الأربعاء، 3 سبتمبر، 2008

ندى أعشاب الأنهار


ذلك لأن صوت النهر خافت ولمعانه دائم وحريته غزيرة ودفق موجه ناعم ، كفارس جميل ورؤية عين زرقاء مشدوهة ، يكوّم حوله زنابق المدينة الحارة طاردا منها الأشباح الغاضبة وألف عام من الحنين للنهر الغارق بحبر نظريات الجبر والهندسة والفلك وقصائد لم يعد أحد صياغتها.
والمسترخون عند عتبات الأنهر ، الصغيرة منها أو الأم يوقظون الحور الغائبة والأجنحة المذهبة لنسائم المياه الغاسلة فيهم كل دمعة متسخة وقطرة دم ساكنة.
هو أفضل الميسور ، ذلك النهر وبألف عقد للإعمار ، منحني أمام زحمة الفقراء والملوك بنفس الطراوة وعدالة الفيء ، ممشطا الجدائل والمهج ، معريا الأسرار ، مرفرفا بهاء الأوراق بحبور الأغصان.
تستيقظ بغداد ومدنها الصغيرة الملحقة بها عمدا ، كما كل مدن العراق التي لم يعزّ عليها الجليل الجبار ناصية نهر أو جدول ، بما اشتهت أنوائها الجوية وتخاريف موقعها من الاستواء ، بكل من يتنفس فيها ، بمرح من ولد في سيرك ، منتشية بعطايا النهر المجانية وكرمه الفائق وسعادته الواسعة وولوجه المباشر في الروح.
وهذه الرياض الطيبة الموهوبة للعراق منذ ظهوره الأول ، تنقذ من تبقى على أرضه بلا مقابل ولا جدولة ولا دين مختوم على الرقبة ، بغبطة الطبيعة ونفسها الممتلئة طيبة ، يحل العراقيون هذه الأوقات أزمات من ولوا عليهم غير آبهين منهم لا حمدا ولا شكورا تاركينهم يرقدون بنعيم الجمهورية ، لاقطين منها ولو على بعد فرسخ ، جزء من لمعان الوطن.
شرائع متناثرة
العودة المظفرة للحمير للشوارع العراقية واستعادة مجدها السابق بالعمل في كل المهن ، رافقته عودة الزوارق للأنهر في استخدامات متعددة أيضا علاوة على النقل.
في بغداد مثلا ، الزوارق تنقل العابرين من هذه الضفة الى تلك وبالعكس لمجرد أنهم لم يقرروا بعد فتح عددا من الجسور التي سبب إغلاقها عسرا كبيرا لتدفق المركبات في الأمعاء البغدادية.
أغلقوا الجسور ونسوا أنهم أغلقوها على الأرجح ، فطالما أنهم يعبرون عليها فهي غير مغلقة حتى من وجهة النظر الفيزيائية.
وإن كانت بغداد بلا جسور ، فلدى سكانها دائما الحلول ، والشرائع المتناثرة على ضفتي دجلة ساهمت لوحدها وبدون تدخل من وزارة النقل والمواصلات ولا بأمر من الحكام العديدين الذين يتولون أمرها ، في إهداء النقلة والنزهة ومتعة رؤية المدينة من وسط النهر.
ولكون الحديث يدور عن النقل ، فأن مترو بغداد سينجز وسيمر عبر النهر ويقال بأنهم سيبنون نفقا تحت النهر ويمكن لعرباته التسلق إليك ولو كنت على رأس نخلة. ومع ذلك فأن الحمير والزوارق متكفلة الآن بنقل الناس والأشياء وتفتح المسالك المغلقة وتمر عبر الدروب الضيقة لغاية اليوم الذي سيعلنون فيه إحالة الحمير على التقاعد ، وهو يوم سوف لا نراه في حياتنا المتبقية بالتأكيد.


زوارق الصيد
وهي الخبيرة بمراقد الطمي ولون الأمواج وسرعتها وأماكن مرح الأسماك وتكاثرها وبلوغ ذروة تعدادها الصباحي وكسلها المسائي.
والصيادون في بغداد تكاثروا كما حسبهم أمين الأعظمي القديم بما فيه الكفاية في هذه المهنة ، وأعاد ما قاله غيره من خروقات الصيادين الشباب المسرعين جدا وغير الصبورين.
ويعبر زميله صافي داود عن دهشته للأساليب التي يستخدمها الصيادون الجدد كاستخدام السموم والصعقة الكهربائية والمتفجرات في عمليات الصيد والتي ستؤثر بمعرفته على البيوض وتقضي نهائيا على الأسماك الصغيرة وكل الأحياء المائية المفيدة ، ناهيك عن أضرارها الفادحة على صحة من يتناول الأسماك المصطادة بهذه الطرق.
صيادون أوفياء
سواء كان صافي أو أمين من حدثنا عن " جرائم الصيد " ، فأنهم أو غيرهم، يتذكرون تلك الأزمنة التي كان الصياد فيها يستخدم الشباك و " السلية " فحسب وبلا عقد أو مواد كيميائية تذكر وكان الصيد وفير والأسماك تغطي الأسواق وتشبع البيوت.
فالأسماك الكبيرة وفق " أمين " تحتاج الى شباك ذات مواصفات خاصة وتبين من حديثه أن الشباك أنواع كالسمك ويبدو أن أسمائها متوافقة مع الأعداد الصحيحة فيسمونها مثلا : السبيعي ، الثميني ، التسيعي والعشيري .. الخ من أرقام ، فيما يفضل " صافي " الصيد بشباك " الدعيجي " والشص. أما استخدام " الزهر " وهو مادة سمية أيضا ، فيقول أحد أقدمي صيادي بغداد بأنه ممكن ومسموح رسميا لكونه غير مضر ، فلو وضع في العجين أو في أحشاء الجنيب بعد صيدها و إفراغ بطنها او استخدام نوع
من الحشرات يكثر في شواطئ دجلة ، فهذا لا يؤثر لا على الأسماك الصغيرة ولا على بيوض الكبيرة لكنه سيصيب الكبيرة منها فقط.

أخلاقيات الصيد
لا ينافس صيادو بغداد بعضهم البعض ، فإذا رأيت صيادا يعمل في هذه البقعة المائية مثلا ، ستبتعد عنه وتتركه ينجز شغله ، لكن أمجد وهو صياد صغير لم يتجاوز الخامسة عشر ، يقول بأنهم اليوم يدخلون في المنطقة التي أكملت فيها توزيع شباكك ويمر زورق سريع حتى عبر الشص الذي رميته في النهر وهذا سيبعد الأسماك ويعطل عملك لساعات ويهدر ما أنجزته.
يؤكد صافي بأن مثل هذه الحالات كانت مستحيلة الوقوع ، لكن النهر يلمّ ، برأيه ، ولا توجد أخلاقيات الصيد السابقة، والأهم أن كل الذين يصطادون في دجلة الآن وأمام الرأي العام العالمي والمحلي غير مخولين ولا يملكون اجازات رسمية كانت تمنح سابقا للصيادين الذين يملكون نقابة خاصة بهم تلاشت هي الأخرى.
ويمكن تصور معانات الصيادين القدماء لو علمنا بان الكثيرين من الجدد لا يجيدون حتى السباحة ! بينما يقول أمين بأنهم يحبون هذه المهنة كهواية وليس كمصدر للرزق فحسب ، لذلك يقضون بها أوقات ممتعة ، كما أنهم يرشدون الهواة المتجمعين عند الجسور والضفاف المختلفة لتلك الطرق والأماكن التي يكون فيها الصيد متاحا ووفيرا.
لم يكن الصيد منافسة على الإطلاق ، يضيف صافي ، بل هو عملية تريح النفس وتقربك من النهر الذي يمنحك إضافة الى السمك حيويته ونشاطه وإخلاصه.
عين النهر
تواجدهم المستمر في النهر حمـّـلهم حكاياته ونوادره وقصه المفجعة والشجاعة أيضا. يتحدثون عن حالات كثيرة أنقذوا فيها غرقى أحياء أو عثروا على جثث أو أسماك غريبة وكانوا ولغاية الآن " عين النهر " التي لا تغمض والتي تراقب كل صغيرة وكبيرة فيه.
في الأوقات التي يصبح متعسرا الصيد لأسباب كثيرة ، ينقلون الناس بقواربهم وهذه عملية يعدونها إنسانية وإن كانت بأجر وتلهيهم عن الركون في الشواطئ بانتظار سكون النهر وغياب الطمي ومائه الطارد للسمك.
ثمة حالات " يخور " فيها النهر ويبتلع من يمر عبره ، حالة من غضب سري ، يدركونها بالمعايشة والغريزة والفطرة ، غير أن راغبا بالعوم يجيء بالصدفة في لحظات غضب النهر ، لا يدرك خطورة هذا الأمر ، وجودهم في هذه اللحظات سينقذه ، لكنهم في كل الأحوال تمائم وقتية لنهر دائم.


الفتيان الحداقون
يتزاحم الصبية بالقرب من بحيرة مهدها النهر مستخدمين أساليب بدائية للصيد و بلا وسائل حديثة ، مجرد عصا وسلك للصيد وصنارة وقطعة خبز بائت.
تراقب بطات نهرية ، بيضاء بلون قلوبهم ، هذا اللهو ونظارة الفتيان الطموحين بالعودة الى البيت بسمكة مهما كان حجمها. تزاحم طفولي يفوح حلاوة بمشقة الانتظار وزهو الأمل حين يروم الحصول على سمكة واحدة ، ولو واحدة فقط تمني النزهة عذوبة إضافية.
عن سبب هذا التجمهر في مكان ضيق قد لا ينفع في صيد يقول أسامة بأنه ينتظر للساعة الثالثة على التوالي وأهدر رغيفين خبز بلا طائل ، لكنه مصر على الإظفار بسمكة ولو من باب التشفي بصديق محلته سامر الذي أودع في حقيبته السمكة الثانية في الفترة نفسها.
سبب هذا التدافع بينه " صباح " وهو قرب المكان لمنطقة الباصات ولكونه مريح ونظيف ومبلط ويمكن الجلوس فيه، كما أن منظر البط يجلب الحظ ويثير الفضول لدى الصبية بلا شك.
يتكلم الفتيان ويغنون ويدفع بعضهم الآخر ويصرخون أحيانا ويتذكرون معلميهم وبعض النكات وجزء من أفلام المغامرات ويمضي يومهم بالتناسق مع حركة الأمواج.
ليس أكثر من سلوى ومقطوعة بريئة للحياة البغدادية المرتعشة ركوعا من أجل سلام الزهرة والبطة والنهر.
طيش النهر
المخمورون بحب العوم في الأنهار ، أزف موعدهم بوصول درجة الحرارة صعقتها القياسية التي لم نر مؤشرا لها سوى في نشرات الأنباء الموزونة.
لا شيء غير النهر يطعن إرهاق الحر ويبعث النشوة ويخلد الأنفاس للراحة بغياب الماء في البيوت وانقطاع التكييف من الأسلاك وانعدام فرصة اللجوء الى ألعاب التلفزيون والكمبيوتر.
يعلم بعضهم بعضا طرق العوم ، هؤلاء الفتية البغداديون ، ولا يبتعدون كثيرا ومهما كان النهر مساعدا للطيش ، إلا أنهم مزودين بالحذر ووصايا الكبار ودعاء الأعشاب.
لا توجد أهمية استراتيجية للحديث معهم ، مراقبتهم غائصين أو ناطين ، قافزين أو متحشرجين ، مرتعشين أو هائمين بذؤابات المياه ، تعطي التصور الشامل لسوسن اليوم وحرارته غير المقروءة.
قدما نحو الصيف
سيمضي الصيف بمتاعبه وقيظه وفساده ، محملا لوحات كأصابع صغيرة على وجنة البلاد ، مرتبة كأطباق لماعة ، حين يطرز اليوم العراقي زورق وصياد وبطة سارحة ، قبعتها النجمة وملاءتها السماء ، مبشرين فاتحين لنا فرصة الإفلات من كذب الساسة وتدخل الغير وأفول صوت المنادي وعيون المجرمين وأنياب اللصوص ووقاحة المدعين ، فرصة منحها بلا مقابل الزورق والصياد والبطة المجملة جبهة النهر.