الأربعاء، 9 يوليو، 2008

المدينة المتشابكة مع الجبال

أنها تبقى
ويبقى فيها العالم
ب . ساليناس

جميع الأطراف التي تحاربت في أفغانستان حرصت على سلامة كابول.
لم تشهد طوال ربع قرن من الحروب والانقلابات والمكائد معارك في مركزها ، إلا أن أحياء بأكملها أخفتها من الوجود حرب " الرفاق ".
الكل يدرك أن جذورها تتشابك مع الجبال ، عصية على الاندحار. إلا أن استسلامها يقرر دائما بعيدا عن ضوضائها وبهائها.
لا تشبه العواصم القريبة ولا البعيدة ، صفراء كحجارتها المطلة على السواقي ومدى الكروم الذي لا ينقطع المتسلل في أطرافها والمتحاشي انحدار الطريق الإسفلتي الذي يربطها بالعالم.
كبيرة جدا على غير المتوقع ، قطنها حتى في أوج الحرب أكثر من مليوني شخص ، معظمهم من الأغراب. خليط غير متجانس من كل الأقوام و الملل ، حتى أن رؤية شخصان يستغرقان في الحديث نادرة في مدينة تتحرك في كل الاتجاهات.
كان وجود المحاربون المعممون فيها يرهق بياضها وبساطتها ويمعن في عتمة ليلها ويطرد عنها المطر الضروري. كانوا حقا رماديين بالنسبة لطبق ناصع البياض كهذه المدينة ، أغراب لا يليقون برشاقة ساحاتها وأشجارها المبصرة.
وبعد أن عصفت بهم الرياح ، لم ينفصل شحوبها كما تبدو للوهلة الأولى ، فقد تركوا داخلها طلاسم لا تمحى وقطعان من الخوف تنساق وتتكاثف في ذاكرة كل أحياءها.
ممنوع التصوير
حال الاقتراب من جمهرة طارئة لنسوة مغلفات ، يهزج الهلع على عباءاتهن وكأنك لم تشهر كاميرتك عليهن ، بل خنجرا من جليد ، ويبدأ الاندفاع كأنهن يهربن من قبو يحترق. وفي حالة استثنائية تقل لحظاتها لغير صالحك تفهم الأمر بفطنة الاستجواب :
- هذه الصور لصحيفة ؟
- نعم.
- أرجوك لا تصور !
- لماذا ؟
- لا نعرف ما الذي سيحصل ، ربما يعود طالبان مرة أخرى ويبدأ الذبح.
كل النساء يخشين عودة هذه الصفحة الرمادية. تصور يعتقدون أن طالبان من القدرة بحيث قرروا عودتهم التالية وفوق ذلك فلديهم الإمكانات على تصفح كل الجرائد وإعدام من تظهر وجهها لصحافي أجنبي. أي رعب تركه الشباب المعمم ؟
ظهور الجمال
ليس من الصعوبة اكتشاف حُسن المرأة المغلفة ، يكفي النظر الى أبنها لتقدير جمالها. وبناء على هذه القاعدة فأن أطفال كابول جميلين بشكل عام ويتآلفون مع الغرباء ورغم نموهم في الحرب ، إلا أن غريزة الحياة تتغلب في النهاية وسرعان ما ينسون ما جرى البارحة من مصائب.
لا يختلفون كثيرا عن أطفال الشمال ، غير متطفلين ومرحين ولهم العذوبة نفسها.
لكن أطفال العاصمة يتميزون بالحذر وهذا اكتسبوه لقربهم من طالبان ومعايشتهم الحالة التي لم يطلع عليها الشماليون. ، على العكس من رفقة الصغار في الشمال التي تطول اليوم بأكمله.
وهم أكثر تعليما ، قد يلقون عليك أسئلة باللغة الإنكليزية ويسمعون سؤالك حتى نهايته ويحاولون الإجابة عليه.
وكذلك أكثر تمدنا وهندامهم مرتب بالرغم من بساطته ويعتنون بمعرفة متغيرات الحياة اليومية.

استكشاف
لكي تعرف أسرار المدينة ، ينبغي أن تتحرر من قيود كثيرة : المحاذير العشرة التي وضعوها أمامك ، روتين العمل الصحافي ومطاردة الناطقين الرسميين ، السائق اللامبالي والمترجم الذي ينقل لك الحديث الذي يريده وعقد أخرى لا تحصى.
الحل في أن تترك نفسك تسقط في قاع المدينة لتتكشف مصائر الناس وتنزل من عقلك وتفلت من قبضة يديك.
تترقب السيارات العامة محملة بالوجوه المطلة من كل ثغر ، تكاد أبواقها تفح ضجيجا لا يلوي على شيء بدون مناسبة.
وفي ساحة وزير أكبر خان تتوزع مقاه تعمل حتى مغادرة آخر زبون حتى لو فضل النوم فيها فلا أحد يهفو على منع رغبته ، لا سيما وأنها فتحت من جديد بعد أن كانت من المحرمات أيضا.
تنحدر فيها موسيقى ، أو تكاد تكون كذلك ، فهي أشبه بالزعيق أحيانا والولولة أحيانا أخرى. المهم أنها ترسل الحب وتبعد أحاديث الحرب والتفكير الذي لا أهمية له بما سيحدث.
يمكن استغلال المقهى القريب من الفندق كدار للاستراحة بعد عناء المشي طوال النهار. أي في المساء الذي يبدأ في الساعة السادسة. وربما كان استرخائنا الشرقي فيه سببا لأول حادثة سيئة في الرحلة حيث فقدنا فيه حقيبة اليد ، ولحسن الحظ كانت فيها الكاميرا الاحتياط وبعض الأفلام غير المحمضة وأفلام لم تستخدم. والمشكلة في هذه الخسارة استحالة العثور في كابول على أفلام للتصوير لذلك التجأنا الى التصوير بالديسك.

في السوق القديم
لا يختلف عن أسواقنا كثيرا ، حتى في طريقة العرض ووجوه الباعة وبعثرة البضاعة وزعيق الخلق.
رحم الله الأفغان في أن كل الخضر تزرع في أرضهم ولا يحتاجون الى الاستيراد والعملة الصعبة. وتدبر العائلة الأفغانية نفسها بما موجود لذلك لا حديث عن مجاعة تهدد العاصمة. وأكثر ما تحتاجه المدينة الطحين والرز والزيت والشاي. ولم يشتك الخباز من قلة الطحين قدر شكواه من قلة المشترين ، لأن أغلب الناس يخبزون في بيوتهم ولا يحتاجون الى خدماته.
والفواكه أفغانية أيضا ، صغيرة ، صلبة ، غير نضرة وكأن الأرض جعدتها ، وكلها بلون واحد ، تشبه حدقة نسر حزين.
نصف طن عملة
تحدث جميع المسؤولين الجدد في العاصمة عن سرقة طالبان " الكبرى " للعملات الأجنبية من بنك أفغانستان الوطني. لكنه تبين في سير هذا التحقيق أن مجموع كل العملات الأجنبية التي كانت موجودة في البنك قبل مغادرة طالبان لكابول كان أكثر من 5 ملايين دولار فقط.
لا يعقل أن يمثل هذا المبلغ كل احتياطي العملات الأجنبية لدى حكومة طالبان. ويبدو أنهم كانوا يخزنون الأموال بطرقهم الخاصة وخاصة بعد القصف الأمريكي.
وإلى جانب هذه الملايين التي سرقها الطلاب ، تركوا في البنك نصف طن من عملة " الأفغاني " المحلية محفوظة في غرفة لبابها أربعة أقفال ضخمة. ولا تمثل هذه الحيطة أي شيء لو عرف أن نصف طن " الأفغاني " لا يكفي لشراء سيارة جديدة ! لهذا السبب لم يكلف طالبان أنفسهم مشقة نقل هذه الكمية من الأموال التي تحتاج الى ثلاث سيارات بيك أب لحملها.
تجدر الإشارة الى أن احتياطي بنك أفغانستان الوطني في العملة الأجنبية يبلغ الآن 90 ألف دولار عدا ونقدا !
ولا تزال المدينة في طور الصحوة الأولى ، فلا توجد محلات صرافة بالمفهوم المعاصر. فالمصرّفون يجلسون حالهم حال باعة البطاطا في السوق كما توضح الصورة ويستبدلون لك ما تشاء من العملات. وحتى هذه العملية غير ضرورية فالتعامل بالدولار أصبح أمرا طبيعيا.
حجم الدمار
لأن المدينة لم تدخل حرب شوارع منذ الفتنة الأولى وحتى الآن ، فقد نجا مركزها من التدمير. وتصعب على الزائر الجديد التفريق بين الدمار القديم والجديد ، إلا في حالة استيضاح الأمر. وحسب المشاهدة والاستيضاح معا فأن حجم التدمير السابق أكبر بكثير من عواقب الحرب الأخيرة التي رفقت الى حد ما بالمدينة واكتفت بتدمير مبان محددة. وفي كل الأحوال فالمباني المدمرة قديما لم يكلف أحد نفسه إعادة بنائها ، كما أن طالبان أيضا لم تعمر شيئا يذكر منذ دخولها وانشغلت باهتماماتها المعروفة.
وقالوا لنا في محافظة المدينة بأنها تحتاج الى ما لا يقل عن بليونا دولار لتظهر كما كانت عليه في منتصف السبعينات. وبدون توفر ملكات خاصة يمكن إدراك هول المسؤولية الملقاة على الحكومة الجديدة لو علم المبلغ الموجود في خزينتها والمذكور أعلاه.

ماذا يفعل الرجال ؟
السؤال المحير كان : ماذا يفعل رب العائلة في ظل هذه الظروف لو كانت الحكومة بجلالة قدرها لا تمتلك ثمن شراء سيارة جديدة ؟
باختصار : كيف يعيش الناس ؟
الطامة الكبرى نزلت على رؤوس المتعلمين وأصحاب الشهادات العليا في زمن طالبان. فهؤلاء واغلبهم خريجو المعاهد السوفيتية حرموا من حق العمل لسبب في نفس أمير المؤمنين ! وانزووا بانتظار الفرج الذي جاءهم فعلا من السماء. لذلك خرجوا من الظلمات الى النور بحثا عن عمل لدى الأجانب : مترجمين ، أطباء في القاعدة الروسية، مرشدين وحتى سواق أو طباخين لدى البعثات الدبلوماسية والقوات المتعددة الجنسية التي ستتبع يوما للأمم المتحدة.
المزارعون هم الأوفر حظا فلا يفرق عندهم الأمر كثيرا إذا كانت لحاهم 10 سنتمترات حسب مقاييس طالبان للرجل أو كانوا بلا لحى. المهم اعتمادهم الأول والأخير على سواعدهم والمطر.
ويتقاسم الرجال الحرف الباقية كل حسب إمكاناته ورغبته وإرادته وظروفه. فلا مجال للبطالة حيث الحياة تدفعك لعمل أي شيء تكسب بواسطته قوتك اليومي.
انتعاش المدينة
بلا شك تبدو كابول أفضل بكثير مما صوروها ، لها بنيتها التحتية الكاملة ، لا تنقطع فيها الكهرباء وهواتفها تعمل ( محليا ) ويسري الماء في أنابيبها.
إذن المدينة حية بقدرة ناسها على التآلف مع كل المتغيرات.
تحتاج الى عمل مضن واستقرار سياسي وإداري وفريق محترف يسهر على رعايتها وأموال كثيرة تصرف على النواحي الاجتماعية لكي تصل الى الناس ويلمسونها.
ويبدو أنها بحاجة أيضا الى أن نتركها وحالها فكثرة الحديث عنها يعقد من وضعها أيضا.
بحاجة الى أن ننساها قليلا لكي تستريح ، فهي مفرطة بالسهولة ولابد أن تترك قليلا لتمح آثار السياط والألاعيب إيذانا ببدء حياتها الجديدة.