السبت، 12 يوليو، 2008

لا مفاجآت في الجبهة الشيشانية


تصريح قائد القوات الروسية في القوقاز فيكتور كازانتسوف بأن " كل شيء في غروزني يسير حسب الخطة " وقبله تصريح وزير الدفاع الروسي إيغور سيرغييف بأنه " لا يوجد موعد محدد لانتهاء الأعمال العسكرية في الشيشان " ، يقود الى حقيقة هي أن هؤلاء القادة لا يوجد لديهم شيء جديد يقولونه. ومن جهة أخرى لا يعرفون بالضبط ما ستؤول إليه الأوضاع في شمال القوقاز.
فما هي الأوضاع هناك ؟
أن صلابة المقاومة الشيشانية أمر غير مشكوك فيه ، غير أن سقوط غروزني أو توقيت حدوث ذلك يعتمد في درجة كبيرة منه على انصياع المقاتلين في المدينة لأوامر الرئيس أصلان مسخاطوف القاضية بالمقاومة حتى النهاية. وفي حالة عدم اتخاذ القادة الميدانيين الشيشان قرار راديكالي بالانسحاب " فجأة " من العاصمة فأن المقاومة قد تستمر لأسبوعين ، آخذين بنظر الاعتبار المعركة غير المتكافئة التي يخوضونها. فهم يستخدمون الأسلحة الخفيفة التقليدية فقط ؛ أي أن المهاجمين يشعرون بحرية في التنقل والحركة بدون مشاغلة ولو مدفعية الميدان للطرف الآخر. وبذلك فأن مدى مقاومة المقاتل الشيشاني تحدده مدى بندقيته التي لا يتعدى مجال القتل فيها 400 مترا. وهذا يسهل للقوات الروسية التقدم والتخندق والانتشار في أي منطقة تقل المقاومة فيها أو تختفي.
كما أن الأحوال الجوية الجيدة التي شهدتها جبهات القتال أضافت عبئا إضافيا على المقاتلين ، حيث توفر مجال مثالي للطيران الروسي بدك مواقعهم وخاصة في اليومين الأخيرين من القتال. والملاحظ من سير العمليات أنها تسير بشكل بطيء جدا لكي يتجنب الطرف الروسي " مجال القتل " للبندقية الشيشانية. ولابد أيضا من التأكيد على ثلاث معطيات هامة : أولها ، أن غروزني محاصرة من ثلاث جهات فقط وليست مطوقة بالكامل كما أعلنت القيادة العسكرية الروسية. ويبدو أن الجنرالات الروس أوهموا قيادتهم السياسية ( التي يريحها سماع محاصرة العاصمة الشيشانية من الجهات الأربع ) لاعتبارات نفسية وانتخابية والتأكيد على قرب سقوطها أو حتميته. والعسكريون الروس تركوا بعض المعابر الجنوبية دون أن يفرضوا رقابة عليها لكي لا يخوضوا معركة شوارع مع مقاتلين محاصرين بالكامل ، لأن المعركة مع " الانتحاريين " سيكون لها طابعها وظروفها الخاصة. لذلك لم تشأ القيادة الميدانية الروسية وضع المقاتلين ونفسها في مجابهة من هذا النوع قد تكلفها الكثير من الخسائر. بالإضافة الى أن الإعلان عن وجود ممرات مفتوحة لانسحاب المقاتلين الشيشان ينسف مبدأ العملية العسكرية الروسية برمته وهي التي شنت تحت مسمى " القضاء على الإرهابيين ". حيث سيطرح السؤال من قبل الرأي العام الروسي : هل العملية مجرد احتلال أراضي شيشانية أو القضاء على الإرهابيين ؟ ومن الواضح أن الجنرالات اختاروا الأراضي ولا يقلقهم الجزء الثاني من السؤال بالرغم من تبعاته عليهم في وقت لاحق. ثانيا ، أن المعارك الحقيقية لا تدور في غروزني ، بل في الجبال الجنوبية. وبناء على معلومات اعترف بها الجانبين ، فأن الجزء الأكبر والحيوي من القوات الشيشانية قد تم سحبها نحو الجبال الجنوبية وتركت مجموعات متفرقة لم يتفق أحد على عددها لحد الآن للدفاع عن العاصمة. بمعنى أن كل الآلة الحربية والبشرية الشيشانية موجودة في الجنوب لم يمسها الأذى. ولهذا السبب تدور المعارك الأكثر جدية بالقرب من جبال تشيريباخا وخراتشوي. والسيطرة على هذا الجبال يعني الإطلال على فيدينو التي يسمونها عاصمة شامل بساييف. والسيطرة على هذه البلدة له أهمية لا تقل عن السيطرة على غروزني لأن ذلك سيحول بساييف وقواته الى مقاتلين متشردين وتعبويا سيحرج فصائل خطاب المتمركزة الآن في جبال أرغونسكي أوشيلي عند الحدود الشيشالنية - الجورجية لأن ذلك سيعني قطع الاتصال بينهما وفصلهما عن بعض. وحسب معطيات روسية ينتشر في سلسلة الجبال هذه أكثر من 7 آلاف مقاتل. وثالثا ، وهذا يرتبط بالعامل السابق ، أن انتشار هذا العدد من المقاتلين الأكفاء في سلسلة الجبال المذكورة يفشل العملية العسكرية الروسية ، فهي في هذه الحالة لم تقض على " الإرهابيين " ، بل أزاحتهم عن المدن فحسب. ولأن المقاتلين في الجبال يتمتعون بحرية كاملة ولديهم كل مستلزمات تحقيق الانتصار ضد أي هجوم تقوم به قوات تقليدية ، لابد في هذه الحالة من استخدام أساليب حرب " غير تقليدية ". وهنا سيقع المحظور في هذه الحرب وستستخدم روسيا ضدهم " أسلحة محرمة دوليا" .
واستخدام روسيا لأسلحة محرمة دوليا سيحول مجرى الصراع الحالي وسيفتح المجال للضغط الجدي على روسيا من المجتمع والمنظمات الدولية والغرب والبلدان الإسلامية وربما داخل روسيا. وستعتبر سابقة لا يمكن الآن التكهن بعواقبها من النواحي السياسية والدبلوماسية والأخلاقية بالنسبة لروسيا ، علما أن القادة الروس أكدوا في السابق وكرروا الآن بأنهم سيستخدمون كل الأسلحة المتاحة لديهم " للقضاء على الإرهابيين" عدا النووية.
ومن غير الواضح الى أي مدى سيستجيب المدافعون عن غروزني الى أوامر مسخادوف بعد " إعطاء غروزني " لروسيا. فهم يميلون الى الانسحاب وشن حرب عصابات طويلة. ومسخادوف يركز على الدفاع عن غروزني لأن سقوطها لا يعني سقوط شرعيته فحسب ، بل ضياع الدولة الشيشانية. وتحويل الصراع من كونه بين دولة أسمها الشيشان يفترض أن يتم الاستفتاء على تقرير مصيرها في ديسمبر 2000 حسب معاهدة خساف يورت ودولة ثانية هي روسيا ، الى صراع بين قوات تحاول فرض النظام على أراضيها ضد مجموعات من الأنصار تشن بين الوقت والآخر عمليات محدودة النطاق حتى لو كانت مؤذية لروسيا. ومن المشكوك فيه أنها ستؤلم دولة لها احتياطي عسكري وبشري ضخم كروسيا.
ومسخادوف في هذا الحالة يمتلك رؤية رجل الدولة أكثر بالطبع من القادة الميدانيين الشيشان ، حيث الأمر بالنسبة إليهم سيان. والوضع سيستقر لصالحهم عمليا وسيفقد مسخادوف كل شيء. ولا أحد يعرف الآن النهج الذي سيتخذه في المرحلة القادمة لو فقد غروزني. والمقصود النهج السياسي ، لأن كل الأمور العسكرية ستكون بيد زعماء التشكيلات المسلحة. قد ينقل حكومته الى جورجيا أو تركيا أو واحدة من دول البلطيق أو أوربا الشرقية. ولذلك بدأ المسؤولون الروس التحدث عن مصير مسخادوف وإمكانية ترك " ممر " له للخروج بأمان من الشيشان. لأن بقائه في الجبال أو تصفيته جسديا أو حتى وقوعه في الأسر افتراضا ليس من صالح روسيا. لأن موسكو لا زالت رغم كل ما تصرح به تعتبره الثقل الموازن سياسيا مع سليم خان يندربييف ومولادي أودوغوف وعسكريا مع شامل بساييف. والحديث عن الحكومة الشيشانية في المنفى ليس سابق لأوانه. وقد تشهد المرحلة القادمة ثلاث حكومات شيشانية في المنفى يتزعم الأولى مسخادوف وسيشكل أودوغوف حكومة أخرى مجالها الإقليمي يمتد من أفغانستان حتى جورجيا ، علما أن أودوغوف تلقى دعم قادة طالبان في هذا الشأن وحكومة ثالثة سيتعامل بها يندربييف مع البلدان العربية وسيستقر به المقام في إحدى دول الخليج حيث يقع الآن. أما شامل بساييف فسيترأس المقاتلين الشيشان عسكريا لفترة طويلة وسيكون مجال حركته ممتدا من الجبال الجنوبية الشيشانية وشمال جورجيا وأبخازيا وأذربيجان.
وهكذا فأن أهداف العملية العسكرية الروسية المعلنة لن تتحقق في المدى المنظور وحتى في المدى البعيد. وتعيد روسيا نفس أخطائها السابقة في أفغانستان وطاجيكستان والشيشان وهي :
- عدم بناء الحياة الطبيعية في المناطق المحتلة ( 85 % من الأراضي الشيشانية لحد الآن ) كما وعدوا الناس الذين سيخيب ظنهم قريبا بصدق النوايا الروسية.
- لإصرار على تشكيل سلطة موالية لموسكو لا تتمتع بتأييد في الداخل ، الأمر الذي سيزيد من تفاقم الوضع.
- استغلال التناقضات الداخلية بدلا من حلها واتباع الأسلوب الاستعماري " فرق تسد " .
- الفوضى الإدارية والاجتماعية والاقتصادية وتهيئة الظروف للفساد والاقتصاد الخفي والنهب.
- عدم احترام القوانين ( في حالة وجودها ) من الحاميات العسكرية التي ستنتشر في كل منعطف شيشاني. وسيفرض كل ضابط روسي قانونه الخاص ونظامه وأحكامه العرفية كما يفهمها وكما تناسبه. بينما يجيز الدستور الروسي ( حسب فرضية اعتبار الشيشان ضمن القوام الفيدرالي ) ويمنح الصلاحية للرئيس فقط بفرض هذه الأحكام.