السبت، 12 يوليو، 2008

دبابة في حقول الموت الشيشانية


قالوا لنا بأن الذهاب الى غوديرميس بواسطة داغستان أفضل من اختراق كل الشيشان من انغوشيا.
إذن ، سمحت للفجر أن يغسل وجهي باختفاء الماء ناهيك عن حلم كوب شاي ساخن وبكل قلق بدأت رحلة المتاعب بحثا عن هليكوبتر توصلنا الى داغستان من موزدوك الغارقة بالضباب. وبعد ساعة كانت أصوات محرك المروحية تهدأ من أعصابنا المعلقة عشرات الأمتار فقط. وفي بلدة أكتيابرسكيا الداغستانية تكرر الشيء نفسه. لكن مروحيتان كانتا على أهبة الاستعداد للطيران الى غوديرميس أجلتا الرجاء الى إشعار آخر ففيهما متسع من الفضاء لاحتواء فضولنا.
وبفعل " غريزة الحرب " وجدت نفسي قافزا في جوف الهليكوبتر قبل سكانها الأصليين الأمر الذي أثار سخرية الرائد الطيار الذي ربما أراد أن يستفزني بقوله : " هكذا يفعل دائما من لا يقدر المخاطر ". وأجبته بعفوية وبلا شغب : " بل المعبأ بخوف يكفيه لكل الحروب ". هكذا بدأ تعارفي مع الطيار العذب سيرغي بافلوفيتش. وعرفت من طبيعة أسئلته وكثرتها أنه يفعل ذلك حتى لا يترك لي الفرصة لتوجيه الأسئلة إليه لأن السؤال والجواب من الممنوعات مع الطيارين لأنهم يعرفون كل تفاصيل توزيع القوات ومستقبل تحركات القطاعات ولهم دراية عميقة بطبيعة المنطقة والطقس وكل شيء في المنطقة. لذلك كان سيرغي يستغرق بالحديث عن عائلته كلما سألته عن مكان ما تحتنا أو أسلوب طيرانه الواطئ والخط الذي اتبعه والقرى التي مررنا بها والمسافة التي تبقت لنا … الخ
في الطيران الى غوديرميس فوق الأراضي الداغستانية استرعى انتباهي فورا مساحة المراعي العريضة وعدد المواشي الذي يفوق عدد السكان ، ذلك الخضار البهيج الذي لم تخربه الحرب وتناثر البيوت والطرق الترابية الممتدة كأفعى خرافية وبحيرات تؤدي الى بحيرات. وفي تلك اللحظات التي كنا نتوغل بها في عمق الأراضي الشيشانية اختفى كل شيء حي ، وكأن الحدود الداغستانية - الشيشانية هي حدود السماء والأرض أو الحياة والموت. فما أن دخلنا الى الشيشان بدأت الأراضي الصخرية الجرداء ولأول مرة أرى صحراء ، نعم صحراء تقليدية على مبعدة كيلومترات قليلة من الخضرة الداغستانية الممتدة حتى بحر قزوين. وكأني مسكت الدليل بأن الشيشان الفقيرة وغير البحرية بحاجة الى داغستان الزراعية والبحرية والأمر لا علاقة له لا من بعيد ولا من قريب بثورة إسلامية أو جمهورية تضم كل شعوب القوقاز. فالجبليون الذين يحكمون الشيشان طوال التسعينات لم يتركوا فرصة لأبناء الشيشان من الحضر لتولي أي منصب داخل بلادهم ولم يسمحوا لرأس من يعارضهم الوقوف على جسده وبينهم صراع دموي على السلطة وبين بينهم صراع أشد وأقسى. فكيف سيوحدون القوقاز ؟ وعندما شاهدت سوادا في الأفق اعتبرت هذه البقعة الصحراوية خطأ ما في الطبيعة ، لكن اقترابنا من هذا السواد وضح أنها مجرد مستنقعات وأحراش لا تسكنها سوى الحيوانات المؤذية. وانتبهت الى شيء وهو أن المقاتلين الشيشان لو التجئوا الى هذه المساحات الهائلة من المستنقعات لا تستطيع أية قوة إخراجهم منها. لكن الجبليون الذين يمثلون غالبية المسلحين الشيشان لا يمتلكون خبرة سكان الأهوار لذلك استبعدت انطلاق صاروخ منها نحو طائرتنا. وكانت الصهاريج الكبيرة جدا الواقعة في ضواحي غوديرميس والمحفورة في الأرض تلفت الانتباه أيضا بالبقع النفطية المنتشرة حولها. في هذه المواقع كانت مصانع تكرير النفط الصغرى حيث كان يكرر النفط المسروق من الآبار الشيشانية وأنبوب قزوين الى بنزين رديء. وكان يعتبر مصدر دخل رئيسي للقادة الميدانيين الشيشان أو " الشيشان الجدد " كما يسمونهم هناك والتي كانت بيوتهم تكاد تشرف على المدينة كلها. لم يشفق أحد منهم على أطفال مدينته بترميم مدرسة أو دفع مرتبات المعلمين أو حتى الممرضات لا نقل الأطباء. فكما رأينا فيما بعد توجد بنية تحتية كافية في غوديرميس باقية منذ الأوقات السوفيتية. وكان هذا فضل النظام السوفيتي الذي لا يمكن أن ينكره أحد. ففي تلك الأوقات كانت تبنى كل المرافق الأساسية الخاصة بالضمان الاجتماعي في المدن والقرى ، كل ما يحتاجه السكان ، كل التفاصيل الصغيرة التي تلبي احتياجات الإنسان. ألم يكن الناس ، ناسهم ؛ أولى ولو بنسبة من خيرات النفط لتشغيل ولو مخبز في المدينة !
في الحرب الشيشانية السابقة حرصت القوات الروسية على عدم المساس بأي شيء يتعلق بقطاع الوقود الشيشاني. لأن المخططين للحرب ظنوا بأنهم في غنى عن تصليحها فيما بعد طالما أن الوضع سيستقر لصالح موسكو. لهذا السبب بقت المصانع الصغرى تعمل بلا انقطاع ، ولم تكن هذه المصانع تزود آلة المقاتلين الحربية بالوقود فحسب ، بل كانت تمول عملية شراء السلاح والمعدات والذخائر. لهذا السبب لم نر مصنع واحد سالم من القذائف الروسية في هذه الحرب ، لقد دفن الطيران الروسي هذه المصانع في حفر ليس لها قرار.
ذكر لي بعض النسوة في المدينة فيما بعد بأنهم عندما شاهدوا طائرتنا أمعنوا النظر إليها وكذلك الأطفال الذين اعتبروها لعبة بدلا من مدينة الألعاب المبنية في الأوقات السوفيتية والتي لم يكلف أي نظام حل في الشيشان طوال التسعينات فتحها أمام الأطفال رغم أن الكهرباء كانت تصل إليهم بالمجان من روسيا. لم يفكر الجبليون بضرورة هذه الأشياء للأطفال. كان يهمهم فقط تدريب الأطفال على حمل السلاح منذ سن السابعة ؛ هذه متعتهم الوحيدة وربما هذا الشيء الوحيد الذي يدركونه في الحياة ويريدون بناء دولة عصرية ! ينظر الأطفال بغرابة الى الدولاب الطائر ولا يعرفون ماهية وجوده ، فهذا الدولاب لم يتحرك منذ عشرة سنوات ، يعدونه حيوان خرافي كالذي يسمعون عنه في الحكايات الشعبية. أحسب أن وقوف هذا الدولاب هو وقوف الزمن في الشيشان منذ انقلاب دوداييف في عام 1991 وحتى الآن. لقد توقف الزمن في الشيشان بشكل كامل.
وهكذا نظر النساء والأطفال الى طائرتنا ، كما أخبروني فيما بعد ، بهدوء ، على العكس مما كان ينتابهم من هلع في الأسابيع الماضية عندما يهرعون الى أقبية دورهم خوفا من القصف الجوي. كان أزيز محركات الهليكوبتر كافيا لطرد الحياة من المدينة.
دمرت غوديرميس في الحرب السابقة ولم تتم إعادة بنائها بالطبع. لكنها احتفظت بهيكل المدينة الأساسي ، ما تحتاجه فقط الأموال والنزاهة والإخلاص لكي يتم ترتيب فوضاها.
وعندما تحررنا من ضجيج الهليكوبتر وهبطنا في حقل كبير يطل على المدينة استخدم كمطار ، اقترح سيرغي أن أصل الى المدينة بواحدة من السيارات العسكرية. وبعد مشي نصف كيلومتر وسط الحشائش ( كانت فكرة انفجار لغم أرضي تلازمني ) رأيت حافلة مخصصة لنقل الجنود. وبعد صعودي إليها اكتشفت أن زجاج نوافذها المغلقة من القذارة بحيث يجعل التصوير أمرا مستحيلا خاصة وأن الزجاج قد ينكسر ولا تفتح النوافذ. وأظن بأن أحدا لم يتجرأ ونظف هذه النوافذ أو فتحها منذ تم تصنيعها قبل نصف قرن.
عدت أدراجي الى الشارع بعد أن شممت رائحة دبابة قادمة باتجاهنا. ورغم كل المحاذير والممنوعات وعبارات القنص تسلقت إليها واستقبلني الجنود على متنها بفرح من باب تغيير الجو الرتيب الذي تعودوا عليه.
إذن انتزعت فرصة هائلة لرؤية المدينة على دبابة مكشوفة ، وفي جوهر الأمر فرصة التقاط الصور التي لم يرها أحد قبلي . كنت أعلق كاميرتي " الغالية " في عنقي وأخفيت في الجيوب العليا من قمصلة الحرب كاميرتان صغيرتان . ومع ارتجاف أصابعي ( طبعا من وعورة الطريق وليس من الخوف لأني نسيته تماما كما قلت للطيار ) بدأت خطواتي الجديدة في حقول الموت الشيشانية.