الأربعاء، 9 يوليو، 2008

مقاهي كابول .. ساكنة .. خجلة .. لرمي ثقل القرون

لا وجود لمقهى في أفغانستان كمقاهينا : الموعد غير المتفق عليه ، التسامر والضجيج ، خطبة أخت الصديق خلال لعبة نرد ، إخفاء قطع الدومينو المزعجة عند الضرورة ، الاستدانة وتبادل ما تيسر من كتب وحياكة الأحزاب وحياة كاملة أخرى.
مقاهي أفغانستان عموما مطاعم - مقاهي. قد تجد فيها كل شيء وقد لا تجد فيها شيئا. ساكنة ، خجلة ويكاد جسمك يتقلص ما أن توشك على الحركة فيها.
أحيا ضجرها التلفزيون بلا منازع. وتتشابك فيها الأذرع والأجساد لو حل فيها الفيديو جالبا البخت لأصحابها.
لذلك لم تكن في أوقات طالبان مقاه بالمعنى الحرفي للكلمة. كانت مطاعم فحسب. وتحولت بعد التحول الى قاعات يرمي فيها المرء ثقل القرون.كانت ملجأنا الوحيد في الاختصاصين : المطعم والمقهى. نزيح فيها تعب النهار ونطمئن المعدة على البقاء.
والمقاهي تقسم الى قسمين ظاهرين : غربي وشرقي ! هكذا يسمونها. الجناح الغربي فيه كراسي ومناضد ، أما الشرقي فالجلوس فيه على الأرض. ورواد هذا الجناح أو ذاك يتلقفون الروائح نفسها والسكون المعلق بصوت التلفزيون وارتماء الأحضان على مطربة الفيديو الإيرانية.
وقلنا قسمين ظاهرين ، لأن في كل مقاه أفغانستان توجد غرف سرية ، أو بعبارة أرق ، غرف معزولة. لم نكتشف طلاسمها بعد. ولكن هناك افتراضات فقط : مخصصة لمن يصحب معه عائلته ، للضيوف الخاصين جدا ، لتعاطي بعض الأمور غير المسموح بها وغير ذلك من الظنون.
تجدر الإشارة الى أن هذه الغرف المعزولة كانت طوال تواجدنا بلا رواد ، بالرغم من تهيئتها بحيث تكون مستعدة لاستقبال الضيوف المستعجلين.

كل العاملين في المقاهي على أهبة الاستعداد لتلبية أي طلب بسرعة وفعالية. ولكوننا نلجأ إليها بعد مغيب الشمس بقليل حيث تبطل العدسة من التصوير المباح فنكون في مرحلة من الإرهاق والجوع لا تحلل لنا تذوق هذا أو ذاك من المأكولات. لذلك أصبحت قائمة الطعام بالنسبة لنا سواسية. وليس هذا فحسب فمهما غيرنا المقاهي ونوع الأكل ، يبقى طعمه نفسه ، وكأن طباخا واحدا يعد الأكل لكل البلاد.
هناك الرقيب الذي تحدثنا عنه مرة ، في كل مقهى. وهو مسؤول الرموت كنترول للفيديو والتلفزيون. ومهمته تسريع اللقطات غير المرغوب بها. وأفضل اللحظات بأسا للمشاهدين هي تلك التي تظهر فيها اللقطة والرقيب مشغول بأمر أهم.

وتحافظ المقاهي الأفغانية وتحترم الاختصاص. فلكل شخص في الكادر دوره الذي لا يتجاوز فيه على الآخرين. فالذي يستلم الحجز هو الذي يأتي بالأكل ، وهناك مسؤول عن الشاي وآخر عن اللبن ورابع عن السكر وخامس عن تنظيف المائدة وإزالة الصحون وسادس يدور حول الموائد ليصرخ بالطلبات ، أما السابع فهو الذي يستلم منك حزم الأفغاني ( فلوسهم ).
الطريف فيما حملته المقاهي الأفغانية لنا وهو أن صحافيا يابانيا سمينا كنت أصادفه أمامي كلما أذهب الى مطعم في دوشنبه. وتكرر الأمر نفسه في أماكن متفرقة من شمال أفغانستان ، كل ذلك كان يحصل بلا تدبير مسبق. فهل يمكن التصديق بأنني أراه أمامي كلما أغير المقهى في كابول أيضا ؟!
هو انتبه كما انتبهت لهذه " المصادفة " ، غير أنني خشيت بأنه يظنني جئت لأفغانستان لكي آكل فقط ، تماما كاتهامي له. وأعرف أنه محتار الآن في تفسير الفارق بين وزنينا مع أننا نرتاد المقاهي نفسها !