السبت، 12 يوليو، 2008

ما الذي حدث في الشيشان ؟


كان الجنرالات الروس قبل استقالة بوريس يلتسين يصرحون دائما بأنهم سيدخلون المدينة الشيشانية الفلانية ويعطون حتى الساعة التي " سيحررونها " بها. وما أن تحل هذه الساعة حتى يتم التأكد من سيطرتهم على المدينة. وما أن يقولوا بأن " كل شيء يسير حسب الخطة " لا يشك مراقب في أن كل شيء بالفعل يسير حسب الخطة لأنهم يحققون ما يقولون وهكذا استمرت أشهر الحرب " الذهبية " الأولى حتى 31 ديسمبر الماضي وهو اليوم المشهود الذي قدم فيه بوريس يلتسين استقالته وسلم فلاديمير بوتين تركة لا يقوى محلل التحدث عنها بدون أن تنقطع أنفاسه.
فماذا الذي حصل في القرن الجديد ؟
من المعروف أن الجيوش تصاب بالانكسار وتدحر القوات لأسباب موضوعية يمكن لمسها ووضع اليد عليها وخاصة بالنسبة للمتمرسين في شؤون الحرب. ولكن الحالة في الشيشان تطورت وتغيرت الى الحد الذي لا يمكن للأسباب الطبيعية والتقليدية أن تعللها : المقاتلون الشيشان هم أنفسهم لم يتغيروا ولم تصل إليهم تعزيزات خارقة ، كما أن أسلحتهم بقيت كما هي بدون تغيير وكذلك الحال بالنسبة للقوات الروسية. ولكن المقاتلين الشيشان وبسرعة هائلة يعيدوا سيطرتهم على مدن كاملة خرجوا من أغلبها طواعية وبدون قتال. فما الذي جرى ولماذا عادوا ليسيطروا عليها ؟
بعد أيام من منحهم أعلى الأوسمة العسكرية الروسية من قبل الرئيس السابق بوريس يلتسين قرر الرئيس الجديد إعفاء الجنرالين فلاديمير شامانوف قائد الجبهة الغربية والجنرال غينادي تروشيف قائد الجبهة الشرقية. وهذان الجنرالان ساهما في الحملة الروسية السابقة وازدادوا شهرة في الحرب الحالية لأنهما بالذات من سيطر على المدن الشيشانية الكثيرة التي كانت تتهاوى بأيديهم بالأيام والأسابيع. وخلال ساعات غادر شامانوف قيادة الجبهة الغربية ليتولى قيادة الجيش 58 وغادر تروشيف مسرح العمليات الى مدينة راستوف ليلتحق بمنصب جديد هو نائب قائد القوات المرابطة في القوقاز.
وتم إعفاء الجنرالين في وقت كانت وحداتهم تخوض معارك شرسة للغاية في وسط غروزني وضواحيها. واختفى معهم عن الأنظار الجنرال نيكولاي كوشمان نائب رئيس الوزراء وممثل الرئيس الروسي في الشيشان بعد أن كان يطرب الصحفيين كل يوم بأخبار " الفتوحات ".
وأول ما يتبادر لذهن المراقب في هذه الحالة هو أن سبب إبعاد هذه الشلة من الجنرالات لابد وأن يكون سياسيا وليس عسكريا ؟
فالحرب أو بمعنى أدق " الانتصارات " التي حققها هؤلاء هي التي بيضت وجوه أهل الحكم أمام الشعب الروسي ، السبب الذي أدى الى فوزهم بأغلبية معقولة في الانتخابات البرلمانية ، التي كانت نتائجها بلا أدنى شك بمثابة الرافعة الأسطورية التي حملت فلاديمير بوتين الى الكرملين فيما يعرف بـ " دخوله الأول ". ولا يختلف اثنان من كل متابعي الأحداث وسير السياسيين بأن ما تحقق في الشيشان ( وليس الحرب في الشيشان ) هو العامل الأول والأخير لـ " إجلاس " بوتين على عرش الكرملين. وهو في نفس الوقت يكاد يكون السبب الرئيسي لما يحصل الآن.
وبعد استعادة القوات الشيشانية مدن بحجم شالي وأرغون وعروس مرتان وغوديرميس نسى الكرملين قراراته السابقة وتم إحضار شومانوف وتروشيف على عجل والتحقا بمناصبهما السابقة وأنكر الجميع بوجود قرارات إعفائهما ! وهكذا تحاول القوات الروسية في هذا الوقت فرض سيطرتها على هذه المدن ونسوا حتى غروزني في خضم هذه التطورات. والغريب أن الجنرالين حققا بعض التقدم في هذا المجال واستعادوا سيطرتهم على أجزاء كبيرة من المدن المذكورة.
فما الذي دفع الكرملين الى اتخاذ قرارات مثل إزاحة قيادة الجيش في اللحظات التي يخوض فيها معارك ضارية ، فالحصان لا يبدل أثناء عبور العربة في النهر ".
أن الكرملين أحس بعقدة ما من الجنرالات ، وللتوضيح ليس من مصلحته ظهور رعيل كامل من الجنرالات النجوم الذين لا تتطابق رؤيتهم لدور الجيش في الدولة الروسية التي يريد " أسياد " الكرملين بنائها ( أو تحطيمها ).
وفي الكرملين برروا ما حصل من هزائم وخسائر كبيرة مني بها الجيش الروسي في الشيشان بحصول " تغيير استراتيجية الحرب في الشيشان ". فما هذه الاستراتيجية التي غيروها وهل كانت لديهم استراتيجية بالأساس ؟
جمدوا " العملية الخاصة " لاحتلال غروزني التي تحدثوا عنها طوال الحملة الانتخابية وذلك " لإعطاء المجال للمدنيين من مغادرة المدينة ". وحتى الهدنة التي اقترحوها لثلاثة أيام " بمناسبة عيد الفطر " قالوا بأنها من أجل إخلاء المدنيين. غير أن هذه الهدنة كانت من أجل فك الطوق الذي فرضه المقاتلون الشيشان على الوحدات الروسية المحاصرة في غروزني. ولم تنطل هذه الهدنة على الشيشان حيث قاموا بهجوم مضاد أعاد ذكريات الحرب السابقة. وفي هذا الوقت بالذات بدأت موسكو التحدث عن المحادثات السلمية مع الرئيس أصلان مسخادوف !
ويمكن تفسير تضارب الأحداث حسب السيناريو المدهش التالي :
وفقا للنظرية القائلة بأن الحرب كلها من تدبير موسكو و " صنعت في الشيشان " ، أي بتمويل طواغيت المال وعلى رأسهم بوريس بيريزوفسكي وتنفيذ شامل بساييف الذي دخل الى جبال داغستانية مجهولة محررا ومعلنا قيام جمهورية القوقاز الإسلامية على حساب بيوت الجبليين الطينية التي تلاشت بحيث بقت جمهوريته بدون حتى هذه البيوت الطينية. فأن الممولين طالبوه مجددا بتحريك الوضع في الجبهة لأن الانتصارات المتلاحقة للجيش الروس تصيب الناخب الروسي بالخمول وهي تعطيه انطباع بأن كل شيء يسير على ما يرام وأن الجيش وليس بوتين من حقق هذه الانتصارات وأن المقاتلين الشيشان ليسوا بتلك الخطورة التي تصوروها.
عندها سيلتفت الناخب الروسي الى حياته وسيطالب بوتين وحكومته بتغييرات جدية في مجالات أخرى وهي الأهم مثل الاقتصادية والاجتماعية. فقد سكتوا عنه كفاية طالما الحرب قائمة في الجنوب. وإذا تولى الجيش مهمة " تصفية قطاع الطرق " فلماذا لا تتولى الحكومة مسؤولياتها في إنعاش وضعهم المتردي. ولو كانت معركة السيطرة على غروزني قد انتهت قبل رأس السنة كما وعدوا الناس في الحملة الانتخابية ستزيد هذه المطالب حتى 26 مارس 2000 موعد الانتخابات الرئاسية المبكرة وخلال هذه الأشهر لن تستطيع الحكومة ولا الكرملين بطبيعة الحال إيجاد حلول لها. إذن لابد من وضع الشعب الروسي من جديد تحت مطرقة الحرب وينبغي أن يشعر بحرارة النار في بيته عندها سيكف عن التفكير في قضايا " ثانوية " مثل تحسين الوضع المعاشي والأسعار وسعر الروبل والنهوض الصحي والتعليمي وغيرها.
وينبغي حسب هذا السيناريو أن تتصدر الحرب في الشيشان ( وليس الانتصارات فيها فقط ) أولويات تفكير المجتمع الروسي ، يجب أن يشعر كل فرد في روسيا بأن بوتين هو الوحيد الذي سينقذ حياته وهو الشخص الذي سيحفظ أمنه وليس من يطعمه ويسهر على رخائه فهذه أحلام نسيها الروس منذ مائة سنة ؛ الأمن وليس الغذاء والدواء والكتاب. وبتحقيق ذلك يضمن " الأسياد " ما يمكن تسميته " الدخول الثاني " لبوتين الى الكرملين في انتخابات 26 مارس القادم التي لا يريدون أن تكون انتخابات بالمعنى التقليدي بل " تصويت " أو " بيعة " للرئيس الأوحد. وقبل هذه " البيعة " لا بأس من تجميلها بعدة أنباء سارة من الجبهة و " فتوحات " جديدة لن يخسر فيها الشيشان مقاتل واحد ولن يجرح فيها أحد تماما كما خرج بساييف من داغستان بحماية المروحيات الروسية وبعد وصوله سالما معززا في الشيشان أخذت المدفعية والصواريخ والطائرات الروسية تدك صخور جبال داغستان العارية من أية مقاتل وأية جمهورية إسلامية تمتد من البحر الى البحر.