السبت، 12 يوليو، 2008

روسيا على خطى الناتو

يستمر الطيران الروسي عملياته بقصف المواقع التي تعتقد هيئة الأركان بأنها " أوكار " الجماعات الإسلامية في الشيشان. وفي هذا الصدد قصف حي أكتيابرسكيا في الشيشان باعتباره مقرا لجماعة القائد الميداني عربي بارييف . وفعلوا الشيء نفسه في مناطق سيرنوفودسك وسامشكي وأعلنوا تدمير " آلة شامل بساييف الحربية " هناك. ويبدو أن الطيارين الروس أخذوا راحتهم في القصف فقاموا بالتحليق الواطئ فوق غروزني مدمرين مركز التلفزيون المحلي وملوحين للرئيس أصلان مسخادوف بالذراع الطويلة للقاذفات الروسية عندما حلقوا على قصره الرئاسي أكثر من مرة ، والغريب أن منظومات الدفاع الجوي الشيشانية كانت صامتة عن القصف المباح بالرغم من أن مسخادوف أعطى أوامره بالرد الحازم على هذه الاعتداءات !
وتعطي هذه الحقيقة نتيجة واحدة لا غير وهي وجود اتفاق بين السلطات الروسية والشيشانية الرسمية بعدم التعرض والاعتداء. وصمت المدافع الشيشانية الرسمية مهضوم جدا طالما أن الهجمات الروسية تستهدف مواقع شامل بساييف وخطاب وباقي الثوار الذين لم يعطوا لمسخادوف فرصة التمتع بالرئاسة.
وعلى خطى الناتو تقوم روسيا الآن بتطبيق دروس الحلف الأخيرة بحذافيرها مع الأخذ بنظر الاعتبار دقة الأطلسيين وعلوا كعبهم التكنولوجي. فمثلا تستهدف العمليات الروسية المواقع الاقتصادية البحتة : حقول النفط ومصانع تكريره والإعلامية : مركز التلفزيون والاتصالات وكذلك الجسور ومطار " الشيخ منصور " الوحيد في الجمهورية الذي دمرته القاصفة العملاقة " أن - 2 " وهي الوحيدة من عائلة طائرات " أنتونوف " مخصصة للأغراض العسكرية. وتستخدم روسيا أيضا أقمارها الصناعية وبفضلها تم تعطيل كافة الاتصالات في الشيشان حتى المرتبطة منها بالأقمار الصناعية.
وأعلنت روسيا أيضا عن تدمير طائرة بساييف الخاصة وهي من طراز " سيسنا " ذات المحرك الواحد التي قالت موسكو بأنه يستخدمها في نقل المخدرات وكان قد اشتراها من باكو في عام 1997.
والمجمعات النفطية التي قصفت هي التي يمتلكها شامل بساييف فقط حيث دمر أكبر المجمعات النفطية الشيشانية في شمال غرب العاصمة الشيشانية. ويبدو أن غروزني الرسمية شامتة بالقائد الميداني لأنه حسب زعمها لم يوظف دولارا واحدا لغرض تنمية اقتصاد جمهوريته المستقلة ولم يمنح الأموال التي يحصل عليها لتطوير البنية التحتية المدمرة في البلاد ولم يفكر بإعادة الحياة لمدرسة أو مستوصف.
تجدر الإشارة الى أن عمليات القصف الروسية أصابت الكثير من الأحياء السكنية مما أدى الى مصرع المدنيين.
وتدل العمليات الروسية بأن موسكو قررت عدم الاعتماد على النفط الشيشاني وألغت فكرة مرور نفط بحر قزوين بخط باكو - نوفوروسيسك عبر الأراضي الشيشانية. وربما سيتم إحياء بناء خط بديل يمر عبر داغستان تطبيقا لفكرة رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين بفرض عزل شامل على الجمهورية القوقازية. وبناء خط بديل يمر بداغستان سيؤدي بلا شك الى زيادة الصراع المسلح حول السيطرة عليها. وستؤدي هذه الخطوة الى نتائج عكسية تؤجج أوار هذه الحرب بدلا من إيجاد حل سياسي - اقتصادي لها.
وكانت مسألة الخط الروسي لنقل نفط قزوين محور مناقشات وزير الطاقة والوقود الروسي فيكتور كالوجني في أذربيجان في الأسبوع الفائت. وهناك أعلن الوزير الروسي بأن حكومة بلاده قررت نهائيا بناء الخط البديل ( لنقل النفط الأذربيجاني عبر روسيا ) ولكنه لم يسم داغستان لأن مرور النفط عبرها بديهية جغرافية.
وأخبر كالوجني ممثلي أكبر 24 شركة نفط عاملة في أذربيجان بأن روسيا ستنقل النفط القزويني بواسطة السكك الحديدية حتى تنفيذ مشروع الخط البديل. وأكد على أن روسيا تستطيع نقل 12 مليون طن من النفط بهذه الطريقة سنويا. ولكن معطيات وزارة الطاقة الأذربيجانية تشير الى مليوني طن فقط.
واصبح من الواضح الآن تزامن القرار الروسي بالاستغناء عن أنبوب النفط المار بالشيشان بالقصف الذي تعرضت له المجمعات النفطية الشيشانية.
والقرار الروسي أثبت أولا ، أن كل الوعود الروسية التي منحت الى الرؤساء الشيشان بالتعاقب ؛ جوهر دوداييف وسليم خان يندرباييف وأصلان مسخادوف بعدم التجاوز على الشيشان وبناء الخط البديل لم تنفذ وكانت مجرد وعود. ثانيا ، يضع الإجراء الروسي مسألة نقل النفط عبر أراضيها موضع شك ، لا سيما وأن الخط التركي جاهز للعمل وأمين نسبيا بعد ورود الأنباء الخاصة بـ " استسلام " تشكيلات حزب العمال الكردستاني المسلحة.
أما المعطيات التي تفرزها عمليات الطيران الروسي في الشيشان فأهمها أن القيادة السياسية الروسية أعطت " كارت بلانش " للعسكريين ليحلوا النزاعات السياسية الداخلية. ومع الأخذ بنظر الاعتبار تضارب مصالح الشركات النفطية الروسية نفسها في القوقاز ، يمكن تصور حالة هذا الصراع عند انتقاله الى موسكو حيث ستكون لكل مجموعة نفطية جنرالاتها الذين يدافعون عن مصالحها هناك. وسيكون الأمر أكثر كاريكاتيرية عند التصور بأن لكل شركة نفطية روسية سربها الجوي الخاص ! وكانت التجارب الماضية قد أثبتت خطورة منح العسكريين الروس الحرية الكاملة وغير المشروطة في استخدام أسلحتهم لأن القرار العسكري مشروط ومحدد مسبقا بمصالح المجموعات المالية والنفطية التي هي بالأساس تدير الحالة السياسية في البلاد !
إذن ، فأن الحرب في القوقاز أشعلت الصراع النفطي في داخل موسكو ، وهذا أخطر صراع ممكن ونتيجته متعبة للغاية لأي متابع بسيط.
وعلاوة على ذلك فأن الـ " كارت بلانش " الممنوح للعسكريين الروس سيؤدي الى جر موسكو لحل مشاكل داخلية أخرى في الطريقة ذاتها. فماذا يمنع من حل مشكلة نتائج الانتخابات الرئاسية في قره شايفو شركسيا بالطريقة ذاتها ؟ ربما غدا يشعر الكرملين بالملل من مشاكل هذه الجمهورية ويعترف بفوز الكسندر سيميونوف ( القرشي ) ويقرر ضرب أية عملية تمرد يقوم بها الشركس بالطائرات ! والأمر نفسه قد يتكرر في مركز داغستان لو تعرض الأنبوب البديل للتفجير ( سيفجر حتما في حالة سماح " الإسلاميين " ببنائه أصلا ) وفي أنجوشيا وأوسوتيا الشمالية وفي أي مكان في روسيا حتى موسكو !