار النفط غير الشرعية. وأسماء كل المجرمين معروفة لدى هذا الهيكل ومخزونة في صندوق معلومات وزارة الأمن.
وزارة الدفاع : مسؤولة عن الحرس الوطني ( الجيش الشيشاني ). وكان تعداده قبل اشهر ألفا فرد. وبعد أحداث داغستان دعوا ألف شخص تقريبا للالتحاق الى الخدمة العسكرية ( مدة الخدمة سنتان ). وتوجد لدى هذه القوات أسلحة ثقيلة عبارة عن 15 دبابة من طراز " تي - 80 " غنموها من القوات الروسية خلال الحرب و 20 ناقلة مشاة مدرعة وقرابة 20 مدفعا و منظومات صاروخية للدفاع الجوي وراجمات الصواريخ " غراد".
جهاز الجمارك والحدود : تعداده اقل من ألف. أفراده مزودون ببنادق آلية وقاذفات قنابل خفيفة.
النيابة العامة : حوالي 200 شخص مسلحين بالمسدسات.
المحكمة الشرعية : 100 شخص لحراسة المدعى عليهم.
ويشكل الآن روسلان غلاييف المسؤول عن إعداد الدستور حسب الشريعة الحرس الشرعي. وحسب قوله فسيضم هذا الحرس 5 - 10 آلاف شخص سيراقبون تطبيق أحكام الشريعة في كل المدن والقرى الشيشانية وسيزودون بأسلحة المشاة التقليدية.
القادة الميدانيون
في الشيشان الكثير من الفرق الصغيرة التي لا يتجاوز أعضائها 50 فردا. ولكن ثمة فصائل كبيرة يقودها شامل بساييف وواحا أرسانوف وسلمان رادوييف ولكل منهم أكثر من ألفي مقاتل محترف. وتقع هيئة أركانهم في غروزني. ويعيش كل مقاتل في بيته ويحضر فقط في مكان وزمان معينين له مسبقا.
وتسلح هذه الفصائل بالمدافع الثقيلة ومنظومات الدفاع الجوي ( الصاروخية والمدفعية ) وناقلات المشاة المدرعة والدبابات. وتتمركز أسلحتهم الثقيلة في المناطق الجبلية لبلدة فيدينسكي وعدد دباباتهم الإجمالي لا يتعدى 15.
السلفيون
زعمائهم الروحيون عبد المالك وسليم خان ياندرباييف ومولادي أودوغوف وقادتهم الميدانيين عربي بارييف وأحمدوف وخطاب. وكرهم يقع في مدينة عروس مرتان حيث ترابط فصيلة أحمدوف. ويسكن القائد المؤثر عربي بارييف في قرية يرمولوفكا الواقعة بالقرب من المدينة. وتعداد هذه الفصائل الإجمالي 3 آلاف مقاتل يمتلكون كافة أنواع الأسلحة المشار إليها أعلاه.
ولا يمكن عد خطاب قائدا ميدانيا ، فهو أجنبي ولا يمتلك قوة عسكرية تسير ورائه. مهمته الأساسية في تدريب المقاتلين الجدد ومدرسته أو معسكره الرئيسي يقع في قرية سيرجين يورت. وفي هذا المعسكر يوجد دائما مائة " تلميذ " علاوة على المدربين. واشتهر خطاب بعد أن تحول تلاميذه الى الأقوى والأكثر بأسا مقارنة بالمقاتلين الشيشان الآخرين. واكتسب سمعته الحالية بعد أن هاجم وتلاميذه الفرقة الروسية في مدينة بويناسك الداغستانية في نهاية عام 1996 وكبدها خسائر جسيمة وانسحب الى الشيشان دون أن يمنى بخسائر ملحوظة. وترسخت سمعته الحربية في العمليات التي أعقبتها في كيزلار وخساف يورت الداغستانيتين حتى وصل الى " منزلته " الحالية بعد قيادته وبساييف الهجوم على داغستان.
نزع السلاح
دخلت تصريحات مسخادوف حول نزع سلاح " المواطنين " الشيشان موسوعة جينيز للأرقام القياسية. ولكن من النادر أن تقوم وزارة الداخلية الشيشانية بـ " كبسة " لتنفيذ هذه الأوامر. أما عدد ضحايا هذه التصريحات فقليل جدا وأغلبهم من سيئي الحظ وتكتفي السلطات بمصادرة بنادقهم وإخلاء سبيلهم. وبعد خروجهم مباشرة من مبنى الوزارة ثمة من يستقبلهم كأبطال ويمنحهم بدلا من البندقية مدفع رشاش.
وقبل شهر شكل ديوان الرئاسة الشيشاني هيكلا عملياتي يعنى بمكافحة الجريمة المنظمة. وهذه تشمل السطو على آبار النفط وسرقة أنبوب نفط قزوين وخطف الرهائن والتجارة بالمخدرات وكذلك نزع السلاح.
مجاعة نفطية
في الوقت الذي توجه فيه محافظ مقاطعة ستافروبولسكي الى مسخادوف بطلب رسمي يقضي بتخصيص الزيوت ومواد التشحيم التي تنتجها مصانع تكرير النفط الشيشاني لمحافظته في موسم جني المحاصيل كانت غروزني تشكو من مجاعة نفطية مدهشة.
فبعد أن تراس مسخادوف شخصيا هيئة مكافحة الجريمة المنظمة تقلص عدد ناقلات النفط في طرق الشيشان بنسبة 80 % حسب المعطيات الرسمية. وأمر الرئيس الشيشاني بحراسة الأنبوب
( باكو - نوفوسيبيرسك ) ووضع نقاط حراسة كل كيلومتر. غير أن " صحوة " مسخادوف كانت متأخرة لأن الأنبوب كان خاليا تماما من النفط ! فوزارة الوقود والطاقة الروسية اتفقت في هذا الوقت ( دون إشعار غروزني الرسمية ) مع أذربيجان بنقل النفط الأذربيجاني الى محج قلعة بحرا ومن العاصمة الداغستانية الى نوفوروسيسك بالقطارات. أي عدم مرور النفط بأراضي الشيشان. ولا يشك بأن بساييف وهو رئيس مافيا النفط الشيشانية الذي يمتلك حنفية في كل كيلومتر من أنبوب قزوين وجد نفسه بحاجة الى معدات حديثة يصلح بها آباره المحلية القديمة. فمن أين يأتي بكل هذه الأموال ؟ ألا يستدعي خواء الأنبوب والجيوب الى " ثورة إسلامية " تعيد إليه " حقوقه " ؟! وكم ستكون الثورة الإسلامية رائعة لو مولها يهودي ورئيس مافيا لا يشق له غبار مثل بوريس بيريزوفسكي بمباركة كل الصحبة وزملاء الفساد والإجرام في موسكو ؟!