السبت، 12 يوليو، 2008

منشورات الموت


يعد إلقاء منشورات من قبل الطيران الروسي تنذر الأحياء في غروزني للخروج من المدينة عبر ممر أعدته القوات الفيدرالية لغاية يوم 11 ديسمبر 1999 أهم تطور شهدته الساحة العسكرية والسياسية في شمال القوقاز.
وكنا قد حصلنا على عدد من هذه المنشورات ، حيث كانت تطبعها استخبارات القوة الجوية الروسية. وتم إلقاء منشوران الأول يخص المدنيين جاء فيه أن القوات الفيدرالية ترى نفسها " مضطرة لتوجيه هذا الإنذار " لهم وذلك " حفاظا على أرواحهم وسلامتهم " من الأعمال العسكرية التي قد تحدث بعد 11 ديسمبر في العاصمة الشيشانية. وأشير فيه الى أن القوات الروسية أعدت ممرا آمنا للخروج من غروزني قبل التاريخ المذكور ووعدت كل من يستجيب الى هذا النداء بتوفير سكن لائق له مع تزويده بكل احتياجاته الغذائية والصحية والأهم ضمان حياته.
واختتم المنشور بتحذير حاد مفاده أن كل من يبقى في المدينة بعد هذا التاريخ ستتعامل معه القوات الروسية كـ " إرهابي ينبغي القضاء عليه " وبعكسه فأن القوات الروسية تخلي مسئوليتها عن مصير الباقين.
وكان المنشور الثاني موجه الى المقاتلين المتحصنين للدفاع عن العاصمة وردت فيه نفس الوعود بضمان الحياة وتوفير السكن والغذاء والدواء وتنفيذ العفو الصادر من الكرملين والذي صادق عليه الدوما بحق كل من يلقي بسلاحه ويخرج من " الممر الآمن ". واختتم أيضا بنفس التحذير السابق.
ويستنتج من المنشورين المفزعين جملة من الحقائق أهمها : أولا ، عزم القوات الروسية على تنفيذ عملية عسكرية ( لا يشترط أن تكون اقتحاما بريا ومدرعا ) في العاصمة الشيشانية بعد 11 ديسمبر. ثانيا ، محاولة القوات الروسية إنهاء المقاومة الشيشانية قبل حلول شهر رمضان لتجنب ضغوط محتملة من الرأي العام الإسلامي. ثالثا ، وجود نوايا باستخدام أسلحة دمار شامل " محدودة " التأثير لتجنب الخسائر في صفوف القوات الروسية. وهذه الأسلحة ستستخدمها الطائرات والصواريخ القصيرة المدى والمدفعية الميدانية المنتشرة حول المدينة. رابعا ، محاولة روسية لانتزاع نصر سريع قبل حلول الانتخابات البرلمانية في 19 ديسمبر لتقوية مواقع " حزب السلطة " في البرلمان القادم. خامسا ، تبرير التنكيل الحتمي بالمدنيين الذين سيضطرون للبقاء في بيوتهم لأسباب تتعلق بعزة النفس وعدم الارتضاء بصفة اللاجئين وظروفهم المهينة وأخرى ترتبط بعجز الكثير من المسنين الجسماني على تحمل مشاق التهجير القسري. وهذا التبرير موجه بشكل خاص الى المنظمات السياسية والإنسانية الدولية.
وأصبح واضحا من خلال متابعة أسلوب القائمين على السياسة العسكرية الروسية بأنهم يفعلون ما يقولون ، بمعنى أن غروزني ستشهد مجزرة حقيقة بعد 11 ديسمبر لن يسلم منها أي كائن حي. وتعطي " منشورات الموت " المذكورة الانطباع بأن القوات الروسية بدأت تتعامل مع المقاتلين الشيشان من موقع القوة والشعور بالانتصار الذي أعلنته موسكو باحتفالها قبل أيام بتوزيع الأوسمة والأنواط على الضباط والجنود والروس. كما أن المنتصر فقط يعطي لنفسه حق منح العفو للطرف المقابل.
ولم تصدر تعليقات من القيادة العسكرية داخل غروزني حول التحذيرات الروسية، وغالب الظن أن المقاتلين ينتظرون قرارا سياسيا من القيادة السياسية والعسكرية العليا التي غادرت مع رئيسها أصلان مسخادوف العاصمة وتمركزت في مدينة شالي الواقعة في الجنوب الشرقي من غروزني.
غير أن المقاتلين في مدينة عروس مرتان يبدون حتى الآن مقاومة ضارية وأعلنوا بأنهم سيقاتلون حتى النهاية. وهذا القرار مرتبط بشكل كبير مع التحذيرات التي وجهتها القيادة الروسية لرفاقهم في غروزني. حيث أن سقوط عروس مرتان قبل 11 ديسمبر سيضع المدافعين عن غروزني في وضع ميداني صعب للغاية ، فيما يعطي القوات الروسية تفوقا عملياتيا ساحقا ينحصر في تطويق المدينة بالكامل والتحكم بكل ما يدور فيها بشكل كامل. الأمر الذي سيمنح القوات المهاجمة حرية المناورة وقدرة على ترتيب مواضعها واستحكاماتها بدون إعاقة.
وهكذا فأن طبيعة المقاومة التي سيبديها المقاتلون في عروس مرتان ستحدد نوع المعركة اللاحقة في غروزني. وإذا استمرت مقاومة فصائل القائد الميداني أحمدوف وبعض تشكيلات خطاب في عروس مرتان على النحو الحالي فقد تجد القوات الروسية نفسها أمام خيار القتال في جبهتين منفصلتين بالتوازي وهذا سيكلفها الكثير من الجهد والخسائر والمتاعب. غير أن معطيات كثيرة تشير الى أن القوات الروسية ستحقق أهدافها سواء في خططها الرئيسية أو البديلة في وقت ليس ببعيد.
تجدر الإشارة الى أن مغادرة مسخادوف وبساييف وأودوغوف وغلاييف وغيرهم العاصمة الشيشانية رغم رجاحته من وجهة النظر العسكرية ، قد ترك فراغا سياسيا ومعنويا للمدافعين في داخل غروزني. وهذا ما بدأت تستغله القوات الروسية كما ينبغي بمحاولة ملأ هذا الفراغ السياسي والنفسي باتباع سياسة الترهيب والترغيب وطرح خيار الحياة أو الموت من خلال المنشورات التي ألقيت على المدينة.