السبت، 12 يوليو، 2008

غوديرميس الممسوحة بالمدرعات


عبرت بنا الدبابة المسالك الترابية أو بالأحرى الطينية الملتوية بين حشائش لم يطأها حيوان منذ الاستقلال. تذكرت كيف مسحت عيني أرض القوقاز من نافذة الهليكوبتر وأدركت عبارة قالها شكسبير بأن أرض القوقاز معقودة في الأرض. لم أجد أدق وأوسع من هذا التشبيه فيما كانت الدبابة تمارس مع ساكنيها تمارين تخفيف الوزن.
كانت البيوت في ضواحي غوديرميس تقترب من التلال. لم ألحظ أية حركة لظل أو مخلوق عدا الجنود الروس. وتساءلت في مفكرتي : أين الناس ؟ وقبل أن أنطق أجابني أحد رفاق الطريق : لا تستعجل فالمدينة غاصة بهم.
بدأت المدينة بمبان هرمة وكأن أحدا لم يسكنها منذ زمن سحيق والسهول مراعي لا نهائية للهواء. وبعد أن بدأت ملامح المدينة تعفر الفضاء أدهشني وجود مساحات هائلة من الأرض تغطيها الزبالة ؛ لقد أدخلتني الدبابة الى المدينة عبر مزبلتها ! لكن هذا المنظر توالى حتى مركزها وكأني كدت أصرخ : الزبالة تتسلق جدران البيوت ألا يحق التقشف بسعر بندقية وتنظيف المدينة. لكن الجبلي ينام مع السلاح أكثر مما مع امرأته.
هذا ملعب المدينة ، ساحات لكرة القدم وعمود منتصب لكرة السلة ، أين الثاني ؟ وجدته بعد عدة مطبات يستخدمه الجنود الروس كحاجز للتفتيش ؛ هكذا مرمي على الأرض فمن يا ترى يلهو في لعب كرة السلة في زمن الحرب.
بدأ الأطفال يسترقون النظر من فتحات الأبواب الخائفة وبدأت الحركة في الأحياء البعيدة عن المركز وظهرت تجمعات لرجال لا تضم أكثر من خمسة. علمت فيما بعد أن تجمعات مثل هذه غير مرغوب فيها كما أن التجول ممنوع حال مغيب الشمس وبدون صراخ تتكفل البندقية الروسية الحل.
عبرت الدبابة الجسر الحديدي الذي تفرعت تحته خطوط سكك الحديد. خطوط كثيرة متشعبة وعندما زرت محطة القطار ( أحب التعرف على المدن من محطاتها ومطاراتها ) كان كل شيء فيها يذكرني بالمحطات الصحراوية التي نهبتها عصابة مكسيكية قبل لحظات وقتلت من فيها في أفلام الكاوبوي الأمريكية. الناس أفهموني بأنه لا الحرب الأولى ولا الثانية لها علاقة بما حل في بنية المدنية ، كل ما في الأمر أن كل ما موجود بقى على حاله منذ مطلع التسعينات وتوالى نهبه. حتى كراسي المحطة اختفت والشبابيك والسكك صدأت بانتظار قطارها الموعود. وسألت عن سبب وجود كل هذه الخطوط من السكك الحديدية ، قال العارفون بأن غوديرميس كانت مركز تجاري مهم في القوقاز في الأوقات السوفيتية . وعبرها تمر كل قطارات الحمولة والركاب التي تربط جنوب الأرض بشمالها وشرقها بغربها. كان الأذريون والكازاخ والأرمن والروس وكل شعوب الاتحاد السوفيتي يمرون من هنا. لا يمكن الوصول الى موسكو من إيران وتركيا وبلدان ما وراء القوقاز الى عبر بوابة غوديرميس. وأدركت أن لهذا المدينة سحر عجيب فعبرها تمر كل قوافل الدنيا فلا يستغرب نظرة شعبها المختلفة للأمور وتكدس المثقفين والعلماء الشيشان فيها. حالها إذن يشبه كل محطات الكون التي تضم الاتجاهات الأربع.
ماذا كان يضير الجبليون في غروزني لو استمرت غوديرميس بهذه الحيوية ؟ لماذا لم يهتم أحد بهذه المدينة وجعلها ترتمي بأحضان الروس؟ ومع ذلك قتل 40 شخصا من المدنيين بسبب القصف الروسي . كتب إذن على سكان هذه المدينة المحرومين من كل شيء الموت فقط. قال لي عجوز شيشاني عبارة قاسية وحزينة : استلمنا حصتنا من الموت ! ولكن حصتهم في الحياة لا تقلق بال أحد لا المشركين ولا المؤمنين .
والغريب أن سلطات غروزني التي تشغف بعبارات الاستقلال لم تكلف نفسها وتستبدل اللوحات المعلقة على المباني الحكومية والأسواق والتي ما زالت جميعها باللغة الروسية ! فماذا يعني الاستقلال إذا كنت لا تملك الكهرباء والغاز والماء وتتعامل بالنقود الروسية وتحمل الجواز الروسي ووثائقك كلها بالروسية وكتبك المدرسية وأحاديث الناس في الشارع وطريقة حياتهم وملبسهم ونظامهم اليومي. حتى الصلاة يؤدونها باللغة الروسية ! أين الاستقلال أذن ؟ قال لي شاعر داغستان الأكبر رسول حمزاتوف مرة : " لماذا أستقلّ عن جاري ؟ سأحتاج إليه وسيحتاجني .. سيعينني على مصائب الدهر وسأعينه .. أين أولي وجهي أجده أمامي .. جاري هو أخي .. غباء وكذب هذا الاستقلال".
وقال الناس : عشر سنوات لم يطبعوا لنا النقود ولم نحمل غير البطاقات والجوازات الروسية ولم نعرف الحاكم والمحكوم وكل ما رأيناه علم وحيد وبندقية في كل منعطف.
توقفت عند طابور غير منظم لرجال ونساء حول علبة صفيح رفع عليها العلم الروسي . مئات يتدافعون بلا هوادة وكلل . سألت أحدهم عن سبب هذا الزحام ، فتبين أنهم يريدون الحصول على البطاقات الثبوتية .
هكذا يتدافع الشيشانيون بالمئات من أجل الحصول على بطاقة تثبت وجودهم في مدنهم من المحتل !