الجمعة، 11 يوليو، 2008

طريق الموت الى قندهار


هو أفضل طرق أفغانستان ، تعبيدا وسعة ، ذلك الذي يربط كابول بقندهار.
ويبدو أن الطلاب عبدوا هذا الطريق الأبيض لليوم الأسود ، وكأنهم عارفين في أنهم يوما ما سيخرجون تحت جنح الظلام من كابول الى قندهار بهجرة جماعية مستخدمين أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا السيارات.
في اللحظة الأولى من وصولي الى كابول – وللحديث صلة – فضلت التوقف في الفندق الذي غالبيته من الصحافيين الروس مبتعدا عن الصحافيين الغربيين لأسباب عديدة. وحسب الخبرة فأن رفقة مجموعة تلفزيونية أفضل ، لأنها تمتلك كل مقومات " الشغل " الصحافي المحترف في النقاط الساخنة بشكل خاص. بالإضافة الى أن كاميرا التلفزيون تتعطش للصور أكثر من غيرها ، لذلك يضطر حملة الكاميرات للتوغل قدر المستطاع في المحنة ، فلا مجال لثرثرة الكتابة الصحافية ، الصورة تحكم في النهاية جودة الريبورتاج التلفزيوني. وكان هذا المطلوب.
ومجموعة القناة الروسية تعرفت عليها لأننا التقينا في الطائرة التي نقلتنا الى دوشنبه وهناك سكننا في فندق واحد وعندما ذهبت الى كابول كنت أعرف بأنهم سبقوني إليها ، لذلك لا توجد صعوبة في أن أدس جسدي في " جيبهم " السوداء الفاخرة.
قلت لهم يا جماعة هذه " الجيب " تشبه سيارات طالبان فلنستقل أخرى قديمة وكلما زادت كهولتها أفضل لنا فالطريق جيدة.
لم يقتنعوا بهذا التحذير ، وندموا على ذلك بعدئذ ، وكانوا على حق فنيا ، لأن السيارة مجهزة بكل مستلزمات العمل التلفزيوني. ولم يكن أمامهم خيار آخر مثلي تماما.
خلاصة الأمر ، كلما ابتعدت عن كابول جنوبا ، كلما زاد الخطر. والمفارقة أن الخطر هذه المرة ليس من طالبان ، بل من عشرات نقاط السيطرة في الطريق التي وضعها التحالف والقوات البشتونية المناوئة لطالبان والتي لا يستطيع أحد التمييز بينها ، والأخطر من كل هؤلاء المقاتلات الأمريكية التي تقنص كل السيارات الذاهبة جنوبا.
قالوا لنا في أول نقطة تفتيش : لا تسيروا لوحدكم. وكرروا التحذير في النقاط التالية.
غير أن لهفة الكاميرا تغاضت عن هذه التحذيرات التي اعتبرها الزملاء مجرد مشاكسة ورغبة في دفع مصاريف أخرى للحماية.
كانت الطائرات الأمريكية تدك كل القرى والمدن الجنوبية في هذه الأثناء وأصوات محركاتها وقذائفها ليست بغريبة على أحد وكانت تركز على هذا الطريق بالذات : قصفوا عدة حافلات مسكينة كانت تحمل لاجئين. وللدقة والإنصاف لم يقصفوا اللاجئين الى قندهار ، بل الخارجين منها نحو الحدود الباكستانية. أيفرق الأمر كثيرا ؟ فقد راح المئات ضحية التوهم أغلبهم من النساء والأطفال. وبقوا محروقين على جانبي الطريق طعاما للحيوانات ودفن الخيرين ما تبقى منهم في وقت لاحق ، وبالمناسبة خوفا من الصحافيين وليس تكريما إنسانيا للموتى الذين لا يوجد من يطالب بدمائهم ولا جثثهم ، ناهيك عن التعويض والاعتذار.
والمميز ، أن كل الآليات المدمرة في طريق الموت كانت عسكرية ، عكس ما سمعنا من أن الطائرات الأمريكية كانت تقصف كل الموجودات هنا. وشعرت وقتها بنكسة ضمير لما اقترفته بحق الطائرات الأمريكية من ظلم وتأكيدي في بعض الرسائل على قصف السيارات المدنية. وأنبت نفسي كثيرا وقررت عدم كتابة أي شيء لا تراه عيني.
ولكن ما أن مرت دقائق على صحوة ضميري حتى اكتشفت اللغز : كانت آليات التحالف الدولي والمحلي تزيح عن الطريق كل أثر للسيارات المدنية ، أما بدفنها في المكان حالة تدميرها تماما ، أو بإبعاد القسم الآخر من واجهة الطريق وكاميرات الفضوليين.
هذا الأمر في غاية الأهمية لدى التحالف الدولي بشكل خاص. فهذا الطريق تسلكه كل كاميرات وسائل الإعلام في الكون واستفاد الأمريكان بشكل مذهل من الوقع السيئ الذي تركته الصور الفظيعة التي نقلها الصحافيون من هناك. لذلك لا ينبغي ترك أي أثر للقطات البشعة.
ومع ذلك فقد صورنا لقطات بشعة وبشعة جدا وهذا ليس موضوعنا الآن.
عندما عثرنا على مقبرة السيارات المدنية طلبت من الجماعة التوقف وأكدت لهم بأن هذا موضوع مميز بحد ذاته. واستجابوا بسرعة وغريزيا توقف السائق. ولكن في تلك اللحظات القصيرة جدا من عمر الحرب والتي تستغرقها عملية الإعداد للتصوير رشق أحدهم النار في الهواء محذرا ومن حركات أيدي الجمع أدركنا بأن التصوير ممنوع جدا وحتى توقف السيارة.
لم يكن أمامنا سوى التصوير خلال سير العربة ومن داخلها والصور لم تسجل للأسف الصيحات الطائشة التي لا يزال حلقي الناشف يتذكرها.
استجاب الزملاء أخيرا لاقتراحي : نرافق رتل الدبابات التابعة للتحالف والذي يتقدم نحو قندهار. هذه أفضل طريقة نسلم بها منهم ومن طائرات التحالف الدولي المضاد للإرهاب.
كانت الفكرة ممتازة على المستوى الاستراتيجي أيضا وليس التكتيكي ، فبفضلها دخلنا كالفاتحين الى ميدان شهر : كيف لا ونحن نرافق دبابات المنتصرين !
أمنت القيادة المحلية " المؤقتة طبعا " للمدينة جانبنا بعد هذه " الحركة " المواتية والتي جاءت في وقتها ، زد على ذلك فأن الجميع روس أعمام الشماليين ، وبقت المشكلة في سحنتي التي ظهرت على شرقيتها بعد أن لطمتها الشمس وعاد إليها الغبار ، الأمر الذي اضطرني لبلع كل الأسئلة المتعلقة بمصير العرب والقاعدة.
لم يقلقني هذا الأمر كثيرا قدر امتلائي برائحة موتى طريين ، لا يوجد معنى
للكتابة عنهم ، فقد قمعت الصورة معنى النص.