السبت، 12 يوليو، 2008

أسئلة حول الأزمة الشيشانية


نعتبر هذه الأسئلة جوهر الأزمة الشيشانية و الإجابة عليها مفتاح لحلها .
هل سيحافظ مسخادوف على سلطته على المقاتلين الشيشان لمدة طويلة ؟ أو بمعنى أدق على وظيفته . لأن سلطة الرئيس في الشيشان مسألة رمزية وتتعلق هناك بمكان وظروف وإنسان وبندقية على الرئيس أن يمثلها جميعا .
فزعماء المعارضة الشيشانية يشكلون رفقة غير مرغوب بها حاليا . وعندما اتهم شامل بساييف نائب الرئيس واحا أرسانوف بالتلبس بالاتجار بالرهائن بدا ان العداوة لم تنشب بينهما فحسب ، بل وبين أنصارهما . أما سلمان رادوييف الذي حكمت عليه المحكمة الشرعية الشيشانية بأربع سنوات سجن جراء قيامه باحتلال مبنى الإذاعة والتلفزيون ورفض تنفيذ أمر " محكمة مسخادوف " كما وصفها فتحول الى بوق رئيسي للمعارضة في حين لم يوافق سياسي شيشاني ذا شأن على الدخول معه بتحالف ما قبل شهرين . وكان أرسانوف وبساييف يعبران علنا أكثر من مرة عن شكوكهما بأهلية رادوييف العقلية وينتقدان وسائل الاعلام الروسية التي أظهرت هذا الشخص كسياسي . ويقوم رادوييف اليوم بتحيات الانحناء تجاه روسيا . هذا القائد الميداني الذي احتجز أكبر عدد من الرهائن في العصر الحديث في كيزلار وبيرفومايسكيا والذي يستغل كل فرصة للتبجح أمام كاميرا التلفزيون بأنه نظم تفجير أو عملية اغتيال ما (ألقى على نفسه المسؤولية لمحاولة اغتيال الرئيس الجورجي أدوارد شيفرنادزه رغم اثبات التحقيقات عدم وجود ناقة ولا جمل له فيها ) يعزون اليه عمليات تحرير الرهائن بشكل دوري وكذلك الى رجل الأعمال بوريس بيريزوفسكي الذي يظهر نفسه كوطني روسي حقيقي . كأنهم يتركون انطباع لروسيا بان لا حاجة لها للتمسك بمسخادوف الذي لا يسيطر على شيء ولذا لا يوجد معنى للمراهنة عليه . ولكن في أشد حالات عزلة العقيد ( مسخادوف ) ذهب اليه رئيس الحكومة الروسية يفغيني بريماكوف ليؤكد دعم روسيا اليه.
ان الرغبة في مدح بريزوفسكي ( ومن خلاله القيادة الروسية ) مفهومة تماما : لم يشتغل شخص عداه بشئون الشيشان بجد . لكن من المدهش بأن " بطل " الأحداث الدموية في كيزلار وبيرفومايسكيا وهو القائد الميداني الشيشاني الوحيد الذي يكنّ له الصحافيون والمواطنون الروس الكراهية الشديدة يكلفوه بمد الجسور بين الشيشان وروسيا .
نحاول شرح الموقف ولو بشكل سطحي : لم يستطع أرسانوف وحتى بساييف من اتخاذ موقف نهائي من روسيا .. لذا انتهز رادوييف تأخرهما التكتيكي وأخذ على عاتقه دور الوسيط بشكل ما . وثمة ظرف آخر : تتقوى مواقف رادوييف من يوم لآخر وتزداد شعبيته بين الشباب الذين ينخرطون في " جيش دوداييف " الذي أسسه بعد عودته الأسطورية من الممات ويشكلون بذلك عصابة مسلحة لا يستطيع أحد بما في ذلك الرئيس مسخادوف حلها الآن .
وعندما وصل مسخادوف الى بولندا ، كان أعضاء البرلمان الشيشاني يناقشون مسالة عزله لـ " حرقه " الدستور . ومسخادوف شيشاني قبل أن يكون رئيسا وعلمته الخدمة في الجيش السوفيتي وأيام الحرب القاسية الصبر وتحمل المصائب حتى لو جاءت من الأقرباء وهو لا يريد فقدان ما هو أهم من الرئاسة وهو احترم الناس . نذكر مثلا بان المرة الثانية التي طالبوا فيها بعزله كان في جروزني ولكنه لم يتدخل في التأثير على سير الأحداث .. لم يفرق المظاهرات التي نظمها رفاقه اللدودين .. كان من غير الممكن فعل ذلك في كل الأحوال .. كان في الساحة رفاق السلاح والأيام المريرة .. الأقرباء والأهم المواطنين العاديين . لم يخضع لخيار القوة لأن ذلك سيؤدي الى مجابهة مسلحة جديدة .. ولأن الوفاق الوطني هو أهم إنجازات مسخادوف الذي لا يجادل . عملها جوهر دوداييف في عام 1992 وقمع تجمعات المعارضة وهبطت شعبيته بشدة على حساب المعارضة في وقت كانت فيه ضعيفة وغير منظمة . وفي النتيجة تحولت عمليات دوداييف " التأديبية " المتواصلة ضد المعارضة الى حالة قريبة من الحرب الأهلية . أما الحالة اليوم في مغايرة من ناحية المبدأ : إذ يستخدم الرئيس القوة فأن المعارضة سترد عليه بلا تردد . سيظهر مسخادوف في عيون مواطنيه كشخص يجر البلد الى حرب أهلية ولن يغفرون له ذلك .
أصدقاء وأعداء
أبدى أصلان مسخادوف صبرا عجيبا في وقته ليبقي جميع معارضيه ( عدا رادوييف ) في دائرته . وكان يغض النظر عن أفعال نائبه أرسانوف المتهورة ولم يسمح لنفسه ولو لمرة واحدة على إظهار سخطه أو عدم موافقته على هذه الأعمال . التزم مسخادوف الصمت عندما أعلن باساييف ومن ثم وسائل الاعلام الروسية بان أرسانوف المسؤول عن اختطاف الناس وفعل نفس الشيء عندما أبعد أرسانوف ممثل الرئيس الروسي في الشيشان وأغلق الممثلية في جروزني وعندما أعادوا وافتتحوها في غرفة منزوية في مطار جروزني قرر خطفه . لم يحرك مسخادوف ساكنا عندما أعلن نائبه اكثر من مرة ضرورة استقالة الرئيس وإجراء انتخابات جديدة .
وكان مسخادوف في غضون هذا الصمت يحاول ترويض شامل بساييف وتأليفه واحتل هذا القائد الميداني في حكومته لأكثر من سنة منصب رئيس الوزراء ومنحه صلاحيات واسعة ووجد لأنصاره وظائف حسنة . وأنشأ مسخادوف خصيصا لزعيم معارض آخر هو هونكار إسرابيلوف مؤسسة كاملة أطلقوا عليها مركز مكافحة الإرهاب يرأسها حتى الآن . ولكنه لم يحاول مصادقة سلمان رادوييف حتى لو فقد قاعدته من أنصار دوداييف السابقين .
فلا يمكن لوم مسخادوف السياسي على شيء . لقد عمل كل ما بوسعه لربط أيادي المعارضة . غير ان الزمن أظهر بأن ليس كل شيء في الشيشان يتوقف على ذلك . وحتى المعارضة لم تستطع توحيد الناس وسحب البرلمان الشيشاني رغبته في إسقاط الرئيس . ولكن انتفاضة الشخصيات ذات النفوذ ضد مسخادوف بحد ذاتها تدل على خيبة أمل الشعب فيه . ولم يكن في وسع مسخادوف " منع " حدوث هذه الخيبة بأي طريقة . لا توجد لديه مصادر مالية لإنشاء مشاريع اقتصادية يقضي بها ولو على نسبة ضئيلة من البطالة المتفشية في البلاد منذ مطلع التسعينات.
ويبدو ان حكومة بريماكوف أدركت علة الرئيس الشيشاني حيث هرع لنجدته بريماكوف بعد أن دوت أصوات الاستغاثة من جروزني وموسكو ولكن هذا اللقاء جاء متأخرا . لأن الأموال التي ستصرفها موسكو لجروزني لن تذهب الى الاستثمارات ولا لصرف مرتبات المتقاعدين ولا لإعادة الأعمار الذي تحدثوا عنه طويلا .. ستذهب هذه الأموال لشراء الأسلحة والنضال ضد
المعارضة .
الشيشانان
من المذهل ان المحاولات الفاشلة لإبعاد مسخادوف من الرئاسة كانت تجري في الشيشان حسب قواعد اللعبة الجارية في موسكو . يكرر الطرفان بلا تعب كلمات " الدستور " و " الشرعية " ويرفضان إمكانية خروج النزاع الراهن من إطار القانون . لنتذكر اجتماع القادة الميدانيين الذي تحول لقائهم الى منظمة رسمية وشرعية عندما اقترحوا على البرلمان الشيشاني التأكد من شرعية أعمال مسخادوف . درس البرلمان هذا الاقتراح واستنتج القرار الغريب التالي : صحيح ان الرئيس الحالي يخرق الدستور ولكن جميع الرؤساء الشيشان بلا استثناء كانوا يخرقونه . ولذلك لا يمكن إبعاد مسخادوف . وبدلا من ذلك ينبغي تشكيل محكمة دستورية تطبق الشريعة الإسلامية .
كأن الحديث يجري عن بلد كبريطانيا أو سويسرا وليس عن الشيشان الذي تشكل تجارة اختطاف الناس جزء من الناتج المحلي الإجمالي وحيث تمتلك عصابات مسلحة مثل " جيش دوداييف " نفس السلطة وربما أكثر مما لدى الرئيس . كأن هناك شيشانان : الشيشان غير الواقعي حيث يوجد الرئيس والمعارضة والبرلمان المستقل ( كما في البلدان المتحضرة) والشيشان الواقعي حيث يسود التعسف وقوانين الغاب .
يريد أغلب الشيشان العيش في دولة القانون حيث ينتخب الشعب السلطة التي يحدد صلاحياتها القانون وليس الرشاشة . ويبدو ان المجتمع الشيشاني تاه بين العصور والحضارات والقيم الروحية واختلط فيه كل شيء : الثأر وحقوق الإنسان ، خطف الناس ومركز مكافحة الإرهاب ، السلاح والمحكمة الدستورية .
أن أصلان مسخادوف ابن شعبه وزمنه .. امتزجت فيه عقيدة الضابط السوفيتي والتصور الشيشاني عن الأمانة والشرف ، التسامح الإسلامي والثأر القبلي . لم يفكر بعد تقاعده من الجيش الروسي في خريف عام 1992 بمشكلة استقلال الشيشان وكان هدفه بعد عودته الى موطنه هو بناء القوات المسلحة الشيشانية . وترأس فيما بعد الجيش المحارب وأحسن أداء مهمته . وتحول منذ صيف 1995 الى صانع للسلام واتضح منذ بداية المحادثات عن إنهاء الحرب بأنه يسعى الى السلام الحقيقي ونجح في ذلك ومن ثم انتخبه الشعب عرفانا لانتصاره في الحرب والسلام . لم تحيره المشكلة الحالية ( نقصد إمكانية إبعاده من منصب الرئيس ) لأن خطر فقدان هذا الكرسي ليس أسوأ شيء يحدث مع سياسي في الشيشان الراهنة . يفهم مسخادوف كل ذلك بناء على مراقبتنا سلوكه في الوقت الحاضر.