الأربعاء، 9 يوليو، 2008

في البحث عن الجسد المفقود



مثل هذه المواضيع لا يمكن أن تعد له مهما امتلكت من مكر وحنكة. ووقائعه قد لا تساوي شيئا وليس بالضرورة أن تحمل أهدافا يسيرة كانت أم عسيرة. لا الأرقام هنا ذات قيمة ولا الأوزان .. وفي بلد أطلق من الرصاص ما تجاوز حبات المطر المسترسلة على قصته ، لا حديث عن مسببات السقوط الإنساني حيث تنجب كل رصاصة عاهرة … بلا أسماء ولا وجوه : النائحات واليتامى ، غارزات الدموع في أبر الأشجار ، ذوات الأجساد الرطبة الراعشة في ثلوج كأنها تمائم ، غزالات البلاد المصطفات المستويات حشرات قاتمة ، الهابطات على صبية أسسهم الجوع وفقا لجرح طويل وعميق.
في مثل هذه المواضيع الدامعة تتراءى شبكة من المهزومين والمسحوقين ، قصاصات الورق العالقة بها الكلمات الدنيئة. المحكومين بالسقوط مدى الحياة ، تصغر الكلمات عند وصفهم وتتضاءل :
أنهم ضحايا رحلة البحث عن الجسد المفقود
الليل والنهار
عندما حلق طالبان على جناح السلطة كانت البلاد قد وصلت الى حالة من الفوضى الاجتماعية والسياسية والأمنية لم يقدر أحد تدوينها بسجل أو أرشيف. وارتضى كل من سولت نفسه البقاء في الوطن التظاهر بأي شيء عدا الحقيقة. ولأن طبيعة الحياة فرضت نظامها المعروف من أجل البقاء ، فأن أصحاب مهنة هذا الموضوع ارتدوا حربائهم هم أيضا حالهم كباقي الخلق ليحافظوا على وجودهم الفيزيائي بانتظار اللحظة الفاصلة.
وكانت الدعارة في أفغانستان من المهن التي بدا وأن طالبان أغرقت نفسها في محاربتها كما تظاهرت في مكافحة زراعة المخدرات والاتجار بها وزراعة العنب وصناعة الخمور.
وإذا كان أهل المخدرات قد نجوا بجلدهم وبضاعتهم لأسباب يعرفها وزير مالية طالبان ، وصناع الخمور تلقوا ضربة العصر حيث اقتلعتهم الحركة من جذورهم وأطاحت بهم بلا شفقة ، فأن عاهرات البلاد تحولن الى حمامات مرفرفة على الدوام.
لم يسبين كما حملت لنا الأنباء ، ولم يجرجرن من شعورهن الى ملعب المدينة كما تتحدث الصورة الوحيدة لإعدام امرأة فريدة ، ولم يحرقن على مذبح الطهارة.
وجدن أفضل الحلول الشرعية والإنسانية ، فالسيف لا ينهي النشوة ويمكن للباب أن يفتح لمن يريد الجسد المفقود من قمة الرأس الى أخمص القدم ، ولكن بالخلوة الشرعية ، التي ما أن تنقضي ، حتى يأتي النهار بسننه وقوانينه.
مأذون بالأجرة
كل ما يحتاجه الباحث عن الجسد المفقود ليخرج نهارا كما دخل ليلا بلحمه وشحمه سيارة تكسي ومأذون شرعي. وهؤلاء كالمترجمين أيام الحرب الأمريكية العظمى ضد الإرهاب ، لا يمشون خطوة بدون تكسي. وهم من الكثرة بحيث ازدحمت بهم أروقة وزارة " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " التي كانت تمنحهم إجازات رسمية لتحرير عقود الزواج. وكانت هذه العقود تحرر كل يوم كما يحرر طبيب منفرد روشيتات الأدوية في قرية أصابها وباء.
والأكثر طرافة أن الراغبين في " الخلوة الشرعية " لا يكلفون أنفسهم ويبحثون بين براقع النساء ومن خلال المعارف وسجلات " النهي عن المنكر " السرية أو شرطة الآداب كما تسميها الدول العلمانية " الكافرة " ، بل يلتجئون مباشرة الى حضرة المأذون الشرعي ( وهم أكثر عددا من سواق التكسي المسجلين بالمناسبة في سجلات وزارة " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " ) ليعطيهم قائمة بالمتيمات والمنتظرات السيد الزوج ، زوج الليلة الواحدة !! ومع القائمة الأسعار : الزواج لليلة واحدة ، لأثنين ، لأسبوع …الخ وكذلك العمر ( يضرب الأسعار أضعافا لو كانت عذراء … الطول … لون البشرة …الوزن ( !!! )
ولكل فقرة سعرها بالطبع.
ينتهي الأمر بعد ليلة أو أثنين حسب " بنود العقد " ليذهب السيد الزوج الى المأذون الشرعي ثانية ليعلن أمامه " إخلائه " المكان أو " تحريره " للسلعة أو ما يسمونه شرعا " الطلاق ".
والدفع كما في مهنة الدعارة يكون عادة للقواد ، في حالتنا هذه يدفع الزبون مباشرة قبل إتمام العقد للمأذون الشرعي !!
دولاب المأذون
ولأن " الزوجة " تستقبل في الشهر كذا عدد من " الأزواج " ولأن أغلبهم يجهلون أي شيء من المصطلح الذي اخترعه النفسيون " الثقافة الجنسية " ، فأن للمأذون الشرعي دور في تثقيف " الأزواج " الجدد على الشغلة بضرورة استخدام الموانع الرجالية. ولو يتطلب الأمر يعرضها عليهم ولو تصوروها " علكا " أو نفاخة يمكنه حتى تجربتها أمامهم.
ولم لا ، فلا حرج في الدين. فدكان المأذون فيه دولاب خاص يبيع فيه ما يشاء من بضاعة " الكافرين " الممنوعة في الصيدليات : حبوب منع الحمل ، موانع رجالية ، مقويات جنسية … هو الوحيد الذي باستطاعته ملأ سراويل الرجال بكل ما طاب ، فلا حرج ، طالما كل شيء يجري بالمعروف !!
الجروح الظافرة
وتخلف هذه " القوادة الشرعية " جروحا ليست في النفس ، فهذا الأمر لا يقلق أحد على ما يبدو في البلاد الرمادية. جروح في بطون النساء. فأغلب الرجال وخاصة المبتدئين " يفترسون " ضحاياهم بلا رحمة حتى لو أعاد لهم المأذون عملية ارتداء الواقي عشرات المرات.
وفي النتيجة تنتفخ بطن إحداهن بطفل من زوج لا تعرفه حتى لو أعادت حساباتها مع المأذون ، لأن أغلبهم وببساطة مقاتلون رحّل : اليوم كانوا هنا وغدا … حتى الشيطان لا يعرف لهم مستقرا.
تحمل الضحية الشقية جرحها لوحدها بعد أن يتفرق عنها الجميع ، وفي أحسن الأحوال وأنبلها يتركونها في حالها تسترزق من عطايا الزوار الجدد. أما في الغالب فيلقوا بها كاللحم الفاسد الى أقرب مزبلة خوفا من متاعب لا حصر لها.
أما بعد
وقد أزيلت الغمة ورحل المأذونون وأغلقت دكاكينهم التي تشبه الى حد كبير في
" البلدان المتحضرة " شركات التعارف. فلا يوجد ما يمنع من خروج المهنة الى العلن. ناهيك عن أن هذه المسألة لم تعد تهدد الأمن القومي للبلاد وخارجة عن نطاق اهتمام القادة الجدد المنشغلون بمصائب أكثر جسارة.
فكيف انتقمن من تلك الليالي السوداء ؟
دستور جديد
ألفن دستورهن الجديد الذي بموجبه لا تستطيع أية قوة في أفغانستان السيطرة عليه حتى لو تدخلت القوات الدولية. وعقدن حلفا استراتيجيا مع أهل الأمن والمخابرات والبوليس المحلي تحت شعارات اتفق عليها " شيّلني وأشيّلك " و " لكم شغلكم ولنا شغلنا " مع الأخذ بالاعتبار احترام مصالح كل طرف.
والمثير جدا بالأمر ، أن من يقود عملية بيريسترويكا بيزنيس الدعارة في أفغانستان وغلاسنوست التسعيرة الجديدة هم المأذونون الشرعيون الكبار ، أي الذين كانوا يشرفون عمليا على " بيزنيس زواج المتعة " في البلاد. فهؤلاء يمتلكون كل مقومات استلام الراية ، فلديهم كل العناوين والخيوط والشبكات ، وبـ " حوزتهم " كل أسرار المهنة ويقف ورائهم جيش لا حصر له من " المنتجين والمستهلكين ". تحت سيطرتهم كل تجارة الجنس في الإقليم ولديهم وكالاتهم الرسمية وشركاتهم التي تستورد كل البضائع الجنسية والحبوب والأدوية. هم في المفهوم المعاصر قادة مافيا الجنس في المنطقة ، المستوردين والمصدرين ، الأبرار في عمل المعروف السابقين وبناة الحياة المعاصرة الحديثة.
التسعيرة الظريفة
تأخذ التسعيرة الجديدة في نظر الاعتبار عوامل كثيرة منها نوعية المستهلك (الزبون) ووضعه المادي ومنزلته وموقعه ومنصبه. والمكان ( عندهم أو عنده ). والزمان الذي يبتدأ بساعة وينتهي الى إشعار يحدده الطالب. عمر البضاعة وإذا كانت مستخدمة أم لا ، وزنها بالكيلو وطولها بالسنتمترات.
ولم تفت القائمة الإشارة الى ما يمكن تسميته " الجنس الطفيف " (ليس اللطيف). وهذا النوع ينتشر عندما تتجول البضاعة بنفسها وتزور الراغبين في المحلات العامة وزواياها الخفية وفي غرف المطاعم السرية.وهذا يمكن التوقف عنده بمزيد من الأرقام التي عرضت علينا بشكل مباشر وبدون مواربة : قضاء ساعة مع الاحتفاظ بوقار الملابس ما يعادل 5 دولار. مداعبة الصدر 10 دولار. " طريقة مونيكا " 20 دولار. الممارسة الكاملة لمرة واحدة 30 - 40 دولار حسب العوامل المذكورة أعلاه. طبعا الأسعار مرتفعة وتعادل الأسعار في موسكو تقريبا. وكما قيل لنا فالمهنة ما زالت في طور " إعادة البناء " وتعتمد الأسعار على العرض والطلب الذي ما زال شحيحا. وربما كانت هذه الأسعار مخصصة للأجانب فقط.
الأساليب نفسها
ويشبه أسلوب الدعارة في أفغانستان الأساليب المتبعة في كل الدنيا ، فهناك البيوت السرية التي يؤخذ إليها الزبون أخذا دون أن يعلم العنوان مسبقا. حيث يتم الاتفاق على استخدام تكسي خاص يقوم بهذه المهمة.
وأحيانا يجلسن في التكسي لتبدأ العملة والاتفاق والاختيار. وتقوم باختيار الزبون
" الكبيرة " أو " الماما " حسب التعبير الدارج والتي تكون قد اصطادته في السوق أو المحال المعروفة أو عن طريق معارف موثوق بهم.
و " الماما " غالبا ما تتعاطى هذا الأمر أيضا فأغلبهن في منتصف العمر ، والغريب أنهن يفرضن أسعارا أعلى من رعيتهن ويحلو لهن ترديد عبارة : " لم أعمل منذ زمان طويل وهذه المرة وافقت من أجلك فقط " لكي تخور ممانعتك وتوافق بدون قيد أو شرط.
أصبح كل شيء واضحا الآن. ولا داعي لاقتحام هذه الأوكار ، طالما تتبعنا مسيرها ، فولوجها أصعب بكثير من اجتياز حقل نابت بالألغام. فالحقائق اجتازت المعبر ولابد من التوقف عن استرجاع كل هذه المهانة لاستعادة القدرة على الكتابة على الأقل.