الأربعاء، 3 سبتمبر، 2008

ليالي بغداد


" أعود الآن الى الليل القديم الهادئ "
- فرناندو بيسوا -

متى ؟ في السهر غير المحدود لثياب البراءة الأولى
أين ؟ عند روعة الغصون ومجد الزمرد ونسيانها اللامتناهي
كيف ؟ حين وعت ذاكرة الأماسي جنونها المبصر ويقينها المحترق
لِـمَ ؟ كي تتدبر الحرب أسرار الظلام وتحصد جوع جديد
مَـن ؟ الزائلون والحالمون والغاضبون والمؤمنون والصابرون
لماذا ؟ كي لا تسلك الحرب طريقها ولا يدور الماء برتابة الهواء
ماذا ؟ سنصفي المطر ونعبئ صخر البطون ونتجاهل المرارة
وبعد : كي ننتصر في النهاية !

خاتمة الزهو العراقي ، مرسلة لليالي بغداد وسحاباتها الكابية ونورها المتراكم مع الغبار ورغباتها المعتادة ووحدتها وأمانيها الحرة الخالدة المنسوجة بالأسئلة السبعة واللفظ المثقل بالهمس وبالحقيقة المقيمة في الاك :

ما حبا نور ولا طرى
أوطاننا نفس ٌ
ولا تداعى حضنك الصابر
شقاء العمر

ستبقين وحدك ، بغداد ، مهما ينهال بك الموت مرفرفة وغيرك الأموات ، مذ دبروها ولاذوا بانتصارهم المزكوم ، روحك أوفى من نشوة العصافير وأعذب من الابتسامات الغائبة وأدق من إشارات المرور وألطف من الماء العاطل والسلك الجامد طالما يوجد فيك من يحمي : الليل !
الليل وبغداد ، عافية ربانية ولغز مؤرق ورفاهية مشرقة وتمرد صبي يبصق على أزيز المروحيات وشبق المسرفات وحفر في يأس مطبق كي تنمو الأحلام بالجمال وترمم ناصية القلوب أركان الفؤاد ويخصب كل ذي عقل عقله في نصاعة الخالق حين يشيد الانتصارات وينير الليالي ويهدي السعادة باقة واحدة مكتملة مع آذان الشمس الطيبة.
احتضار الليل
حتى الليل في بغداد .. كان !
وجميع الذين أرسلوا أحاديثهم لكم قالوا في الماضي وتعثروا في الحاضر وسرحوا في الآتي. علكم تصدقونهم وتفهمونهم فليالي بغداد كانت فعلا تسكب فرحتها على الفضاء ، في حين تتحاشاه الآن وتعد الثواني من أجل منتهاه. صدقوهم إذن ، وافهموهم ، لأن من عاش في بغداد ومن زارها قبلا ، يحتار في اختيار المرح واللهو واحتواء تعب اليوم فيها لزحامه وكثرته ، ما بين سهرات الخانات والمقامات و " الجالغيات " البغدادية وبين حلقات الذكر في محيط أبي حنيفة ، بين التحرر المبالغ في الملاهي الليلية وجلسات السمر في مقاهي الشاطئ الفائر حيوية ، الألعاب الشعبية ومصارعات الديكة ورجال "الزورخانات " وعد أسماء الغروب مع مثقفي الجيل الصاعد على دكات ومساطب نظريات المعرفة المترجمة توا ، التنافس الحاد على مصير "الدوشيش" الذي يفوق الفوز بجميلة الحي ، معركة للاتهام أكبر صواني البقلاوة وإخراج المحبس من بين ألف كف في ليالي من الصعب الرهان على أن بغداد ستولدها بعد الآن.
صدقوا مرارتهم وافهموا شوقهم وحنينهم ما أن يجتمعوا بدعاء الأم الناشف: ليتني لم أعش لهذا اليوم الذي أرى فيه بغداد تحتضر في الليل.
نهاية ليل
حين دخلنا بغداد المحروقة كانت أوقاتها كلها ليل. لقد غابت عنها الشمس في أعز شهر تمضيه ؛ مقبل الربيع. وكانت فنادق تعد على أصابع اليد الواحدة مفتوحة وفيها يمكنك العثور على فراش وسندويش ونور.
والنور في هذه المباني السعيدة كان محددا حسب ساعات النوم وينتهي مع بداية الليل في الساعة الثانية عشر بالضبط. ولكم أن تتصوروا بغداد الشاسعة المترامية بضفتيها ومقابرها ، بأحيائها الذين لا يعرف منهم كم مليون بقى وكم هرب ، ملفوفة بالظلام ، ذلك الظلام الذي يصفه تلاميذ المدارس : دامسا !
لم يعاكسنا الظلام ومشاجرة ما بقى من إلكترونات في الأسلاك ، بقدر تعلق الأمر برمته في تأدية واجب بسببه نمضي ليالي بغداد الدامسة كإرسال المواد الحربية اليومية للجريدة التي قيل أنها تفوقت على ما يطبع في العالم في تلك الأوقات ، واستمر الصراع مع الليل ، قضية حياة وموت ، حتى انبثاق ليلة أطلق من يملك في بغداد بندقية أو مدفع محمول ناره باتجاه السماء احتفالا بأول إضاءة اشتعلت في العاصمة شاهدناها من على شرفة الفندق لتمحي صورة حرائق مصافي الدورة التي كانت النور الوحيد الذي يضيء ليالي بغداد.
كان ابتهاج البغداديون في النور الأول بعد حرب الإطاحة ، أول الآمال الخاسرة التي تلاعب في إهدارها أصحاب البيت الجدد وأول إنذار نبأ بالكبوات اللاحقة وأفلت أقدام العراقيين لإطلاق مسيرة الاحتجاج الأولى والتي كانت مناهضة للظلام.
تآلف مع الظلام
انطفأ الضياء البغدادي الأول في 22 أبريل 2003 بعد إشعاعه بساعتين وانطفأت معه أولى المسرات البسيطة مشجـّرة في الذاكرة ناموس الفوضى القادمة وأمنيات الصغار : يا ربي أنر عليّ الكتاب .
وحينها ومع ما أصاب المدينة من حزن وفرح ، أدركنا حينها فقط ، بأن الذي لا يستطيع إنارة البلاد سوف لا يستطيع إنجاز أعمال أهم وأن القادم ليس ببهجة تلك الأحلام المنسوجة على الورق وبلاغة البيانات وهمـّة التقارير الصحفية.
كان الظلام وما تبعه من تآلف الخلق معه يثير عند الشعب الشكوك تلو الريبة في إن المحررين يتعمدون الظلام لإجازة أفعال لا يريدون لغيرهم رؤيتها وانتشرت كالبرق إشاعات الخطف والسرقة والنهب والتصفيات والاستحواذ على الأملاك العامة التي كان ظلام الليل كافيا لطمسها لغاية اللحظة الراهنة.
فهمنا ما السر الذي كانت تخفيه استغاثة صدام في خطابه الأخير الموجه لأهالي العاصمة بالذات وتكراره هذه الاستغاثة في ثلاث مواقع من خطاب الوداع : " أجعلوا بغداد منيرة " ، كتبنا وقتها بإدراك ذلك الزمان : كان الدكتاتور يخاف الظلام !!
رنين الليالي
وإن خاف الظلام أو طيوره ، طبيعته ونشوى رنينه ، فقد كانت بغداد وليس صدام الهدف الأول للجيوش الزاحفة وأثبتت الأيام بأن وجوده في جحره أو في حمام المطار سيـّان ولم يغير في حلكة الليل ولا صراحة النهار ، لقد أنهاه التاريخ ، قبل سطوة الظلام.
وبقت بغداد وديعة في الليل ، ثائرة في النهار ، تشعر بجرحها لحظات المغيب ويلملم من له حاجة حاجته ليسرع الى الدار قبل إطلالة خيوط الليل الذي قرر الجميع أن يكون رقادا.
الليل الأمريكي
حين فرض المتحالفون منع التجول ابتدئوا بالساعة السابعة مساء ومن ثم مددوه للتاسعة والعاشرة حتى استقروا الآن للحادية عشر. وكانت المشاغل الكثيرة للغاية تجبرنا كسر هذا الحظر والمخاطرة المفروضة التي كان لها أسبابها المتقدم عليها جميعا ؛ أنها ليست مخاطرة حقيقية ، بل مجرد مشاكسة لأن بغداد لا يوجد فيها شرطة وأن الأمريكيون في تلك الأوقات لم يطلقوا النار على أحد لأنه وببساطة لم يطلق عليهم أحد النار طوال شهرين ونصف بعد السقوط.
وكانت " مدينة أخرى " تنهض في ساعات منع التجول وتتلألأ في المطاعم أنوار المولدات والفوانيس لباعة الخضار والنيونات في أسواق بيع المشروبات والمعلبات ودقات المناشير على قوالب ثلج الباعة الجوالين. وتبين أن الليل الأمريكي يبدأ في بغداد ما بعد ساعات تجوال أهلها ، فينزلون بمدرعاتهم وهمراتهم الى جوف المدينة ليتناولوا الطعام العراقي الشعبي كالكبة والتكة والكباب والباجه وما يبدعه العراقيون من حلوى وعصائر وآيس كريم محلي ولبن وخس وتمر وما تشتهيه نفس الجندي الغريب المثقل بالمهام والجزعان من الوجبات الجاهزة التي صادقوا على سعراتها الحرارية في مختبرات البنتاغون والتي لا تطعم عصفور.
كان الجنود الشبان المفتولين العضلات والقوام الضخم يستبدلون وجبات البنتاغون بهذا الطعام ويدفعون عليه الفرق بالعملة العراقية التي كانت تتطاير من نوافذ البنوك المحترقة أو يدفعون بالدولار ، ولم يذكر أي بائع عراقي ولم تسجل حادثة واحدة فرض فيها أمريكي واحد الأتاوة على عراقي وتناول طعامه أو اشترى حاجة ببلاش !
للإنصاف ، كان الجنود الأمريكيون " يستحرمون " أخذ شيء من عراقي دون أن يدفعوا ثمنه ولعلهم كانوا يدفعون أضعاف ثمنه الحقيقي والدليل بسيط أيضا ؛ فلو كان الأمريكيون يعيثون بأسواق الليالي البغدادية الخاصة بهم ، لما استمر الباعة وأصحاب الأسواق والمطاعم في فتحها كل ليلة !
ليالي الأحزاب
والعراقيون الوحيدين الذين كانوا يتمتعوا بليالي بغداد في تلك الأوقات ، هم أولئك الحاملين " باجات " و " هويات " خاصة كانت سلطات التحالف تمنحها للأحزاب " الصديقة " بما في ذلك " باجات " خاصة للسماح بسيارتهم المسروقة من الدولة المنهارة بالتجول في كل حين.
لم تسجل لحظة واحدة هرعت فيها كوادر الأحزاب لتصليح مولدة كهربائية ولا لإسعاف حامل أو إطفاء حريق أو تسوية مشكلة مصفى نفط أو تسيير متاعب محطة وقود أو نقل طحين الحي أو إبعاد لصوص من المدرسة النموذجية ، بل سجلنا في العين المجردة لهوهم وطيشهم ، سرقاتهم ومداهماتهم، اعتداءهم على الصغير والكبير ، أكل مال اليتيم والسهر على رقبة الغريب.
كانت الأحزاب تلقي بحثالتها لتغتصب ليالي بغداد لتطيح بآخر الآمال في أن القادم أفضل الميسور. بأم العين رصدنا مجونهم وعدم احترامهم للأرض التي قالوا أنهم يقدسونها ، كانوا يقفون بسياراتهم الضخمة ليبولوا على عتبات البيوت الآمنة ؛ سكارى تصدح أغانيهم الفاسدة أركان الأحياء البغدادية المفزوعة والخائفة من أسرار الليل وانحدار البدلاء وتماديهم وجشعهم وحجتهم النحيلة.
وليس بعيدا ، في مراكز القادة الذين ولدوا قادة حتى في المنافي ، كان المسلحون يعدون الأركيلات وموائد الطرب والويسكي غير المغشوش والمسكوف وكل ما تشتهيه نفس العراقي المعلقة روحه بالبطاقة التموينية وحصته من الدنيا التي أخذت منه غدرا ، نظاما بعد نظام ، وانقلاب تلو آخر وحرب تلد إثمها.
انفرد عراقيو الأحزاب بليالي الغجر منشطين مملكة فساد جديدة وكأن ليالي بغداد مكتوب عليها المجون والطغيان والنحيب والفاقة والانطواء والحكم حسب شرع قافية القادة وأبجدية حروفهم المقدسة.
ندعهم يتحدثون
عبد السميع جابر : بماذا أحدثكم عن ليالي بغداد ، فلم نجلس في بيوتنا أبدا في الأمسيات. تبدأ حياتنا وزياراتنا ولقاءات الأصدقاء بعد صلاة العشاء مباشرة. حياة كاملة كنا نحياها في المساء لغاية الثانية والثالثة بعد منتصف الليل. سأصل الى السبعين ولا أريد قضاء يومي في البيت ، تحيطني جدرانه كالسجن.
أبو وائل : رؤية دجلة كل ليلة تمنحنا أكبر قوة لمواجهة يومنا المزدحم بالأعمال. المقهى هو بيتنا الثاني وكل من فيه أهلنا ، كنا عائلة واحدة ولم نعتقد في أن يوم سيجيء تنفرط فيه عقد هذه العائلة كما حصل الآن.
أمين جواد : هل يعقل أن نعود الى البيوت في الثامنة وتنتهي الحياة في بغداد في التاسعة. كنا في هذه الأوقات نتهيأ للسهر وفي أي مكان في بغداد. لا توجد سيارات كثيرة ، لكن السواق يعرفوننا ونحن نعرفهم ، قبل أن نقول العنوان تذهب بنا السيارات الى البيوت ، الكثير من التكسيات لديهم زبائنهم الدائمين ، ما أحلاها من أيام.
لطيف قاسم : ما أخشاه أن أموت دون أن أعيش جلسات المساء القديمة مع أصدقائي القدماء.
ابتهاج الليل
ومع أن ليالي بغداد تنتهي في العاشرة كحد أعلى للذين يملكون وسائط نقل خاصة ، فشوارع فلسطين والمنصور والكندي والربيع و 14 رمضان والكرادة والأعظمية والكاظمية تكتظ للغاية بالناس والعائلات وبأفضل ما لدى الفتيات من ملابس وتزدهر فيها طلبات الأطفال ومرح الصبية.
ما يجمع الناس في هذه الشوارع ، الاتفاق على التسوق من باب التنفيس والترويح والمشي على الأرصفة المزدحمة بالبسطات وبضاعة دول الجوار والصين.
ويتكفل أصحاب المحلات بالقضاء على الظلام ، حيث ينير كل منهم واجهته بمولده الخاص وتصدح في هذه الأثناء آخر الأغاني ويبذل الباعة ما لديهم لتقديم المساء على طبق من نور وموسيقى للناس.
تقول لمياء التي كانت بصحبة ميس بأنهم ملوا من انتظار معزوفة تحسن الوضع لكي يخرجوا للتنزه وتعتقد بأن الزحام كفيل بحمايتهم ، فلا تزال الحمية عند العراقيين ولا يمكن لأحد التعرض إليهم وسط هذا العدد الكبير من الناس.
وليس الناس وحدهم ، ففي الشوارع المكتظة تتواجد سيارات النجدة عادة وثمة شرطة جوالون ومراكز سيطرة في بدايتها ونهايتها بالإضافة الى رجال الأمن بملابس مدنية الأمر الذي قلص من نشاط اللصوص.
ليالي الشباب
يقضي الفتيان البغداديون والشبان أمسياتهم عادة بالتجوال وتبادل الكلمات مع الفتيات أو في مقاهي الإنترنت المختلطة كلها والتي تغلق في التاسعة أو في المقاهي للعب الدومينو والطاولي وتدخين الأرجيلات أو يلعبون البلياردو أو تحتضنهم صالات الـ " بلي ستيشن " وبعدها يتجولون متناولين طعامهم وقوفا، سندويشات همبرغر أو شاورمة ، يشربون العصير ويتنابزون بالنكات والتعليقات غير المفهومة لأشخاص بعمرنا بعدها يغادرون الى البيوت. وتعد هذه السهرات النموذجية لشبان العاصمة.
ملاهي مجانية
بعد مداهمة الإيمان المفاجئ النظام السابق ، قام بإغلاق كل الملاهي والكازينوهات البغدادية ومنع فيها تناول المشروبات وحولها الى مطاعم بريئة تستقبل الجياع فقط.
بمعنى أن ليالي بغداد الكحولية والنسائية ، انكمشت منذ منتصف التسعينات وليس بسبب " الحالة الأمنية " أو " الدينية " الحالية.
وبما أن صاحب الطبع لا يبدل طبعه ، فأن البغداديين ابتكروا ملاهيهم وأماكن أنسهم الخاصة والتي لا سلطان لأحد عليهم في مشاربها ، وأكثرها شهرة وزحاما الواقع على جسر الجادرية وبامتداد الخط السريع.
ولمن لم يستوعب جوهر ملاهي الجسر : تقف السيارات عند حافة الجسر الواحدة تلي الأخرى وعلى طول الخط السريع ، تخرج الفلينات المعبئة بالمشروبات المختلفة وتفتح أكياس الكباب وتنحر البطيخات وتنتشر الفواكه فتصبح جلسة مثالية تتوفر عوامل كثيرة لتصبح أكثر أمنا ، أولا ، أن الحشر مع الناس عيد ، ثانيا ، لا احد يتعرض لمئات السيارات ويغرمها في آن واحد أو يشاكسها ، ثالثا ، أن الدستور الأمريكي لا يحرم الخمر ورابعا ، أن هؤلاء لا يصبحوا " إرهابيين " حتى لو أودعوا الجحيم وخامسا ، أنهم يطلون على دجلة مستذكرين ليالي أبو نواس حيث رؤية النهر تكمل عوامل السهر في ليالي بغداد.