الجمعة، 11 يوليو، 2008

الحصار في سالانغ


"لا تبك لأنه انتهى
ابتسم لأنه حدث"
- إيف بونفوا -

في رحلة الذهاب من كابول الى مزار شريف ، لم تظهر سلسلة جبال سالانغ شيئا غير طبيعيا وكانت صخوره تلمع بسبب ضوء الشمس الساطع التي كانت تصنع حياة لا تنضب لأولئك الذين فضلوا احتضان قممه.
غير أن دقائق معدودة كانت هي الفاصلة في رحلة العودة من مزار شريف الى كابول ، تلك التي وصلنا فيها الى أعلى قمة في جبال سالانغ حيث الممر أو النفق الاستراتيجي الذي بناه السوفيت والممتد لمسافة لا تقل عن 50 كيلومترا في عمق الجبل ، عندما بدأت في تلك اللحظات عاصفة ثلجية فريدة من نوعها حسب شهادة أهل المنطقة ، الأمر الذي أدى الى غلق منافذ النفق من جهاته المتفرقة بثلوج فضولية أنجبت أخرى.

في البداية لم تسمح الرؤيا على اختراق العاصفة وسط طريق جبلي ملتو لا يتسع لسيارتين متقابلتين. وبعد دقائق كانت الثلوج قد احتلت الطريق الوحيد المتاح نزولا من سالانغ أو صعودا إليه.
وهكذا تعلق كل من صعد الجبل في المسافة التي حددتها عجلات سيارته. وكانت النقطة الأولى لتوقفنا هي بضعة أمتار داخل النفق ونفسها خارجه.
لم يكن الأمر سهلا على سيارات غير مؤهلة للغور في الثلوج ، خاصة وأن تركيب عجلات خاصة بالسير على الثلوج أمر غير معروف ولا جماهيري ولم يفطن إليه أحد لندرة تساقط الثلوج الكثيفة في المدن الأفغانية. وربما لهذا السبب اخترع سائقو الخطوط الجبلية طريقة قد تكون جديدة وهي لف الإطارات بسلاسل حديدية لكي تقوي الاحتكاك بالأرض الثلجية وتمنع السيارة من الانزلاق. ويمكن تصور عدد كبير من السيارات تقف بطابور طويل جدا على مرتفع أو منحدر جبلي زلق بإطارات حافية ملساء ، لذلك فقد لعبت هذه السلاسل دورا حاسما في منع كارثة كبيرة لو انزلقت سيارة واصطدمت بجارتها على طريقة تساقط قطع الدومينو الواحدة بعد الأخرى.
في نفق سالانغ يكون الإنسان قد ارتفع عن سطح البحر نحو 5 آلاف قدم . وفي تلك الساعات التي تطاول فيها المحاصرون على السحاب ، كانت درجة الحرارة تنحدر أكثر فأكثر حتى وصلت حسب تقديرات السيارات المزودة بأجهزة القياس الى 20 تحت الصفر.
ولو أضفنا التغييرات التي تحصل على الضغط الجوي في المناطق المرتفعة والتي تجهلها ممانعة الإنسان غير المؤهل لأن يصبح جبليا بين ليلة وضحاها الى درجة الحرارة الواطئة والغاز الذي كانت تنفثه المركبات في ممر مغلق طويل عرضه يتسع سيارتين تكون النتيجة : برد شديد واختناق محتوم وضغط غير مواتي. وفي حالة إضافة الجوع والعطش لمن لم يستعد لهذا اليوم المعتم ، تكون كل أسباب الموت البطيء جاهزة.


ولعل تكاتف الإنسان الفطري مع أخيه الإنسان في اللحظات التي يوضع فيها أمام خيار أن يكون أو لا يكون ، كانت الوخزة الوحيدة التي ترعرعت في نفوس رفاق المحنة وتنامت مداوية جراح القيود التي فرضتها الطبيعة. فهذا يمنح لصاحبه الوقود وآخرون يتبادلون السجائر مع قطع الخبز ، وثمة من يعد الشاي لعائلة جمدها البرد وآخر انتزع ملاءته ليصلي عوضا عن الجميع.
أما نصيبنا من التآلف الجماعي كان استضافة عائلة من رجل وامرأة وأربعة أطفال أكبرهم في الثامنة في مؤخرة سيارتنا لتدفئتهم بما تيسر من أنفاس متهالكة بعد أن تقطعت بهم السبل وحتى بدون أن نسألهم عما حصل بهم وكيف ألقى الدهر بهم في قمة الجبل. والطريف أن الأطفال الأربعة كانوا هادئين جدا ولم نشعر بوجودهم ، فلا بكاء ولا حتى نفس مسموع. ولأنهم لهذه الدرجة من الهدوء نسيناهم في المقعد الخلفي للسيارة حتى الليلة الثانية.
كانت الليلة الأولى هي الأصعب من الناحية النفسية والفيزيائية. وكانت بطارية الهاتف الفضائي تتضاءل وبقى فيها 10 دقائق فقط ، وكان لابد أن نتصل بالجريدة لنخبرهم بواقع الأمر فمن يعرف كم سنبقى من أيام ، لا سيما وأن أكثر المحللين تواضعا أصر على أن الفترة التي سنبقيها في قمة الجبل لا تقل عن أسبوع.
وبينما كان الزملاء في الجريدة يسهرون معنا في تلك الليلة باحثين عن سبيل لإخراجنا من هذه المحنة بالبحث في وزارات دفاع الدول المعنية لكي ترسل لنا مروحية إنقاذ ، كانت عيوننا تنطفئ رغما عنها وكأن النوم قناعا سقط بحنو لكي يمنح الروح المتعبة ضوءا قاتما وحفيفا مكسوا بغازات النفق.
انتهت الاستراحة الأولى في السادسة صباحا حيث استأنفت حركة الخلق وتبادل الانطباعات والتوقعات وقطع الخبز والماء.استمر ذلك الهيام حتى الساعة التاسعة لكي يصل أول نبأ سار : وصل تراكتور سوفيتي من جهة مزار شريف وآخر شقيقه من ناحية كابول. وكانت السلطات قد أوقفت كل السيارات المتوجهة الى مزار شريف في منطقة ديكيباك في ضواحي كابول ( كما رأيناها فيما بعد ) لكي تتسنى للقافلة المحاصرة شق طريق لسيارة واحدة للنفاذ من سالانغ دون أن تعيقها السيارات القادمة من كابول. كانت الجهود التي بذلت بأدوات بدائية ، عظيمة بلا أدنى شك لفتح طريق في أعقد سلسلة جبال عصفتها ثلوج غير متوقعة ، ناهيك عن أن الحروب لم تبق جسرا منتصبا في مكانه. والذي زاد من تعقيد الأمر أن سنتمترات معدودة تفصل أي سيارة عن الانحدار في الهاوية ، وفوق هذه المعانات ، أن أي عطل أو انحراف أو اصطدام لسيارة بتل ثلجي أو أي شيء من هذه القبيل من شأنه إيقاف كل السيارات التي خلفها وتعطيل سير القافلة.
كان التركتران التوءمان يعملان في الجهتين بلا إبطاء ، ولأنهما من مخلفات السوفيت الذين شيدوا صرح سالانغ الأسطوري فكانا عجوزين ولا يتحملان مهمة جسيمة من هذا النوع. قد يشقا طريقا من 100 الى 200 مترا ولكن أن يفعلوها بطريق جبلي متعرج وصعب طوله 150 كيلومترا وصل فيه مستوى الثلج لارتفاع سيارة ، ذلك لم يتصوره حتى من صممهما.

بدأت السيارات تتحرك في الساعة العاشرة من مساء اليوم الثاني. ولأن النفق طويل أبعد من ابتداع التصور ، ولأنه امتلأ بغازات الليلة الأولى وغبار ممتزج بالثلج بالإضافة الى كائنات طائرة أخرى فقد كانت الرؤيا فيه أقل حتى من الصفر. كانت اللوحة المرسومة أمام زجاجة السائق تشبه بلورة متفتتة وكان عليه أن يمضي قدما في بحر من بلور يكثفه غبار الثلج. لم يكن هناك مخرج آخر سوى إطلاق الأيدي من جهتي السيارة لتحدد وجودنا في مركز النفق وعدم اصطدامنا بجدرانه. كان يمكن لأي منا أن يخسر يده على أن لا يخسر السيارة ومن فيها ! وهكذا استمر هذا التوالي الذي لن يمحى من الشعور والذاكرة لخمس وأربعين دقيقة مرت كعمر غراب. كانت أكثر الكوابيس إبداعا وقسوة لم تفلح في إنجاب مثل هذه المغارة التي إن خرجت منها تلقفتك صخور نارية كل ما فعلته أضواء النجوم ، أن جعلتها بلون رماد محترق توا.
انتهى النفق وولدت لوحة هي الأبهى منذ تاريخ قيام هذا الجبل : ألف وخمسمائة سيارة بثلاثة آلاف مصباح تتلوى قلادتها على رقبة الثلج في ليل مكره على البقاء فترة أطول وأطول. وكان رذاذ الثلج الحار المتطاير من مئات العجلات يمعن في تقسيم الأضواء ليسلسل نورها الوهاج ليسقي بها ستر الليل المرفرف.
فتحت الأبواب وقفزت الحياة مجددا وحانت ساعة النشوة ، فليغلق جهاز التسجيل عن الأغاني الأفغاني ولنغني بعض ما نتذكره لعبد الحليم. وفي غبطة الشعور بكسر القيود تذكرت تلك السواعد التي شقت الطريق بأدوات منزلية ، والمئات من الرجال الذين فتحوا الطريق بأجسادهم المغطاة بالعباءة الأفغانية التقليدية التي دفأت البلاد. والنسوة والأطفال الصامتين بصبر رفرف على الكهوف ممتدا الى ممرات الجبل اللانهائية. والنجوم التي سطعت في الليلة الثانية كما لم تسطع على هذه الأرض أبدا والتي يستمد من قبسها أمل العودة للنور من الظلمة.