الأربعاء، 3 سبتمبر، 2008

فرح جماعي


" كان لابد من قبول الحياة – هنا أو هناك –
مع ترك الزمن يمضي "

- ناتالي ساروت -

تعيد العائلات العراقية صياغة يومها بإزالة عقباته المفروضة على الدوار وسط البيت ، بهجره في الساعات التي تعقب العصر وتنتهي بحلول التاسعة مساء.
وألطف الخيارات التي تبعث لمن لديه الأطفال السلوى ، تلك الأماكن التي فيها ماء وخضرة وممرات نظيفة ومساء هادئ تنيره كهرباء تحرك ألعاب كاد الأطفال ينسوها.
لتكن صفحة للتجوال ما أن تنحاز القلوب للفرح ومداعبة الأحواض والأغصان والأزهار في تراص ّ جماعي للعائلات العراقية التي ملت من الركون في زويا البيت ومراوغة الحديث عن متطلباتها ورغباتها المارة من ثقب إبرة.
لوحات صافية ، مكملة لحياة تسير فيها البسمات بالتوازي مع رفرفة الأنباء المتداعية ، نوع من الحل المسهب والانفلات نحو فلين اللهو وبياض دنيا الحشائش وأشرطة الصغيرات الملونة ، البالغة الزهو لحظة الفرح.
افتقرت بغداد للبساط الأخضر منذ حركة التوسع السكاني والبناء الذي شهدت طفرته الرئيسية في مطلع السبعينات واقتصر اهتمام الساسة في ذلك الوقت على بناء المزيد من الجسور والطرق السريعة والمباني الحكومية وكان نصيب الأشجار في العاصمة قليل ، و بالكاد كان المواطن يستطيع تتبع البذرات المحدودة التي تنثر على تراب العاصمة.
وقبل ذلك الحين ظهرت أول مدينة للألعاب في بغداد عام 1966 حيث استغرق بنائها أكثر من ثلاث سنوات وعدت الأكبر في الإقليم من حيث السعة وتنوع الألعاب والبحيرات الصناعية التي كانت المتنفس الصيفي لكل أهالي العاصمة تقريبا.
ظرف موضوعي
حين دخل الأمريكيون بغداد ( نموذجا ) استهوتهم لأسباب تكنيكية – عسكرية ، المساحات الشاسعة المحمية بأسوار ، فبركت مدرعاتهم وآلياتهم في تلك المناطق بدءا من القصور الرئاسية ومرورا بالملعب الوحيد الكبير في المدينة وليس انتهاء في ملاعب الأطفال في الزوراء والرصافة وبحيرة النصب والجزيرة السياحية وغيرها.
وساعد ما أسموه " الانفلات الأمني " على ضعف المطالبة الشعبية المهمومة بقضايا أكثر جدية ، في استعادة مراكز الترفيه في العاصمة ، في وقت كان الحاكم الأمريكي فيه ، لا ينظر بعين العطف ، على المطالب الخجولة التي تظهر في الصحافة حينذاك.
ولسبب ما ، انسحبت القوات الأمريكية من المتنزهات البغدادية وتركت ملعب الشعب ليلعبوا فيه كرة القدم ، وكانت هذه الخطوة الأولى التي ساعدت الشركات الخاصة للبدء في صيانة ما تبقى منها والتحضير لإتمام بهجة الأطفال.
3 لثمانية ملايين
المولعون في فرض الإسمنت على بغداد ، أهدروا الكثير من الأموال عليه وعليهم ، دون أن يلتفتوا أو حتى يدركوا ، أن بغداد وضواحيها التي يسكنها نحو 8 ملايين شخص فيها ثلاث منتزهات كبيرة فقط ! وإذا قررت العائلات العراقية التنزه في المناسبات فقط على سبيل المثال ، فأن 3 ملايين شخص سيتوجهون الى حديقة واحدة ، ويمكن تصور الأمر من وجهة النظر الإحصائية على الأقل.
ومن الإنصاف ذكر بعض المحاولات الشعبية بالتنسيق مع مجالس بلدية محلية عاونتها ماديا منظمات إنسانية دولية أجبرتها الظروف الأمنية على مغادرة العراق ، أخرجت بعض الحدائق الملونة الصغيرة في مناطق بغدادية كالبياع والسيدية والحارثية وغيرها.
حديقة النصب
سنة ونصف ، تسبب الوجود الأمريكي بالقرب من " نصب الشهيد " (يسمونه الآن نصب ضحايا الدكتاتورية ) الى تحول أكبر مدينة للألعاب في الإقليم الى بقعة مهجورة يغلب عليها طابع الثكنة العسكرية.
هذا الأمر أدى الى هجرة كاملة لأصحاب المطاعم والمصورين وباعة الحاجيات النادرة والطريفة التي يهواها الأطفال.
غير ان الشركة التي استلمت تعهد العمل في هذه الحديقة بذلت جهدا استثنائيا وصلحت الألعاب القديمة التي جلبوها في الستينات ونصبت ألعابا جديدة صنعوها محليا من قبل شركات عراقية متخصصة أبرزها شركة العراق لتصنيع الألعاب الفنية.
دار الدولاب وارتفعت المناطيد وتلونت البالونات وأضيئت الأنوار معلنة استقبال الوجبة الأولى من طلاب النزهة الذين زادوا يوما بعد آخر بتنوع الخدمات وجدية عمل القطاع الخاص حين يستهويه الربح.
مشكلة جديدة
والشركات التي تصنع الفرح ينبغي أن تربح ، لكن ما ذكرته لنا بعض العائلات المستريحة في فيء المظلات المعمولة خصيصا للعائلات فقط ، هو أن أسعار الألعاب غالية جدا لاسيما للذي يمتلك الكثير من الأطفال الراغبين تجربة المزيد منها.
ويقول إبراهيم بمشاركة زوجته نهلة بأنهم يفضلون الجلوس من العصر حتى المساء تحت المظلة ومراقبة أطفالهم يمرحون كما تشاركهم أم إبراهيم في تلك الجلسة التي قالوا بأنهم طالما فقدوها في الأشهر الأخيرة ، في حين كانت نزهاتهم شبه يومية في هذا المكان الذي يحبونه.
وعن غلاء الألعاب أجابت نهلة السعدي بأنها فعلا كذلك للذي يتردد باستمرار ولديه الكثير من الأطفال. لكنهم حسب قولها ، يمتلكون أطفالا قنوعين ويبتكرون ألعابهم بأنفسهم وببلاش !
لعبة الموت
وسمير الذي يبتعد دائما عن أبويه ، عرفنا عليهم فيما بعد لنلتقط صورة لهما مع أخيه الصغير ، يتندر على ما يسمونه " لعبة الموت " هنا ويؤكد بأنها بسيطة ولا تثير الخوف وأنه في الكمبيوتر يجتاز ألعاب أصعب. يعرف سمير ألعاب " والت ديزني " الشهيرة ويتحسر لعدم وجودها.
يقبل الآخرين من الفتية على لعبات " التلفريك " والطائرات والأخطبوط والسكة الطائرة والخيول والسفينة التي تنقلب على نفسها.
تتكرر الأضواء الملونة المصاحبة لموسيقى راقصة تساعد الأطفال على الإسراع في قطع التذاكر والانغماس في الحالة وتقمص أدوار طالما أدوها مع الكمبيوترات.
أسعار مناسبة
كبير العاملين في حدائق الألعاب وصفي الحمودي يؤكد على أن أسعارهم مناسبة ، مفيدا بملاحظة أن ليس كل من يدخل الحديقة يقصد اللعب. فثمة عائلات لا يدفعون غير رسم الدخول الرمزي ويأتون حتى بطعامهم من البيت ومع ذلك فأنهم يستمتعون بالأجواء والخدمات هنا كلها بالمجان تقريبا.
هكذا فهم وصفي الموازنة ما بين ضيوفه ، فهم أنواع برأيه ، معتبرا أن أكثر شيء يسعده الإقبال الكبير الذي لا يزال يطمح إليه ، حيث لا يعتبر زوار حديقته كافين مقارنة بأوقات السبعينات التي لا تستطيع فيها أن تعثر على محط رجلك حسب وصفه.
ولا تنحصر مشكلة رعاة الحدائق المسلية في الأسعار ، بل في الوضع الأمني ، لاسيما بعد استهداف المدنيين في معظم العمليات والحوادث الإجرامية التي تحصل في العاصمة العراقية تحديدا.
ومع ذلك فأن الإقبال الأكثر يخص العائلات وسفرات المدارس أو تلك التي تنظمها التجمعات والاتحادات الطلابية من وقت لآخر وتبدأ من الصباح لغاية المغيب.
متاعب رسمية
تم خصخصة مدينة الألعاب في الرصافة منذ عام 1989 لكن أرضها ظلت تابعة لأمانة العاصمة ومحتوياتها تتبع للشركات المساهمة فيها. وبعد انتهاء عقد الايجار الأولي ، رفعت الدولة قيمته بثلاث أضعاف ليصل الآن الى نحو 120 مليون دينار ، الأمر الذي يصعب على الشركات الداخلة في المشروع المهمة في تطوير المدينة أو تخفيض أسعار الألعاب التي يشكو منها الناس.
كما أن المدينة تجهز نفسها بالكهرباء بدون مساعدة الدولة باعتمادها على مولدات كهربائية خاصة بها وكذلك الحال بالنسبة للماء الصالح للشرب والسقي ورعاية النباتات والحيوانات الموجودة فيها.
جفاف البحيرة
بدلا من الموسيقى والأنوار التي ينبغي أن تسبح في نافورة بحيرة مدينة الألعاب ، تشم رائحة مساحيق غسل السيارات التي حولت المكان الى محطة لغسل السيارات بلا مبالاة لا بالذوق العام ولا بمشاعر المتنزهين ، مع التذكير بأن هؤلاء كانوا في أوقات النظام السابق لا يستطيعون حتى وقف سياراتهم للحظة واحدة ، لأنهم يدركون بأن غسلهم مع سيارتهم سيتم في حمامات الرضوانية.
بحيرة الزوراء
على العكس من ذلك ، تسير القوارب الصغيرة بهدوء ومتعة في بحيرة الزوراء التي افتتحت مؤخرا بعد مغادرة القوات الأمريكية للمنتزه الأكثر شهرة في العراق.
وترتبط هذه الحديقة بذكريات الكثير من العراقيين ومن الصعب العثور على بغدادي في منتصف العمر لم يحجز جزء من أوقاته بين أشجارها وتنفلت منه الكلمات المتعثرة الأولى في لحظة هيام.
بدت الزوراء أكثر تنسيقا من حدائق الرصافة ، لطبيعتها من جهة ولنوعية زوارها الذين هم في الأغلب عائلات ، لعلهم بدئوا حياتهم الزوجية من هذا المكان بالذات.
وأكثر ما يزعج في الزوراء ، قربها من المنطقة الخضراء وإطلالها على شوارع اشتهرت بالمفخخات ، ومع ذلك فأن العراقيين الباحثين عن التنفس الآخر ، يتعقبون البهجة مولجين في تقفي ضحكات أطفالهم مقبلين على الحياة المتحركة والمدونة في شدو الأطيار والنسمات التي تهزها الأغصان وريشات البطات المأخوذة بسريان الزوار الجدد.
الحديقة المتجددة
نظفت قنوات المياه السائرة وسط الشواطئ المعمولة جيدا بالأحجار البيضاء وبعض الرخام ، فيما اصطبغت الجسور الصغيرة بألوان تحاكي المصابيح المطلاة بالطيف.
وما بين النساء المتألقات ، تفترش جلستهن زهرات وحيدات تقترب من فراشهن المحمول من البيت ورائحة شواء كلف البساط الأخضر بعض من نزاهته بحركات تولع في خرقها العائلات بالرغم من التحذيرات المكتوبة والمعلنة من " إذاعة المنتزه " الداخلية التي تبث آخر المنوعات الفضائية.
يجبر الحر بعض الصبية لعرض أجسادهم بلا قمصان مدخرين هبة النافورة الغاصة بهم وبصيحاتهم المترنحة وسط بهرجة الموسيقى المتوافقة مع الضجيج الشديد الحلاوة.
الجزيرة السياحية
قضى في هذا المكان الممتع الكثير جدا من الشبان العراقيين ليلة زواجهم الأولى وبلا مشقة يمكن حساب عدد الشبان الحاليين الذين يزورنها دون يعلموا أنهم كانوا من نتاج نضرتها وزخرفتها وردائها الحريري الممطوط على دجلة.
وهي أجمل بقعة سياحية في بغداد عكرها الأمريكيون أيضا حتى غادروها بعد تسليمها الى وزارة الثقافة. وفيها الكثير من الأشجار النادرة المعتنى بتصفيفها بستانيون مهرة بذلوا جهدا استثنائيا لتحويل مساحتها الكبيرة الى واحدة من الرياض المكتملة الرشاقة.
يحيط النهر معظم مساحتها ولا يسمع فيها صوت مسرفات ولا عربات ، سوى سكب القدح وارتداء الرداء الشفاف وتهادي المحبوبة وظلال الطيور الحسودة.
ينزو فيها عشاق العاصمة الآن مقتنصين لحظة ألفة وذكرى فائتة عن الرتابة اليومية مصورين الحمرة المبكرة للخد وثقل الكلمات عندما تصور المشاعر الحقيقية.
لحظات الهناء
هكذا قرر العراقيون توطيد الفرح كطمأنينة و يقظة هائمة. كنوع من الحل وجزء منه ، لكي يكبر صغيرهم ويصغر كبيرهم بالبراءة والثقة في أن الأمن بهجة أيضا والأمن خمائل ومسك يد الزوجة بعيدا عن طاولة الطعام ، والأمن قنطرة حب وبساطة و ليس الاعتناء بمزلاج الدار فحسب ، والأمن هو ما قرره هؤلاء العراقيون حين هبوا لصداقة الزهور والبحيرات والألعاب الطائرة واقتراح الزوارق في المياه الصناعية.
سيجذب بعضهم بعضا لتلاوة لحظات الهناء وسيكثر الأطفال عند السواقي وبوابات حجز التذاكر المسلية ، ما أن يصبحوا فردا واحدا ، قصيدته انقشاع الغيوم وابتداء البذار على الشواطئ.

مذاق الخلان

المهنة التي أصبحت لقبا ، وجابهت بخل الحصار والتقشف في المنّ والسكر والذين اعتبروها من الشكليات ومظاهر البذخ والتسلية غير المواتية بالنقود وقوت الشعب غير العاثر على كيلو سكر زائد عن حاجة المخازن الحكومية.
لحلوانية العراق تاريخ طويل لم يفارقه الحاضر كثيرا ، فقد حافظوا ما استطاعوا على هذه المهنة الخاصة التي لم يقتحمها الطفيليون وبدت في استمرارها وتطورها ، كمهارة اختراع وأسرار يسلمونها لبعض جيل بعد جيل.
والأذواق والرغبات بقت على حالها ، فلكل مائدة نصيب ولكل نوع من الحلوى الشعبية العراقية ، نكهته ووقته ووظيفته وقيمته ، فلا تتداخل هذه العوامل ، فيحدث خلط كبير ، فالحلويات دخلت في الموروث الشعبي وكان وجودها دليل احترام وقبول واختفائها علامة خصام.
البشرى
توزيع الحلوى يعني الاحتفال ، فالخطيب المرتجف خوف عدم موافقة أهل حبيبته ، ينشرح ما أن يرى مضيفيه يقدمون له البقلاوة أو " منّ السما" ويعني دخول الحلوى الى المجالس الجدية ، الاتفاق والترحيب بالضيوف وعكسها يعني الابتعاد الى الطرق المسدودة.
وتوزيع الحلوى من قبل أحد بيوت المنطقة على باقي بيوت الحي ، يعني ثمة بشرى يزفها صاحب الحلوى لجيرانه ، نجاح الولد أو الظفر بعلاوة للموظف القديم أو وصول رسالة منتظرة من الابن المغترب أو ولادة صبي على سبعة بنات.
فالحلويات دخلت في الحياة الاجتماعية الأخرى كراية للفرح وإعلان النجاح والسلام والخروج بكفالة من القفص ومحاولة لمشاركة الجميع هذا الزهو كعلامة للتآلف والتضامن والاتحاد الذي طبع الأحياء الشعبية العراقية ، لاسيما في أوقات البلاد الذهبية.
تبادل الفرح
والفرح كان متبادلا أيضا ، فالجيران الذين يستلمون الحلويات ، سيردون بأحسن منها عند زيارتهم لصاحب المبادرة وتقديم التبريكات والتهنئة له ، لذلك تتحول الحلوى الى لغة ود تغذي العلاقات برقة ولطف.
ولطالما كانت الحلوى وسيلة للتقريب بين العائلات المتخاصمة أو التي تنوي التقرب لأخرى.
لقد جمعت الحلوى الناس كثيرا وكثيرا ولم يشهد لقاء فيه حلوى وخصام ، بل ساهمت في تقريب الرؤوس ، كما يقال ، بالحلال ، وهي أفضل هدية للمحتار والمفلس ، الجوعان والزعلان ، ماحية الشعور بالتردد والمشجعة على دخول البيوت من أبوابها ، مبعدة التنافر ومقربة النظرات ، أنها الاكتراث بقمته والاهتمام بأوجه ، ما أن تبعد الأيام خصال الخلان والأحباب.
الشكرجية
هم الحلوانية ببعض اللهجات العربية والحلوانيون بالجمع السالم وفي صلب القضية ، هم من يزيد أيامنا حلاوة وبطوننا سكرا و وهاد حياتنا جمالا ، الذين يتفنون في صبـّها وتزويقها وتأطيرها ولفـّها وضمها بكل ما ما يتناسب مع نسبة الخميرة والنار وقدر السكر والفستق ، الجوز والنشا ، الهيل وكل ما تشتهي النفس أن تقدم لك وأنت في عزّ انبهارك وتوقك لأن تأكل الصوان بالشوق والحب بظلال الأمسية التي تجمعك بمن تحب.
وأروع ما في بغداد الشعبية ، أنها حافظت على ما تبقى من بغداد الحلوة التي أن سارت بشيء ، على الآخرين المضي ورائها ، فلا أحد في هذا الكوكب يمكنه إعادة ما تصنعه أنامل الشكرجية المخضرمين فيها ، مهما قلبوا الدفاتر والوصفات، ومهما حاولوا استخدام أفضل الطرق وأنظف الأواني وأحسن المواد الأولية ، فأن شكرجي بغدادي شاب يستطيع لف وتدوير عجينة قطرها ثلاثة أمتار مؤكدا بأنه سيتلاعب بها وسيلفها على جسده ويطويها من جديد وسيقطعها بلمحة بصر ويدخلها الفرن ، بكل ثقة يقول لو عرضت هذه العملية في التلفزيون لما صدق الناس بأنها خميرة طحين أو عجينة ، يلامسها السكر ويداعبها كطفل يهوي الطيران ومن بعدها يحولها زهرة أو شجرة أو علبة مكعبة أو أي شيء كما تجلس بفخر في صالة العرض.
الرواد
كانوا قليلين ومعروفين جدا في العراق وخاصة في بغداد ، الحلوانية المشهورين ذوي البصمات الخاصة والتي لا يقلد أحدهم الآخر ولا يتجرأ من هو خارج عنهم تقليدها أو الادعاء بذلك.
بداية كانوا كعادة الموهوبين يعدون على الأصابع الشكرجية وكلهم حجاج كأسواق الشكرجي بأبنائه الذين فتح لكل منهم معرضه الخاص فيما بعد وحلويات الطارق والرواد والقسمة وأخيرا يتزعم شكرجية بغداد الآن الخاصكي ، لكونه صاحب أجود منتج وأفضل معمل ، وأسعاره أسخن من حلوياته ، ويفضل عرض بضاعته الآن بالدولار وحسب التعريفة العالمية.
وبما أن الحديث عن الأسعار ، فأن الجمهورية البعثية التي ادعت الاشتراكية وفرضت الأسعار على التجار ، استثنت معارض الحلوى ، لأنها على الأرجح ، إبداع ، كاللوحة أو الأغنية والقصة والرواية ، فلا أحد يستطيع تقييم سعرها ، لا يمكن لسلطة تحديد سعر كيلو الزلابية أو البقلاوة والكنافة والشعرية ومنّ السما وزنود الست والزلابية وغيرها ، فلكل مجتهد نصيب في هذه المسائل ، فهل يمكن مقارنة بقلاوة الخاصكي بأخرى في محل متواضع في سوق الميدان.
المخضرمون لم يفكروا يوما باستخدام مواد أولية رخيصة والتعمد بالإبهار بالشكل وغش الناس ، لم يفعلوا ذلك إطلاقا في أشد أيام محن البلاد ، وكانوا يفضلون إيقاف الإنتاج عن التلاعب بالذوق والطعم والرائحة ، لذلك حرصوا على المحافظة على مستواهم ومذاقهم ، مهما كان دور البديل ، سكرا أو جوزا أو لوزا أو الزيت الذي لا يستطيعون توظيف العادي منه ، بل الدهن الحر العالي المواصفات.
الانتشار والانغلاق
شهدت السبعينات أكبر قفزة في عالم الحلوى العراقية ، فقد استطاع الشكرجية الكبار فتح أفرع لهم في كل دول المنطقة تقريبا واستطاعوا تصدير منتجاتهم ووصلت الى أوربا وأمريكا حيث الجالية العربية كانت تفضل الحلوى العراقية.
غير أن الحصار وظروف التسعينات البالغة السوء ، منعت دخول المواد الأساسية في هذه الصناعة ، فانكفأ معظم شكرجية العراق على صناعة الحلوى باستخدام التمر ، لأن النظام منع استخدام السكر لمثل هذه الأمور التي عدها شكلية ، لذلك ظهرت الكثير من النكات على حلوى التمر الذي حوله العراقيون للحاجة والفاقة حتى الى عصير.
والظروف العصيبة التي عاشها البلد في ذلك العقد المرير ، أدت فيما أدت إليه الى " هجرة أكف " الصناع الماهرين في هذا المجال ، مرتضين العمل في دكان دمشقي أو كافيه بيروتي أو أمام واحدة من بسطات عمان !
تعويض الربـّات
ولم تكن العراقيات أقل شأنا من الرجال في مجال صناعة الحلوى ، وتبرز مهارتهن في رمضان حيث تستعد ربـّات البيوت منذ مطلع شعبان في تحضير اللوازم الرئيسية لحلوى الشهر الجميل. وكانت السيدات بمختلف مشاربهن يتنافسن بلا هوادة من أجل التبختر لحظة تقديم حلاوة أناملهن في لحظة قرار مجموعة الرجال ، كلجنة تحكيم ، أيهنّ أفضل وأحلى !
وتجنح العائلات ومن فيها سيدة تشعر أكثر من غيرها بحرص على ميزانية العائلة ، على صناعة كافة الحلوى المعروفة كالبقلاوة الزلابية والكنافة في البيت ، لأن العرف يقول أنها أرخص وأنظف و " مال البيت " التي لها مذاق خاص دائما.
أنها قوانين رمضان وعاداته التي لم يكسرها أحد في العائلة العراقية ، فحتى الفقيرة منها تستطيع إعداد الكاستر والمحلبي والليقيمات التي هي جزء مهم في المائدة الرمضانية ولا تتطلب مهارة كبيرة وإسراف.
غير أن عولمة التلفزيون وغزو الدشات على السطوح وظهور موضة مسلسلات رمضان ، أحدثت خرقا بيـّـنا في نشاط سيدات البيوت اللواتي أصبح الستلايت جزء من جدولهن اليومي واهتمامهن في الظروف العراقية الغاشمة التي قللت الزيارات ووجهت بالنتيجة ، ضربة في عملية التنافس بينهن ، فالتنافس كان المحفز الرئيسي ، أضف إليه المزاج العام لأم البيت المأخوذ بالذهول والشرود في هموم جانبية وعرضية والجزع المتوالي الذي تجسده فضائيات الحرائق.
الرهان
" من صينية بقلاوة " !!
هكذا يتراهن العراقيون في رمضان ، في نقاش سياسي أو رياضي أو في المحيبس أو الخلاف الودي حول أي قضية ، سيقضي الرهان على الخاسر جلب صينية بقلاوة للجميع.
وغير الرهان فصينية البقلاوة تتحول في الكثير من الأحيان الى المحفز ، فالذي يطلب منك شيء لتفعله له وخاصة في رمضان يوعد أن يجلب لك هذه الصينية.
وهناك رهن ثالث ، لا زال مستمرا حتى اليوم ، فقد كانت لعبة صوان البقلاوة مشهورة في المقاهي البغدادية ، حيث تتجمع فرق تضم أعضاء من البدينين عادة لتتبارى هكذا : من يستطيع أكل صينية بقلاوة بأكملها ؟!
الصينية تحتوي أكثر من 15 كيلو والتهامها دفعة واحدة ليس بالأمر الهين إطلاقا ، وتتخلل اللعبة أغان وتعليقات وردّات شعبية وتشجيع واشتهر البغداديون خاصة في هذه اللعبة التي كانت تستمر لساعات ، علما أن الوزن والوقت هما العاملان الحاسمان في الفوز. وكما اشتهرت اللعبة ، فاشتهر معها اللاعبون ، وفي حقيقة الأمر هم آكلي صوان البقلاوة !!
اللعبة طيبة كالناس ، فالخاسر يدفع ثمن الصينية ، أما الفائز الذي أكل أكثر من 15 كيلو فلا يدفع شيء غير مستقبله الصحي.
زحام
لا يبيت شيئا من حلوى المحلات الكبرى وخاصة في رمضان وتطور الأمر الى أن الناس وخاصة فرق المحيبس تحجز مقدما صواني الحلويات ، وانشغال الشبان في رمضان بالزواج ، أعطى زخما قويا لإنتاج الكثير من الحلوى لتوزيع بهجتها على أكثر الشرائح الشعبية.
تنشط معارض الحلوى قبل الإفطار وبعده في البيع ، فيما تعمل طيلة النهار في عملية الإعداد.
وكما هو رمضان دائما ، حلو وجامع يسعد بالالتقاء وينفر من الافتراق ، وحلوه من يبقي المسرة في عيون النسوة الماضيات في تقليب العجين والسكر ، الحسرات والزفرات ، نذرا للذي خرج ومزق أحشائهن إربا لطول غيابه.

مشروبات عراقية


تحضيرها على مقاسات الثمار الناميات في البلاد ، المتاحة منها والمتنقلة بين المدن والمجلوبة على ظهور الدواب من القرى البعيدات. تعايش العراقيون معها منذ هطول الشمس على التراب وبفضلها يلتف الأبناء حول الآباء والأقرباء والخلان ومن ينوي التعارف لأول مرة والذي اتوا به ليرى خطيبته المدفوع إليها وكيف تحمل للضيوف " صينية " العصير والشربت الذي يصر الجميع على أنها تعده أفضل من محترفي الحيدرخانة.
وكما في الغرب والشرق وأصقاع الدنيا كلها ، حيث تشتهر مدن على حساب أخرى بالمنتوجات المحلية ، فأن لكل مدينة مذاقها وشرابها الخاص الذي لا يمكن لأخرى الطعن بخصوصيته. وفي داخل المدينة الواحدة ، يتميز صانعو العصائر عن بعضهم البعض ، تماما ، كالتفرد الذي تتمتع به مطاعم شهيرة في العالم عن سواها.
التفرد هذا صنع أسماء تداولها العراقيون لصناع العصير والشربت واللبن وغيرها من المشروبات ، ويعرفها كل محلي ، شفاها أو تاريخا تناقلته الأجيال ، كصاحب العصير.
ولعل المغرمين بتناول عصير بذاته ، يقطعون نصف بغداد ، من أجل جلسة لا تستغرق دقائق ، عند المحلات العريقة، ذات الألقاب العريضة التي مهما أمتد الزمن وتطاولت قسوته ، لا يستطيع أي كان نسيانها.
والبغداديين غير مستعدين لفقدان جلساتهم القديمة التي ينسجها ويخيطها فيما بينهم قناني وأقداح العصير التي تنتقل من مائدة الى أخرى بيد صبيان ، سيؤدون الدور نفسه للكبار ، في زمان قد يكون أفضل بكثير ، وسيرون لهم بلا شك ، حكاية المشروبات التي لم تنقطع عن مريء الوطن مهما اشتدت به الخطوب.
لا للغازيات
بلا ذكر أسماء ، لا يجمع الجلسات العراقية أي من المشروبات الغازية المتداولة والمعروفة في العالم في نصف قرنه الأخير ، لأنهم ببساطة لا يرغبون بها ، ولا يوجد لصاحب الجلسة أي مجال للمفاخرة مثلما يقدم العصير الذي أعدّه بنفس خالص.
والطبيعة تلاقت مع هذه الرغبة وعبر أجيال عديدة ، استقر الذوق على أهم التشكيلات المؤسسة على الثمار الرخيصة كالعادة كالزبيب والتمر والتمر هند وقمر الدين ، التي لا يمكن مقارنتها بالمواد الكيميائية التي تحويها المشروبات الغازية والأصباغ والمستحضرات والغاز المضغوط والصودا التي لو قدمته لطاعن في السن لما تحملته معدته.
ويبدو أن العصائر العراقية الخالصة الشيء الذي اتفقت عليه الأجيال كلها ، الأطفال والشباب والكبار ، الرجال والنساء ، فلا امتزاج يتغلب على ضجر العطش وحماوة الطقس ، إلا لثغة العصير المحضر أمامك.
الاسكنجبيل
هو عصير الفقراء العراقيين وحتى أكثرهم فقرا ، فلا يتطلب أكثر من تنقيع التمر بالماء والنعناع ومن ثم غليه لفترة وجيزة وتبريده بالثلج وشربه.
وأصبح الاسكنجبيل عصير الفقراء بلا منازع لكون التمر متوفر وبكثرة وعملية إعداده لا تتطلب قدرا كبيرا من المواد المساعدة ، عدا النعناع الذي يستطيع أي شخص زراعته.
وثمة نوع آخر من الاسكنجبيل والذي تكون مادته التفاح ويحضر بنفس طريقة التمر ، ولأن التفاح أغلى ، فعصيره يكون كذلك أيضا.
لا يزال بعض الرجال يتوارثون مهنة بيع الاسكنجبيل بحمل عدتهم المعروفة على الظهر والتجول في الأحياء القديمة ووسط الناس ، ويمكن مشاهدتهم الآن في الأسواق الشعبية المكتظة بالناس وعند العتبات المقدسة. أي في الأماكن التي تشهد إقبال كثير وزحام.
والعصير هذا مفيد جدا لمعالجة أو تسكين بعض الآلام ويعدونه دواء لمراض القولون والكلى والمعدة.
قمر الدين
ولأنه يعتمد على المشمش الجاف النادر في العراق ، فأن تداوله قليل ويغلى ثمنه اعتمادا على سعر المشمش نفسه الذي يرخص لفترة قليلة فقط. لكن العائلات العراقية تحرص على وجوده مع مائدة الإفطار دائما مهما غلى ثمنه.
و تكثر في الأسواق العراقية انواع من القمر الدين المحلي والسوري والإيراني والتركي ، الذي لا يتطلب إعداده سوى بضعة دقائق. ويعتبر واحد من أشهر العصائر العراقية ويكاد يكون الأبرز فيها ، حتى أن العراقيون خلدوا هذا العصير بأغنية شعبية شهيرة خاصة به.
نومي البصرة
الليمون الصغير
الذي يجففه الهنود وينقلونه الى البصرة ومنها الى باقي الشرق ، ولنه انطلق من البصرة الى هذه الدول ، فقد أسموه باسم هذه المدينة التي كانت في أوقات عزها أهم موانئ الخليج.
واستفاد البصريون من الطريقة الهندية وتعلموا طريقة تجفيف الليمون ، لكنهم لم يضاهوا الليمون الهندي.
ينحسر الـ " نومي بصرة " كعصير ، كلما ابتعدت عن البصرة شمالا ، وهو من العصائر غير المتوفرة في كل مكان في بغداد ، عدا أولئك الذين ينحدرون من البصرة والجنوب.
وعموما يحب البغداديون هذا العصير المبرد الذي يلازم مواد الإفطار أيضا ويعد جزء أساسي منها ، ويحرص الصائمون حسب الخبرة ، على تناوله في السحور بدلا من أي شيء آخر.
أما الساخن فيقدم في كل المقاهي البغدادية تقريبا ، ويعتبرونه فعالا للقضاء على أمراض الجهاز التنفسي والإصابة بالبرد والانفلونزا.
التمر هند
ينقعون التمر هند ويغلونه مع الليمون دوزي ويضيفون له السكر فيما بعد ويبردونه بالثلج لينتج عصير التمر هند، الرخيص وذو المذاق المرغوب ممن يعانون من سوء الهضم والإمساك ومتاعب الأمعاء.
يقدم في كل محلات المشروبات في بغداد وهو شهير في العاصمة أكثر من أي مكان في العراق ، ويعد أساسيا في الوجبات الرمضانية المختلفة ، ولسهولة إعداده ، يحمله الفتيان ويتجولون بقربته وسط الأسواق والأماكن المزدحمة أيضا ليبيعوه على الماشي.
زبيب زبالة
لعل الحاج زبالة صاحب شربت الزبيب المسمى باسمه ، أشهر من أي رئيس وزراء في العراق ، فمحله الذي استقر في الحيدرخانة كان محطة للملوك والأمراء والوزراء في العهد العراقي الآمن فقد زاره الملك غازي والملكة عالية التي كانت ترسل سائقها لتشرب في السيارة فيما بعد ورئيس الوزراء نوري سعيد باشا وعبد الكريم قاسم .
افتتح المحل مطلع القرن العشرين ولم يغلق بوفاة الحاج نهاية الثمانينات، بل استمر أولاده السبعة في تمشية أمور المحل الأكثر صيتا في بغداد.
والعصير يحضر بتنقيع كمية من الزبيب ومن ثم يعاملونه بخلاطة كهربائية وبعد تصفيته من بقايا الزبيب يضيفون له السكر ويبردونه.
ويمتاز محل الحاج زبالة ، أن الناس يقدمون إليه من مناطق بغداد البعيدة ويشترون منه " سفري " ، أي يأخذونه معهم الى البيت أو أي مكان ولكثرة الراغبين في السفري ، فالمحل جهز أكياس خاصة لهذا الغرض يستطيع المشتري حمله معه.
مشروبات أخرى
وهناك عصير " البلنكو " المعروف بفائدته في تنقية الدم والذي يصنع من المادة التي تحمل نفس الأسم وهي أعشاب طبيعية متوفرة في العراق تكثر في المعاشب والمشاتل المتخصصة.
وشربت " الكجرات " المصنوع من عشب يشبه الشاي الأخضر الذي يزرع في منطقة كجرات الهندية والتي أخذ العراقيون طريقة زراعته من الهند ونجحوا في ذلك لاسيما في المناطق الجنوبية.
وثمة من يتفنن في " الدارسين " الحار أو البارد وغيرها من العصائر المحضرة من الفواكه الطازجة التي تعتبر " كونية " كعصائر البرتقال والليمون والرمان والبطيخ و لا تحمل خصوصيات عراقية.
أما في فصيلة الألبان ، فيمتاز " لبن اربيل " بأنه الأكثر شهرة وجودة وانتقل سره مع الكرد الساكنين مناطق العراق المختلفة.
منافسة
يتهم أصحاب العصير العراقي الطبيعي الخالص ، تلك المستوردة المعلبة بانها تحمل الكثير من السموم الطويلة الأمد والمضرة بالصحة ويستغربون إقبال الناس عليها ، بالرغم من معرفتهم بعدم فائدتها ، بل وآثارها الجانبية على صحتهم.
والعلاقة عكسية بين الخالص المحلي والمستورد ، فكلما قل الصناع الماهرين المحليين ، كلما غرق الناس أكثر في تلك العلب التي لا يعرفون ماذا تحتوي ، غير ابتعادهم عن تقليد طالما حافظ عليه الناس ، كأسمائهم.

انتفاض بخار السعادة


الصيف المنثور على بغداد ، كاد يجعلها قاحلة لولا الدرر المانحة إياها ملاءات العرافات ومعادنها المنسية وعصورها البالغة الملذات في مهبها اللازوردي المستوي كحلا على وهجها البارد في صميم سخونة الصيف المقبل لمجرد أنه صيف لا مثيل لرتابته وكسله وغباره إن شاء من يريد إطفاء مشاعله فليرسل حلوله عبر صندل قديم أو مزمار موعود أو تسبيحة شيخ في مقهى منبسط على النهر أو برنـّة سقوط الماء العمومي المختلج على ضحكات رواد أقدم حمام شعبي في العراق.
المتفلسفون للغاية يرون بأن الذهاب الى الحمام هروب الى الطفولة والمتدينون جدا يعتقدون أنه طقس للطهارة. وكانت الحمامات العمومية شائعة في أوقات الخلافة الإسلامية ووصل عددها في أيام هارون الرشيد الى 3400 ليصل عند مطلع القرن العاشر الهجري الى 27 ألفا في بغداد وحدها بينما كانت 5 حمامات فقط في قرطبة. وذكرت الحمامات كثيرا في الأدبيات العربية الشهيرة كألف ليلة وليلة والإمتاع والمؤانسة وقصائد أبي نواس وغناء جواري العصور الذهبية.
وطقوس الحمامات كثيرة ومعقدة ، خاصة لمن يدخله طالبا الطهارة المبينة بالشرائع ، فمثلا تدخله بالقدم اليسرى لتخرج باليمنى وهنا تبان عملية الانتقال من مرحلة الى أخرى يتحول فيها المرء الى كامل الطهارة يفسرها المثل الشعبي " دخول الحمام ليس كالخروج منه ".
حمام الحاج مهدي
هو أقدم حمام شعبي في العراق باق حتى الآن هذا الذي ترون صوره ، فقد أنشأه عام 1936 الحاج مهدي جد محدثنا عبد الله فائز مهدي الصفار الذي يشرف عليه هذه الأوقات.
يفسر عبد الله الإقبال الكبير على حمامهم لكون العراقيين القدماء يحبون الطراز التركي الذي يسير عليه نظام هذا الحمام ولكونهم يعالجون أمراض مزمنة يعجز الطب عن تلافيها كالروماتيزم وضغط الدم وحالات التشنج التي تصيب عادة المفاصل والرقبة والظهر ، فلديهم " خبراء " بالتدليك والمساج المبني على أصول علمية.
حدثنا عن مسيرة هذا الحمام وكيف أن وزراء مرموقين وباشوات وأغوات كانوا زبائنه كما الناس العاديين وكانت " وزرة " واحدة تلفهم وينسكب على أجسادهم ماء من مصدر واحد. يقول بأنهم كانوا بسطاء للغاية يتسامرون مع بعض ويتبادلون قطع الحلوى ويشربون " الدارسين " من كأس واحدة. فلهذا الشراب حسب عبد الله الصفار فوائد كبيرة لاسيما بعد الحمام الساخن أوجزها بأنه يجنب الإصابة بنزلات البرد ويعتبر منشطا للكبد ويقوي مناعة الجسم وخاصة ضد أعراض الفلونزا.
مساحة الحمام 480 مترا مربعا يتوسطه تمثال للحاج مهدي نحته النحات العراقي الأشهر خالد الرحال وأهداه للحمام ومن الواضح أن الرحال كان يقضي بعض من أوقاته فيه.
هيكلية الحمام
يعتبر حمام الحاج مهدي نموذجيا من وجهة نظر تنظيم وهيكلية الحمامات الشعبية في الشرق ، ففيه الصالة العامة التي تشبه المقهى الشعبي أو البهو حيث يتناول الزوار المشروبات الساخنة تحت قبته وثمة منازع اشتراكية وأخرى لمن يحجز غرفة خاصة به. وفيه ما يسمونه " الصحن " الذي يعتبر المحطة الثانية بعد الحمام الساخن ومسبح صغير للماء البارد لمن يرغب وثمة مكان يطلقون عليه " الحارة " يعالجون فيه آلام الظهر بمساعدة " خبراء " في العظام والتجبير بالإضافة الى غرفة المساج التقليدي.
مدمنون حمامات
الذي يديره الآن يقول بأن حمامه معروف جدا في الشام ولبنان ومصر حيث كان زبائنه كثر من هذه البلدان. ويؤكد على وجود رواد مدمنين لهذا الحمام وخاصة أولئك الذين كانوا شبابا أوقات ظهوره.
وعن زبائنه فيتراوح عددهم يوميا من 100 – 250 وقد يزيد هذا الرقم أوقات حجز الحمام بمناسبات الأعراس خاصة ، حيث يذهب الرجال مع العريس في قسمهم الخاص فيما يتدافع النساء عند بوابة " حمام النسوان ".
وأشار عبد الله الصفار الى زبائن جدد أفرزهم الوضع الأمني في العراق وأغلبهم ضباط كبار في الجيش والشرطة ، موضحا سبب وجودهم الدائم في حمامه لكونهم يخرجون في واجبات كثيرة في القرى والصحاري تكلفهم الكثير من الجهد والأتربة ولكونهم يعودون الى دوائرهم ووحداتهم العسكرية مباشرة لمتابعة واجباتهم ، فمن المتعذر عليهم تكملة اليوم وهم في حالة إرهاق واتساخ شديدين ، فيعرجون على الحمام بطريقهم مع جنودهم وشرطتهم ليأخذوا قسطا من الراحة ومزيدا من النظافة.
حمام الفضل
وآخر أنواع الزبائن هم أولئك الفقراء الذين لا يملكون شراء الماء ، بل لا يوجد لديهم ماء أصلا في بيوتهم ويكدون طوال اليوم في الشوارع كالمنظفين والحمالين والباعة الجوالين والذين يعتبرون الحمام المنقذ الوحيد للتخلص مما يحملون.
وجدناهم في حمام الفضل الواقع في المنطقة الشعبية البغدادية التي تحمل الاسم نفسه. ويعاني صاحبه توفيق هاشم من كثرة الرواد المفلسين وطلبات أهل الحي من مائه القليل الذي يشتريه بصعوبة ومن تخلف الحي الذي يقع فيه حمامه من الناحية الخدمية. غير أن ذلك لا يمنع الناس من إقامة حفلات النظافة لديه أوقات الأعراس حيث تختلط عليه الأمور لكثرة الداخلين الى الحمام المحجوز سلفا لقاء مبلغ مقطوع.
الحل المرضي
يبدو أن انتعاش الحمامات الثلاثة الكبرى في بغداد مرتبط جدليا ليس بالملف الأمني فحسب ، بل في الاقتصادي والنفطي والكهربائي والمائي أيضا. فالمدينة التي يزاحمها القيظ ويستنكر عليها الابتسام ذلك الغبار الدائم ، تواجه منذ أشهر طويلة الأزمة تلو الأخرى فيما يخص الخدمات الأساسية كانقطاع الماء والكهرباء واختفاء النفط ومشتقاته ، لتجيء الحمامات نوعا من الحل المرضي للذين ينبغي أن يكونوا نظيفين دائما أو حتى للذين لا يستطيعون أن يبقوا وسخين دائما.
فحتى ذلك الذي روّض معاشه وحسّن راتبه وهيأ له حماما جيدا في البيت ، لا يستطيع استغلاله لعدم توفر المقومات الرئيسية لاغتسال كامل ، فبرزت كما يقول عبد الله الصفار ظاهرة " الحجوزات المبكرة " في حمامه لكي يستطيع تنظيم رواده بشكل سلس نظرا للتدافع الكبير عليه لاسيما أوقات الظهيرة.
كثرة الزبائن تخلق معها مشاكلها أيضا ، فالحمام أيضا جزء من المنظومة العراقية المتخلفة مائيا ونفطيا وكهربائيا ، وما يعاني منه الناس في بيوتهم ، يندرج ضمن معاناة الحمامات أيضا ، لذلك وكما كل الناس ، يحصل أصحاب الحمامات على الوقود من السوق السوداء مضطرين وكذلك الماء الذي ينقطع كما يشح عن البيوت.
والأزمات حين تتكعب ، تخلق أزمات أخرى ، فسيارات بيع الماء لا تسير بالماء فقط ، بل بالبنزين الذي يحصلون عليه بسعر مضاعف ، لذلك فأن سعر الماء سيزيد أكثر فأكثر حتى وصل سعر ما يحتاجه حمام الحاج مهدي مثلا يوميا بنحو 50 ألف غالون الى ربع مليون دينار ( 270 دولار ) وهو مبلغ كبير ليس بالضرورة كافيا لتغطية تكاليف العمل والعمال والصيانة وغيرها مقارنة بالعائد المالي للمستحمين فلا تتجاوز أجرة الدخول 2500 دينار والتدليك 2500 والمساج 3500 بينما الغرفة الخاصة 3500 دينارا أو ما يعادل دولارين فقط.
مجد الحمامات
الارتباط بالمهنة هو ما حافظ على هذا المعلم التراثي بريقه واسمه ، فالذي امتدت به السنون ليصبح علامة في تاريخ مدينة لا يستطيع التنازل عن ذلك بتحويل النشاط أو إغلاق المكان أو التفكير بالربح المجرد ، كما هو تحليل صاحب الحمام الأكبر في العاصمة العراقية.
يضطر عبد الله لرفع أسعار الدخول لكي يحتفظ بالمكان واسمه وتاريخه وذكريات رواده الحاضرين والغائبين وهي مهمة حاول كما سرد ، توضيحها للمرافق الأقدم لصدام حسين وقتذاك أرشد ياسين حين جاء الى الحمام وطلب شرائه ليكون خاصا لـ " السيد الرئيس ".
رفض عبد الله بيعه أو استلام النقود وأوضح بأن هذا ليس مبنى عاديا في بغداد وهو تراثي وتاريخي ومعروف في المنطقة العربية وقال له بالحرف : إذا تريد أن تأخذه فخذه لكني لا أقبل النقود.
اصطحب أرشد ياسين محدثنا عبد الله الصفار الى صدام حسين وأعاد عليه ما قاله وأجاب صدام كما يتذكر الصفار : أحترم موقفك وانس الموضوع.
تقاليد وضوابط
عن تلك الممارسات الشاذة التي عرفت بها الحمامات العمومية يقول الصفار بأنه لم تحصل أية حادثة خرق في هذا المجال لأن زبائنه محترمون ويعرف بعضهم البعض والكثير منهم يصطحب أبنائه ليذكرهم بأيام شبابه ويعرفهم على أصدقائه وأن سمعة الحاج مهدي لا تسمح لأي شخص متطفل في التمادي أو التصرف غير اللائق لأن الآخرين سيمنعونه قبل تدخل الإدارة وهذا عرف استمر الحمام المحافظة عليه منذ عقود ولولا سمعته الجيدة لما اختاره المتزوجون حديثا وأسبوعيا للاستحمام فيه وتقوية التعارف ما بين العائلات المتصاهرة.
وعن الضوابط والممنوعات فقد اختصرها قبل سؤالنا إعلان مثبت في الصالة يمنع فيه أربعة أمور لا يربط بينها رابط : إظهار العورة والتدخين وجلب الفواكه وغسل الملابس !
دلالات حمـّامية
استرخاء الرجال والنساء ، شيوخا وعجائز ، فتيان وفتيات على الدكات الإسمنتية يسقط الندى على الأجساد ويكتل البخار المنزوي على العرق المتصبب في هذا المكان الساحر. ويمنح صوت التدليك والأنامل المروضة للعضلات المتعبة فرصة لنسيان اليوم المجهد للجندي والشرطي والحمال والمتخيل حنانات الأيام الغائبة.
جالسين أو منصهرين مع البخار ، مفرطين في تدارك العمود الفقري وتفتح الكروش والعجيزة الهرمة ، غاطسين بنواياهم في الماء البارد أو الساخن ، بخمر الظهيرة البغدادية والكلمة المتلوية في الفم ، يخرق صوت الماء المتدفق وضربات المدلكين ، أنين متباطئ سرعان ما يزداد لأبوذية ستهدم ما تبقى من حيل تحكي عن تلك البلاد التي كان فيها سبعة وعشرون ألف حمام ولم يبق فيها غير ثلاثة !

ندى أعشاب الأنهار


ذلك لأن صوت النهر خافت ولمعانه دائم وحريته غزيرة ودفق موجه ناعم ، كفارس جميل ورؤية عين زرقاء مشدوهة ، يكوّم حوله زنابق المدينة الحارة طاردا منها الأشباح الغاضبة وألف عام من الحنين للنهر الغارق بحبر نظريات الجبر والهندسة والفلك وقصائد لم يعد أحد صياغتها.
والمسترخون عند عتبات الأنهر ، الصغيرة منها أو الأم يوقظون الحور الغائبة والأجنحة المذهبة لنسائم المياه الغاسلة فيهم كل دمعة متسخة وقطرة دم ساكنة.
هو أفضل الميسور ، ذلك النهر وبألف عقد للإعمار ، منحني أمام زحمة الفقراء والملوك بنفس الطراوة وعدالة الفيء ، ممشطا الجدائل والمهج ، معريا الأسرار ، مرفرفا بهاء الأوراق بحبور الأغصان.
تستيقظ بغداد ومدنها الصغيرة الملحقة بها عمدا ، كما كل مدن العراق التي لم يعزّ عليها الجليل الجبار ناصية نهر أو جدول ، بما اشتهت أنوائها الجوية وتخاريف موقعها من الاستواء ، بكل من يتنفس فيها ، بمرح من ولد في سيرك ، منتشية بعطايا النهر المجانية وكرمه الفائق وسعادته الواسعة وولوجه المباشر في الروح.
وهذه الرياض الطيبة الموهوبة للعراق منذ ظهوره الأول ، تنقذ من تبقى على أرضه بلا مقابل ولا جدولة ولا دين مختوم على الرقبة ، بغبطة الطبيعة ونفسها الممتلئة طيبة ، يحل العراقيون هذه الأوقات أزمات من ولوا عليهم غير آبهين منهم لا حمدا ولا شكورا تاركينهم يرقدون بنعيم الجمهورية ، لاقطين منها ولو على بعد فرسخ ، جزء من لمعان الوطن.
شرائع متناثرة
العودة المظفرة للحمير للشوارع العراقية واستعادة مجدها السابق بالعمل في كل المهن ، رافقته عودة الزوارق للأنهر في استخدامات متعددة أيضا علاوة على النقل.
في بغداد مثلا ، الزوارق تنقل العابرين من هذه الضفة الى تلك وبالعكس لمجرد أنهم لم يقرروا بعد فتح عددا من الجسور التي سبب إغلاقها عسرا كبيرا لتدفق المركبات في الأمعاء البغدادية.
أغلقوا الجسور ونسوا أنهم أغلقوها على الأرجح ، فطالما أنهم يعبرون عليها فهي غير مغلقة حتى من وجهة النظر الفيزيائية.
وإن كانت بغداد بلا جسور ، فلدى سكانها دائما الحلول ، والشرائع المتناثرة على ضفتي دجلة ساهمت لوحدها وبدون تدخل من وزارة النقل والمواصلات ولا بأمر من الحكام العديدين الذين يتولون أمرها ، في إهداء النقلة والنزهة ومتعة رؤية المدينة من وسط النهر.
ولكون الحديث يدور عن النقل ، فأن مترو بغداد سينجز وسيمر عبر النهر ويقال بأنهم سيبنون نفقا تحت النهر ويمكن لعرباته التسلق إليك ولو كنت على رأس نخلة. ومع ذلك فأن الحمير والزوارق متكفلة الآن بنقل الناس والأشياء وتفتح المسالك المغلقة وتمر عبر الدروب الضيقة لغاية اليوم الذي سيعلنون فيه إحالة الحمير على التقاعد ، وهو يوم سوف لا نراه في حياتنا المتبقية بالتأكيد.


زوارق الصيد
وهي الخبيرة بمراقد الطمي ولون الأمواج وسرعتها وأماكن مرح الأسماك وتكاثرها وبلوغ ذروة تعدادها الصباحي وكسلها المسائي.
والصيادون في بغداد تكاثروا كما حسبهم أمين الأعظمي القديم بما فيه الكفاية في هذه المهنة ، وأعاد ما قاله غيره من خروقات الصيادين الشباب المسرعين جدا وغير الصبورين.
ويعبر زميله صافي داود عن دهشته للأساليب التي يستخدمها الصيادون الجدد كاستخدام السموم والصعقة الكهربائية والمتفجرات في عمليات الصيد والتي ستؤثر بمعرفته على البيوض وتقضي نهائيا على الأسماك الصغيرة وكل الأحياء المائية المفيدة ، ناهيك عن أضرارها الفادحة على صحة من يتناول الأسماك المصطادة بهذه الطرق.
صيادون أوفياء
سواء كان صافي أو أمين من حدثنا عن " جرائم الصيد " ، فأنهم أو غيرهم، يتذكرون تلك الأزمنة التي كان الصياد فيها يستخدم الشباك و " السلية " فحسب وبلا عقد أو مواد كيميائية تذكر وكان الصيد وفير والأسماك تغطي الأسواق وتشبع البيوت.
فالأسماك الكبيرة وفق " أمين " تحتاج الى شباك ذات مواصفات خاصة وتبين من حديثه أن الشباك أنواع كالسمك ويبدو أن أسمائها متوافقة مع الأعداد الصحيحة فيسمونها مثلا : السبيعي ، الثميني ، التسيعي والعشيري .. الخ من أرقام ، فيما يفضل " صافي " الصيد بشباك " الدعيجي " والشص. أما استخدام " الزهر " وهو مادة سمية أيضا ، فيقول أحد أقدمي صيادي بغداد بأنه ممكن ومسموح رسميا لكونه غير مضر ، فلو وضع في العجين أو في أحشاء الجنيب بعد صيدها و إفراغ بطنها او استخدام نوع
من الحشرات يكثر في شواطئ دجلة ، فهذا لا يؤثر لا على الأسماك الصغيرة ولا على بيوض الكبيرة لكنه سيصيب الكبيرة منها فقط.

أخلاقيات الصيد
لا ينافس صيادو بغداد بعضهم البعض ، فإذا رأيت صيادا يعمل في هذه البقعة المائية مثلا ، ستبتعد عنه وتتركه ينجز شغله ، لكن أمجد وهو صياد صغير لم يتجاوز الخامسة عشر ، يقول بأنهم اليوم يدخلون في المنطقة التي أكملت فيها توزيع شباكك ويمر زورق سريع حتى عبر الشص الذي رميته في النهر وهذا سيبعد الأسماك ويعطل عملك لساعات ويهدر ما أنجزته.
يؤكد صافي بأن مثل هذه الحالات كانت مستحيلة الوقوع ، لكن النهر يلمّ ، برأيه ، ولا توجد أخلاقيات الصيد السابقة، والأهم أن كل الذين يصطادون في دجلة الآن وأمام الرأي العام العالمي والمحلي غير مخولين ولا يملكون اجازات رسمية كانت تمنح سابقا للصيادين الذين يملكون نقابة خاصة بهم تلاشت هي الأخرى.
ويمكن تصور معانات الصيادين القدماء لو علمنا بان الكثيرين من الجدد لا يجيدون حتى السباحة ! بينما يقول أمين بأنهم يحبون هذه المهنة كهواية وليس كمصدر للرزق فحسب ، لذلك يقضون بها أوقات ممتعة ، كما أنهم يرشدون الهواة المتجمعين عند الجسور والضفاف المختلفة لتلك الطرق والأماكن التي يكون فيها الصيد متاحا ووفيرا.
لم يكن الصيد منافسة على الإطلاق ، يضيف صافي ، بل هو عملية تريح النفس وتقربك من النهر الذي يمنحك إضافة الى السمك حيويته ونشاطه وإخلاصه.
عين النهر
تواجدهم المستمر في النهر حمـّـلهم حكاياته ونوادره وقصه المفجعة والشجاعة أيضا. يتحدثون عن حالات كثيرة أنقذوا فيها غرقى أحياء أو عثروا على جثث أو أسماك غريبة وكانوا ولغاية الآن " عين النهر " التي لا تغمض والتي تراقب كل صغيرة وكبيرة فيه.
في الأوقات التي يصبح متعسرا الصيد لأسباب كثيرة ، ينقلون الناس بقواربهم وهذه عملية يعدونها إنسانية وإن كانت بأجر وتلهيهم عن الركون في الشواطئ بانتظار سكون النهر وغياب الطمي ومائه الطارد للسمك.
ثمة حالات " يخور " فيها النهر ويبتلع من يمر عبره ، حالة من غضب سري ، يدركونها بالمعايشة والغريزة والفطرة ، غير أن راغبا بالعوم يجيء بالصدفة في لحظات غضب النهر ، لا يدرك خطورة هذا الأمر ، وجودهم في هذه اللحظات سينقذه ، لكنهم في كل الأحوال تمائم وقتية لنهر دائم.


الفتيان الحداقون
يتزاحم الصبية بالقرب من بحيرة مهدها النهر مستخدمين أساليب بدائية للصيد و بلا وسائل حديثة ، مجرد عصا وسلك للصيد وصنارة وقطعة خبز بائت.
تراقب بطات نهرية ، بيضاء بلون قلوبهم ، هذا اللهو ونظارة الفتيان الطموحين بالعودة الى البيت بسمكة مهما كان حجمها. تزاحم طفولي يفوح حلاوة بمشقة الانتظار وزهو الأمل حين يروم الحصول على سمكة واحدة ، ولو واحدة فقط تمني النزهة عذوبة إضافية.
عن سبب هذا التجمهر في مكان ضيق قد لا ينفع في صيد يقول أسامة بأنه ينتظر للساعة الثالثة على التوالي وأهدر رغيفين خبز بلا طائل ، لكنه مصر على الإظفار بسمكة ولو من باب التشفي بصديق محلته سامر الذي أودع في حقيبته السمكة الثانية في الفترة نفسها.
سبب هذا التدافع بينه " صباح " وهو قرب المكان لمنطقة الباصات ولكونه مريح ونظيف ومبلط ويمكن الجلوس فيه، كما أن منظر البط يجلب الحظ ويثير الفضول لدى الصبية بلا شك.
يتكلم الفتيان ويغنون ويدفع بعضهم الآخر ويصرخون أحيانا ويتذكرون معلميهم وبعض النكات وجزء من أفلام المغامرات ويمضي يومهم بالتناسق مع حركة الأمواج.
ليس أكثر من سلوى ومقطوعة بريئة للحياة البغدادية المرتعشة ركوعا من أجل سلام الزهرة والبطة والنهر.
طيش النهر
المخمورون بحب العوم في الأنهار ، أزف موعدهم بوصول درجة الحرارة صعقتها القياسية التي لم نر مؤشرا لها سوى في نشرات الأنباء الموزونة.
لا شيء غير النهر يطعن إرهاق الحر ويبعث النشوة ويخلد الأنفاس للراحة بغياب الماء في البيوت وانقطاع التكييف من الأسلاك وانعدام فرصة اللجوء الى ألعاب التلفزيون والكمبيوتر.
يعلم بعضهم بعضا طرق العوم ، هؤلاء الفتية البغداديون ، ولا يبتعدون كثيرا ومهما كان النهر مساعدا للطيش ، إلا أنهم مزودين بالحذر ووصايا الكبار ودعاء الأعشاب.
لا توجد أهمية استراتيجية للحديث معهم ، مراقبتهم غائصين أو ناطين ، قافزين أو متحشرجين ، مرتعشين أو هائمين بذؤابات المياه ، تعطي التصور الشامل لسوسن اليوم وحرارته غير المقروءة.
قدما نحو الصيف
سيمضي الصيف بمتاعبه وقيظه وفساده ، محملا لوحات كأصابع صغيرة على وجنة البلاد ، مرتبة كأطباق لماعة ، حين يطرز اليوم العراقي زورق وصياد وبطة سارحة ، قبعتها النجمة وملاءتها السماء ، مبشرين فاتحين لنا فرصة الإفلات من كذب الساسة وتدخل الغير وأفول صوت المنادي وعيون المجرمين وأنياب اللصوص ووقاحة المدعين ، فرصة منحها بلا مقابل الزورق والصياد والبطة المجملة جبهة النهر.

زمان الورد


" أن في الجحيم أيضا ً
زهورا "
- وليم كارلوس وليمز -

تعالوا نلج حلم الوردات حين يبتعدن عن ضجيج بغداد ورصاصها العشوائي وأحايينها غير المبالية بمزاج الجوري ودموع القرنفل وفجر الرازقي و لانهائية الياسمين وغيرهن من أزهار الأنف المنخول بالهواء المكرر.
لندلف ولو لدقيقة لا يعطينا الوقت تكررها على الدوام ، في الأنام الساحر ومناداة الغد ونطق اليوم ولفظ الأمس ، عندما يكون لبغداد الحالية في شارع فلسطين لوحده أكثر من مائة مشتل لزراعة وبيع الأزهار ونباتات الظل وورود الزينة.
مواقع مسمرة في وداعة المدينة المجروحة بما فيه الكفاية ، ناثرة على مسمعها وشمها ومذاقها ورؤيتها ولمسها ومسّها كل ألوان البهجة.
هناك صناع الورد ، قبل طلوع النهار ومسرى نقاب الليل ، يهذبون هذا الغصن ويمشطون تسريحة تلك الزهرة كهدوء ملاءة ودثار عشب ، بالبيوت المتسلقة النبات المتجه نحو القمر العالي ، كي يتردد الماء في لجـّة الندى وليسلم الصديق نبأ النجاح لصديقه مع زهرة ولكي ترتاح عصافير البيت من رؤية باقة الأزهار في يد الأم وليختم ما لم يستطع قوله الولهان الفاقد الصبر بطرقة باب أخيره مختصرها وردة.
فلتخفف الأزهار من دم الشعب الحار ولتأخذه حيث السلة والآنية وتنشر في رياحه المغبرة والبالغة الثقل ، ذلك الاخضرار المؤانس والوداعة البريئة في انتظار السهرة المرتجاة ، الأخيرة بمقياس الانسجام وثبات يقين ماء البلاد الوفيرة الهاجعة في الصحراء يلفها العدم المفزوع لوادي السواد الذي أضحى قاحلا متمناه زهرة ولو كمداعبة عاثرة في حلم الوردات.
الملهمات
لا نظن بأن شاعرا أو كاتب أغاني فوّت ذكر الوردة أو أسمائها في أعماله، وكما عرف نيرودا بالحمراء ومايكوفسكي بالصفراء وخشية سان جون بيرس من تحرش الجيوش الزاحفة بالورود النادرة ، كانت أزهار بيكاسو تنشط مع حمامات الجورنيكا وغيرها من أعمال القرن الذهبي للتشكيل.
وغنى العراقيون جميعا في تلك الأزمنة الهادئة نسبيا مع حضيري أبو عزيز توسلاته : " عمي يا بياع الورد .. كلي الورد بيش " ومقام القبانجي " مُهدي الورد " وتنشقوا مع ناظم الغزالي " ريحة الورد ولون العنبر خدودك يا حبيبي الأسمر " وحاولوا تعلم شيئا من الورد بناء على نصيحة زكريا أحمد " شوف الزهور وتعلم وحلم فريد الأطرش " يا زهرة في خيالي .. " ، " لكون " الورد جميل .. " حاول بيعه حتى الماستر الكبير محمد عبد الوهاب في " يا ورد من يشتريك ..".
وكما يحرس الخلفاء والولاة بيت المال عين النعمان بن المنذر حرسا خاصا يتبع له شخصيا ، لحماية الزهور التي نمت وأصبحت من جنائن عصره ، تلك الحمراء التي لا يزال الناس لغاية هذه اللحظة يسمونها " شقائق النعمان " ، في حين لم يشاهد الخليفة المأمون يتناول طعامه إلا والزهور تحيطه ، أما قرط الملك آشور بانيبال فكان من وردة سباعية كدليل على وجود الأزهار في عراق ما قبل التاريخ.
خارج الموسم
هنا بغداد حيث درجة الحرارة تجاوزت الخمسين بنيـّف مذهل ، تصطف مشاتل الزهور في الأعظمية والوشاش وشارع فلسطين والكريعات بعيدا عن مواسم الزهور مرتبة هدايا الزوار الراغبين بالمفرد وأصحاب محلات بيع الزهور المتعاقدين بالجملة لترى كل الزهور التي تعرفها والتي ستشاهدها للمرة الأولى على حد قول مربيها ومنبتها سلمان زكي الذي لم يعط تفسيرا علميا لتنامي الزهور في مشتله قبل موسمها بإلحاحه على أن الحب وحده يكفي لرعاية الورود.
والحر يبدل اصطحاب الزهور حسب تفسيره ، ويمكن لهذه الأجواء المشبعة بالرطوبة أيضا أن تشجع الناس على شراء الدفلى والكازانيا واللبلاب وغيرها من نباتات الظل التي يستوردون بذرها من إيران.
ولا تقتصر المشاتل على بيع الزهور فحسب ، بل كل ما يتعلق بحديقة المنزل ورغبات الناس في إظهارها بشكل حسن كما يقول زكي الذي أشار الى قسم من شتلات قريبة تضم براعم نخل وأثل وجهنمي. فهذه مطلوبة الآن لكونها ستصمد حتى نهاية الشهر التاسع أو قبل ذلك بقليل لتحل مكانها ظليات أخرى.
آلاف الزهور
وتبين بعد أسئلة وردية مع صاحب مشتل " الجنائن " عباس حيدر بأن هناك آلاف أنواع من الزهور ويعتقد أنها تختلف كالبشر حسب اللون والشكل والرائحة والتكاثر والشتل ويجزم بكامل الثقة بأنها مختلفة الطباع والمزاج "فهي كائنات حية مثلك " وأشار نحونا !
وبالرغم من أن تشبيهه فيه الكثير من المجاملة ، إلا أن اندهاشنا من العدد شجعه على الإفادة : وهناك الدائمي والموسمي ، وتلك التي تزرع بالبذار أو بالأقلام أو بالأوراق ومنها من يحب الشمس وغيرها يموت فيها ولكن كل الزهور تحب الماء ولابد لها من تربة ، خاصة الى حد ما. وحتى تركيبة التربة تعتمد من زهرة لأخرى وكذلك طريقة السقي ، فثمة من يقتلها كثرته.
حديث الورد
ذلك الذي لم يقل أسمه والذي يعمل بكد في مشتل للزهور ليس لكسب المال ، بل لعشقه الزهور وثمة كل الأسباب التي تؤدي الى تصديقه ما أن بدأ حديث الورد.
فكما لو كان يتحدث عن حياة عائلية ، كان يشير الى أزهاره ، بل أحيانا يناديهن بأسمائهن : صدق انك لو رفعت هذه الزهرة من شقيقاتها ووضعتها في سنديان آخر ستبكي وستذبل حتى تموت ! لذلك أنصح الناس بشراء الباقة فلا أستطيع بيعها وإفراد بعض الزهرات لأن " الهجرة " مميتة لبعض الأزهار !!
وتبين أن لنمو الزهور الصحيح وتفانيهن في الظهور بشكل جميل علاقة بسماعهن الموسيقى ، وليس أي موسيقى ، وهذه أسرار لا تتاح معرفتها لعابر غير متخصص.
أسمائهن
ارتبطت الوردة بالمرأة التي استعار الكثير أسماء بناتهم من مسميات الزهور فعرفنا : نرجس ، ياسمين ، نسرين ، أريج ، سوسن ، جوري ، شقائق، جلنار ( كردي ) ، صون كول (تركماني يعني وردة الصباح ) وغيرها من أسماء مستمرة التداول في المحيطين العربي والعراقي.
ولكون الزهور آلاف الأنواع ، فلديهم حتما آلاف الأسماء ، لكن ما يحضرنا هنا وما سمعناه من أهل المهنة يعيد بعض منه كالجوري ( الروز ) والقرنفل وملكة الليل والأقحوان و الرازقي والكاردينا والجمبذ والداودي والخيري والبنفسج والنيولوفر والفل والخزامي والزنبق وتلك التي تبدو كما لو كان الندى يغطيها لكنه جزء من لونها.
ومن أشهر نباتات الظل المنتشرة في المشاتل العراقية وبطبيعة الحال في البيوت : اللبلاب ، كف الوزة ، بيكونيا ، مارنتا وغيرها.
منشأ الزهور في المشاتل العراقية أما أن تكون محلية أو تجلب بذورها من الصين وإيران وجنوب أفريقيا وهولندا في الغالب ، ولعل الجميع اتفقوا على أن العراقيات يشترين الزهور وشتلات النباتات أكثر من الرجال ويفهمن بتفاصيلها أكثر منهم أيضا.
نباتات الشفاء
من باب التنوع والفائدة وجلب زبائن مختلفين ، يهتم مشتل العامري بتلك الشتلات التي تداوي الناس الى جانب فوائدها التجميلية الأخرى. وحسب موازنته يؤكد صاحبه على أنهم يقبلون على شراء " السعدان " و " الشبنت " و " الحنظل " لمعالجة متاعب الأمعاء والمعدة و " الجعدة " التي يعتقدون أنها تقضي على الملاريا و " كف مريم " التي تأخذ بيد النساء المنجبات حديثا.
وثمة الكثير من نباتات الشفاء التي يراعونها أكثر من غيرها بوضعها في بيوت زجاجية أو يغطونها بمختلف أنواع الأغطية لكونها تتأثر بالأجواء المغبرة والرطوبة ، أما سر اهتمام هذا المشتل بنبتات الطب الشعبي بالذات فللأمر علاقة بأسعارها التي تعادل وزنها ، لاسيما زهور ينميها خصيصا لعلاج بعض الأمراض كالقرنفل و " دم العاشق " و " حلق السبع " و " عرف الديك " وعين البزون " ، أما بذور زهرة " المارينا " فيصنعون منها أنواع من الشكولاتة !
وصاحب هذا المشتل مثابر حتى من الناحية العلمية وليس التجارية فحسب ، فلديه معمل خاص لتهجين النباتات وإخراج تنويعات من أشجار الرمان والبرتقال والسدر النادر يمكن ابتياعها ونقلها الى أي مكان وشتلها هناك.
وتهتم مشاتل أخرى في إعداد نباتات خاصة في الأعياد الدينية كالكرسمس مثل الصنوبر الذي يقترب من شجرة عيد الميلاد وللطقوس الإسلامية يعدون لهم شجيرات الياس.
غزو الزهور
لا يوجد " بيت " بلا أزهار ، فحتى الذي عمله من الصفيح ستجد شكل زهرة رسمها يتيم الحرب على كراسته المدرسية أو تنبأ بها صديقهم البلبل. لا تخلو لوحة أو منتج ، ملاءة أو ناموسية ، صحن أو ملعقة ، قميص أو ملابس بيت ، حجاب وستارة ،لابد أن تبرز في واحدة منها وردة ولو على وسادة قديمة.
والقرويات في العراق متعلقات جدا بأشكال الزهور ووضعها على السجادة أو الشراشف ، تمائم للأطفال أو ملابسهن الشهيرات بمئات الزهور والألوان ، في المحابس والقلائد والأساور وباقي الاكسسوارات النسائية ، في حين يلبسن الغجريات تلك الفساتين الموردة ذات الطبقات العديدة تشبـّها بالزهرة.
زهرة بمليون
الممعنون باستخدام الزهور لأغراض تجارية يعتنون بالغالية منها والتي لا يستطيع شرائها سوى الأغنياء والأمريكان والحكومة والفنادق الكبرى في بغداد.
فشتلة " السايكس " يصل ثمنها لمليون دينار لكونها تعيش لأكثر من 25 سنة وتستمر في رائحتها ومنظرها الحسن ، لكن السعر المناسب للعراقيين يصل بهم الى نبتات اللبلاب و " كف الوز " و " الدلفين "
وتعتبر زهرة " الجربرة " الأغنى تليها الأقحوان والقرنفل. ويفسرون التراوح في ثمن الشتلات والأزهار بسبب ثمن البذرة نفسها وطبيعة نمو الزهرة وخاصة المستوردة.
ورد أم خبز !
وإن كان السؤال الرجالي مستمرا حول أفضلية العودة الى البيت بكيلو لحم أو زهرة قائما ، إلا أن تتبع الكثرة في مشاتل الزهور في بغداد التي يسكنها شعب فقير بالمقاييس العالمية ، يدل على أن هناك من يشتري الزهور وبكثرة هذه المشاتل وازديادها يعني أنها حتى كتجارة مربحة و إلا لاستبدلوها بأي نشاط تجاري آخر.
وكثرة صناع الزهور ومشتريها يعني أن الزهور تنمو في بغداد بالرغم من تعكر حياة المدينة بحوادث الموت وغضب الأحياء. واختلاط الجدب بالعطر تحول الى صهريج يحمل المدينة فيه كل ما في هذه الحياة ، سنونو وألم يفطر القلب ، شحرور ولوعة تخفيها الجدران.
لكن اليقين غير المبالغ في وصفه ، أن الورود انتصرت في التشاجر غير العادل الذي يلهب بغداد ويحتم عطرها وألوانها في أن يوما يبزغ بأزهار سيمتلأ طمأنينة وسيشق بلا شك خور الضباب وضوضائه الباطلة.

ليالي بغداد


" أعود الآن الى الليل القديم الهادئ "
- فرناندو بيسوا -

متى ؟ في السهر غير المحدود لثياب البراءة الأولى
أين ؟ عند روعة الغصون ومجد الزمرد ونسيانها اللامتناهي
كيف ؟ حين وعت ذاكرة الأماسي جنونها المبصر ويقينها المحترق
لِـمَ ؟ كي تتدبر الحرب أسرار الظلام وتحصد جوع جديد
مَـن ؟ الزائلون والحالمون والغاضبون والمؤمنون والصابرون
لماذا ؟ كي لا تسلك الحرب طريقها ولا يدور الماء برتابة الهواء
ماذا ؟ سنصفي المطر ونعبئ صخر البطون ونتجاهل المرارة
وبعد : كي ننتصر في النهاية !

خاتمة الزهو العراقي ، مرسلة لليالي بغداد وسحاباتها الكابية ونورها المتراكم مع الغبار ورغباتها المعتادة ووحدتها وأمانيها الحرة الخالدة المنسوجة بالأسئلة السبعة واللفظ المثقل بالهمس وبالحقيقة المقيمة في الاك :

ما حبا نور ولا طرى
أوطاننا نفس ٌ
ولا تداعى حضنك الصابر
شقاء العمر

ستبقين وحدك ، بغداد ، مهما ينهال بك الموت مرفرفة وغيرك الأموات ، مذ دبروها ولاذوا بانتصارهم المزكوم ، روحك أوفى من نشوة العصافير وأعذب من الابتسامات الغائبة وأدق من إشارات المرور وألطف من الماء العاطل والسلك الجامد طالما يوجد فيك من يحمي : الليل !
الليل وبغداد ، عافية ربانية ولغز مؤرق ورفاهية مشرقة وتمرد صبي يبصق على أزيز المروحيات وشبق المسرفات وحفر في يأس مطبق كي تنمو الأحلام بالجمال وترمم ناصية القلوب أركان الفؤاد ويخصب كل ذي عقل عقله في نصاعة الخالق حين يشيد الانتصارات وينير الليالي ويهدي السعادة باقة واحدة مكتملة مع آذان الشمس الطيبة.
احتضار الليل
حتى الليل في بغداد .. كان !
وجميع الذين أرسلوا أحاديثهم لكم قالوا في الماضي وتعثروا في الحاضر وسرحوا في الآتي. علكم تصدقونهم وتفهمونهم فليالي بغداد كانت فعلا تسكب فرحتها على الفضاء ، في حين تتحاشاه الآن وتعد الثواني من أجل منتهاه. صدقوهم إذن ، وافهموهم ، لأن من عاش في بغداد ومن زارها قبلا ، يحتار في اختيار المرح واللهو واحتواء تعب اليوم فيها لزحامه وكثرته ، ما بين سهرات الخانات والمقامات و " الجالغيات " البغدادية وبين حلقات الذكر في محيط أبي حنيفة ، بين التحرر المبالغ في الملاهي الليلية وجلسات السمر في مقاهي الشاطئ الفائر حيوية ، الألعاب الشعبية ومصارعات الديكة ورجال "الزورخانات " وعد أسماء الغروب مع مثقفي الجيل الصاعد على دكات ومساطب نظريات المعرفة المترجمة توا ، التنافس الحاد على مصير "الدوشيش" الذي يفوق الفوز بجميلة الحي ، معركة للاتهام أكبر صواني البقلاوة وإخراج المحبس من بين ألف كف في ليالي من الصعب الرهان على أن بغداد ستولدها بعد الآن.
صدقوا مرارتهم وافهموا شوقهم وحنينهم ما أن يجتمعوا بدعاء الأم الناشف: ليتني لم أعش لهذا اليوم الذي أرى فيه بغداد تحتضر في الليل.
نهاية ليل
حين دخلنا بغداد المحروقة كانت أوقاتها كلها ليل. لقد غابت عنها الشمس في أعز شهر تمضيه ؛ مقبل الربيع. وكانت فنادق تعد على أصابع اليد الواحدة مفتوحة وفيها يمكنك العثور على فراش وسندويش ونور.
والنور في هذه المباني السعيدة كان محددا حسب ساعات النوم وينتهي مع بداية الليل في الساعة الثانية عشر بالضبط. ولكم أن تتصوروا بغداد الشاسعة المترامية بضفتيها ومقابرها ، بأحيائها الذين لا يعرف منهم كم مليون بقى وكم هرب ، ملفوفة بالظلام ، ذلك الظلام الذي يصفه تلاميذ المدارس : دامسا !
لم يعاكسنا الظلام ومشاجرة ما بقى من إلكترونات في الأسلاك ، بقدر تعلق الأمر برمته في تأدية واجب بسببه نمضي ليالي بغداد الدامسة كإرسال المواد الحربية اليومية للجريدة التي قيل أنها تفوقت على ما يطبع في العالم في تلك الأوقات ، واستمر الصراع مع الليل ، قضية حياة وموت ، حتى انبثاق ليلة أطلق من يملك في بغداد بندقية أو مدفع محمول ناره باتجاه السماء احتفالا بأول إضاءة اشتعلت في العاصمة شاهدناها من على شرفة الفندق لتمحي صورة حرائق مصافي الدورة التي كانت النور الوحيد الذي يضيء ليالي بغداد.
كان ابتهاج البغداديون في النور الأول بعد حرب الإطاحة ، أول الآمال الخاسرة التي تلاعب في إهدارها أصحاب البيت الجدد وأول إنذار نبأ بالكبوات اللاحقة وأفلت أقدام العراقيين لإطلاق مسيرة الاحتجاج الأولى والتي كانت مناهضة للظلام.
تآلف مع الظلام
انطفأ الضياء البغدادي الأول في 22 أبريل 2003 بعد إشعاعه بساعتين وانطفأت معه أولى المسرات البسيطة مشجـّرة في الذاكرة ناموس الفوضى القادمة وأمنيات الصغار : يا ربي أنر عليّ الكتاب .
وحينها ومع ما أصاب المدينة من حزن وفرح ، أدركنا حينها فقط ، بأن الذي لا يستطيع إنارة البلاد سوف لا يستطيع إنجاز أعمال أهم وأن القادم ليس ببهجة تلك الأحلام المنسوجة على الورق وبلاغة البيانات وهمـّة التقارير الصحفية.
كان الظلام وما تبعه من تآلف الخلق معه يثير عند الشعب الشكوك تلو الريبة في إن المحررين يتعمدون الظلام لإجازة أفعال لا يريدون لغيرهم رؤيتها وانتشرت كالبرق إشاعات الخطف والسرقة والنهب والتصفيات والاستحواذ على الأملاك العامة التي كان ظلام الليل كافيا لطمسها لغاية اللحظة الراهنة.
فهمنا ما السر الذي كانت تخفيه استغاثة صدام في خطابه الأخير الموجه لأهالي العاصمة بالذات وتكراره هذه الاستغاثة في ثلاث مواقع من خطاب الوداع : " أجعلوا بغداد منيرة " ، كتبنا وقتها بإدراك ذلك الزمان : كان الدكتاتور يخاف الظلام !!
رنين الليالي
وإن خاف الظلام أو طيوره ، طبيعته ونشوى رنينه ، فقد كانت بغداد وليس صدام الهدف الأول للجيوش الزاحفة وأثبتت الأيام بأن وجوده في جحره أو في حمام المطار سيـّان ولم يغير في حلكة الليل ولا صراحة النهار ، لقد أنهاه التاريخ ، قبل سطوة الظلام.
وبقت بغداد وديعة في الليل ، ثائرة في النهار ، تشعر بجرحها لحظات المغيب ويلملم من له حاجة حاجته ليسرع الى الدار قبل إطلالة خيوط الليل الذي قرر الجميع أن يكون رقادا.
الليل الأمريكي
حين فرض المتحالفون منع التجول ابتدئوا بالساعة السابعة مساء ومن ثم مددوه للتاسعة والعاشرة حتى استقروا الآن للحادية عشر. وكانت المشاغل الكثيرة للغاية تجبرنا كسر هذا الحظر والمخاطرة المفروضة التي كان لها أسبابها المتقدم عليها جميعا ؛ أنها ليست مخاطرة حقيقية ، بل مجرد مشاكسة لأن بغداد لا يوجد فيها شرطة وأن الأمريكيون في تلك الأوقات لم يطلقوا النار على أحد لأنه وببساطة لم يطلق عليهم أحد النار طوال شهرين ونصف بعد السقوط.
وكانت " مدينة أخرى " تنهض في ساعات منع التجول وتتلألأ في المطاعم أنوار المولدات والفوانيس لباعة الخضار والنيونات في أسواق بيع المشروبات والمعلبات ودقات المناشير على قوالب ثلج الباعة الجوالين. وتبين أن الليل الأمريكي يبدأ في بغداد ما بعد ساعات تجوال أهلها ، فينزلون بمدرعاتهم وهمراتهم الى جوف المدينة ليتناولوا الطعام العراقي الشعبي كالكبة والتكة والكباب والباجه وما يبدعه العراقيون من حلوى وعصائر وآيس كريم محلي ولبن وخس وتمر وما تشتهيه نفس الجندي الغريب المثقل بالمهام والجزعان من الوجبات الجاهزة التي صادقوا على سعراتها الحرارية في مختبرات البنتاغون والتي لا تطعم عصفور.
كان الجنود الشبان المفتولين العضلات والقوام الضخم يستبدلون وجبات البنتاغون بهذا الطعام ويدفعون عليه الفرق بالعملة العراقية التي كانت تتطاير من نوافذ البنوك المحترقة أو يدفعون بالدولار ، ولم يذكر أي بائع عراقي ولم تسجل حادثة واحدة فرض فيها أمريكي واحد الأتاوة على عراقي وتناول طعامه أو اشترى حاجة ببلاش !
للإنصاف ، كان الجنود الأمريكيون " يستحرمون " أخذ شيء من عراقي دون أن يدفعوا ثمنه ولعلهم كانوا يدفعون أضعاف ثمنه الحقيقي والدليل بسيط أيضا ؛ فلو كان الأمريكيون يعيثون بأسواق الليالي البغدادية الخاصة بهم ، لما استمر الباعة وأصحاب الأسواق والمطاعم في فتحها كل ليلة !
ليالي الأحزاب
والعراقيون الوحيدين الذين كانوا يتمتعوا بليالي بغداد في تلك الأوقات ، هم أولئك الحاملين " باجات " و " هويات " خاصة كانت سلطات التحالف تمنحها للأحزاب " الصديقة " بما في ذلك " باجات " خاصة للسماح بسيارتهم المسروقة من الدولة المنهارة بالتجول في كل حين.
لم تسجل لحظة واحدة هرعت فيها كوادر الأحزاب لتصليح مولدة كهربائية ولا لإسعاف حامل أو إطفاء حريق أو تسوية مشكلة مصفى نفط أو تسيير متاعب محطة وقود أو نقل طحين الحي أو إبعاد لصوص من المدرسة النموذجية ، بل سجلنا في العين المجردة لهوهم وطيشهم ، سرقاتهم ومداهماتهم، اعتداءهم على الصغير والكبير ، أكل مال اليتيم والسهر على رقبة الغريب.
كانت الأحزاب تلقي بحثالتها لتغتصب ليالي بغداد لتطيح بآخر الآمال في أن القادم أفضل الميسور. بأم العين رصدنا مجونهم وعدم احترامهم للأرض التي قالوا أنهم يقدسونها ، كانوا يقفون بسياراتهم الضخمة ليبولوا على عتبات البيوت الآمنة ؛ سكارى تصدح أغانيهم الفاسدة أركان الأحياء البغدادية المفزوعة والخائفة من أسرار الليل وانحدار البدلاء وتماديهم وجشعهم وحجتهم النحيلة.
وليس بعيدا ، في مراكز القادة الذين ولدوا قادة حتى في المنافي ، كان المسلحون يعدون الأركيلات وموائد الطرب والويسكي غير المغشوش والمسكوف وكل ما تشتهيه نفس العراقي المعلقة روحه بالبطاقة التموينية وحصته من الدنيا التي أخذت منه غدرا ، نظاما بعد نظام ، وانقلاب تلو آخر وحرب تلد إثمها.
انفرد عراقيو الأحزاب بليالي الغجر منشطين مملكة فساد جديدة وكأن ليالي بغداد مكتوب عليها المجون والطغيان والنحيب والفاقة والانطواء والحكم حسب شرع قافية القادة وأبجدية حروفهم المقدسة.
ندعهم يتحدثون
عبد السميع جابر : بماذا أحدثكم عن ليالي بغداد ، فلم نجلس في بيوتنا أبدا في الأمسيات. تبدأ حياتنا وزياراتنا ولقاءات الأصدقاء بعد صلاة العشاء مباشرة. حياة كاملة كنا نحياها في المساء لغاية الثانية والثالثة بعد منتصف الليل. سأصل الى السبعين ولا أريد قضاء يومي في البيت ، تحيطني جدرانه كالسجن.
أبو وائل : رؤية دجلة كل ليلة تمنحنا أكبر قوة لمواجهة يومنا المزدحم بالأعمال. المقهى هو بيتنا الثاني وكل من فيه أهلنا ، كنا عائلة واحدة ولم نعتقد في أن يوم سيجيء تنفرط فيه عقد هذه العائلة كما حصل الآن.
أمين جواد : هل يعقل أن نعود الى البيوت في الثامنة وتنتهي الحياة في بغداد في التاسعة. كنا في هذه الأوقات نتهيأ للسهر وفي أي مكان في بغداد. لا توجد سيارات كثيرة ، لكن السواق يعرفوننا ونحن نعرفهم ، قبل أن نقول العنوان تذهب بنا السيارات الى البيوت ، الكثير من التكسيات لديهم زبائنهم الدائمين ، ما أحلاها من أيام.
لطيف قاسم : ما أخشاه أن أموت دون أن أعيش جلسات المساء القديمة مع أصدقائي القدماء.
ابتهاج الليل
ومع أن ليالي بغداد تنتهي في العاشرة كحد أعلى للذين يملكون وسائط نقل خاصة ، فشوارع فلسطين والمنصور والكندي والربيع و 14 رمضان والكرادة والأعظمية والكاظمية تكتظ للغاية بالناس والعائلات وبأفضل ما لدى الفتيات من ملابس وتزدهر فيها طلبات الأطفال ومرح الصبية.
ما يجمع الناس في هذه الشوارع ، الاتفاق على التسوق من باب التنفيس والترويح والمشي على الأرصفة المزدحمة بالبسطات وبضاعة دول الجوار والصين.
ويتكفل أصحاب المحلات بالقضاء على الظلام ، حيث ينير كل منهم واجهته بمولده الخاص وتصدح في هذه الأثناء آخر الأغاني ويبذل الباعة ما لديهم لتقديم المساء على طبق من نور وموسيقى للناس.
تقول لمياء التي كانت بصحبة ميس بأنهم ملوا من انتظار معزوفة تحسن الوضع لكي يخرجوا للتنزه وتعتقد بأن الزحام كفيل بحمايتهم ، فلا تزال الحمية عند العراقيين ولا يمكن لأحد التعرض إليهم وسط هذا العدد الكبير من الناس.
وليس الناس وحدهم ، ففي الشوارع المكتظة تتواجد سيارات النجدة عادة وثمة شرطة جوالون ومراكز سيطرة في بدايتها ونهايتها بالإضافة الى رجال الأمن بملابس مدنية الأمر الذي قلص من نشاط اللصوص.
ليالي الشباب
يقضي الفتيان البغداديون والشبان أمسياتهم عادة بالتجوال وتبادل الكلمات مع الفتيات أو في مقاهي الإنترنت المختلطة كلها والتي تغلق في التاسعة أو في المقاهي للعب الدومينو والطاولي وتدخين الأرجيلات أو يلعبون البلياردو أو تحتضنهم صالات الـ " بلي ستيشن " وبعدها يتجولون متناولين طعامهم وقوفا، سندويشات همبرغر أو شاورمة ، يشربون العصير ويتنابزون بالنكات والتعليقات غير المفهومة لأشخاص بعمرنا بعدها يغادرون الى البيوت. وتعد هذه السهرات النموذجية لشبان العاصمة.
ملاهي مجانية
بعد مداهمة الإيمان المفاجئ النظام السابق ، قام بإغلاق كل الملاهي والكازينوهات البغدادية ومنع فيها تناول المشروبات وحولها الى مطاعم بريئة تستقبل الجياع فقط.
بمعنى أن ليالي بغداد الكحولية والنسائية ، انكمشت منذ منتصف التسعينات وليس بسبب " الحالة الأمنية " أو " الدينية " الحالية.
وبما أن صاحب الطبع لا يبدل طبعه ، فأن البغداديين ابتكروا ملاهيهم وأماكن أنسهم الخاصة والتي لا سلطان لأحد عليهم في مشاربها ، وأكثرها شهرة وزحاما الواقع على جسر الجادرية وبامتداد الخط السريع.
ولمن لم يستوعب جوهر ملاهي الجسر : تقف السيارات عند حافة الجسر الواحدة تلي الأخرى وعلى طول الخط السريع ، تخرج الفلينات المعبئة بالمشروبات المختلفة وتفتح أكياس الكباب وتنحر البطيخات وتنتشر الفواكه فتصبح جلسة مثالية تتوفر عوامل كثيرة لتصبح أكثر أمنا ، أولا ، أن الحشر مع الناس عيد ، ثانيا ، لا احد يتعرض لمئات السيارات ويغرمها في آن واحد أو يشاكسها ، ثالثا ، أن الدستور الأمريكي لا يحرم الخمر ورابعا ، أن هؤلاء لا يصبحوا " إرهابيين " حتى لو أودعوا الجحيم وخامسا ، أنهم يطلون على دجلة مستذكرين ليالي أبو نواس حيث رؤية النهر تكمل عوامل السهر في ليالي بغداد.

مشاهد عراقية


" بالكلمة أستطيع أن أحكي
أن أصرخ
أن أبكي
أن أتمتع
أن أندم
أن أعيش
إنها تبرق
والحبر يسيل "
-كارين لينتز -

تطلع من رحم الحياة العراقية ، غافلة ، ضاحكة ، باكية ، ألوانها: صور لا غير ،، لكن ملامستها تولد الأفكار العجولة والطرية ، وتلك القابلة للتأويل. هو العراق الراهن ، كل ما يبرق فيه صورة ، ترقبه وانشطار النيران في العيون ، بريق تتأمله فتزدهر الكلمات.
واستمرارا لسلسة " العشر صور " التي افتتحنا قسم منها في اللوح الأول من أيام العراق القارسة ، نسويها اليوم كهواء يبحث بالكاد عن أغصان وصدى ممحو في الفضاء ، تتابع أرواح طليقة تعبر عن متنفسها بمساعدة هبوط العبارة.

الثلج الفرحان
مبكرا ، استلمت بغداد من الصيف غباره وشمسه الطويلة ومطره الكاذب وقرار يعد بداية مايو عطلة للعمال الذين حولوهم السابقين الى موظفين والراهنين الى عاطلين.
والصيف البارد الذي وعدوا به لن يستسلم لقرون من سخونة الأجواء ولن يقف مكتوف الأيدي بلا كهرباء تصعق حرارته وقيظه وتحولها الى نسائم وماء بارد في الثلاجات الماليزيات والمصريات والتركيات التي تملأ شوارع العاصمة.
بانتصار من جاءه الولد بعد سبع بنات ، يسير الرجل البدين بما فيه الكفاية حاملا قالب الثلج على كتفيه في واحد من أعرق الأزقة البغدادية ، وكلحظات سهدى يضرب بها ربع قالب الثلج ، تدفق الحرارة من شحمه الملتهب والذائب بين أخاديد جسده الممتلئ ، تسيح سعادة البرودة على قوامه ، وتبلله بأحلام متسعة الأرجاء ، سائرا ، بضعة أمتار ، لا تكفي لأن يصل الثلج صاحيا الى بيته بعد أن بدأ " يموع " على جسده المعجون بالحرارة.
يرتفع فرح الرجل البدين ولا ينهار ، ففي الداخل ، حيث تنتظره عجوز بدينة أخرى ، لا تقدر أن تنام من نهش مناقير الحر الضاحك على ميغاواطات المانحين.
يهدي إليكم هذا الزقاق العريق صورته كفكرة بكر ، وافرة ، مفرطة بانسيابية الحياة ورشاقة البوح.
القطار الفائت
كنسيان يتيه في نسيان ، تتألف مشية عجوز عراقية مثقلة يسير دمها مع نظراتها وفزع التعب وهو يتقاطر من حلقها على أرض حياتها الراقدة كعظام عتيقة.
وراءها تمتد سكة السنين بلا قطار ، كم هو مؤلم امتداد الطريق بلا مسير.
عناصر اللوحة : سنون وسكة وزبالة ! حيث انتهت عذوبة الأيام ومهد الليالي وولى صدى الأسحار.
بماذا تمني أيامها هذه العجوز ؟
وكيف تساير سياط العواصف ؟
أهكذا تنكر الحياة أبنائها وتشرب من أحشائهم ؟
لا أحد يستطيع وصف هذه العيون وجمرة التعب وحدة السنوات المتلاشية مع القطار الذي لن يأتي أبدا.
الصباح الذي يدفع مثل هذه العجوز الى الشارع قاس جدا والبلاد التي لا ترحم الكهول لن تزهر فيها الطيـّـبات.
كم مرت من ليال ترسم فيها أجفانها وتكحل عيونها وتمطر خدودها بالورد ، لكن مروحة الأيام لطمتها وأمالت عليها الغيوم وعمدتها بالكيس الذي تحمله.
وإن جهلها الآخرون فمرآتهم باطلة وضبابهم لا يدرك ، فملامحها تدل على نبلاء غيـّـبهم البحر وزينة فصلتها الأنهار وأعزة القوم عندما تتبدل عليهم الثياب الكريمة.
ترنيمة عراقية
لو ترمي الرجل بعقال ودشداشة في ملايين السنين الضوئية القادمة ، ستصفه وكالات الأنباء الكوكبية بأنه عراقي ! فهو من رأسه حتى منبت أظافره من الأقوام التي لا يصنع منها اثنين.
لم يتمش على الطرقات ، للتنزه أو لعدّ الأحجار وأكوام القمامة التي ليس لها صاحب، ولم تزدهر أذنيه بوشوشات الطريق وأغاني أبواق العربات ومزامير المروحيات ، كان يمشي صاغيا لصوته وحده.
هذا التحام الصدى بالجسد وكلاهما بالأخيلة ، ولعله من الأناس الذين لا تشلـّـهم المداعبة ويحفظ من القوافي والنكات الكثير ، لكن هذه الدنيا أمالت جبهته لتسيل على تراب الطريق ، نظراته وسنابله التي تركها في الحقل وحلّ بالمدينة حالما ببستان الجوري.
أكانت قرية أو مدينة ، فصوته نفسه لا يمحوه شرح أسباب السكوت. هاديا منتشيا بحلاوة نغمات كانت تعلمه إياها الأزاهير التي ما جففها الطين ولا إلغاء الذراع عندما تهوي على الحصاد.
أغنية الرجل ، بل ترنيمته ، تعزيه في نهار الخرائب وفلك الماء النادر في السواقي التي تركها قلبه الذي لم يفصمها من الذاكرة.
ولأنه الفجر موثقا بنهوضه اليومي ، تتدلى مسبحته كومضات متسلطة على اللحن ، باسم ارتياحه في الدمار ، عرف الرجل القروي كيف يؤانس الطريق الترابي وتجاعيد حجار الطريق بموشح الارتباك ، أليس جميلا الإبقاء على اللذة الوحيدة وسط كل هذه القيود !

كومة أوجاع
النسوة الملتصقات في حوض " البيك أب " ، لا يدل مظهرهن على أنهن ذاهبات الى عرض سعيد في هذه الدنيا. فهن الساهرات ، النادبات ، مبتكرات دروب التعاسة ، كل ذلك مبان في جلستهن وقسماتهن وأفقهن المترنح بسطو الدمعة على انفراج الابتسامة.
ولشدة صفعة هذه المشاهد المنحازة الى الحياة العراقية ، نمرن القلب على مشاطرة الأحرف ذؤاباتها لكي تجد لنا وصفا يستيقظ وسط الأعشاب الموهنة في التئام النزوات وقوارب الهوّة التي تمطر علينا هذه الصور التي لا تردمها كلمات شاقة قيلت قبلها أو ستقال بعدها.
فالكلمات إذا كانت شاطرة ، فلتنبع لهن فقط ولمرة واحدة ، تخريم يشيل عنا الهمّ ويغوي تماسكنا في اللافائدة المنسوبة لأصوات موتى.
تسير العجلات مع العباءات وهذيانات الطريق المرجّّّـل بفتوة شمس تدلهن على الضياء. وما أن يزاول الشارع حقه في الارتطام ، تتوقف العجلات ، لينزلن منها متهالكات ، صامتات كمن قضى حياته بلا سرير. ولأنهن في كل مكان ، سنلتقي بهن ، حتما ، دون أن نفتش عن الصورة.



ضد التيار
عجلته الوحيدة السائرة عكس التيار ؛ شاب عراقي يمتهن الرجاء في المنعطفات.
كما لو حل أخيرا في السباق ، يتقطر عرقا وسط مفرقعات الغاز المستورد وحديد الماطورات المستهلكة ، في الدوار الذي سار فيه نصف قادة العالم الثالث الزائرين البلاد ، دائرا ظهره للأيام التي أقعدته ، محاولا البحث عن حصته بين الأبواق الزاعقة في جريانه المكرر.
لابد أنه عاش أسرع وأقوى مما هو عليه ، ولم تأته طويلا جرعة البكاء والحسرة والعبث المربك الذي يعبر به من مركبة لأخرى ، لكن جروح حرب انتزعت منه قواه ومشيته وسرعته ، أو حروب شارك فيها كل أبطال الشارع الذي يسير عكسه بفم مفتوح وعيون مطفأة.
كم مرة مالت عليه العربات ونجح في تخطي دهستها وكم عليه الهروب من مهنة تقاسم العيش فيها مع الجوابين في الظهيرة المخدوشة وكم يا ترى حلم بالرصيف !
لغة الأرض
في عزّ الظهر البغدادي يقيس مسـّاح ذبذبات وجيولوجيا أحد شوارع العاصمة.
ما الذي يسمعه في جهازه الغريب وماذا تقول له الأرض هذه الساعة ؟ أن يعرف التفاهم بلغة الأرض مبهج ترفّ له السماء وأن يعمل عراقيّ في الظهيرة ولا يبالي بالمتطفلين وقطاع الطرق ليؤسس بناء جديد أو يزيح خراب داخل هذه الأرض أو فوقها ففي ذلك حلاوة الماء المطواع ونمو الصنوبر وانتفاض جياد الأمل.
وأشد ما يرق للمشهد ، أنه وجد عاملا منشغلا جدا بممارسة وظيفته، لا يشعر بالوحدة أو الظمأ وليس في ملامحه تذمر من شيء ، في تمام جهده وفي خضم انسجامه مع معطيات الآلة التي يمررها على منعرجات الطريق ، لتوصله بما هو أعمق. تناغم ذبذبات إشارات الأرض وقراءته لمعطيات الشاشة المحمولة وتحرك جسده البطيء ، علامات الحياة الرصينة كالمهر الذي وجد حقله.



المدفع المنهوب
ما الذي يوحي به مشهد مدفع مقاومة طائرات مسحوب من لوري مدني في بلاد سرّحت جيشها ؟!
المدفع لم يمسسه سوء ولا صاروخ معادي ، وهو بكامل قيافته وطلائه يبدو حديثا وحتى عجلاته سليمة والدليل أنه مسحوب وليس محمول. ووقفة هذا النهـّاب أمامنا واستعداده لقتل المصور حالا لو كان بيده سلاح والطريقة التي هرع بها تجاه الكاميرا لمنع تصوير سرقته ، تدلل بلا شك على أن موج اللصوص الهادر في البلاد لم تستطع حتى القوى العظمى إيقافه في العراق.
أليس من المؤلم أن تباح الأشياء والقواعد للحد الذي يتحول فيه حتى الإنسان العادي الى لص ويمد يديه على ما هو متروك ليسرقه كاللصوص؟
قد يكون من السهل العثور على مدفع مخبأ لدى الأهالي وليس من الصعوبة شرائه بمبلغ ما وربطه بهذا اللوري لا يتطلب عقد ميكانيكية بالغة، غير أن اجتياز المدينة به والوصول الى الطريق الدولي ومن ثم السير في هذا الطريق المليء بدوريات الحلفاء الراجلة والطائرة وعشرات الأرتال ، وربما المئات التي ستقابل هذا المدفع المنهوب ، يتطلب جرأة غير طبيعية يحسد عليها هؤلاء النهابون ، أو أنهم أدركوا بأن لا قوة قادرة على إيقافهم من سرقة الممتلكات العامة لغاية مرور عام على البداية الجديدة وبعد أن عرف كل امرء قدره ومكانه في البلد.
ألا يثير ذلك الشك في أن القوى التي يفترض أن تلجم هؤلاء ، متواطئة أو على الأقل راضية على هذه التصرفات ، إيمانا منها بأن عمليات النهب هذه لا تضر بالمصالح القومية العليا ، ولطالما أن النهابين ليسو إرهابيين في كل الأحوال !


خضراء وحمراء
في شارع معرض بغداد الدولي هذا ، انفجرت الكثير من القذائف والألغام على الخلق ، وكان هذا السبب الرئيسي الذي ألغوا فيه طموح البلاد في استئناف نشاط المعرض التجاري والصناعي وخسرت البلاد جراء ذلك التعرف على المستثمرين والصناعيين والتجار الأجانب.
الحديث عن المعرض ليس موضوعنا ، لكنه ضروري لتبيان أهمية هذا الشارع في بغداد ، فهو الذي يربط الكثير من الأحياء الراقية ، بالنصف الثاني من الكرخ ، لاسيما الذي تقع به قيادة التحالف ومعظم الوزارات ومقر الانتقالي.
وقضيتنا ليست الاختناق المروري لأننا بحثناها سابقا ، بل النظام الذي لا يحترمه العراقيون ما أن اختفى النظام !
فهل حقا أن رحيل النظام يعني خرق النظام من قبل المواطنين ؟
يحتاج الأمر الى بحث سيكولوجي واجتماعي وتاريخي ، لكن ما هو أكيد أن لا أحد في هذه البلاد يحترم أبسط قواعد النظام ، لا العامة ولا القادة، لا القواعد ولا الزعماء ، فما الذي جرى ؟!
أنهم يقفون الآن ، في الإشارة الخضراء ويسيرون في إشارة المرور الحمراء !! وثمة من يستدير ويعود "رونغ سايد" عند الإشارة ، هل يعقل هذا !
مشهد يجسد حال العراق الراهن ، لا خضراء تمشيهم ولا حمراء توقفهم وكأن تراب الطريق الأغبر هو الذي يسيرهم وليس سراج الوطن ومبتغاه.
وكم من الطعنات يمكن لوطن واحد تحملها ؟!


حرية الأسلاك
لافتات وصور ومتظاهرين وشعارات : رموز للحرية.
أسلاك شائكة وأسلحة معمرة بالبارود : رموز للقمع.
هل يوجد تفسير آخر لهذه الرموز.
وإذا جمعت هذه العناصر في لوحة واحدة ، فكيف يمكن تفسيرها : حرية مشروطة ، ديمقراطية محدودة ، لهو مقموع ، العصا والجزرة ، المد والسحب .. جميعها واردة ، غير أنها متعرجة وشعرتها أدق من الشوق الحقيقي.
في النهار اللاهث ، لا يجد هؤلاء العاطلين مهنة يمارسونها غير التظاهر والصراخ بما يعتقدونه حقا لهم. ولا يجد الطرف الثاني من حل لهم سوى تركهم " يزعقون " خلف الأسوار الشائكة حتى تنشف حناجرهم ويعودون الى بيوتهم لكي لا يكرروها بعد الآن.
لكن المشهد حمل لمن يتمعن فيه ما هو أهم من حديثنا السابق كله : النظرة الخاطفة لمجموعة الرجال غير الحليقين.
لكن من المؤكد بأن هؤلاء الرجال غير منشغلين أن تكون دولتهم على أساس ديني أو دستورهم مكتوب أو مطبوع أو مترجم ورئيسهم من هذه الطائفة أو تلك وعدد الألوان في علمهم وكم النوتات في نشيدهم الوطني ، نظرتهم فيها سؤال واحد يبحث عن الجواب : كيف نستطيع العيش والعمل لكي يكون لحياتنا معنى ؟!
للذي يستطيع الإجابة على هذا السؤال يمكنه العيش بلا أسلاك شائكة وستكون صدور هؤلاء الشبان أول من يحميه والذي لا يستطيع الإجابة ولا يريد فسح المجال لغيره الذي يستطيع ، فعليه استيراد المزيد من الأسلاك والأعمدة الكونكريتية التي مهما امتدت لن تحميه.


أطفال وخرائب
في الفناء المخرب المهجور ، وجد الصبية لعبتهم بعد انتهاء الدوام. هذا مختصر الحكاية وملخص الصورة. عزف على وتر واحد ، يصدر نغما ولكنه النغم المعصور الملقي أسئلة بلا معنى.
كأن المشهد يلاحق آلام الماضي وكأن على أطفال العراق المرور بدرس اللعب في القمامة بعد استكمالهم مناهج اليونسكو.
نراقبهم في الضفة الأخرى من الحاضر ليوجعنا الماضي بامتداده العسير، فهل ينبغي أن تبقى الرسالة دون صاحب على الدرب الذي كثر مدعيه وأفلت أزهاره بفوران الهياج ؟
هذه زاوية واحدة من فيافي الحياة العراقية وإن لم تحمل كل أنباءها بلسان غريب وأمنيات مشوهة ، ورويدا للصبر المهاب والرفض عند العذاب والبذل إن طال الطريق وشذ الجدل.


أم المعدوم
أم عبد الرحمن ، تحمل صورته واسمه ، تأكلها حالة مؤثثة بالألم ، بين البحث عن ابنها ، وبين فضح صدام وجرائمه. يهدها التعب أحيانا لتردد مع نفسها : كم من السنين كنت أشق صدري وأدعو .. أعطنا هذا الولد .. أعطنا ولدا وإلا لخرب الدار ..
أعطانا هذا الصغير .. عبد الرحمن .. هكذا أسميته ، لأن الرحمن وحده الذي جلبه لنا بعد أن عجز الأطباء .. ربيناه على الصلاة والسلام ومن هدوءه تكاد لا تسمعه ، أبني عبد الرحمن ، لم يفعل شيء ، هو لا يستطيع أن يفعل ما يغضب أحد ، أعرفه ، لا يهتم سوى بأمه وبالبيت وبكتبه وسجادته ، لم يزعج حتى من يعتدي عليه ، أبعد ما يمضي إليه جامعته ، لا ادري ماذا فعلوا به.
بعد أن سكتت تحدثنا معها ولم تبطل بالجواب حتى على الأسئلة التي لم ننطقها : أنظر له غادرنا بهذا العمر ، له 21 سنة وفي الصف الثاني في الكلية ، ما الذي يمكنه أن يفعله هذا الطفل ! ها أنا أنتظره منذ 22 سنة ، كلنا ننتظره .. هل عليّ أن أنبش كل مقابر العراق لكي أتشمم عظام صغيري. كل يوم أصب سهمه من الغذاء ، لم أغير مكان جلسته في الغداء ، أصبها وأرميها فلا أحد يستطيع مس صحونه وغذائه. انظر إليه ، هل يستطيع إيذاء أحد ؟


إعلان أسود
بغياب الكهرباء ومكبرات الصوت ، الجرائد والراديو والتلفزيون ، يعلن الأحياء عن أمواتهم في العراق بالطريقة التي يتحول فيها الطفل والطبيب ، العلامة وبائع الحب ، المؤمنون والملحدون ، السمان والضعاف ، الشقر والسمر ، الى لافتة حجمها صادقت عليه أعلى الهيئات القيادية في البلاد : رئاسة الجمهورية.
هكذا يتحول الجميع ، الى لافتة ، تتطايرها رياح الحرب وغبار الروح ومطر الألم الذي لا ينوي مغادرة القلوب.
ما جناه علينا الرئيس ، وما ودعنا به ، وصايا الموت المهين ، كان يردد بحماس : على كل عراقي عمل حفرة في حديقة داره ،، هكذا يوصيهم أبنوا قبوركم في دوركم ، فسيأتي يوم لا تستطيعون فيه إيصال أمواتكم حتى الى المقابر.
تحققت نبوءته الحكيمة ، ومات الناس في بيوتهم ، فبفضلك ، لم يستطع الناس الوصول الى المقابر التي شغلتها بضحاياك ولا يوجد فيها شبر ، زائد. وماذا نفعل بالمقابر فبوجودك تحولت مدننا وبيوتنا وقرانا الى مقابر !
ولسنا بحاجة الى الماء والكهرباء طالما أنت تضيء دروبنا ، والشهيد لا يحتاج الى تغسيل ، لدينا الآبار التي حفرناها في الأرض الهزيلة ، التي جفت ما أن مشيت عليها من الاضطراب والفزع.
ماذا أبقيت لنا ؟
حولت كل منا الى لافتة سوداء على أنقاض بيوتنا وأسمائنا المنظمة بإرادتك.

أطفال الماء
لا ذنب لهم في المصائب التي حلت وستحل ، سوى أنهم مكسوون بزهور البلاد وأريجها ، حكاياتها وجدرانها اللدنة ، فهل من الصواب جريانهم المثقل بهذه العربة في بلاد الروافد الرائقة والنهارات المشعة والأرض المستقرة !
قالت أكبرهن : لا نريد صورا .. نريد ماء !
للسان حين يخبو حافة مرتفعة واسترخاء أعشى ، هكذا تشعر كما لو تلعثمت بلغة حائرة .. بين السؤال والجواب خلوة وفراغ .. فما جدوى المطالب والتساؤل ؟
في الصباح الطري .. الصباح المغبر الجليل .. ينبغي أن تقود أقدام أطفالنا توزعهم نحو المدارس والألعاب المبتكرة .. لكن الهواء السحيق ، يحملهم لثغور ماء لا يعلم بها المطفئ الأكبر في الوطن.
أكفهم أجنحة تثقب الانفصال واللهو المخير ، وشعرهم المتطاير غير المغسول بشامبو أصيل منذ الولادة ، رسالة غائصة في وحل بناة المجد وعشاق الطفولة ومرددو العبارات المنسية وأناشيد الخلود للقائد المتضامن مع حيامن رجال البلاد والثاقب أرحام نسائه.
سلسلة بفص حقول حنطة يوم اعتدال الربيع ،، هي ازدهار ضحكاتهن وغنج ضفائرهن .. برج شمس تومض في زوايا المدينة الخربة ، سرورنا ومبتدأ عذابنا ، ذلك الضجيج المقاوم الذي تخلفه عربة الماء.
هكذا ينقل الماء في عاصمة السلام الأبدي ، بالعربات والأطفال ، بدل استنشاقه بأزرار الكترونية وحنفيات من الذهب كما كانوا يعيشون.

لافتات النخيل
تنمو اللافتات في بلادنا المعاصرة أكثر من أوراق الأشجار وجذوع النخيل. ويملأ الخطاطون ما بجعبتهم من أفكار ، ما أن يستفيق زبون يتمطى بدوار الحرية ليعلن عن نفسه وهواه ومقبض معدته وإمساك أمعائه .. تجل أجدادنا الغائبين بالوطن السعيد الذي لم تسعفهم جنازير الانقلابات والمنتفضين الإمساك به.
لافتات عذبة وبريئة وتحمل أصح العبارات ومجهر الآمال ، كأنها تمشط خصلة البلاد المبعثرة : انعموا بالجمهورية .. الملكية .. الفيدرالية .. التعددية .. الديمقراطية .. النموذجية .. المحسوبية .. الإسلامية .. العلمانية .. الاحتلالية : المتعرية بلا إذن ، المتظاهرة بسواعد أبنائها كل يوم وشارع وضفة ، حذائها جريح وقلبها عتيق ..
هو ذا النهار كغيره متقلبا ، مدعوكا بأسى شفيف ، مرتجا بغثيان المظاهرات والمطالب غير المستحيلة المستوحاة من أفواه جافة ورقاب ضمآنة، تهبط الى الشارع ملمومة بعتاد شعاراتها التي لا تشبع ولا تروي.
فابقوا مع الأماني والمثل العليا التي هدوا الوطن لكثرة هجائها واتركوا القلوب المحبة لبغداد ترى قليلا من الكلام وشطرا من اللافتات وقدرا من السكوت.
اتركوا بغداد ساكتة على ما أصابها ، كاظمة ألمها ونفيها ولجانها ومنسقيها الدوليون ، فلو أطلقت حسرتها فستبدد كل ألحان لافتاتكم وظمأكم ومخاوفكم وعذاباتكم وزنابير صحفكم.
اتركوا بغداد ساكتة !

سينمات العاصمة
من الذي لم يتعلم الحب والمطر والعالم والأزياء والشجر والبحيرات وسرقة البنوك ومطلوب حيا أو ميتا وأجمل الاستعراضات وأقسى الحروب وأتعس الرحلات البحرية ، من السينما وأيامها الزاهية.
هي واحة الظهيرة لشاب قادم من الجنوب يلقي بتعبه في سينما الخيام أو روكسي ، بابل أو النصر . اختفاء سريع يرعاه ظلام الصالة وجلبة ابو اللايت وباعة الحب والبيبسي في أبو الأربعين.
هي المواعيد البائسة وتلمس يد الحبيبة للمرة الأولى وعد شرايينها النافرة وأوردتها الحارة.
يا بهو الضائعين والرطبين والمهتاجين والحالمين والغائصين
يا مرصفة عواطفنا ومترجمة ودنا وأملنا وتباهينا
مطفأة شوقنا ولهيب حرماننا ، سينمات بغداد وقمة أفلام الستينيات وتحرر السبعينيات وتكنولوجيا الثمانينات وسوبر صوت التسعينيات وإدهاش قرن عولمة الفنون.
في يومها الراهن ، سينمات بغداد ، متكئة على أزبال الحضور الكرام، حر يعانق رطوبة وغبار أليف ، ذات الوجه الواحد والفيلم الثابت. أنوارها مغبشة كامتلاء جيوب الجمهور بالفراغ.
لا ترى فيها فارسك ولا فتاتك ولا مصارعك المحبوب .. لا يضحكك فيها أروع كوميدي ولا تبكيك حسرات الملك لير .. جمهورها جوقة صبيان طوقتهم التجارب الغاشمة.
بلا إلهام يدور الشريط المتقطع مع صراخ الباعة ومأمور القاعة : منو بالله طابك البرازيلي كدام الباب ! يقطع الفيلم لكي يبحثوا عن صاحب الفولكس واغن الذي ضايق عبور المارة وباعة الدسكات المزورة وجوازات الوطن المباحة.
تنفجر عبوة ديناميت في الفيلم ، تبدأ التعليقات عن سذاجة التفجير ، فكل الجمهور خبراء متفجرات وقنابل ، أيوجد مجد أكثر روعة من هذا !
تقطع الكهرباء وينادي أحدهم بأن الفيلم انتهى ويطلب من القطيع مغادرة الصالة ، في أثناء التدافع يشرح لهم نهاية الفيلم كما يراها !

الراية والنظام
أيام المحن تشد الناس للذكريات وكلما تزداد عسرا تسمن ابتكاراتهم وبغياب البطل يهرع العامة للرمز وباكتفاء النشيد من لحنه ، والنجمة من سمائها والصغير من ثديه المرضع ، يتستر الزمان بالعَلَم !
لم يجد حامل راية البلاد شيئا ثابتا يعلقها عليه سوى هذه الإشارة الضوئية العاطلة ، فهي بلا كهرباء ولا شرطي ، تماما كالعلم الذي لم يعثر بعد على نشيده الوطني ومن يؤد له التحية ومن يضعه على صدره ومن يغرزه أمام السيارة الدبلوماسية والموكب الرئاسي الغائب حتى إعلام آخر.
ترفك لايت بلا شرطي مرور كالعلم بلا حكومة ودستور ومجلس أمةٍ . ولو اتحدا سيكونان تشكيل مجسد لأيامنا التائهة في محروقات التاريخ ودروبه الوهمية وافتتان قصائد المعارضين من كانوا سابقا مداحين للقادر على كل شيء ، طبق الكبة أو الباجة المنحسر في الصحون ، دليل عانسات البلاد الى حمام الهنا ، هلع النخيل من الصواريخ المفككة ، تردد منفيين بين العودة والوصية المقبلة ، ظلال يتشهاها أعمى ، بخور يعالج مرض الصمود المزمن، بكمالهم وقدرهم : النظام والراية !
افتراس شوق الشعب للملاذ والحياد
تخبط مقاومة الأبرار في مستنقعات الوطن
تخوم وجروف ولحم المعارضين المغربل في السواقي.
تخطيط متعدد الجنسية
أجمل الوزارات العراقية شكلا وبناء : وزارة التخطيط.
دمرها النظام بسوء التخطيط وقصفها الأمريكان لسبب في عقل الصواريخ الذكية ونهبها اللصوص كما جرت الأعراف وأحرقها الزبالون السابقون من الذين ألقيت على عاتقهم تنظيف مخلفات النظام وجرائمه وسرقاته وسوءاته أجمعين.
تطل على أجمل الجسور وأروع الأنهار. لونها خاص ، رماني غامق في بلاد فرض الرئيس على الناس فيها طلاء بيوتهم باللون الأبيض فقط ، وما أن يهب الغبار ، حتى يتحول الوطن الى كومة صفراء – رمادية من اسمنت محلي.
نوافذها الفضية لم تفتح يوما ولم يطل منها رأس ، جلس فيها نائب رئيس البلاد ، تصوروا حجم الكارثة عندما يقوم طه ياسين رمضان بالإشراف على الخطط الخمسية والعشرية والمئوية ، وهل يوجد بلد في العالم يكون فيه المخطط الأول قائدا للجيش الشعبي في آن واحد ؟
تندثر البناية الجميلة وملفاتها وحكاياتها وزبانيتها ، فالعراق يسوقه منسقون متعددو الجنسيات : للصحة والتعليم والمالية والإعلام والثقافة والشرطة والزراعة والري وما وهبونا بفضل الهارب.
ستبقى بناية التخطيط شاهدا على ذلك الصباح الذي سيتكلم فيه معلمونا بالياباني والمصرفون بالأمريكي والمزارعون بالبولوني والأطباء بالدنماركي وسواق الحافلات بالهولندي والصحافيون بالإنكليزي والشرطة بالنيكاراغوي والزبالون بالعراقي.
المنصور
مؤسس بغداد وباني أسوارها : أبو جعفر المنصور. يذكره صدام دائما ، ويحلو له تسلم الراية منه التي كان قد تسلمها قبلا من نبوخذنصر. هكذا صمم صدام بغداد حسب منظوره وفهمه للتاريخ.
لا يبدو مؤسس بغداد كما تخيله النحات ، نشعر كما لو يطرق رأسه أكثر ، خاصة بعد أن غادرت الحمامات عمامته التي تحمل رمز الامبراطورية العباسية.
طالته يد التدمير في حملة تنظيف بغداد من الأصنام ولأن ابو جعفر المنصور كان " طائفيا " وأعدم بدوره في زمانه من أولياء الله وأهل البيت.
إذن ، يوجد انطباع بأن منظفو العراق من آثار النظام السابق يريدون " إعادة كتابة التاريخ " أيضا ومراجعته ، ولعل باني أسوار بغداد شعر مبكرا بالذي ينتظره ، سامع أصوات لكنة غريبة وجنازير لم يعهد بها ووجوه لم يألفها.
تتراص حاجبيه ليمعن بدقة التفحص ، بيقين أول من أدخل العسكريين الغرباء الى حياض الوطن الذي لا يهدده الطاعون هذه المرة ولا الحمى الصفراء ولا الرمادية ، بل جراثيم الفوضى والطفيليين والشارات والشعارات والأذناب وأيام الأسبوع التي لا تهم أحد غير الذين ينتظرون عرس الخميس.


برج المأمون
أعلى طابوقة في بغداد تقع في برج المأمون للاتصالات الدولية. تسري في صوامعها كل الكابيلات التي نقلت لسعات الزمان : من الأم لأبنها الوحيد المغترب الذي ينتظر شهادة المهرب المزورة ، المهندس الشاب الذي وجد له عملا في كراج تفكيك للسيارات يطمئن على ولادة ابنه البكر ، والد المصابة بفقر الدم والأنيميا يسأل معارفه في الخارج عن الدواء الجديد ، صوت الخطيبة التي بعثت صورتها للتأكد من مهارتها في النطق قبل عقد الزواج الغيابي ، منحة الوالدين العجوزين وأيتام الأخوة المعدومين ،، أصوات مرتجفة تقول نصف الحقيقة ، ظنا واعتقادا وتأكدا من تنصت المستبدين على مكالمات الشعب الداخلة والخارجة.
دمرت كابيلات الألم وأحرقت الشرايين التي نقلت ملايين الرسائل السرية ، لفتى جرب للمرة الأولى كلمة : أحبك ، وتاجر يحصي محاسن صفقة مشبوهة لشريكه و تذمر من الأوضاع بين الأخ وأخيه والولد وأبيه ، أحداث وترتيب أحداث ، شبكة من المسافات تعصرها وتلقطها أزرار المأمون لتضعها على صواني العائلة : كلمات .. كلمات ،، كالأجساد الحية ، النازفة ، طافحة برؤيا الفصول.


هاند أب!
تستمر لعبة الشرطي والحرامي في شوارع بغداد الحلوة. فبعد أن سكتوا عن نهبها وحرقها وبيعها على قارعة الطريق لأنه " ماكو أوامر " ، جاءت مكرمة المدير الجديد للبلاد حيث أصدر بيانا قرأته مذيعة التحالف بلكنة من يملك جنسيتين لتطمئن الناس بقرب نزع أسلحة المدنيين.
والطريف أن البيان المتحضر لراعي حرمة العراق الجديد توسل بـ " العراقيين الجيدين " لكي يسلموا أسلحتهم.
غير أن " العراقيين الجيدين " هم ضحايا " العراقيين غير الجيدين " ، لذلك لم تفهم المعادلة كما ينبغي. فليس لدى الجيدين شيء لكي يسلمونه غير إيمانهم بالقضاء والقدر والمكتوب والقسمة والضرب على رؤوسهم وقفاهم. أما غير الجيدين فهؤلاء مزروعين في كل منعطف ورابية ودكان وبسطية وسطح مبنى مصادر ، هم الذين يبيعون الراديوات المسروقة للجيدين الذي يسمعون بيانات راعي البلاد ، وهؤلاء لا يعرفون لغة أخرى غير حزم القانون المؤجل الى ميتم آخر لطفل يسقط نتيجة إطلاق نار عشوائي أو عائلة ينتهك شرفها في وضح النهار.
وللدوريات الأجنبية في عاصمة المحبة الغائبة ، حسابات لا ندركها، فقد يسمحون لمائة سيارة بالسير ويوقفوا الواحدة بعد المائة ، هكذا عشوائيا أو لمجرد الشك في هزالة الرقم المثبت ، والذي يمكن شرائه ببساطة مع سنوية السيارة لقاء 50 الف دينار في باب الشرقي وأمام الدوريات النظامية للجيش المحرر.
هكذا يوقفون المدنيين عند أقرب جدار ليتفحصوا ملابسهم الداخلية ويدغدغوا حواسهم ويفجروا مشاعرهم ، بحثا عن أسلحة مرة وعن أشياء لا نعرفها مرات ومرات.
هذه الإجراءات صحيحة لو أن ثمة قانون يتحكم بها وليس مزاج صبي أمريكي خلف مدفع رشاش ، وحتى يحين موعدنا مع القانون ، جزاهم الله الخير وماجورين.


نصب التحرير
هو الأعرق والأجمل لأعمق وأروع التشكيليين العراقيين : نصب التحرير.
لم يره الفنان الراحل جواد سليم مشيدا ، فقد وافاه الأجل قبل رفعه في هذا المكان الخالد. وأفضل من حلل هذا النصب الكاتب الراحل جبرا إبراهيم جبرا في كتاب مستقل.
تحول نصب التحرير الى ساحة والساحة الى مدينة ، فالذي لا يعرف بغداد جيدا كان يضرب موعده في ساحة التحرير بالذات. ثم انزلق النصب نحو حديقة الأمة ، حيث وضع خالد الرحال بصماته الأخيرة على تمثال الأمومة ، وما أن تصعد سلم الحديقة حتى يوافيك الراحل فائق حسن بجداريته المعروفة باسمه.
سجون جواد سليم المحطمة وأمومة الرحال وحمامة فائق حسن ، رموز لمركز بغداد العميقة ، تحولت ما أن هلت علينا بشائر الحرية الى أماكن لتجمع اللصوص وبيع المسروقات وتزوير العملات والجوازات وإجازات السوق والزواج وما استطاعوا إليه سبيلا.
ساحة التحرير والمواعيد القديمة أصبحت وكرا لبيع المخدرات والاعتداء على الناس ، ويمكنك أن تتمشى في جهنم آمنا مرضيا ، لكنهم سيفضون ما لديك في لمحة بصر وأن جربت النظر في عينيهم فطلقة في الرجل أو عمود في الرأس يكفي لإشباع فضولك وعدم امتلاكك روح النشالين الرياضية.
السطو على ساحة التحرير ألغى شفافية بغداد وسيسرع في جلطتها، فكيف ستنشد حريتها في وقت تنتف فيه حمامة فائق حسن وينسطل الصبية تحت أمومة الرحال ويبول اللصوص على حرية سليم !

مطافئ الإمام
مبطئة تسير كحيوان فقد السيطرة على نسله ، سيارة مطافئ ، في أحياء الكاظمية. ما أنقذ خرطومها وزجاجها وأبواقها وسلمها وكل ما يتعلق بفن الإطفاء من النهب والتدمير ، أن سيدا حكيما ، سارع بطلاء جدرانها بالعبارة التي تخيف أكثر النهابين وقاحة : وقف للإمام الكاظم.
بتمخطر تجوب أزقة الكاظمية ، هي الوحيدة التي سلمت من دائرة البلدية ، توزع الماء السبيل على زوار المرقد والمصلين ، وفي أوقات فراغها يستخدمونها لسد الشارع المؤدي الى المرقد لمنع دخول السيارات ، لا سيما وقت صلاة الجمعة.
طريقة الحفاظ على سيارة الإطفاء جديرة بنشرها في مختلف المناطق والأزمنة للمحافظة على ما تبقى من البلاد.

بتوع الأوتوبيس
واحد من الباصات الإنكليزية ذات الطابقين التي تشتهر بها العاصمة العراقية ، لعله الوحيد أو ضمن عدد لا يتعدى الأصابع ، التي تعمل في بغداد الآن.
الطريف في المسألة ، أن هذه الباصات العريقة ، تابعة لبلدية أو ما يسمى " أمانة العاصمة " ولهذا يسميها المحليين بـ " الأمانة ". وتعمل هذه الأمانة لغاية اليوم في بغداد لسبب طريف : في صباح السقوط ، استلم السائق والمحصل ( الجابي ) أمانتهم وخرجوا بها الى الشوارع يعملون كباقي الخلق الذي لم يتوقع أحد منهم بأن دبابات أمريكية ستظهر لهم من كل حدب وصوب كسيارات الأجرة التي تغص بها بغداد.
تجدر الإشارة الى أن الفرهود والتخريب بدأ قبل سقوط تمثال الطاغية في الفردوس ببضعة ساعات من قبل نهابو الصولة الأولى ومن بعدهم تبعهم العامة وأهل الأجهزة الخاصة للنظام البائد الذي طمسوا ما يمكن طمسه من جرائمهم الشخصية.
أما السائق والجابي في حافلتنا السعيدة التي لم يمسسها غوغاء ، فقد قررا الاكتفاء بما ملكت إيمانهم وما أعطاهم إياه الرب ، بالاستحواذ على " الأمانة " بما فيها.
وهكذا يجوب الاثنان اليوم شوارع بغداد بـ " الأمانة " السابقة والملك الحالي. صحيح أنهما يعملان لحسابهما ، وهما اللذان أنقذا الأمانة ، ويسقيانها من جيبهما بالوقود ، إلا أنهما يعتبران أول من باشر في عمله في الدولة العراقية الجديدة والوحيدين الذين لم يغادرا مكان عملهما ، حتى إشعار ، يصبح للبلاد علم ودستور وحكومة منتخبـ.. وها .
فضاء الحرية
في زمن الطاغية ، تم ابتكار دائرة مستقلة في الأمن العامة وجهاز المخابرات اسمها " البحث والتقصي عن الستلايتات". أما العثور على هاتف الثريا عند أي مخلوق ، فأن هذا كافيا لاستجواب الحي بأكمله وإعدام حامل الفضاء وكل من له علاقة بالموضوع.
وبعد أكثر من أسبوع على رحيل الأوغاد ، ظهرت الأطباق والستلايتات في كل أسواق بغداد تقريبا وخاصة تلك المنتشرة في أحياء الطبقة الوسطى كالكرادة ( داخل وخارج ) والميسورة كالمنصور وعرصات الهندية وغيرها.
يتراوح سعر الجهاز وتثبيته وكل ما يتعلق به 300 – 500 دولار. ويزدحم الناس على شراء هذه الأجهزة بالرغم من عدم وصول الكهرباء الى معظم المناطق البغدادية.
وبينما كانت الاتصالات عبر الثريا تجري في الهواء الطلق وفي الشوارع ، طورا هذا البيزنيس الآن ، وافتتحوا محلات خاصة.
يعود الفضل الى انتشار بيزنيس الستلايتات والثريات الى حرية التجارة في كردستان ، حيث يذهب تجار بغداد الآن بسلاسة الى المناطق الشمالية ويجلبوا ما يحلو لهم من بضاعة كانت لأيام قليلة ماضية ، تجلب عليهم وعلى من يعرفونه الموت والدمار.



حصان القيادة
حصان عدي المسكين وصل من ناحية الامتيازات التي يتمتع بها الى عضو قيادة قطرية.
فهو لا يأكل الحشيش إلا بوضع " الهيل " عليه ، ولا يشرب الماء العادي ، بل الحليب ، ولديه فرقة مدلكين ويأخذ حمام ساونا قبل الغداء. وقيل أن ما يكلفه من مصاريف شهرية يفوق رواتب دائرة طويلة عريضة في إحدى الوزارات.
وفي لمحة ، وجد هذا الحصان نفسه ينتقل من سيد الى آخر ، حتى استقر عند بائع متجول للغاز.
يجر الآن حصان عدي عربة الغاز ، على خط بغداد الجديدة ،
المُعاد
نظرية الاستنساخ طورها " العراقي الجديد " في زمن صدام حسين بالشكل التالي : حسب توجيهات الدولة وظروف الحصار والحالة برمتها ، نمى بيزنيس في العراق بدأ غريبا على العراقيين الشبعانين ومن ثم تعودوا عليه وبعدها انتشرت نكاتهم حوله كما جرت العادة.
ملخصه أن لا شيء يرمى في القمامة : النعال ، الحقيبة المقطعة ، قنينة البلاستك أو الزجاج ، أوراق ودفاتر ، الحزام المتهرئ ... أي شيء ، حيث تتم إعادة تصنيعه.
ويمر الجامعون الجوالون الذين يستبدلون أي شيء بأي شيء ، يتندر العراقيون بصرخاتهم : حلاوة بعشر نعل مكطعة !. أو تلك النكتة ، عندما اشتر أحدهم نعالا ، يعثر به دائما فقال له آخر ، بأنه يعرفك جيدا كان يشتغل عندكم إبريق !
وتسمى الحاجة التي يعاد تصنيعها حسب المصطلح الشعبي : المُعاد.

المركب السكران
نتذكر مركب الشاعر الأمهر أرثور رامبو السكران ، وهو ما رأيته بالضبط في دجلة الحرة. فلنقرأ أولا ما كتبه رامبو بعد تصرفنا بالقصيدة الأصل :

وهكذا فأنا مركب ضائع
مقذوف بالإعصار في أثير لا طير فيه
متشبعا بضناك أيتها الأمواج
لم أعد أستطيع تعقب اختراق غطرسة الرايات
ولا التجديف على مرأى عيون الجسور العائمة لرهيبة

ثمة مركب في دجلة أراه كل يوم في مكان مختلف. بعد أن هجره أصحابه وعلى الأغلب كانوا من الفدائيين الذين لم يفدوا أحدا وحسنا فعلوا بهروبهم في نصف ملابسهم.
هذا المركب تتقاذفه أمواج دجلة ، يتهادى على أمواج النهر الخالد وما أن تتعب الريح يجد مرفأ له عند كومة أشجار نهرية. وفي اليوم التالي تستفزه الريح ليمخر الى مكان آخر ، مرة في الرصافة ، ويوم في الكرخ ، حتى المركب تحرر من صولجان النظام ليتحرج بحريته على أمواج كان يعدها النظام من بركاته.
كل يوم أقف على أحد جسور المدينة وألقي بالتحية على المركب الحر ، الذي يشبهنا جميعا ، وهو لا يبالي لا بالتحية ولا الزوار ، ولا أظن بأن أحد في العاصمة تابع جولة المركب الحيران المكوكية ما بين الرصافة والجسر.


النخلة والمدفع
زرع صدام بالفعل الأسلحة الثقيلة داخل الأحياء السكنية. ولم يكلف الأمريكان أنفسهم لإثبات ذلك ، فأي زائر الى أية مدينة في العراق الحر ، يجدها على قد من يشيل .
لكن مشهد المدفع المدمر معانقا نخلة أصابها الشيء نفسه ، تشكيلا فيه الكثير من المفارقة والمعنى ، وكذلك الألم.
ويبدو تشكيل النخلة والمدفع المدمرين كتنين بعدة رؤوس .. هذا انطباع النظرة الأولى ، ولعله يشبه تلاحم الأرض بالسلاح ، لو أراد ثوري ما التعليق على الصورة ، وكأن جذع النخلة هرع لرجال المدفع صارخا بهم : اهربوا وانجوا بأنفسكم ، وأكثر من تفسير يزودنا به تشكيل حرب قل نظيره.



مجنون الثريا
لسعات صوت هاتف الثريا تشبه طنين الذباب ، والمعادلة بين الذباب والثريا في العراق واضحة ، فكلاهما انتشر مع الحرية بتدمير مراكز الاتصالات وشحة الـ " دي دي تي ".
ولأن الأسباب مهما تعددت فالجنون واحد ، فأن لكل شيء سبب. فلقد سمعنا بأن لكل حادثة مجنون حديث.
نتذكر مجانين الساعات وأولئك الذين يسوقون سيارات وهمية وآخرين يلبسون المعاطف الشتوية في عز حر يوليو وثمة من يشرب الهواء وآخر يعمل منظفة زجاج سيارة ومن يعلق على مباراة وهمية ومن يخيط ملابسه ماشيا والذي يبرطم أو يصرخ أو يغني ... كل حالات وأعراض الخبال ألفناها في الشوارع العراقية ، لكننا رصدنا المجنون الأول لصرعة هاتف الثريا التي غزت العراق بعد ضيق فرج إصلاح السنترالات.
يمشي الفتى نصف عاري ماسكا خشبة صغيرة أو ربما نعل حذاء قطعوه على جدارية للفاقد ، يضعها على إذنيه ، يقربها جدا ، مثل هؤلاء المتباهين بهاتف العيد الذين يصرون على الصراخ أكثر فأكثر كلما اقتربت منهم سهوا حلة فتيات ضجرات : لا أسمعك ، أرجوك بصوت عال .. ها .. نعم .. كنت اليوم مع السفير البريطاني ، قال بأنه من الضروري أن نلتقي أولا مع برايمر .. لا بأس أخبرت غارنر حول المسألة التي اتفقنا عليها...
طبعا ، تريدون منه أن يسمع كل هذا الكلام ولا يجن !

سيطرات وحرامية
لا تزال عادة السيطرات قائمة في البلاد ولا يعرف سبب ظهور السيطرات في المناطق أو المدن بعد أن تنهب كليا وتحرق ومن ثم تقام على حرائقها السيطرات.
لو كانت هذه السيطرات بريطانية أو أمريكية ، فالأمر مفهوم ، إلا أنها مختلفة ومتنوعة ووهمية. فكل مجموعة مسلحة حتى مجاهدي خلق لها سيطرتها في هذه البلاد التي لا يريد أحد السيطرة على مقدراتها.
ولو كانوا يمنعون أو يبحثون عن الحرامية ، فهؤلاء هم الذين يصدرون الهويات والتأشيرات والجوازات في سوق مريدي الذي سينشل فيه رئيس الاسكوتلانديارد أو زعيم طائفة الانتربول لو تجرئوا ودخلوا فيه.
ولو أوقفت السيطرات الحرامية ستجد لديهم كل الوثائق الثبوتية ، بل سيعرضون على أفراد السيطرة خدماتهم ويمتلكون حتى أختام أحزاب المعارضة العراقية التي دخلت وافتتحت لها مقار أكثر من أعضائها ، منذ وقت قريب فقط.
قصة نهب معلن
أن يقرروا مقاتلة المحتلين أينما يثقفونهم وأن يرتدوا الأبيض أو الأسود وأن يزعقوا بكهرباء مولداتهم الشخصية ، فهذا شأنهم. لكنهم عندما يتحصنون في مسجد السهلة في الكوفة ويرمون الأمريكان بطشارهم غير المفيد ، فأن ذلك سيجعل الجنود الحمر يمطرونهم بنيران أكثف وأعقد وأكثر فاعلية.
وإن يستشهدوا ، فهذا خيارهم ، لكنهم دمروا أعرق مساجد أول عاصمة للخلافة الإسلامية.
ولنفترض أن ذلك حصل نتيجة التقدير الخطأ أو اضطرار المقاتل أو للضرورات العسكرية الاستراتيجية بعد أن غمر الظلام الطرقات وسدت المسالك بالحشائش والمدرعات.
لكن الذي يحصل في بلادنا فقط ، أن يسقط رفاقك الشهداء بالقرب منك وتسيل دماء الجرحى وتتناثر أشلاء المدنيين بسببك ، وفي تلك اللحظات يأتي الهاتف الجمعي وبكامل وعي الوحي الخلاق ذو التدبير ، لكي يتفق مجموعة من المقاتلين الأخيار مشاريع الاستشهاد من أجل نيل حرية العراق ليتفاهموا بلغتهم المتآكلة المخارج أو بالنظرات كأنها فتات ريبة غير مستقرة ، للهجوم لا على الأعداء الذين تسببوا في مقتل الرفاق والشبان الذين لم يفلحوا بالزفرة الأخيرة، بل للاندفاع نحو مكتبة المسجد وحمل ما يمكن نهبه منها.
تلك المكتبة التي طالما انحنت على قراءة حروفها الظهور وانسدت العيون من التعب في تقليب المخطوطات ، لطالما بحث المجتهدون عن الحقائق والحلول في طياتها ، وكم من سنين مضت ودهور حافظت فيها جدران المسجد على أنفس المخطوطات والكتب ، مجلدات الذي فارق أهله لكي يخطها أعوام تلو أعوام ، نهايتها بين أقدام المدافعين عن البلاد ، الذين تقطعت بهم السبل ، الخبراء في كنس الوقت الضائع والتهام ما تبنيه العقول وغرز سكين الألم بكامل نصالها في أوردة المعرفة.
اندفع الخاسرون في المعارك نحو خزانة مسجد السهلة الكوفي ، ففجروها بالقنابل ، بالطبع لم يستخدموا هذه القنابل في إيذاء المعتدين على أرضهم المقدسة ، كانوا في كل الأحوال يحضرونها لتفجير خزانة المسجد المنكوب ، لينهبوا كل مدخرات الكوفة العريقة ، الهدايا التي تركها الخلفاء والملوك والسلاطين والأمراء ، مصوغات ذهبية ليس لها مثيل ، تحف مجرد رؤيتها ، يلقى بك بعيدا نحو دهور المعرفة الأولى التي انبثقت من هذه البلاد نحو العالم.
مافيا التعويضات
ما أن نافست صور أبو غريب هوليود وأخذ أسمه يتردد أكثر من البيت الأبيض والكرملين والأليزيه في صدر الصحف والمجلات والنشرات الإلكترونية ، حتى تحول الى سوق جديد للنخاسة.
فالعراقيون المتجمهرون أمام السجن بانتظار مواجهة أقربائهم في الداخل أو الفرج بإطلاق سراحهم ، كفوا عن تسمية أي جندي أمريكي بـ "مستر جوني " ، لأن مسؤولي السجن وضعوا حدا للحوار غير المجدي بين الناس والجنود الذين لا يفهمون شيئا منهم ، باختيارهم جنديا أمريكيا يستطيع الحديث بالعربية بلهجة لبنانية.
ولا يوجد أثر للأسباب التي جعلت الناس يستبدلون " جوني " بـ "عبدو" بالرغم من أن أسم هذا الناطق بالعربية ليس بالضرورة عبدو.
والمشكلة في أبي غريب ليست في جوني أو عبدو طبعا ، بل في أولئك المرتدين بدلات بربطة عنق والذين يمسحون جبهاتهم بين الفينة والأخرى من شدة الحر ويفتحون سياراتهم مكاتب متجولة للحصول على توكيلات من المراجعين ، بائعين لهم حلمين دفعة واحدة : الأول ، إطلاق سراح القريب لقاء أتعاب يرتبط حجمها بنوع التهمة ووزن السجين وثانيا ، الوعد بالحصول على تعويض له لا يقل عن مليون دولار ( جميع المتحلقين حول المحامي صاحب البدلة المكوية والمعروقة لا يستطيعون حساب هذا المبلغ بالدينار العراقي ).
يحمل المحامين ووكلائهم وصبيانهم أدوات الحبر لكي تبصم الزايرة والحاجة بإبهامها على عريضة التوكيل ، وبالتأكيد يعطونها الكرت الشخصي للمحامي ، على أن يراجعونه في مكتبه لتصفية الحسابات.
المئات يوميا يبصمون على صناديق السيارات التي تحولت الى مكاتب متجولة للمحامين النصابين ، لكن أيا من المعتقلين لم يظهر ، عدا أولئك الذين قررت سلطات الائتلاف إطلاق سراحهم بناء على أوامر سوبر عليا.
لكن المثير في هذه اللعبة ، أن المحامي لا يتصبب عرقا لا من الحر ولا من الخجل ، ما أن يطلب أحد صبيانه من أولئك العجائز مبلغ 100 دولار لترتيب زيارة واحدة فقط له مع قريبه المسجون.
والأكثر إثارة ، أن الذي يدفع المائة دولار ، يحصل بالفعل من هذا المحامي على إذن بالزيارة ويمشي بثقة ويجتاز البوابة الرئيسية للمعتقل أمام أنظار الآخرين.
من هذا المنطلق بدأنا حكاياتنا مع " جوني " و " عبدو " !

جوازات الأرصفة
عندما تناثرت البلاد لثلاثة أشهر قبل ظهور مؤسسات الشرطة والداخلية العراقية ، كانت الجوازات تباع في الأسواق الشعبية ، لكن هذه الجوازات الرخيصة للغاية ألغيت ولا تسمح شرطة الحدود لحامليها بالعبور ولا تعترف بها جميع بلدان العالم.
أوجدوا طريقة في سلطة الائتلاف لحل مشكلة الراغبين بالسفر وظهرت لأول مرة " وثائق السفر " وهي ورقة مختومة من قبل سلطة التحالف تسمح للمواطن السفر لمرة واحدة.
لغاية الآن تعترف سوريا فقط بهذه الوثيقة ، وبعض الوثائق تكون أقوى في حالات خاصة يمنح فيها البلد المعين تأشيرة دخول لحامليها.
وفي كل الأحوال ، ثمة الآلاف الراغبين بهذه الوثيقة يتجمهرون يوميا بالقرب من مديرية جوازات الرصافة أو الكرخ ، وهما المديريتان الرئيسيتان في العاصمة.
وفي دائرة الجوازات يقررون لأسباب كثيرة إيقاف إصدار هذه الوثائق في أيام معينة ، ثم يصدروا عشرات منها ، وتأتي أيام يقولون بأنهم يصدرون 400 وثيقة في اليوم بناء على الأوامر العليا وهكذا يقف المئات يوميا في الطابور ويعودون خاليي الوفاض حتى انبثاق الفرج.
والفرج دائما موجود في العراق ، طالما لديك نقود ، فعلى الحائط نفسه لمديرية الجوازات ، هناك من يضع برميلا عليه باب منهوب ، ويكتب اسمك ومعطياتك ويلصق صورتك ويختمها بختم التحالف ويعطيك الوثيقة بدقائق لقاء 70 ألف دينار ( 50 دولار ).
ولو تراجع سجلات الجوازات الرسمية تجد رقم الوثيقة واسمك مثبت فيها بالفعل.
الحالة نفسها تتكرر في تسجيل السيارات والولادات وحتى الوفيات !