الأربعاء، 9 يوليو، 2008

صقر القاعدة


"أولئك الذين يتألقون ببهاء الطائر الطنان
قاصدين الموت "
- ت . أس . إليوت -

خلصت جولتنا في الكثير من قواعد طالبان وتنظيم القاعدة في مساحة تمتد من مزار شريف شمالا ومرورا بكابول وحتى قندهار وغارديز جنوبا ، بأن الأمريكان وحلفائهم لم يتركوا مقرا أو قاعدة أو معسكرا واحدا سليما بدون أن ينثروه قصفا سواء لطالبان أو للقاعدة.
لم يسلم أي موقع من القصف الجوي الأمريكي. وساعد المهاجمين في ذلك انتشار كل المواقع المذكورة في مواقع سهلة الرصد والاكتشاف والتصوير والتحليل الذي يقرر إعادة القصف أو تكراره.
لم ينتظروا الأمريكان
تنتشر هذه القواعد عادة في مناطق سهلية بين الجبال. واختيرت تلك الأماكن لأن كل أعداء طالبان من وجهة نظرهم الاستراتيجية ، لا يمتلكون وسائل جوية كافية يمكنها إلحاق الأذى بهم. ولهذا السبب فأن تركيز القواعد في الوديان واستغلال الجبال المحيطة لتشكيل خط دفاعي لها ، يتناسب جدا مع الحرب التي أعدت طالبان ومن شكلها عليها. وهي مجابهة الغرماء المعروفين من معارضتهم في البلاد.
من الواضح جدا ، أن العقل العسكري والاستراتيجي لطالبان والقاعدة لم يفكر إطلاقا بحملة كالتي حصلت ضدهم والتي قادتها الولايات المتحدة.
وبعد أن أصبح كل شيء واضحا بعد منتصف سبتمبر 2001 بأن الضربة الأمريكية قادمة بلا شك ، لم تفعل قيادة طالبان ولا القيادات العسكرية ولا الأدنى مرتبة منها أي شيء لتنقذ ما يمكن إنقاذه في مجابهة الحملة الجوية الأمريكية.
في مهب الريح
تركوا دروعهم نهبا لرياح القصف. وكانت آلياتهم مجمعة في مكان واحد مثل موقف خاص للسيارات. وفي الساحات المحيطة لمقار طالبان والقاعدة. لا يعرف السبب لماذا لم ينشروها على مساحة واسعة من الأرض ويخفوها كما جرت أساسيات الدفاع في ملاجئ الدروع المعروفة ؟
والغريب أن كل الدروع المدمرة حسب فحصنا لها ، لم تكن في حالة تشغيل في اللحظة التي ضربت. أي أنها كانت متروكة أهدافا ثابتة وسهلة المنال حتى لطيار أكمل لتوه طلعته الأولى في حياته العملية ، فماذا سيفعل بها الطيارون الأمريكيون المحترفون بتقنياتهم العالية للغاية؟


الصقر الكيميكازي
لم يولِّ زمن المعجزات أو الصدف الغريبة على ما يبدو للذي شهد هذه الحكاية - الأسطورة التي قد تعاد مرة كل ألف سنة. نسردها كما سمعناها وصورناها بلا حذق ولا نوايا معقوفة : كانت المقاتلات والقاصفات الأمريكيات تعصف بلا توقف أو رحمة مقرات طالبان والقاعدة ، ولم يكن الأمر سرا ولم تكن قواعدهم سرية لأحد. ومع ذلك فأن أغلبهم لم يهربوا في الأسابيع الأولى منها وكانت خططهم التعبوية تقليدية بانتشار ساذج يصلح لمجابهة قوات لمسعود أو دوستم وليس للتصدي للأمريكان.
كان النهار فضوليا على المدافعين وطلاب الموت الباقين على قيد الحياة. ولأن كل القذائف تؤدي إليهم ، فأن أجسادهم الصامتة والمنتصبة لم تفكر بعد بالانحناء للريح حسب نظرية التأهب للموت الحتمي. لغاية اللحظة التي انقض فيها صقر بكل سرعته باسطا جناحيه الى أبعد مدى يستطيعه على واحدة من مقار القاعدة. هكذا رآه المقاتلون ، صقرا ليس ككل الصقور ، وليس نيزكا هابطا من السماء. كانت الشمس تزوّق تمدده وتمضي بسرعته هبوطا نحو أقرب شجرة يستظل بها القاعديون. وقبل أن يهوي بصدره على أغصان الشجرة مد جناحيه أكثر على مصراعيهما وأطلق صرخة كالنشيج مزقت صمت السماء وزرقتها وأعواد الشجرة الصفراء. و ما أن بحت صرخته وخمد تيهها ، كانت أغصان الشجرة المدببة قد انصهرت في صدره منغرزة في أعمق مكان فيه منتزعة تحذيره ليتداعى موقظا المظللين بعري الأرض.
فهم الجميع صرخة التحذير وانتحار الصقر. وكانت لحظات فقط كافية لإخلائهم المكان. هي اللحظات نفسها التي هوت بعدها الصواريخ الأمريكية على المكان الذي لم يبق فيه سوى الصقر المنبعث من سرب التاريخ.
بقى هكذا كما تشاهدونه ، شامخا ، متجاوزا القاع والأعماق. سليل التبجح المسمى ، عاقد الغيوم .. ممزقا بصلابة الذي أرسله نذيرا لحماية العشرات وربما المئات. بقى منتصبا لا يجرؤ حتى الأعداء مس ريشة واحدة منه ، كموج البحر ، حاد ، لزج منتظم. انقض وبقى مفجرا الأسئلة :
هل ولى زمن المعجزات ؟!

لا تحتاج الآليات والمدرعات الروسية هذه الجملة الرهيبة للتعريف بنفسها. فهي معروفة حتى من رائحتها. وسبب وجودها بحوزة طالبان والقاعدة لا يحتاج الى حنكة. فقد تعود كل المحاربون في هذه البلاد ، الهرب بعمائمهم وسراويلهم وترك كل شيء ورائهم.
وهكذا غنم الطلاب ما غنموه الذين من قبلهم من السوفيت. وفي نهاية سلسلة الغنائم ، أصبح كل شيء طعاما للصواريخ الأمريكية.
نهاية منطقية للحرب السوفيتية - الأفغانية !
لا أثر أو آثار
من الواضح أن المحققين والخبراء الأمريكان أسرع من طائراتهم. فما أن يحتل الشماليون بقعة من الأرض ، حتى يكونوا قبلهم في المواقع الرئيسية التي تستحق الشم والتفتيش والبحث وتقفي كل أثر وآثار المُطاردين.
لم يتركوا لصحافي فرصة التنقيب عن الآثار. لذلك لم نعثر حتى على مخطوطة صغيرة، ناهيك عن دفتر ، مذكرات ، صورة ، وثيقة ، عنوان ، قصيدة أو رسالة. حملوها كلها ومن قبلهم أعضاء التنظيم أنفسهم ومن بعدهم الشماليين.
السيارات أعزّ
" الجماعة " كانوا يخفون سياراتهم بطرق شديدة الذكاء وتحمل من الحيطة ما يحسدون عليه. وإذا تتم المقارنة بالفلوس فأن سعر السيارة أقل بثلاثين مرة من سعر الدبابة ، على سبيل المثال. فلماذا تركوا دباباتهم وأخفوا سياراتهم ؟ هل كانت الدبابات عالة عليهم ؟ هل كانوا يدركون بأنهم لن يحتاجوا إليها ؟
الجواب بسيط لمن يعرف سرعة السيارة والدبابة !!

نواقص التصميم
مقرات القاعدة تشبه المدارس. وإذا كانت المدارس تصمم لكي يتعلم بها التلاميذ فقط ، فأن من يصممها لا يستطيع خاطره أن يستوعب فكرة بناء ملاجئ للأشخاص أو للمدرعات. ولكن من صمم مقرات لتنظيم عسكري يريد هزّ أمريكا ، عليه أن يفكر في اليوم الملتهب.
وعموما تخلو كل مقرات طالبان والقاعدة لأي أثر لمعركة تقليدية. والتدمير ناجم عن القصف الأمريكي فقط.
وثمة مقار لم يبق فيها الأمريكان أي حجر سليم. مسحوها من على وجه الكرة الأرضية.
أما الشماليون ، فقد استلموا القواعد والمعسكرات على الحاضر من القاصف. ولم يفعلوا شيئا ، بل لم يهتموا بفعل شيء غير طلاء العناوين والكتابات والشعارات السابقة. طلوها بحيث أخفوا ما كان مكتوبا ، ولم يطلوها لتصبح جديدة.