الأربعاء، 3 سبتمبر، 2008

فرح جماعي


" كان لابد من قبول الحياة – هنا أو هناك –
مع ترك الزمن يمضي "

- ناتالي ساروت -

تعيد العائلات العراقية صياغة يومها بإزالة عقباته المفروضة على الدوار وسط البيت ، بهجره في الساعات التي تعقب العصر وتنتهي بحلول التاسعة مساء.
وألطف الخيارات التي تبعث لمن لديه الأطفال السلوى ، تلك الأماكن التي فيها ماء وخضرة وممرات نظيفة ومساء هادئ تنيره كهرباء تحرك ألعاب كاد الأطفال ينسوها.
لتكن صفحة للتجوال ما أن تنحاز القلوب للفرح ومداعبة الأحواض والأغصان والأزهار في تراص ّ جماعي للعائلات العراقية التي ملت من الركون في زويا البيت ومراوغة الحديث عن متطلباتها ورغباتها المارة من ثقب إبرة.
لوحات صافية ، مكملة لحياة تسير فيها البسمات بالتوازي مع رفرفة الأنباء المتداعية ، نوع من الحل المسهب والانفلات نحو فلين اللهو وبياض دنيا الحشائش وأشرطة الصغيرات الملونة ، البالغة الزهو لحظة الفرح.
افتقرت بغداد للبساط الأخضر منذ حركة التوسع السكاني والبناء الذي شهدت طفرته الرئيسية في مطلع السبعينات واقتصر اهتمام الساسة في ذلك الوقت على بناء المزيد من الجسور والطرق السريعة والمباني الحكومية وكان نصيب الأشجار في العاصمة قليل ، و بالكاد كان المواطن يستطيع تتبع البذرات المحدودة التي تنثر على تراب العاصمة.
وقبل ذلك الحين ظهرت أول مدينة للألعاب في بغداد عام 1966 حيث استغرق بنائها أكثر من ثلاث سنوات وعدت الأكبر في الإقليم من حيث السعة وتنوع الألعاب والبحيرات الصناعية التي كانت المتنفس الصيفي لكل أهالي العاصمة تقريبا.
ظرف موضوعي
حين دخل الأمريكيون بغداد ( نموذجا ) استهوتهم لأسباب تكنيكية – عسكرية ، المساحات الشاسعة المحمية بأسوار ، فبركت مدرعاتهم وآلياتهم في تلك المناطق بدءا من القصور الرئاسية ومرورا بالملعب الوحيد الكبير في المدينة وليس انتهاء في ملاعب الأطفال في الزوراء والرصافة وبحيرة النصب والجزيرة السياحية وغيرها.
وساعد ما أسموه " الانفلات الأمني " على ضعف المطالبة الشعبية المهمومة بقضايا أكثر جدية ، في استعادة مراكز الترفيه في العاصمة ، في وقت كان الحاكم الأمريكي فيه ، لا ينظر بعين العطف ، على المطالب الخجولة التي تظهر في الصحافة حينذاك.
ولسبب ما ، انسحبت القوات الأمريكية من المتنزهات البغدادية وتركت ملعب الشعب ليلعبوا فيه كرة القدم ، وكانت هذه الخطوة الأولى التي ساعدت الشركات الخاصة للبدء في صيانة ما تبقى منها والتحضير لإتمام بهجة الأطفال.
3 لثمانية ملايين
المولعون في فرض الإسمنت على بغداد ، أهدروا الكثير من الأموال عليه وعليهم ، دون أن يلتفتوا أو حتى يدركوا ، أن بغداد وضواحيها التي يسكنها نحو 8 ملايين شخص فيها ثلاث منتزهات كبيرة فقط ! وإذا قررت العائلات العراقية التنزه في المناسبات فقط على سبيل المثال ، فأن 3 ملايين شخص سيتوجهون الى حديقة واحدة ، ويمكن تصور الأمر من وجهة النظر الإحصائية على الأقل.
ومن الإنصاف ذكر بعض المحاولات الشعبية بالتنسيق مع مجالس بلدية محلية عاونتها ماديا منظمات إنسانية دولية أجبرتها الظروف الأمنية على مغادرة العراق ، أخرجت بعض الحدائق الملونة الصغيرة في مناطق بغدادية كالبياع والسيدية والحارثية وغيرها.
حديقة النصب
سنة ونصف ، تسبب الوجود الأمريكي بالقرب من " نصب الشهيد " (يسمونه الآن نصب ضحايا الدكتاتورية ) الى تحول أكبر مدينة للألعاب في الإقليم الى بقعة مهجورة يغلب عليها طابع الثكنة العسكرية.
هذا الأمر أدى الى هجرة كاملة لأصحاب المطاعم والمصورين وباعة الحاجيات النادرة والطريفة التي يهواها الأطفال.
غير ان الشركة التي استلمت تعهد العمل في هذه الحديقة بذلت جهدا استثنائيا وصلحت الألعاب القديمة التي جلبوها في الستينات ونصبت ألعابا جديدة صنعوها محليا من قبل شركات عراقية متخصصة أبرزها شركة العراق لتصنيع الألعاب الفنية.
دار الدولاب وارتفعت المناطيد وتلونت البالونات وأضيئت الأنوار معلنة استقبال الوجبة الأولى من طلاب النزهة الذين زادوا يوما بعد آخر بتنوع الخدمات وجدية عمل القطاع الخاص حين يستهويه الربح.
مشكلة جديدة
والشركات التي تصنع الفرح ينبغي أن تربح ، لكن ما ذكرته لنا بعض العائلات المستريحة في فيء المظلات المعمولة خصيصا للعائلات فقط ، هو أن أسعار الألعاب غالية جدا لاسيما للذي يمتلك الكثير من الأطفال الراغبين تجربة المزيد منها.
ويقول إبراهيم بمشاركة زوجته نهلة بأنهم يفضلون الجلوس من العصر حتى المساء تحت المظلة ومراقبة أطفالهم يمرحون كما تشاركهم أم إبراهيم في تلك الجلسة التي قالوا بأنهم طالما فقدوها في الأشهر الأخيرة ، في حين كانت نزهاتهم شبه يومية في هذا المكان الذي يحبونه.
وعن غلاء الألعاب أجابت نهلة السعدي بأنها فعلا كذلك للذي يتردد باستمرار ولديه الكثير من الأطفال. لكنهم حسب قولها ، يمتلكون أطفالا قنوعين ويبتكرون ألعابهم بأنفسهم وببلاش !
لعبة الموت
وسمير الذي يبتعد دائما عن أبويه ، عرفنا عليهم فيما بعد لنلتقط صورة لهما مع أخيه الصغير ، يتندر على ما يسمونه " لعبة الموت " هنا ويؤكد بأنها بسيطة ولا تثير الخوف وأنه في الكمبيوتر يجتاز ألعاب أصعب. يعرف سمير ألعاب " والت ديزني " الشهيرة ويتحسر لعدم وجودها.
يقبل الآخرين من الفتية على لعبات " التلفريك " والطائرات والأخطبوط والسكة الطائرة والخيول والسفينة التي تنقلب على نفسها.
تتكرر الأضواء الملونة المصاحبة لموسيقى راقصة تساعد الأطفال على الإسراع في قطع التذاكر والانغماس في الحالة وتقمص أدوار طالما أدوها مع الكمبيوترات.
أسعار مناسبة
كبير العاملين في حدائق الألعاب وصفي الحمودي يؤكد على أن أسعارهم مناسبة ، مفيدا بملاحظة أن ليس كل من يدخل الحديقة يقصد اللعب. فثمة عائلات لا يدفعون غير رسم الدخول الرمزي ويأتون حتى بطعامهم من البيت ومع ذلك فأنهم يستمتعون بالأجواء والخدمات هنا كلها بالمجان تقريبا.
هكذا فهم وصفي الموازنة ما بين ضيوفه ، فهم أنواع برأيه ، معتبرا أن أكثر شيء يسعده الإقبال الكبير الذي لا يزال يطمح إليه ، حيث لا يعتبر زوار حديقته كافين مقارنة بأوقات السبعينات التي لا تستطيع فيها أن تعثر على محط رجلك حسب وصفه.
ولا تنحصر مشكلة رعاة الحدائق المسلية في الأسعار ، بل في الوضع الأمني ، لاسيما بعد استهداف المدنيين في معظم العمليات والحوادث الإجرامية التي تحصل في العاصمة العراقية تحديدا.
ومع ذلك فأن الإقبال الأكثر يخص العائلات وسفرات المدارس أو تلك التي تنظمها التجمعات والاتحادات الطلابية من وقت لآخر وتبدأ من الصباح لغاية المغيب.
متاعب رسمية
تم خصخصة مدينة الألعاب في الرصافة منذ عام 1989 لكن أرضها ظلت تابعة لأمانة العاصمة ومحتوياتها تتبع للشركات المساهمة فيها. وبعد انتهاء عقد الايجار الأولي ، رفعت الدولة قيمته بثلاث أضعاف ليصل الآن الى نحو 120 مليون دينار ، الأمر الذي يصعب على الشركات الداخلة في المشروع المهمة في تطوير المدينة أو تخفيض أسعار الألعاب التي يشكو منها الناس.
كما أن المدينة تجهز نفسها بالكهرباء بدون مساعدة الدولة باعتمادها على مولدات كهربائية خاصة بها وكذلك الحال بالنسبة للماء الصالح للشرب والسقي ورعاية النباتات والحيوانات الموجودة فيها.
جفاف البحيرة
بدلا من الموسيقى والأنوار التي ينبغي أن تسبح في نافورة بحيرة مدينة الألعاب ، تشم رائحة مساحيق غسل السيارات التي حولت المكان الى محطة لغسل السيارات بلا مبالاة لا بالذوق العام ولا بمشاعر المتنزهين ، مع التذكير بأن هؤلاء كانوا في أوقات النظام السابق لا يستطيعون حتى وقف سياراتهم للحظة واحدة ، لأنهم يدركون بأن غسلهم مع سيارتهم سيتم في حمامات الرضوانية.
بحيرة الزوراء
على العكس من ذلك ، تسير القوارب الصغيرة بهدوء ومتعة في بحيرة الزوراء التي افتتحت مؤخرا بعد مغادرة القوات الأمريكية للمنتزه الأكثر شهرة في العراق.
وترتبط هذه الحديقة بذكريات الكثير من العراقيين ومن الصعب العثور على بغدادي في منتصف العمر لم يحجز جزء من أوقاته بين أشجارها وتنفلت منه الكلمات المتعثرة الأولى في لحظة هيام.
بدت الزوراء أكثر تنسيقا من حدائق الرصافة ، لطبيعتها من جهة ولنوعية زوارها الذين هم في الأغلب عائلات ، لعلهم بدئوا حياتهم الزوجية من هذا المكان بالذات.
وأكثر ما يزعج في الزوراء ، قربها من المنطقة الخضراء وإطلالها على شوارع اشتهرت بالمفخخات ، ومع ذلك فأن العراقيين الباحثين عن التنفس الآخر ، يتعقبون البهجة مولجين في تقفي ضحكات أطفالهم مقبلين على الحياة المتحركة والمدونة في شدو الأطيار والنسمات التي تهزها الأغصان وريشات البطات المأخوذة بسريان الزوار الجدد.
الحديقة المتجددة
نظفت قنوات المياه السائرة وسط الشواطئ المعمولة جيدا بالأحجار البيضاء وبعض الرخام ، فيما اصطبغت الجسور الصغيرة بألوان تحاكي المصابيح المطلاة بالطيف.
وما بين النساء المتألقات ، تفترش جلستهن زهرات وحيدات تقترب من فراشهن المحمول من البيت ورائحة شواء كلف البساط الأخضر بعض من نزاهته بحركات تولع في خرقها العائلات بالرغم من التحذيرات المكتوبة والمعلنة من " إذاعة المنتزه " الداخلية التي تبث آخر المنوعات الفضائية.
يجبر الحر بعض الصبية لعرض أجسادهم بلا قمصان مدخرين هبة النافورة الغاصة بهم وبصيحاتهم المترنحة وسط بهرجة الموسيقى المتوافقة مع الضجيج الشديد الحلاوة.
الجزيرة السياحية
قضى في هذا المكان الممتع الكثير جدا من الشبان العراقيين ليلة زواجهم الأولى وبلا مشقة يمكن حساب عدد الشبان الحاليين الذين يزورنها دون يعلموا أنهم كانوا من نتاج نضرتها وزخرفتها وردائها الحريري الممطوط على دجلة.
وهي أجمل بقعة سياحية في بغداد عكرها الأمريكيون أيضا حتى غادروها بعد تسليمها الى وزارة الثقافة. وفيها الكثير من الأشجار النادرة المعتنى بتصفيفها بستانيون مهرة بذلوا جهدا استثنائيا لتحويل مساحتها الكبيرة الى واحدة من الرياض المكتملة الرشاقة.
يحيط النهر معظم مساحتها ولا يسمع فيها صوت مسرفات ولا عربات ، سوى سكب القدح وارتداء الرداء الشفاف وتهادي المحبوبة وظلال الطيور الحسودة.
ينزو فيها عشاق العاصمة الآن مقتنصين لحظة ألفة وذكرى فائتة عن الرتابة اليومية مصورين الحمرة المبكرة للخد وثقل الكلمات عندما تصور المشاعر الحقيقية.
لحظات الهناء
هكذا قرر العراقيون توطيد الفرح كطمأنينة و يقظة هائمة. كنوع من الحل وجزء منه ، لكي يكبر صغيرهم ويصغر كبيرهم بالبراءة والثقة في أن الأمن بهجة أيضا والأمن خمائل ومسك يد الزوجة بعيدا عن طاولة الطعام ، والأمن قنطرة حب وبساطة و ليس الاعتناء بمزلاج الدار فحسب ، والأمن هو ما قرره هؤلاء العراقيون حين هبوا لصداقة الزهور والبحيرات والألعاب الطائرة واقتراح الزوارق في المياه الصناعية.
سيجذب بعضهم بعضا لتلاوة لحظات الهناء وسيكثر الأطفال عند السواقي وبوابات حجز التذاكر المسلية ، ما أن يصبحوا فردا واحدا ، قصيدته انقشاع الغيوم وابتداء البذار على الشواطئ.