السبت، 12 يوليو، 2008

نهوض الجحيم الشيشاني


أعيننا والصور ، أقدامنا والأحرف ، أوراقنا وبدائلها ، لن تشفع لحربين شطرتا القسوة بعدل ووزعتهما بإنصاف على كل من سولت له نفسه وعاش في البقعة القوقازية المعزولة عن البحار وطرق الحرير والنابتة منابع نفط وثوار وأحجار تتنفس جمال مرتعش ، بيد صبية لم تبزغ وجنتها بغير النار المعتمة والضمادات والأسرّة الخاوية وذهاب صوت الرجل الوحيد عبر نوافذ الإشارات.
سنسير معكم في العصب الحساس للحربان اللتان حجبتا الشيشان عن الحياة وقربتها للرمل ، عن الظلمة حين تلوي أذرع الشمس والدمار ما أن يغزو ظلال الشجر وقناديل الأرامل وجداول تصريحات الجنرالات وخططهم ، علوّهم وانحدارهم ، طغيانهم وبأس من أشقى عليهم أيامهم.
للأرامل الشيشانيات اللواتي تقبـّلنّ منصبهن الجديد بلا مرثية ولا ظفر ، لأولئك المهزومين ولمن نطقوا أسمها محفورة بجراحاتهم وملائكة أعينهم ، نقدم هذا الكلام شكلا وجسدا ، محاولة لاستنهاض أسم الشيشان مجددا ، تلك الأرض القوقازية ذات اللهيب الضاج ، الحامية كتجمع حفنة من دم وأزهار في آنية الأمل.
الوصول أولا
طوال الحرب الشيشانية ، غرقنا في التحليل وتتبع مسار القذائف الروسية وإحصاء الأمتار التي احتلتها والتي لم تحتلها. حسبنا عدد اللاجئين المتدفقين نحو الأراضي الأكثر أمنا بالساعات والأيام. وتابعنا أقوال الساسة والجنرالات وتصريحات المقاومة. ولكن أحد منا لم يتكلم عن أهم شيء وهو وضع الناس الذين بقوا متمسكين بأرضهم ولم يغادروها ، كيف قضوا سنوات الحرب وكيف كانوا يحصون نمو قامات أطفالهم بالمليمترات ، كيف كانوا ينتظرون القذائف والصواريخ التي ألفوها وتعايشوا معها رغما عنهم ، كيف عاش هؤلاء سنوات الاستقلال المجيدة ؟؟
سيغضب الكثيرون مما سنكتب في الفصول اللاحقة . لكن غضبهم هو أبعد من أن يقلقنا بشيء . لأن وجودنا كأول صحفي في العالم فوق كل الأراضي الشيشانية وحتى غروزني أعطانا ليس فرصة الريادة في هذا المجال فحسب ، بل الحق في تنوير الكلمات التي كانت عائمة في جو من الغموض الذي فرضته الدعاية والحرب الإعلامية. والمسألة لا تحتاج الى نباهة غير اعتيادية ، وهي بسيطة للغاية وتحتاج الى أذن نقية وقلم نصف محترف ينقل ما سمعته هذه الأذن. وهكذا فأن دورنا تعدى انحصاره في كوننا نعمل مراسلين صحفيين فحسب ، بل ومراسلين لكل الناس الذين قابلناهم تحت الأنقاض والذين تدفقوا لمقابلتنا بالمئات ..
كان كل بيت يضمنا هناك حتى المهجورة منها يلقي بنا في عمق الحقيقة أكثر فأكثر. رسائلنا سيكتبها الشيشانيون بكل صدق وألم ورغبة بالبوح.
سننقلكم في هذا الكتاب عبر الصورة والكلمة الى الشعب الذي يموت من الإخلاص والحب اللامتناهي للحياة وسط حقول الألغام التي عرضت إنسانيتهم للنهب المنظم للحرية. ألغام تزرع باسم الله وأخرى باسم الجيوبوليتيكا والعالم المتعدد الأقطاب. وجد الشعب الشيشاني نفسه في أقذر لعبة حشرت فيها كل الشياطين من السماء والأرض.
قابلنا الشعب الذي لم يترك أرضه حتى لو خربت فهو لا يأمل بأرض أخرى. عناد وتمسك غريب بها وما عليها ويعيش الآن بين الهراوة والخبز والهواء الذي يصنع البلاد التي تتخاصم عليها كل قوى " الشر " في العالم.
سنقص عليكم الحكايات المحرمة نبشناها بقلق وكأنها فرصة للحقائق أن تظهر لتفاجئ العالم بكلمات كادت تنقرض من أفواهنا. وسنترك الأشياء تتكلم ونرتضي بدور الناسخ من مطار موزدوك في انغوشيا عبر قرى الشيشان دالني وبوستوني وزيليوني وسيري سو وكاراغالنسكي وفروزينسكي. ولغاية اللحظة ما زالت ثيابنا مطهرة بتراب شيلكوفسكيا وناورسكي وبراغون. هناك في غوديرميس حيث ضمنا الناس الى صدورهم واحترقت دموعهم في أحشائنا. حاولت ، إذا استطعت ، أن أفتح بؤرة بأسي لأذلّ الكلمات بامتحان النار. واعتمادنا فقط على الحروف التي تدفقت من أفواه الخارجين من حقول الظلمات.
كانت غروزني ترى حتى من عيني الضئيلتين ، غروزني التي سيأتي عليها الدور بعد أرغون التي كانت الصواريخ والقنابل تنتقل إليها من الأرض التي أقف عليها. كان جنود الصولة الأولى يتقدمون وكانت عيونهم تودع عدسة كاميرتي التي لا تستطيع اللحاق بهم أكثر من قدرة عدساتها. وبعد دقائق تتوالى زخات الرصاص بلا انقطاع. وينشغل الجميع عندها ، كل الأسلحة تضرب بكل ما أوتيت من قوة ومن عتاد. كنت في موضع القيادة الأمامي عندما وضع الضباط اللمسات الأخيرة لخطتهم. لم يعن أي شيء وجودي لهم ، فقد كانوا يتحدثون بثقة وكأن الأمور تسير كما يريدون. صرخ قائد الفرقة : لا يهمنا ما نفقد من صواريخ وذخيرة ، المهم سلامة الجنود.
ابتعد المظليون عن مجال رؤيتي منسلين في الأحراش المطلة على أرغون في وقت التهبت الأرض والسماء بعز الظهر من الحمم التي كانت تصب على المدينة. كنت أفكر فقط بمن تبقى في المدينة ولم يسعفه الحظ والنقود لتركها.
جلس أهالي غوديرميس وأتشخوي يورت على ركبهم متوسلين المقاتلين ترك المدينة حفاظا على أرواح أطفالهم ومدينتهم وتاريخهم الشخصي. فهل سيتمكن أهل أرغون من فعل ذلك ؟
أما بالنسبة لغروزني فلا يوجد أحد من أهلها فيها. لقد تحولت المدينة منذ زمن الى مرتع لمن هب ودب ليقيموا سلطانهم في كل بقعة يريدون. هجرها سكانها الأصليين ليتركوها نهبا للجبليين ومن ورائهم . والذين عاثوا فيها وسرقوا كل ما استطاعوا تحت شعارات الحرية سمح لنفسه كل من يحمل بندقية التحدث نيابة عن الله.
في كل القرى والمدن الشيشانية التي دخلناها كان الجميع يتفق على عبارة واحدة لا تخضع لأعراف الحرب الإعلامية والدعاية المضادة وهي أن كل الأنظمة التي تعاقبت على الشيشان المستقلة منذ عام 1991 وللآن لم تبن طابوقة أو حجارة واحدة ، وكأن لعنة الاستقلال أصابت كل شيء هناك حتى المواشي والزرع والهواء النقي ناهيك عن مستلزمات الحياة العصرية مثل الماء والكهرباء والغاز ووسائط النقل ، المدارس والمستشفيات وأماكن النزهة واللعب ، دور السينما أو المسرح أو المكتبات العامة…الخ وعندما كنت أسألهم عن هذه الأمور يضحكون بسخرية ويتهمونني بالبطر وأحيانا يظنون بأني أضحك عليهم.
لم نكتب شيء من الشيشان وعنها هنا، سوى ما أملوه علينا أبطال الفاجعة. ولندع الحقيقة تتذوق انتظار الموعد ولو مرة واحدة.
قلعة العقيد فيرسوف
لقد قيل الكثير منذ بداية العمليات الحربية في الشيشان عن الصعوبات التي تواجه الصحفيين حتى الروس العاملين في مواقع القوات الروسية. وكما كان عليه الأمر في الحرب السابقة اضطررنا الى شق طريقنا الى المواقع الأمامية بخبراتنا المكتسبة من الحروب فقط وبدون تنسيق غير كتابة تعهد في كل خطوة نقوم بها بـ" أني مقدر مدى المخاطرة التي أقوم بها وأتحمل عواقبها ". بحيث استنسخت عددا من التعهدات وأخفيتها في جيوبي وما أن أطالب بها حتى يجدونها حاضرة !
خصص مركز صحفي للصحفيين الروس فقط حيث منع الأجانب أصلا من زيارة هذه الأماكن في مبنى لإحدى القيادات الميدانية وأحاطوه بالأسلاك الشائكة ومحمي بالحراس دائما. ويقود العقيد ياكوف فيرسوف الخدمة الإعلامية المتكونة من ستة ضباط. ويتمتع هؤلاء بكل " تسهيلات الخنادق !". ومن المستحيل عمليا لأي صحفي مهما بلغت شهرته دخول هذا المركز الصحفي ويسكن الصحفيين الروس عادة في خيمة شيدت قرب المركز الصحفي. وفي بعض الوحدات الخارجة عن عيون فيرسوف يمكن للصحفي استئجار " كرفان " من الصفيح ليأوي إليه في الليل الذي ينشط فيه القصف والقنص لذلك يفضل الجميع الانبطاح أرضا في هذا الكرفان طوال الليل.
والعقيد فيرسوف يحدد صباحا أولئك الصحفيين الذي يسمح لهم بالتوجه الى الخطوط الأمامية على متن المروحيات. ومبدأ العقيد بسيط ومعروف في كل الحروب ولدى كل العقداء : تعجبه مقالة تكرر أسمه فيها أو صورة برز فيها أو تقرير تلفزيوني تظهره حازما وجادا لهذا الصحفي أو ذاك.
ولم يبق لدي سوى تفسير واحد للعقيد وهو أن كل المواد الخاصة بالشيشان والتي سأنشرها ، سأرسلها له بالبريد له حتى لو تطلب الأمر أن أحضر خصيصا للشيشان لكي أسلمها له. وحتى هذه اللحظة لا أعرف لماذا كان يصدقني في كل مرة ! في وقت كان يعرض على الصحفيين الروس " وثائق سرية " يتحجج بها لكي يمنع وصولهم الى الخطوط الأمامية أو يجد في لحظة ما حجج جاهزة كانعدام وجود أماكن في الهليكوبتر أو الخطر الذي ينتظر الصحفيين أو عدم إدراكهم للحالة الناشئة هناك.
ومن المرجح أنني قلت له مرة بأن قادة الناتو في يوغسلافيا كانوا يولون أهمية بالغة للصحافيين الأجانب كي يظهروا القدرة القتالية لقواتهم وأسلحتهم ونصحته أن تقتبس القيادة العسكرية الروسية هذه الخبرة . هل أثرت عليه هذه النصيحة الماكرة فعلا ؟

جبهة الحرب الثانية

بعد الضغوط " الإنسانية " التي شارك فيها زعماء غربيون ، سمحت روسيا لمجموعة مختارة من صحافيين أجانب كنا ضمنهم ، بزيارة سجن فيه " معتقلين " شيشان للإطلاع على أحوالهم وللتحقق في المسائل التي أشارت لها الكثير من المصادر والمتعلقة بخرق حقوق الإنسان في الشيشان.
وفي خطوة موازية أطلقت السلطات الروسية سراح بعض المراسلين بدون قيد أو شرط.
فكيف يمكن تفسير هذه " الصحوة الإنسانية " من قبل القيادة الروسية؟
أن عملية اختيار مجموعة الصحافيين لزيارة هذا الموقع أو ذاك في الشيشان تتم بإرادة السلطات الروسية الرسمية وبالتحديد بموافقة من المركز الإعلامي الروسي وهو منظمة رسمية مستقلة تتبع بشكل مباشر للكرملين ولها علاقات مع وزارة الإعلام. والمركز الإعلامي هو الجهة التي تحدد الأماكن التي يزورها المراسلين الأجانب وتحدد أيضا الأشخاص الذين يمكن " استجوابهم " من قبل الصحفيين. أي أن العملية كلها محددة بإطارات صعبة للغاية ولا يمكن لزيارة مثل هذه أن تروي ظمأ الصحافيين الأجانب والروس على السواء.
لذلك فأن المشتبه بهم من الشيشان والذين قابلهم الصحافيون لا يمكن لهم التحدث بغير " المعاملة الإنسانية " وحتى الرقيقة من قبل السلطات الروسية تجاههم وإضافة وجبة غذائية لهم من الطراز الممتاز حتى أن بعضهم قال بأنهم يتناولون أربع وجبات في اليوم في المعتقل.
وبالنسبة لإطلاق سراح الصحفيين في هذا الوقت فجاء بعد " مكرمة قيصرية " بحتة ، حيث صرح الرئيس الروسي الذي كان وقت الحرب بالوكالة فلاديمير بوتين قبل يوم بأن وجود مراسلين وراء القضبان ليس له معنى.
الجبهة الثانية
منذ بداية الحرب في شمال القوقاز فتحت وزارة الدفاع وهيئة الأركان جبهة ثانية ضد الصحفيين الذين لا يحبهم الجنرالات جدا والعكس صحيح.
لقد اتضح في صيف السنة الماضية عندما اعتدت تشكيلات مسلحة شيشانية على الأراضي الداغستانية بأن وزارة الدفاع لا ترغب في قول الحقيقة عن الحرب. وكانوا يريدون إقناع المجتمع بأن " العملية المعادية للإرهاب " في الشيشان جاءت ردا على غزو العصابات الشيشانية لداغستان وتفجير البيوت السكنية في المدن الروسية. غير أن رئيس الوزراء السابق سيرغي ستيباشين التي جرت كل هذه الأحداث في عهده اعترف مؤخرا للصحافيين بأن التهيئة لدخول القوات الروسية في الشيشان بدأت في مارس 1999. وقال أيضا بأن شخصيا كان يعد للتدخل الجديد في الشيشان الذي كان ينبغي له أن يحدث في كل الأحوال. ومع ذلك دحض الجنرال فاليري مانيلوف نائب رئيس هيئة الأركان الروسية اعترافات ستيباشين الخطيرة للغاية.
الخسائر البشرية
ويشك الجنرال أركادي باسكايف قائد قوات الداخلية في منطقة موسكو والجنرال أناتولي كوليكوف وزير الداخلية السابق في الأرقام الخاصة بالخسائر البشرية التي توردها وزارة الدفاع في نشراتها.
ومهما كان الأمر تحقق اليوم حلم فاليري مانيلوف ورئيس الجهاز الإعلامي في وزارة الدفاع أناتولي شاتالوف في فرض الرقابة والسيطرة الشاملة على كافة المعلومات الحربية.
الأستاذ وتلامذته
تحدث الينا أحد أساتذة أكاديمية هيئة الأركان العامة قائلا : " جمع الجنرال مانيلوف قبل شهر في الأكاديمية الملحقين العسكريين في السفارات العاملة في موسكو بغية إطلاعهم على الحالة في شمال القوقاز. وكان عليك أن ترى وجوه الدبلوماسيين التي أصابتها الدهشة. قال لي أحدهم : ألا يفهم مع من يتعامل ويتحدث ؟ من المستحيل سماع مثل هذه الدعاية التقليدية دون الاستغراق بالضحك ".
وهكذا كان يتعامل الجنرال مانيلوف ومساعد الرئيس الروسي لشؤون التغطية الإعلامية الحربية سيرغي يسترجيمبسكي مع الصحافيين. كانوا يجلسوننا مرتان في الأسبوع على الأقل ليملوا علينا كتلاميذ عندهم ما يشاءون من الوجبات والمحاضرات الدعائية المعروفة سلفا.
تجدر الإشارة الى أن خطر الهزيمة في جبهة الشيشان الإعلامية كان واضحا من جراء عقم نشاط جهاز الدعاية في وزارة الدفاع. الأمر الذي دفع فلاديمير بوتين بالتدخل شخصيا وتعيين يسترجيمبسكي مساعدا له للتنسيق بشأن السياسة الإعلامية في منطقة العمليات الحربية بغية إضفاء معقولية على العمل غير المثمر والبليد للأجهزة الإعلامية في دوائر القوة. ومع ذلك لم تساعد هذه الخطوة لإنقاذ الموقف الإعلامي الروسي حتى الآن. ففي البداية أنزلت حكاية اعتقال مراسل صحفي في غروزني ضربة موجعة لسمعة السلطات الفيدرالية داخليا ودوليا وقدمت السلطات الروسية للشيشان هدية لم يحلموا بها جراء تخبطهم في هذه القضية التي تحولت مع بطلها الى رمز للقمع الإعلامي الذي يتعرض له من تسول له نفسه الاقتراب الى حقيقة ما يحدث في الشيشان.
وبعد استبدال المراسل الغريب وغير المفسر من وجهة النظر الحقوقية بجنود روس أسرى أصبحت هيئة الأركان العامة والمخابرات الحربية وحتى القيادة السياسية الروسية هدف لانتقادات شتى داخل وخارج روسيا.

لماذا لا يحبون مراسلي الحرب ؟


من المفهوم لماذا لا يحب الجنرالات الروس مراسلي حروبهم ، فهم يرون فيهم تعبيرا للموقف الغربي وربما الأمريكي من الحرب الشيشانية ، الموقف الذي يعتبرونه متحيزا لصالح العصابات.
ولكن المراسلين المغضوب عليهم ، فضلوا التحدث عن حقائق أخرى للحرب مثل التدمير الشامل الذي تعرضت له الشيشان وخرق حقوق الإنسان وهلاك المدنيين عن التحدث عن مآثر القوات الفيدرالية.
تحديد حرية الكلمة
فقد قال يفغيني سافوستيانوف مدير إدارة الأمن الفيدرالية في موسكو والذي يعرف جيدا أساليب وطرق عمل الأجهزة الخاصة في حديث مطول معنا بأنه بدأت في روسيا عملية تثبيت السياسة الرسمية وتحديد نشاطات الصحافيين وأعمالهم وتضييق الخناق على حرية الكلمة.
وظهرت في الصحافة المحلية أنباء عن تشكيل هياكل معنية في دائرة الأمن الفيدرالية ووزارة الداخلية تنحصر مهمتها في متابعة الصحافيين الذين يكتبون عن المواضيع " الساخنة ( أحداث الشيشان وتصرفات السلطة واستهتار الموظفين والفساد … الخ) وتبدو هذه الإجراءات كتهيئة للقيام بعملية " وقاية " من دور الصحافة الروسية والأجنبية على السواء، والتي هي أفضل من قناطير العلاج.
من المرتشي ؟
وأخبر الجنرال الكسندر زدانوفيتش رئيس دائرة العلاقات العامة في المخابرات الروسية بأن البنوك الغربية والأمريكية خاصة " تلقي " كل عام نحو بليون ونصف البليون دولار في روسيا لغرض رشوة الصحافة الروسية ! وأضاف بأن دائرة الأمن الفيدرالية تحقق في هذه المعلومات. وقابله الصحافيون بالإشارة الى أن بعضهم يتعرض للضغط وحتى التهديد بالتصفية الجسدية بسبب إضاءتهم للأحداث في الشيشان. وأجاب على هذه المداخلة بقوله أن العكس هو الصحيح بقوله أن الصحافيين الذين يمجدون بأعمال القوات الفيدرالية في الشيشان هم الذين يتعرضون للتهديد بالتصفية الجسدية.
لكن لم يسمع أحد عن مثل هذه المحاولات ومثل هؤلاء الصحافيين " الخفيين ".
وبالمناسبة كانت الأجهزة الخاصة تؤكد أيضا خلال الحرب الشيشانية السابقة عن أن الغرب لا يبخل بالنقود لرشوة الصحافة المحلية. واتضح فيما بعد أن هذا الاتهام لم يكن سوى هراء كامل حيث سرعان ما تحول الخطاب الإعلامي " المتهم بتسلم الرشوة " الى موقف السلطات الرسمي وتسابق صناع السلام على ترديد ما كانت تقوله الصحافة المتهمة بالرشوة ! ويبدو أن الاتهام الحالي الذي حمله المسؤول الأمني الروسي تطبعه الصفة السابقة أيضا.

صراحة مع الجنود الروس


يُنقل القليل عبر وسائل الإعلام عن الحالة داخل القوات الروسية في شمال القوقاز والظروف التي يعيشها الجنود الروس. وكان الصحفيين الروس يجلسون في خيمة الإقامة الجبرية بانتظار أن توزع لهم نشرة الصباح التي يعدها المركز الصحفي التابع للقوات تتضمن آخر أنباء الجبهة والقتال. ويتسابق هؤلاء فور استلامهم النشرة لإيجاد طرق نقلها لهيئات تحريرهم في موسكو.
لم يطلع أحد منهم كيف يقاتل الجيش الروسي ولا توجد لديهم معلومات عن وضع القوات ، أما المعلومات عن الخندق الآخر فهي مستحيلة ويترك كل صحفي المجال لمخيلته أو يشحذ هممها للتوقع فحسب.
تحدثنا مع ضباط الكمائن والهندسة الذين يشرفون على زراعة الألغام أو إزالتها. وتبين أن الألغام في هذه المنطقة ستصيد أجيالا متلاحقة ولمدة مائة عام وتكفي بعددها الهائل لإزالة كل الأحياء في الإقليم.
وقال ضابط آخر أن ما يعرضه التلفزيون هو كأفلام الكارتون عن الحرب ، فلم يستطع صحفي حتى الآن تصوير ما يجري على أرض الواقع.
وشرح ضابط آخر أسلوب القصف : تبدأ المدفعية والمنظومات الصاروخية بفتح " ممرات آمنة " لقوات الصولة الأولى ومن ثم تأتي الوحدات الرئيسية لتحتل المرتفعات وتتخندق بها ويجري التقدم على هذا النحو خطوة أثر أخرى. وأطلق على أسلوب الزحف هذا " التعشيش المربع ".
وقال لنا أفراد المدفعية بأنه ما أن يتلقون الأوامر من الراصد الذي يحدد الإحداثيات التي تنطلق منها النيران حتى يقوموا بإنزال الضربات عليها ويمشطون كل أطرافها. وعندما سألناهم : هل تتعاملون بالإحداثيات فقط ؟ ألا ترون موضع إصابة قذائفكم ؟ ألا تخشون أن تصيب قرى آمنة أو بيوت هي ليست سوى أكواخ طينية ؟
اجابوا بأن هذه مهمة ضابط الرصد وكل شيء يعتمد على ضميره ولا تتعدى مهمتهم سوى التنفيذ !
وعندما تحدثنا مع ضابط الرصد أجاب بشكل عسكري صرف بدون أن يولي للضمير أهمية تذكر : هناك طريقتان في القصف ؛ أما أن ندمر الجميع وكل شيء بلا تمييز أو تنصرف العصابات من تلقاء نفسها !!
وأحيانا يحصل ما يلي : " حررنا قرية وقمنا بتطهيرها وبعد يوم واحد أفراد العصابات بشكل لاجئين وبدئوا يطلقون النار خلف ظهورنا ".
ولمعرفة معنويات الجنود تحدثوا معنا في البداية كمن اتفق على عبارة واحدة عن سبب وجودهم هنا : " من أجل الوطن " ! ومن الواضح أن جنودا أعمارهم بين 18 - 19 يرددون هذه العبارات بدون وعي ولمجرد إملائها عليهم من الضباط مسبقا في حالة لو سألهم هذا الصحفي ذي الملامح الشرقية المتطفل عليهم.
وأمام أجوبتهم التي تشبه ما يقوله الروبت بدأت بتوجيه أسئلة يفهمونها وتقترب من وعيهم : هل تشتاقون للبيت .. منذ متى وصلتكم آخر رسالة من الأهل .. هل تتذكرون صديقاتكم .. كم مرة يعطوكم الغذاء .. كم بدلة عسكرية تمتلكون .. هل تستحمون جيدا وهل يوجد لديكم ماء حار .. كم رسالة تبعثون في الأسبوع .. هل تسمعون الأخبار الخارجية .. أين تنامون وكيف حالكم مع هذا البرد.. كيف يتعامل الضباط معكم .. ما هو المرتب الذي تتقاضونه .. كم شهر تبقى من خدمتكم .. هل ستوافقون على تمديد خدمتكم الى الاحتياط .. هل تريدون إكمال الدراسة بعد انتهاء خدمتكم ؟؟؟
وهكذا نزلت عليهم طائفة من الأسئلة " الإنسانية " التي تمس حياتهم بشكل مباشر. ونعترف بأنه مهما كانت قدرة الضباط على تهيئتهم لمجابه فضولنا فقد تمكنا من إدراك عمق الحالة التي يعيشها ويشعر بها الجنود الروس. ويمكن تلخيص " معدل " أجوبتهم على الأسئلة أعلاه كالتالي : تصلهم رسائل في البريد العسكري كل أسبوع .. لا يوجد من لا يشتاق لأهله فالبيت دائما أفضل كما يقول المثل الروسي .. يتناولون الغذاء ثلاث مرات في اليوم وهو غير سيئ .. لديهم بدلتان لكل موسم وهذا يكفيهم .. يوجد لديهم حمام ويحصلون على الماء الحار أحيانا .. لم يذقوا طعم النوم المريح منذ ثلاثة أشهر .. تعامل الضباط معهم نسبي ويعتمد في درجة أساسية على الضابط نفسه ومزاجه .. تبقت لهم أشهر معدودة فكلهم من المكلفين ولم يبد أحد رغبته في التمديد لخدمة الاحتياط .. يتقاضى الجنود 1200 روبل ( 50 دولار ) في الشهر ويصرفون لهم يوميا 800 روبل يوميا مخصصات الحرب. وقالوا بأنهم يستلمونها يوميا ، غير أننا لم نصدق ذلك حتى قال أحدهم بصراحة بأن هذا المبلغ يتم تحويله الى أهلهم .. ولم يعرف أحد إذ كان أهله تسلموا مخصصات الحرب هذه. ولا أحد يعرف لماذا تحول هذه المخصصات الى أهلهم.
وأظن بأن مسألة هذه المخصصات ستبقى معلقة وربما لن تصل إليهم أبدا. وتجدر الملاحظة أن أخطر مما قيل في الحوار مع الجنود هو موضوع انتهاء خدمتهم وعدم رغبة أحد بالتمديد حسب اللوائح المعمول بها ( بعد انتهاء المكلف خدمته لسنتين يوضع أمامه خياران : التسريح من الخدمة أو الاستمرار بها بعد توقيع عقد مع وحدته ). ولو افترضنا بأن هذا القانون سيسري ويحترمه الجميع فأن الوحدات الروسية التي تسيطر على الأراضي الشيشانية ستخلو بعد أشهر من أغلب الجنود الذين سينهون خدمتهم لأن أغلبهم من الذين قضوا أكثر من سنة ونصف في الجيش. وهنا ستبرز مشكلة كبيرة وهي صعوبة تعويض هؤلاء الذين اكتسبوا خبرة القتال والتعايش في ظروف الجبهة وتكيفوا الى حد ما معها بجنود جدد. ناهيك عن الارتباك الإداري والتعبوي الذي ستسببه حركة التنقلات هذه. وعلى الأرجح أن المقاتلين الشيشان على دراية بهذه المسألة جيدا.
ولا يعرف أحد من الضباط والجنود كيف ستؤول إليه الأوضاع ومتى سيبدأ المقاتلين الشيشان شن حرب العصابات ضدهم . غير أن أحدا منهم لم يعبر عن رغبته في استمرار لعبة القط والفأر هذه كما وصفوا بها الحرب وكانوا يميلون أكثر للحديث عن " التعايش السلمي " بعد " القضاء على العصابات " طبعا.

المدينة المقطوعة عن الحياة


أنزلت القوات الروسية الضربات على العاصمة الشيشانية طوال الشهرين الأولين للحرب . وعانت غروزني من الحصار لأكثر من شهر. فلا توجد فيها أية وسيلة للحياة لا كهرباء وماء وتدفئة وكل شيء مقطوع عن المدينة.
وتعلم سكان غروزني العيش في ظل الأحكام العرفية والحربية. فهم يستخدمون الشموع والفوانيس ويحضرون الطعام بواسطة إشعال الحطب ويستخدمون الآبار للحصول على الماء بعد أن جفت مواسير المياه منذ ثلاثة أشهر ولذلك يعد السكان كل قطرة ماء ويضطرون لحمله مشيا بعد الحصول عليه من صهاريج نقل المياه التي تقف أحيانا في جنوب المدينة بواسطة أدوات منزلية لعدد كبير من الكيلومترات. وحتى هذه الصهاريج فتصل الى المدينة بعد أن يحالفها الحظ فقط دون الوقوع في مرمى الطائرات. ويخترعون مختلف الأساليب لإخفاء الأمتعة من الحرائق والسطو. وبحلول البرد طرحت مشكلة التدفئة بشدة . فقد اشترى البعض مدفآت حديدية مقابل 500 - 600 روبل وصنع الكثيرون المدفئات من قص البراميل الحديدية !
ويقتصد سكان غروزني بالمواد الغذائية حيث لا يوجد أمل في الحصول عليها في الأسابيع القادمة. وبعد قصف السوق المركزية في 27 أكتوبر 1999 أصبحت الأسواق خالية تماما من الباعة ويمارس بعضهم من وقت لآخر التجارة بما تبقى من مواد غذائية وأثر ذلك طبعا على ارتفاع الأسعار. فمثلا يساوي كيلو غرام البطاطا 16 روبلا وهو حتى في موسكو لا يتجاوز 5 روبلات. وأسعار الخبز في ارتفاع أيضا في حالة توفره ونفس الشيء ينطبق على كل المواد الغذائية الأخرى.
ولا تعمل في غروزني وسائل نقل . وحتى السيارات الخاصة التي كانت تنافس وسائل النقل العامة قبل بداية الحرب أصيبت بالقصف.
ونسى الناس في هذه المدينة منذ زمن الأشياء العادية الضرورية للحياة. كافة المستشفيات مغلقة رغم أن الأطباء بقوا فيها لحاجة غروزني الملحة للجراحين الذين يجرون العمليات الجراحية في بيوتهم على أضواء الفوانيس وبدون أية أجهزة خاصة لإجراء العمليات عدا المشرط والضمادات ! وفي الحالات الخطيرة يحاولون نقل المرضى الى المستشفى الوحيد العامل في الأراضي التي لا تسيطر عليها القوات الروسية في الشيشان ويقع في عروس مرتان أو المستوصف اليتيم في ستارو أتاغينيسك.
ويشتد القصف على غروزني بالطائرات والمدفعية الثقيلة والصواريخ القصيرة المدى ليلا و نهارا. ويبقى السكان كالعادة في البيوت أو الأقبية ويتركونها في الحالات القصوى بحثا عن الأكل ، الماء ، الكيروسين ، الأدوية أو الحطب. ولا يعرف أحد ماذا تفعل السلطات : لا تعمل محطات التلفزيون والإذاعة ولا تصدر الصحف . وبناء على كل الشواهد يتحصن الشباب المسلحون في البيوت المهجورة التي داهموها وفي الخنادق التي بنوها جيدا. ويمكن القول أن جيش المسلحين يتهيأ لصد هجوم القوات الروسية على المدينة وستكون هذه المعركة الحاسمة والتي تحدد مصير الحرب الثانية.
وقال لنا بعض الناجون من هذا الحصار بأنه في الحرب السابقة كان الناس يستطيعون مغادرة غروزني في أي اتجاه وكانوا يستقبلون اللاجئين في أقاليم روسيا كلها وفي بلدان الدول المستقلة كلها وحتى في " الخارج البعيد " ويقدمون لهم المساعدات الإنسانية. أما الآن فلا يستطيع سكان غروزني من مغادرتها . وهم ضائعون في تبادل الاتهامات. السلطات الشيشانية تقول بأن القصف المستمر يمنع الناس من الهرب والروس يدعون بأن المسلحين يمنعونهم من الخروج لاستخدامهم دروعا بشرية أو كوسيلة للضغط على روسيا من قبل الدول الكبرى.
مدن مدمرة
ومهما كلن الأمر فقد أدركنا بأن الوصول الى انغوشيا مشكلة صعبة للغاية. فحتى الذين وصلوا الى قرية أسينوفسكيا يعانون من الفوضى التي أدت بحياة قسم منهم. كما لا يحبذ الكثير من الناس ترك منازلهم والعيش بمهانة وبعض العائلات فيها مسنين لا يقوون على مشاق الطريق والرحيل الى المجهول.
ويعاني السكان في الشيشان أكثر من أي شيء آخر من القصف الجوي والمدفعي والصاروخي الذي لا يستكين. والقصف يستمر لأكثر من شهرين وتقوم الطائرات بعشرات الغارات في اليوم. فما هو عدد قواعد " الإرهابيين " هذه في أراضي الشيشان التي تستحق كل هذه الغارات ؟
وعلمنا بأن كل هذا القصف لم يدمر قاعدة واحدة حتى الآن ولم تباد تشكيلة شيشانية ولم يقتل قائد ميداني واحد ؟ فلمن توجه كل هذه القذائف؟
وكما نقل لنا الأهالي في الشيشان ، فقد أدى قصف سوق غروزني الى هلاك أكثر من 140 شخصا وجرح 200 نتيجة القنابل الروسية " الذكية" على السوق ودار الولادة القريبة منه. لم تشهد الحرب السابقة والحالية هذا الكم الهائل من الضحايا بغارة واحدة. وحسب رواية العسكريين فأنهم أخطئوا هذه المرة الهدف ، إذ كانوا يصوبون نيرانهم الى منزل بساييف الذي دمروه بعد ستة أيام فقط. وثمة رواية أخرى تفيد بأنهم قصفوا السوق الذي يستخدم لتجارة الأسلحة. ومهما اختلفت الروايات فلا يوجد مبرر واحد لهذا العدد من القتلى والجرحى.
لقد أظهر الجنرالات الروس من جديد استخفافهم بالأرواح الشيشانية ( لأنهم يؤكدون في كل مناسبة حرصهم على أرواح الجنود الروس ).
ويلاحظ الناس الذين تعرضوا للقصف الاختلاف في كمية ونوعية القنابل وطريقة توجيه الضربات في الحرب الحالية عن السابقة. فلم يكونوا يلجئون في الحرب السابقة الى القصف الشامل لنقطة واحدة. أما الآن فأن الضربات الجوية على قرية إليستانجي كانت بتلك الشدة بحيث دمرت كافة بيوتها. وفي نتيجة قصف قرية نوفي شاروي في 22 نوفمبر 1999 قتل وجرح 16 شخصا على الأقل. وكانوا يقصفون بلدة سامشكي المسكينة خلال أربعة أيام متتالية ونتيجة ذلك لم يدمروا بيوتها فحسب ، بل انتزعوا حتى أساس هذه البيوت كما أقسم لنا شهود عيان ، خرجوا من الجحيم بالصدفة. ولم يبالغ الناس إذ يخبرونا بأن القصف يجري وكأنه يوجه دائما الى أكبر حشد من الناس !
وفي مدينة شاتوي قالوا لنا بأن النجاة من القصف تقل فرصه من يوم لآخر ، لذلك اضطر الأهالي الى النزوح للجبال القريبة والعيش في كهوفها حتى تزهق أرواحهم بموت بطيء من البرد والجوع والفزع.
وتطلق الطائرات صواريخها بانتظام على الطريق الوحيد المؤدي الى السهل ومن ثم الى انغوشيا. وفي كل مرة يقع المدنيين في المصيدة يترصدهم الموت والعنف في كل مكان.
قال الناس هل تكتبون عن كل ذلك . أجبتهم بأننا سننقل كل آهاتهم وأنفاسهم كما هي بلا رتوش. وحدثناهم عن سبب وجودنا معهم لأن وسائل الإعلام الروسية لم تتحدث عن مصائبهم وتعرج عليها أحيانا وتذكر اللاجئين فقط جراء " الضغط الغربي" أساسا. وقلنا أن الشعب الروسي لا يريد أن يعرف محنة الشعب الشيشاني على ما يبدو فهو واقع في أسر الوهم الناشئ بشكل مفاجئ حول الجيش القوي والحكومة التي لا تلين ورئيس الوزراء الذي لا يقهر ( وقتذاك كان فلاديمير بوتين ).
وأخبرناهم بأنه عندما اقترح زعيم " يابلكو " غريغوري يفيلينيسكي وقف القصف ولو لـ " دقيقة واحدة " لإجراء الحوار مع الرئيس أصلان مسخادوف لعنه الجميع فورا واتهموه بالخيانة العظمى بمن فيهم أنصاره الليبراليون اليمينيون والذين لم يؤيدوا استخدام القوة في السابق أبدا. وقلنا أن المجتمع الروسي يفتخر الآن بجيشه " المنتصر " ربما لأن الناس هناك تعبوا من شتم وإهانة الحكومة والجيش والدولة وكل البلاد. ولهذا السبب مسكوا بنهم بأول فرصة للتفاخر والعيش بـ " حماس " ولو مرة واحدة. ولذلك يضطر السياسيون المقبلون على انتخابات مصيرية الى السير في ركاب هذه الحالة الاجتماعية. وكما يحدث عادة يصمت كل شيء أمام الانتصارات الى لا نهاية لها حتى لو كان الأمر على حساب أرواح شعب كامل. والصحافة لا تريد المعلومات الصادقة ، لأنه بالأساس لا توجد طلبات على المعلومات الصادقة .. وهذه لا تهم أحدا على الإطلاق.

أخطاء الحرب الشيشانية الأولى


خرجنا من تغطية الحرب الشيشانية الأولى 1994 – 1995 بالكامل ، بفهم لدروس فشل الحملة السابقة ضد الشيشان ومنها عدم الاعتماد على الطيران لحسم المعركة. وكان وزير الدفاع الروسي الأسبق بافل غراتشوف ، يعول على المظليين و الدبابات لحسم المعركة حتى تحولت الشوارع والساحات الشيشانية الى مقبرة لها. لهذا السبب انحصرت الخطة الاستراتيجية الروسية في الحرب الثانية في مسألة يمكن قراءتها في أي مطبوع يحلل خصائص الحروب المعاصرة وهي تعليق الأمر على الطيران لدعم قوات المشاة بشكل مباشر وعزل مناطق العمليات الحربية ومهمات الاستطلاع الجوي والتموين ونقل القوات والجرحى. كان القادة السوفيت يدركون هذه الاستراتيجية جيدا ولهذا السبب زودوا حلفائهم في كوريا الشمالية ومصر وفيتنام الذين وجدوا أنفسهم في " الخطوط الأمامية لمحاربة الإمبريالية العالمية " بالدرجة الأولى بالطائرات ووسائل الدفاع الجوي الحديثة وحتى الكثير من الأطقم. وفي مطلع التسعينات تحول الطيران بعد تجربة " عاصفة الصحراء " الى أداة رئيسية للحرب حيث استمرت العمليات الحربية 5 أيام فقط بعد أن توضح سقوط دفاعات العراق القوية من الناحية العسكرية خلال 43 يوما من القصف الجوي.
وقبل الحرب الشيشانية السابقة عممت الأكاديميات العسكرية الروسية هذه التجربة وحللتها. وكانت النتائج تؤدي الى مدلول واحد : ينبغي إعادة النظر بجد في وجهات النظر المشكلة بخصوص الاستراتيجية والتكتيك وإدخال تغييرات حاسمة في مذاهب الجيوش المعاصرة العملياتية التكتيكية.
ومع ذلك لم ينو أحد كما أظهرت تجربة الحرب الشيشانية السابقة المحاربة بجد. وكان غراتشوف يطمح في حسم الموضوع بقوة إنزال مظلي فيما أكد رئيس المخابرات وقتذاك سيرغي ستيباشين على أن السكان الشيشان سيستقبلون القوات الروسية بالخبز والملح.
وأرادت روسيا تدمير الطائرات الشيشانية في المطارات وتوجيه ضربات مركزة على المناطق المحصنة لجوهر دوداييف وأنصاره فقط. وبدأت العمليات البرية للقوات الروسية في وقت غير ملائم للغاية عندما حجب ضباب ديسمبر 1994 السماء عن الأرض الشيشانية. لذلك لم يتمكن الطيران الروسي مساعدة المشاة بشيء.
ويبدو أنهم الآن أخذوا بنظر الاعتبار أخطاء الحرب السابقة. فالطائرات الروسية تحل نسبة 70 % تقريبا من المهام القتالية. ولا يجري تقدم القوات البرية الا بعد تكثيف النيران وإخماد الأهداف المكتشفة من الجو بوسائل الاستطلاع كلها بما فيها الفضائية. وتمنع الطائرات الروسية وصول الإمدادات الى المقاتلين الشيشان وتطاردهم حتى في حالة تراجعهم. ومع ذلك الطيران قد يمنع المقاتلين من التقدم من الوحدات البرية الروسية ويحرمهم من إمكانية مشاغلتهم بالأسلحة الخفيفة كما لا حظنا الأمر في ضواحي أرغون ، لكنه لن يحرمهم من أهم ورقة وهي حرية المناورة. فأسلوب حرب العصابات لن تؤثر عليه انزال الضربات على التجمعات السكانية والبيوت والطرق والجسور والمعابر ، لأنه يعتمد بالأساس على الحركة الديناميكية غير المتوقفة. وكلما تعقدت الأمور في الأرض فهذا يجري لصالح حرب العصابات وضد القوات النظامية التي ستضطر لبناء جسور الهندسة الوقتية في كل متر تعبره نظرا لحملها آلة حرب ثقيلة.
ويبالغ العسكريون الروس في اختيار وسائل الإبادة. فهم يستخدمون على نطاق واسع أنواع من الذخائر الجوية والأسلحة " العالية الدقة " والقنابل العادية والقذائف الصاروخية غير المتحكم بها وقنابل التشظية والانفلاق الجوي والقنابل الفراغية والحجمية ذات القدرة الهائلة عند إصابتها. هذه الوسائل لم تستخدمها القوات الروسية في الحرب الماضية لعدم " إنسانيتها ".
يجيبون على أسئلتنا بهذا الصدد بأن ازدياد الضحايا بين السكان المدنيين يجري تلقائيا ولا يمكن أن تسير الأمور على نحو آخر في الحرب. ويذكروننا بأن أحدث القنابل والصواريخ الأمريكية أصابت في كوسوفو بيوتا مأهولة بالسكان وباصات اللاجئين.
يذكر انه بعد انسحاب القوات الروسية من الشيشان في عام 1992 بقيت في مطاراتها 265 طائرة كانت تابعة لقوات شمال القوقاز السوفيتية وكانت صالحة للاستخدام في العمليات الحربية : 260 طائرة قتالية وللتدريب تشيكية الصنع وثلاث مطاردات " ميغ - 17 " وطائرتان " ميغ - 15 ". وكلها كانت ترابط في مطــار " سيفيرني " ( الشيخ منصور الآن ) وخنكلا وكالينوفسكيا.
وكان جنرال سلاح الجو جوهر دوداييف يعلق على هذه الطائرات آمالا كبيرة. ونعتقد بأن طموحاته كانت إقليمية بحتة من وجهة نظر التفوق الاستراتيجي على جيرانه الضعفاء مثل داغستان وجورجيا وأبخازيا وأذربيجان. وكان يكرر في سنوات التوتر الأولى مع روسيا بأن لديه " قوة جوية تستطيع دك موسكو بالصواريخ " وأنه شخصيا سيقوم بأول غارة عليها ! وهدد باستخدام هذه الطائرات ضد المحطات الكهروذرية و المصانع الكيميائية الروسية.
ولهذا كانت مهمة القوة الجوية الروسية الأولى في الحرب السابقة تدمير هذه الطائرات قبل شن الهجوم البري في 14 ديسمبر 1994. وهكذا بدأ الطيران الروسي لغاية 29 نوفمبر 1994 غاراته التي انطلقت من المطارات العسكرية في شمال القوقاز على المطارات الشيشانية وأدى ذلك الى تدمير 140 طائرة قتالية. وفي صباح 1 ديسمبر أنزلت الطائرات المهاجمة " سو - 25 " ضربات على قاعدتي كلينوفسكيا وخنكالا. وفي نصف اليوم الثاني دمرت كل الطائرات الشيشانية في مطار " سيفيرني " بما فيها الطائرة الشخصية للرئيس دوداييف. ولم يفقد سلاح الجو الروسي طائرة واحدة.
غير أن القوات الروسية اصطدمت منذ أيام هجومها الأولى بمقاومة ضارية من الدفاعات الشيشانية المنظمة جيدا. وكان الشيشان يضعون وسائل دفاعهم الجوي على الشاحنات وسيارات الجيب. وكان في حوزتهم عند مطلع العمليات الحربية 40 منظومة متنقلة " زو - 23 " وأكثر من 80 منظومة رشاشات من العيار الثقيل و20 منظومة " شيلكا " وعدد من قذائف " إيغلا - 1" المحمولة على الكتف و " ستريلا - 3 " والأمريكية " ستينغر ". غير أن هذه المنظومات لم تستخدم على نطاق واسع حيث مكنت تجربة الطيارين الروس في أفغانستان من درء الهجمات عليهم. والأهم لم يكن الشيشانيون مستعدون لاستخدام هذه المنظومات المعقدة.
وهكذا سيطر سلاح الجو الروسي على سماء الشيشان بالكامل اعتبارا من 21 ديسمبر 1994 الأمر الذي أدى الى تدمير هيئة الأركان الشيشانية في يناير 1995 والواقعة في القصر الرئاسي.
وأخبرنا القادة الجويين الروس بأن بوريس يلتسين منع في 24 ديسمبر 1994 قصف غروزني بالطائرات. واعتبروا ذلك من أهم أخطاء الحملة السابقة حيث بقت القوات البرية التي انقضت على العاصمة الشيشانية بدون مساعدة من الجو. وقالوا أن المروحيات استخدمت بشكل محدود ضد بعض أهداف غروزني في 3 يناير 95 فقط.
وأظهرت حرب الـ 99 بأن القيادة العسكرية الروسية لا تنوي إعادة خطأها السابق ومطاردة المقاتلين الشيشان " حتى في الكهوف " كما قال قائد جوي لنا. مشيرا الى ان القرار اتخذ في اجتماع مجلس الأمن القومي الروسي المنعقد في أغسطس 99 والذي نص على تأمين سلاح الجو بكل شيء.
وقال سكان المناطق الشمالية من الشيشان بأنهم لم يشاهدوا قوات برية في بداية الحرب وكانت الطائرات فقط تقصف حتى دخلت القوات بدون مقاومة تذكر. وفي المناطق الأكثر عمقا تلعب المروحيات دورا بالغ الأهمية في مساندة الوحدات البرية.
وتنتهي الآن مرحلة الظروف الجوية الملائمة لعمليات الطائرات الروسية في الشيشان بعد بدء تكثف الضباب والغيوم الثلجية. وقالوا لنا بأنهم في هذه المرحلة سيستخدمون القاذفات " سو - 24 م " والقاذفة الحديثة " سو - 25 ت " التي تستطيع أداء مهماتها القتالية في هذه الظروف وتمتلك وزارة الدفاع الروسية 8 طائرات فقط من هذا الطراز نقلت 4 منها الى الشيشان.
خطوط الجنرالات
مررنا بنفس المدن التي تتكرر في نشرات الأخبار في الآونة الأخيرة والتي كانت أقدامنا تدوس في أوحال معاركها مطلع التسعينات . وبنظرة سريعة لطريقة انتشار القوات الروسية في الخطوط الأمامية والخلفية يجوز إطلاق تسمية روتينية هي "حرب الخنادق " على ما يجري في القوقاز حتى لشخص غير مطلع على التفاصيل العسكرية.
في غضون ذلك لا تخلو بقعة على الأراضي الشيشانية من الحرب بكل آثارها. وما تزال كتائب القوات الروسية تواصل تقدمها ويحاول الناس الساكنين في المناطق "المحررة " العودة الى الحياة الطبيعية حتى لو اضطروا لبنائها من الصفر وأمامهم الخوف والجوع والكراهية والدموع.
خط الجنرال شامانوف
عمليات الجبهة الغربية التي يقودها الجنرال فلاديمير شامانوف جرت بنجاح في مناطق باموت وسيرنوفودسسك وأسينوفسكيا. حتى باموت التي كانت قلعة قوية وصمدت في الحرب السابقة تهاوت بفضل سكانها ولم يبق الا عمليات تطهيرها.
أذهلتنا الصورة في الخطوط الأمامية للكمية الهائلة من المدفعية التي تنزل الضربات على مراكز المقاتلين الشيشان بشكل منتظم دون أن تترك لهم فرصة التقاط الأنفاس. لا أحد هناك يتقشف في الذخائر والصواريخ والألغام . وعندما سألت عن سبب كل هذه الكثافة النارية لمنطقة صغيرة فيها عدد صغير من المقاتلين قالوا بأن هذه " نار إزعاج " فحسب.
وإذا كانت كل هذه الحمم لمجرد إزعاج المقاتلين ، فكيف ستكون لتدميرهم ؟ وفجأة سرح فكري نحو غروزني : كيف فعلوا بها عند اقتحامها !
و يبدو أن هذا السبب هو الذي دفع من تبقى من أهالي غروزني الأصليين بتنظيم مظاهرة وسط العاصمة منددين من خلالها بالسلطات الرسمية ومطالبين المسلحين مغادرة المدينة تماما كما حصل في المدن الشيشانية الكبرى الأخرى. لا يمكن التكهن الآن بردة فعل المسلحين تجاه هذا الضغط الشعبي فهم الآن بين النار الروسية وعدم رغبة الأهالي باستضافتهم .
وفسروا كثافة القصف على " باموت " كونها تحتوي على تحصينات سميكة كان الاتحاد السوفيتي قد بناها لنقاط قيادة الدفاع الجوي لشمال القوقاز. وفيها عدة كيلومترات من المتاهات الخرسانية تحت الأرض. ولأن اختراق هذه التحصينات بمدافع الهوتزر لا جدوى منه فقد استعانوا بالطائرات لتنفيذ هذه المهمة التي استخدمت قنابل قوية جدا و " دقيقة " حسب قولهم مما أدى الى وقوع خسائر جسيمة في صفوف المقاتلين. وأسمعوني في نقاط المخابرة اللاسلكية تسجيل لصوت قائد ميداني شيشاني يخبر الوحدات الخلفية وكانت عبارته : " للأسف خسرنا الكثيرين من الجماعة ".
وشاهدنا كيف أنزلت أحدث المنظومات الصاروخية " توشكا - أو " التي كنا نراها في المعارض العسكرية فقط ضربات شديدة على مدينة أرغون التي سيشهد سقوطها ( الحتمي ) بداية النهاية للمقاومة في غروزني.
وعلمتنا الجولات في الخطوط الأمامية بأن لا خطر علينا في النهار حتى لو اقتربنا على مبعدة عشرات الأمتار من مواقع المقاتلين الشيشان ، لأنهم لا يخرجون من مخابئهم نهارا مهما كلف الأمر خوفا من انكشاف مواقعهم وتدميرهم بعد ذلك. ولكن ما أن يحل الليل حتى يبدأ " الذئاب " كما يشير ذلك حتى العلم الشيشاني بالهجوم بكل عنف على مواقع القوات الروسية.
لاحظت العقيدة التي أرساها الجنرال شامانوف في هذه الحملة في مناطق مختلفة من الجبهة والتي تتلخص : لا توفروا الذخائر ، بل حافظوا على أرواح الجنود. وأخبرني نائب قائد فرقة متقدمة بأن شامانوف يعلم بحالة كل جريح وقتيل ويطلب تحديد المذنبين في ذلك.
غير أن شامانوف لا يعرف الجرحى والقتلى بين المدنيين ويصر في كل مرة يسأل عن هذا الأمر بترديد عبارته التي كما لو نسجت على شفتيه : الحرب هي الحرب !
ويؤكد القادة الميدانيون الروس بأن رجال العصابات يستخدمون السكان الباقين في القرى والمدن والذين لم يتمكنوا من تركها بمثابة " دروع حية ". وعندما أكثرنا الحديث عن مصير المدنيين المتبقين في الجحيم قالوا لنا بأن الكشافين سيقومون في المرحلة الأولى قبل الاستيلاء على بلدة أسينوفسكيا خاصة ( فيها عشرات الآلاف من المدنيين ) بتنفيذ مهمة رئيسية وهي تحديد مواقع نقاط النيران وجس نبض خطوط العدو الدفاعية. ومع ذلك كانت مكبرات الصوت تذيع على أسماعنا باستمرار عبارة لم أدرك مدى إنسانيتها بعد : ندعوكم كرجال مواجهة أعدائكم وجها لوجه وعدم الاختفاء خلف النساء والأطفال. وتعود مكبرات الصوت بشحذ همم المدنيين وتدعوهم الى طرد المسلحين من ديارهم بالوسائل السلمية. وهكذا يعاد هذا الشريط عشرات المرات كل يوم !
خط الجنرال تروشيف
في هذا الخط بقينا وقتا أكثر. فقد كان المظليون يسيطرون بالكامل على مدينة غوديرميس بحيث أعطتنا هذه السيطرة فرصة لمقابلة أكبر عدد ممكن من سكان المدينة سنفرد لهم أحد الفصول اللاحقة .
وفتحت قوات الجنرال غينادي تروشيف الذي يقود الجبهة الشرقية والتي يقودها من الجانب الشيشاني شامل بساييف معبرا لخروج المدنيين من أرغون. وتوقع أن تشهد هذه الجبهة أعنف المعارك. لكن العكس هو الذي حصل حيث كانت القوات الروسية تخترق هذه الجبهة بيسر وكان المقاتلين الشيشان يتراجعون أو يسلمون أنفسهم بدون قتال. وقال قائد إحدى الفصائل بأنه سلم نفسه مع وحدته لأن " بساييف الذي ينبغي أن يكون معنا لم يكلف نفسه حتى الاتصال ومعرفة ما يجري لنا ". وأضاف " بساييف هو قائد الجبهة الشرقية لكن الله وحده يعلم أين يختبئ الآن وتركنا مع الأهالي تحت النار ". ولم تتعامل القوات الروسية مع هذه الوحدة كأسرى حرب بل شملهم العفو الذي صدر في وقت سابق لمن يسلم نفسه وأسلحته بشكل طوعي. وهذا المقاتل يتجول الآن بحرية في غوديرميس مع أفراد مجموعته وفوق ذلك يتوعد ويتهدد ويشتم بساييف.
عبور نهر تيريك
تعتبر الأراضي الشيشانية الواقعة على طول نهر تيريك خالية من المقاتلين. ولم تحدث هناك معارك عمليا بعد ثلاثة أسابيع من وصول القوات الروسية الى النهر نهاية 1999. وهناك أفراد فقط من المسلحين يطلقون النار على الوحدات الروسية لإثارتها على الأرجح وإجبارها على إطلاق النار على القرى الآمنة وتصوير الأمر وكأن تلك المناطق ما زالت تقاوم وتجري فيها المعارك لكي يبقى اللاجئين في انغوشيا واستغلال وضعهم للضغط السياسي الخارجي على روسيا. ومع ذلك تستمر عملية عودة اللاجئين الى هذه القرى. وتسنى لنا التحدث مع عدد من سكانها الذين لم يغادروها وتبين أن أعمال المقاتلين وحتى وجودهم لا يحظى بتأييدهم ، لا سيما وأن المناطق السهلية لشمال الشيشان كانت على الدوام تعارض نظام دوداييف ومسخادوف على السواء.
ورأينا في القرى الشيشانية " المحررة " الكثير من البيوت الخاصة الفاخرة الجديدة التي يمكننا مقارنتها تماما مع بيوت " الروس الجدد " في روسيا. وهذه البيوت بنيت كما يقول المحليون بالأموال التي تم جنيها لقاء بيع " البنزين الشيشاني " المنتج من مصانع تكرير النفط الصغيرة السرية وصناعة الفودكا المغشوشة والاتجار بالرهائن والبزنيس في روسيا.
واستلمت حوالي 12 قرية نحو 62 طنا من المواد الغذائية كدفعة أولى. وتعدهم السلطات الروسية بإيصال الغاز والكهرباء في أقرب وقت. كما حضرنا لقاء أناتولي تشوبايس رئيس مؤسسة الكهرباء الموحدة الروسية والسياسي المؤثر في موسكو مع إدارة مدينة غوديرميس. كما تنهال الوعود بفتح المستشفيات والمدارس المغلقة حتى يناير القادم. ويعدون كذلك بفتح خط السكك الحديدية موزدوك - كيزلار. وتجري الآن المراحل الختامية من بناء " قطار مدرع " خاص يربط القطاعين الواقعين بين محطتي تشيرفيليونايا وكيزلار. وتسير اليوم تحت حمايته قطارات الركاب التي تنقل أساسا اللاجئين الى قراهم.
الذئب الوحيد
ينظر كل الشيشانيون الذين التقينا معهم الى الرئيس أصلان مسخادوف بأن زمنه انتهى. ويعللون ذلك بأنه لم يتخذ قرارات صارمة اتجاه الجماعات المسلحة التي لعبت بمقدرات البلاد كما تشتهي طموحاتها السياسية والمالية وعلاقاتها الغريبة مع طواغيت المال في موسكو والمخابرات الروسية. وحملوه مسؤولية عبث هذه الجماعات بمصائرهم ومستقبل أطفالهم في الوقت الذي كانت فيه الشيشان على قاب قوس أو أدنى من الاستقرار.
وحول الاتحاد الجديد بين مسخادوف والجماعات المسلحة أكد المواطنون الشيشان بأنه تحصيل حاصل لعدم وجود منفذ آخر لديه بعد أن سحبت السلطات الروسية اعترافها به وبعد أن وقع بين المطرقة والسندان ففضل أحدهما.
وأضاف المتنورين من الشعب الشيشاني بأنه لم يكن لدوداييف أو مسخادوف سند متين في البيئة الشيشانية الرئيسية المتمثلة بزعماء العشائر والأقرباء الكثيرين لأنهما عاشا القسم الأكبر من حياتهما خارج الشيشان ( الانتقال من منطقة الى أخرى أوقات الخدمة في الجيش السوفيتي ومن ثم الاستقرار في فيلنوس البلطيقية ).
وسمعنا من أفواه الناس بأن مسخادوف لم يتمكن من تكتيل المجتمع الشيشاني وتحقيق ما كانت القوى المتمدنة ( الحضر ) داخل وخارج البلاد تأمل فيه.
تجدر الإشارة الى أن المجتمع الشيشاني مقسم بين سكان السهول ( الحضر المسالمون) وسكان الجبال ( الجبليون المحاربون ). والأخيرين هم الذين امسكوا بزمام السلطة منذ انقلاب جوهر دوداييف في سبتمبر 1991 عندما اقتحم مقر السوفيت الأعلى الشيشاني ( البرلمان ) الذي كان يترأسه " السهلي " دوكو زفغاييف بقوة مسلحة وأمطر النواب بوابل من الرصاص سلموا بعدها برئاسته وعد ذلك انتخاب شرعي له! ويمكن عد هذا التاريخ بداية لحكم الجبليين الذي استمر ليومنا هذا. ولأن الجبليون تتملكهم عقدة من السهليين بسبب سيطرتهم على السلطة في الشيشان فغيروا أسم جمهورية الشيشان لتصبح جمهورية إيتشكيرا وهي قرية جبلية انحدرت منها أغلبية العشائر الجبلية الشيشانية.
وعبر الشيشانيون لنا عن تذمرهم من تسلط عشيرتي " أليروي " وهي عشيرة مسخادوف و عشيرة زوجته " غوردالوي " وخاصة بعد فوزه بكرسي الرئاسة وتوزيعه أغلب المناصب الحكومية على أقربائه. وكان استيائهم واضحا من " سياسته التوفيقية " و " اختلاس الأموال " ونمو دور المعارضة المسلحة وعدم قدرة القوات الحكومية على فرض السيطرة ليس على الأراضي الشيشانية فحسب ، بل وحتى وسط العاصمة غروزني.
وأشار بعض المواطنين الشيشان بأن مسخادوف لا يتمتع باحترام في الخارج أيضا ، بعد أن فقد " تأنقه " العسكري الأوربي الذي ناله في الجيش السوفيتي وتحوله الى سياسي شيشاني نموذجي في كل شيء وتخبطه بين العلمانية وحكم الشريعة وتهميشه دور البرلمان وتوزيع حصص النفط والمناصب التي تدر على أصحابها بأموال كثيرة على القادة الذين تقف ورائهم أكبر عدد ممكن من البنادق.
وأخبر المواطنون بأنه في الوقت الذي كانت فيه المدفعية الروسية تدك مدنهم هرب مسخادوف عائلته من غروزني الى العاصمة الجورجية تبليسي ويعيشون هناك في فيلا ضخمة يعرفون جيدا من أين أتى بالأموال التي بناها بها.
وأكد أهالي غوديرميس وهي ثاني أكبر مدينة شيشانية ، بل وتعتبر الأولى من حيث أصلية سكانها بأن مدينتهم باعتبارها معقلا للمثقفين الشيشان والتي تخرج منها أغلب العلماء والأدباء والفنانين الشيشانيين المرموقين لم تحظ بأي قدر من اهتمام سلطات غروزني. ووصل الضيم الذي ألحق بها الى نهب بنيتها التحتية من مصانع وكفاءات ونقلها الى غروزني. وأكدوا بأن كل الأنظمة التي تعاقبت على غروزني منذ انهيار الاتحاد السوفيتي لم تبن حجارة واحدة في مدينتهم وكان العكس هو الصحيح.

الشيشان الصغيرة الأخرى


وجد أكثر من 200 ألف شخص شيشاني أنفسهم بلا مأوى جراء الحرب. وحسب آخر البيانات التي أطلعنا عليها في دوائر اللاجئين وجد في انغوشيا قرابة 190 ألف لاجئ في أسبوع الحرب الأول فقط ( كان 20 ألفا قد عادوا الى ديارهم في الآونة الأخيرة ). ويترك هذا الرقم انطباعا محيرا لو أخذنا بنظر الاعتبار أن عدد سكان انغوشيا نفسها لا يتجاوز 180 ألف نسمة ! وتواجه السلطات الروسية والمحلية مشكلة ديموغرافية تتلخص في ظهور " شيشان أخرى " في انغوشيا المسالمة والفقيرة.
ويبدو أن المسؤولين عن ملف اللاجئين في انغوشيا لم يتحمسوا جدا لطرح هذا الملف في زيارتنا لهم لأن القيادة الروسية تعتني الآن وحتى قبل قمة اسطنبول لكي لا يحول " عامل اللاجئين " دون تحقيق أهداف العملية العسكرية في الشيشان. كما لم يرحب القائمين على هذه القضية بدعواتنا الملحة بزيارة معسكرات اللاجئين وأجابوا على إصرارنا بجملة مقتضبة : " ماذا يثير اهتمامك هناك .. اللاجئون لاجئون " ! ومع ذلك اضطروا للموافقة على تلبية فضولنا بعد عملية " احتجاز " مهذبة لأدوات التصوير التي نحملها بحجة وجود مواقع استراتيجية توضح طريقة توزيع المستودعات العسكرية الروسية في الطريق. وعبروا عن خشيتهم من وقوع هذه الصور بيد " الإرهابيين " الذين يخططون في الهجوم عليها وتفجيرها حسب معلومات المخابرات الحربية الروسية.
شيشان بديلة
تتكدس في بيت صغير في المدينة الانغوشية قره بولاغ 15 امرأة ولكل منهن 3 - 6 أطفال. ومع ذلك يعتبرون أنفسهم في النعيم بالمقارنة مع الحالة في المعسكرات. لاحظنا أن الماء ينقصهم ويوجد حمام واحد لعدة مئات من الأشخاص يستخدمه اللاجئين من معسكر قريب أيضا.
وفي المعسكرات يأتون بالماء في براميل خاصة وبالكاد يكفي هذا الماء للشرب. ومع ذلك لا يوجد مكان مخصص للاغتسال.
ويتلقى اللاجئون منذ الأيام الأولى الخبز مجانا من السلطات الانغوشية. ولم يحدث انقطاع في إيصال الخبز وماء الشرب أبدا. غير أن مساعدات المركز الفيدرالي لا تكفي علاوة على أنها تصل متأخرة جدا فهناك الكثير من اللاجئين لم يستلموا الأغطية والبطانيات ويلتحفون بملابسهم التي هربوا فيها ليلا ونهارا.
دور الانغوش
يعطف أكثرية الانغوش على الأخوة والجيران في الشيشان ويشتمون السلفيين بحرقة ويمدحون رئيسهم روسلان عايشف لأنه أدرك مشكلتهم مبكرا وطرد قبل سنتين كل الدعاة الإسلاميين العرب. ويلصق الانغوش كافة الاتهامات بالمتشددين الإسلاميين ، غير أنهم يعاملون الشيشان بعطف واضح.
الخدمات الطبية
الحالة مع الخدمات الصحية صعبة. ويعمل قرب معسكر اللاجئين في " سونجا " القريبة من الحدود الشيشانية مستشفى " الحماية " كان الاتحاد السوفيتي قد بناه لمتضرري الكوارث المحتملين وكأن القادة السوفيت في ذلك الوقت كانوا يدركون حجم الكوارث التي ستلمّ بهذا الإقليم.
يعمل في المستشفى أطباء أكفاء ( أغلبهم حملة الدكتوراه ) وتصل الأدوية إليه بانتظام حسب أقوالهم. غير أن هذا المستشفى يشرف على علاج المرضى من معسكر سونجا واللاجئين الذين استقروا داخل الأراضي الشيشانية فقط. أما الذين وجدوا أنفسهم داخل الأراضي الانغوشية فلديهم الأمل في تلقي الخدمات الطبية من المستشفيات الانغوشية فقط.
ولا تستقبل جمهورية أوسيتيا الشمالية ومدينة راستوف ومقاطعة ستافروبولسكي اللاجئين المرضى لأنهم " غرباء ". ولاحظنا انعدام الأدوية في المستشفيات الانغوشية عمليا. واعترف الكادر الطبي بهذه الحقيقة مفسرا شحة الأدوية بالعدد الهائل من المرضى والجرحى الذين تستقبلهم يوميا.
وقال لنا الجرحى الشيشان من المدنيين بأنهم فقط تعرضوا للقصف المدفعي والجوي لأن المقاتلين يختبئون في ملاجئ خاصة مجهزة من قبل ويعرفون طرق التخلص من القذائف. واعتبر بعض الجرحى أن أعمال المقاتلين وحتى استقلال الشيشان أشياء تافهة دمرت بيوتهم بسببها.
وأخبر اللاجئون الذين التقينا بهم ، بأن الحياة في الشيشان بعد عام 1996 كانت صعبة وأن الأغلبية الساحقة من الشعب عاشت في فقر مدقع. ولكن مهما كان الأمر فقد كانت ثمة حياة هادئة. ولا يعتبر اللاجئين بأن القوات الروسية جاءت الى الشيشان كمنقذة من العصابات والإرهابيين بل لتحقيق مصالح روسيا الخاصة ولتدمير حتى مثل هذه الحياة الحقيرة !
مساعدة أو إسعاف
وقد يبقى 17 ألف مهاجر شيشاني بلا سقف طوال هذا الشتاء والذي سيليه لو توقفت عملية العودة الى الديار.
فقد قال لنا رئيس دائرة الهجرة الداغستانية رجب عبد اللطيفوف ( الأخ الأصغر للوزير الفيدرالي السابق رمضان عبد اللطيفوف ) أن عددا كبيرا من اللاجئين الشيشان واللاجئين من القرى المدمرة التي احتلتها قوات بساييف وخطاب في أغسطس 1999 ( وخاصة قرى بوتليخسكي ) قد تم توزيعهم في المصايف ودور الاستجمام التي لا توجد فيها أية تدفئة لأنها مخصصة للاستخدام في الصيف فقط. وزد على ذلك رفض الكثيرون من الذين تعرضت بيوتهم للتدمير مغادرة قراهم ويعيشون الآن بلا سقف يحميهم من البرد والصقيع. ويضيف " جلبنا لهم بعض الخيام ، لكن كميتها غير كافية علما أن الشتاء في الجبال قارس جدا ".
وحدثنا نائب رئيس إدارة منطقة بوتليخسكي شامل كريموف بقوله : أن اللجنة الخاصة أبلغت السلطات بتدمير 1472 بيتا بشكل كلي وإصابة 1175 بأضرار أساسية . وحسب القوانين والوعود ينبغي أن تتلقى المنطقة 440 مليون روبل كتعويضات للسكان عن بيوتهم المدمرة ولإدارة المنطقة لكي تعيد بناء النية التحتية التي دمرت بدورها أيضا. لكن كريموف يقول : " تلقينا اليوم 60 مليون روبل فقط بمعدل 25 ألف روبل لكل عائلة منكوبة وهذا المبلغ غير كاف لإصلاح بيت " . وأضاف: " يقولون لنا في وزارة المالية الداغستانية بأن النقود لم تصل من موسكو حتى الآن ".
معطيات رسمية
وصرح لنا رئيس دائرة الهجرة الفيدرالية فلاديمير كالامانوف بأن المساعدات تقدم الى من تنطبق عليه حالة المهاجر المضطر ( رفض نطق كلمة لاجئ لأن روسيا لا تعد مواطنيها لاجئين داخل أراضيها حسب معاهدة جنيف التي تعرف حالة اللاجئ ) وهي أربعة أنواع :
- السلفة بلا فائدة مئوية لمدة 10 - 15 سنة. ويتلقى الأشخاص من 30 الى 40 ألف روبل.
- التعويض. وهذه مبالغ كبيرة تغطي نسبة 70 % من قيمة السكن المتضرر.
- تقديم شقة جاهزة للمنكوبين.
- توجد برامج " أطفال المهاجرين " . والنقود المخصصة لها ليست كبيرة. ومع ذلك تساعد على إعالة الأطفال. (الحديث لكالامانوف ).
ويرى المسؤول الروسي ، في الحديث الذي خصه لنا ، بأن هياكل دائرة الهجرة الفيدرالية تحل كل هذه المسائل في الوقت الحاضر " وعلى الشخص تقديم البراهين المناسبة التي تثبت أنه فقد سكنه . وذكر بأن نسبة 90 % من المهاجرين يمتلكون وقدموا الوثائق المناسبة. وتجري ، على حد قوله ، الإجراءات الخاصة بإثبات الأضرار التي أصابت كل البيوت حتى في الشيشان. ووعد بالانتهاء من هذه القضية خلال أسبوع واحد ! ( نعتقد بأنه لا ينتهي منها حتى في 10 أعوام ).
وقال بأن إدارته تشرف على مراكز إسكان اللاجئين وهي مؤقتة في 17 جزء من روسيا الاتحادية. وأضاف بأن " أكثر من 90 % من النازحين الشيشان رفضوا التوجه الى هذه المراكز والابتعاد عن بيوتهم وفضلوا جميعا البقاء في انغوشيا وهذه الحالة مفهومة تماما ". ويعتقد بأن 20 ألف شيشاني يرغبون الآن في العودة الى مناطق نادتيلاتسيني وناورسكي وشيلكوفسكي في الشيشان.
وحول الخدمات الطبية قال : " أصرح بكل مسؤولية بأن وزارة الصحة ومستشفى " الحماية " مستعدة كليا لتقديم المساعدات الطبية وعمل كل ما بوسعها من أجل تحقيق ذلك ". غير أنه أعترف بأن " الخدمات الطبية في انغوشيا مضطربة جدا بسبب السيل الكبير من اللاجئين ".
وأفاد لنا وزير حالات الطوارئ الروسي سيرغي شايغو في حديث سريع في مطار عسكري روسي ، بأن عودة اللاجئين بدأت بالفعل. وأضاف بأنه حسب الخطة الموضوعة في موسكو ينبغي عودة 25 ألف شيشاني من انغوشيا الى الشيشان قبل 1 ديسمبر. وتقضي المرحلة الثانية بعودة 100 ألف شخص قبل 25 ديسمبر.
وحسب أقوال العسكريين الروس فأنه يمر يوميا 600 - 800 شخص من نقاط المراقبة الى انغوشيا ويعود نفس العدد الى الشيشان. واعتبروا أن العدد الأكبر أحيانا يكون للعائدين.
وحسب أقوال شايغو فأن الحكومة الروسية خصصت لشهر ديسمبر 280 مليون روبل من صندوقها الاحتياطي. وستوجه هذه الأموال الى تحسين ظروف سكن اللاجئين ولشراء الأدوية والمعدات الطبية والكتب المدرسية ودفع رواتب المدرسين والأطباء. وأضاف بأن60 مدرسة بدأت تعمل في شمال الشيشان .
تجدر الإشارة الى أنه بعد زيارة مندوبة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سادوكا أوغاتا الى شمال القوقاز في 20 نوفمبر 1999 تورد مؤسسات الأمم المتحدة المختصة 100 طن من المساعدات الإنسانية الى اللاجئين في الأسبوع وتستمر هذه العملية. وتم زيادة ملاك المنظمات الدولية التي تراقب على توزيع هذه المساعدات وتعهدت الحكومة الروسية بتوفير الأمن لهم.

غوديرميس الممسوحة بالمدرعات


عبرت بنا الدبابة المسالك الترابية أو بالأحرى الطينية الملتوية بين حشائش لم يطأها حيوان منذ الاستقلال. تذكرت كيف مسحت عيني أرض القوقاز من نافذة الهليكوبتر وأدركت عبارة قالها شكسبير بأن أرض القوقاز معقودة في الأرض. لم أجد أدق وأوسع من هذا التشبيه فيما كانت الدبابة تمارس مع ساكنيها تمارين تخفيف الوزن.
كانت البيوت في ضواحي غوديرميس تقترب من التلال. لم ألحظ أية حركة لظل أو مخلوق عدا الجنود الروس. وتساءلت في مفكرتي : أين الناس ؟ وقبل أن أنطق أجابني أحد رفاق الطريق : لا تستعجل فالمدينة غاصة بهم.
بدأت المدينة بمبان هرمة وكأن أحدا لم يسكنها منذ زمن سحيق والسهول مراعي لا نهائية للهواء. وبعد أن بدأت ملامح المدينة تعفر الفضاء أدهشني وجود مساحات هائلة من الأرض تغطيها الزبالة ؛ لقد أدخلتني الدبابة الى المدينة عبر مزبلتها ! لكن هذا المنظر توالى حتى مركزها وكأني كدت أصرخ : الزبالة تتسلق جدران البيوت ألا يحق التقشف بسعر بندقية وتنظيف المدينة. لكن الجبلي ينام مع السلاح أكثر مما مع امرأته.
هذا ملعب المدينة ، ساحات لكرة القدم وعمود منتصب لكرة السلة ، أين الثاني ؟ وجدته بعد عدة مطبات يستخدمه الجنود الروس كحاجز للتفتيش ؛ هكذا مرمي على الأرض فمن يا ترى يلهو في لعب كرة السلة في زمن الحرب.
بدأ الأطفال يسترقون النظر من فتحات الأبواب الخائفة وبدأت الحركة في الأحياء البعيدة عن المركز وظهرت تجمعات لرجال لا تضم أكثر من خمسة. علمت فيما بعد أن تجمعات مثل هذه غير مرغوب فيها كما أن التجول ممنوع حال مغيب الشمس وبدون صراخ تتكفل البندقية الروسية الحل.
عبرت الدبابة الجسر الحديدي الذي تفرعت تحته خطوط سكك الحديد. خطوط كثيرة متشعبة وعندما زرت محطة القطار ( أحب التعرف على المدن من محطاتها ومطاراتها ) كان كل شيء فيها يذكرني بالمحطات الصحراوية التي نهبتها عصابة مكسيكية قبل لحظات وقتلت من فيها في أفلام الكاوبوي الأمريكية. الناس أفهموني بأنه لا الحرب الأولى ولا الثانية لها علاقة بما حل في بنية المدنية ، كل ما في الأمر أن كل ما موجود بقى على حاله منذ مطلع التسعينات وتوالى نهبه. حتى كراسي المحطة اختفت والشبابيك والسكك صدأت بانتظار قطارها الموعود. وسألت عن سبب وجود كل هذه الخطوط من السكك الحديدية ، قال العارفون بأن غوديرميس كانت مركز تجاري مهم في القوقاز في الأوقات السوفيتية . وعبرها تمر كل قطارات الحمولة والركاب التي تربط جنوب الأرض بشمالها وشرقها بغربها. كان الأذريون والكازاخ والأرمن والروس وكل شعوب الاتحاد السوفيتي يمرون من هنا. لا يمكن الوصول الى موسكو من إيران وتركيا وبلدان ما وراء القوقاز الى عبر بوابة غوديرميس. وأدركت أن لهذا المدينة سحر عجيب فعبرها تمر كل قوافل الدنيا فلا يستغرب نظرة شعبها المختلفة للأمور وتكدس المثقفين والعلماء الشيشان فيها. حالها إذن يشبه كل محطات الكون التي تضم الاتجاهات الأربع.
ماذا كان يضير الجبليون في غروزني لو استمرت غوديرميس بهذه الحيوية ؟ لماذا لم يهتم أحد بهذه المدينة وجعلها ترتمي بأحضان الروس؟ ومع ذلك قتل 40 شخصا من المدنيين بسبب القصف الروسي . كتب إذن على سكان هذه المدينة المحرومين من كل شيء الموت فقط. قال لي عجوز شيشاني عبارة قاسية وحزينة : استلمنا حصتنا من الموت ! ولكن حصتهم في الحياة لا تقلق بال أحد لا المشركين ولا المؤمنين .
والغريب أن سلطات غروزني التي تشغف بعبارات الاستقلال لم تكلف نفسها وتستبدل اللوحات المعلقة على المباني الحكومية والأسواق والتي ما زالت جميعها باللغة الروسية ! فماذا يعني الاستقلال إذا كنت لا تملك الكهرباء والغاز والماء وتتعامل بالنقود الروسية وتحمل الجواز الروسي ووثائقك كلها بالروسية وكتبك المدرسية وأحاديث الناس في الشارع وطريقة حياتهم وملبسهم ونظامهم اليومي. حتى الصلاة يؤدونها باللغة الروسية ! أين الاستقلال أذن ؟ قال لي شاعر داغستان الأكبر رسول حمزاتوف مرة : " لماذا أستقلّ عن جاري ؟ سأحتاج إليه وسيحتاجني .. سيعينني على مصائب الدهر وسأعينه .. أين أولي وجهي أجده أمامي .. جاري هو أخي .. غباء وكذب هذا الاستقلال".
وقال الناس : عشر سنوات لم يطبعوا لنا النقود ولم نحمل غير البطاقات والجوازات الروسية ولم نعرف الحاكم والمحكوم وكل ما رأيناه علم وحيد وبندقية في كل منعطف.
توقفت عند طابور غير منظم لرجال ونساء حول علبة صفيح رفع عليها العلم الروسي . مئات يتدافعون بلا هوادة وكلل . سألت أحدهم عن سبب هذا الزحام ، فتبين أنهم يريدون الحصول على البطاقات الثبوتية .
هكذا يتدافع الشيشانيون بالمئات من أجل الحصول على بطاقة تثبت وجودهم في مدنهم من المحتل !

حرب الدروس الفاشلة


الصقور ( 1 )
يمكن الظن للوهلة الأولى بأن السلطات الروسية توصلت الى استنتاجات معينة من حملتها السابقة ضد الشيشان وأن العمل جار على تصحيح الأخطاء السابقة. ويلاحظ أن سلوك ساسة موسكو متحفظ. ففي الوقت الذي يهدد فيه الجنرالات الروس باستخدام كل أنواع الأسلحة أمام كاميرات التلفزيون ويعدون بالسيطرة على كل الأراضي الشيشانية عاجلا أم آجلا ، يتخلى الساسة عن هذه التصريحات ويفسرون للصحفيين في الأروقة بأن هذه مجرد كلمات لضرورات الحرب النفسية. أما الجنرالات فيكررون أمانيهم بعدم مطاردة العصابات في الجبال عند حلول الشتاء.
مواجهة
بدأت الحرب الماضية ( 1994 – 1995 ) بمرسوم رئاسي لم يستشر فيه الكرملين مجلسي البرلمان ( الدوما والشيوخ ) نص على فرض النظام الدستوري على الأراضي الشيشانية ونزع سلاح التشكيلات الانفصالية. وذهب بعدها الرئيس بوريس يلتسين حالا ليجري عملية لأنفه واختفى في الظل بحجج مختلفة أخرى.
وبعد مضي أكثر من أسبوع على اندلاع الحرب الأولى ، لم يكن بوسع محيط الرئيس إيجاد من يجب دفعه الى مقدمة المسرح لكي يوضح للشعب ما يجري " على الأراضي الروسية ". لكن الآن يجري كل شيء خلافا لذلك. حيث يقود الرئيس ( لا يزال وقت هذا الكلام بالوكالة) فلاديمير بوتين بشكل مباشر الحملة العسكرية الراهنة وهو المسؤول عن كل ما يحدث هناك.
بدون رئيس ولا مرسوم
لقد تعودت " الطبقة " السياسية الموسكوفية خلال السنوات الفائتة على العيش بلا رئيس ، لأن رئيس الوزراء كان يشرف على كل شيء في الأيام البيضاء والسوداء على السواء. غير أنهم لم يسمحوا لأحد من رؤساء الحكومات السابقة إعطاء الأوامر الى وزراء القوة ، ولكنهم هذه المرة خضعوا لإرادة فلاديمير بوتين الذي تحول فعليا الى القائد العام للقوات المسلحة حتى في الوقت الذي كان فيها يلتسين رئيسا.
ووافقت كل الأطراف المعنية على سير قواعد اللعبة الجديدة دون أن تعقدها شكليا. خاصة وأن الحديث لا يجري عن أي حرب ، بل على عملية محدودة " لمكافحة الإرهاب " لا تحتاج الى أمر تحريري يصدره القائد العام . فهل يحتاج وزراء القوة الى مرسوم رئاسي لـ " يبيدوا قطاع الطرق " في الأراضي الروسية بغض النظر عن استخدام الجيش بكل تشكيلاته داخل هذه الأراضي.
قالوا في إحدى دوائر القوة أنه " من وجهة النظر الحقوقية ليس ثمة فرق بين تدمير عصابات مسلحة في أية مقاطعة واقعة وسط روسيا وتدميرها في الشيشان ".
الآلية
يحيط العسكريون فلاديمير بوتين علما بكل تحركاتهم وينتزعوا منه القرارات اللازمة يوميا وبالساعات أحيانا. ومما لا شك فيه ، أن بوتين صاغ هذه الآلية وهو الذي خطط لتدمير " التشكيلات الإرهابية بشكل نهائي " . وليس من الصعب تحويل تصريحاته الى أمر عسكري. وتدمير العدو هو سبب وجود الجيش . هذه المرة ابتعدوا عن عبارات مثل " إعادة فرض النظام الدستوري " التي يكاد لا يلمس بها أي معنى محدد.
والعسكريون مرتاحون جدا لهذه الآلية ومن الساسة الذين لا يجبرونهم بمواعيد معينة لإعلان الانتصار ولا يقيدونهم باستخدام هذا النوع أو ذاك من السلاح ووسائل الإبادة المتاحة. ويحاربون " كما مقرر " باستخدام تلك الأسلحة التي تتفوق على " العصابات " من طائرات وصواريخ ومدفعية ثقيلة. والارتياح هذا استمر وأعلن عن بناء " الطوق الأمني " حول الشيشان بنجاح وذهب بوتين ليعلق الأوسمة على صدور البناة .
الحامون للغاية
حفروا الخنادق ووزعوا الجنود : أليس هكذا تبنى المحاجر الصحية ؟
ولكن اتضح فيما بعد ، أنه لا يعرف أحد في القيادة السياسية ما الذي يجب فعله فيما بعد !
فمن جهة يؤكدون في مقر الحكومة بأن السلطات لا تنوي تكرار أخطاء الحملة السابقة والدخول في حرب طويلة ضد فصائل الأنصار في الجبال ، ومن جهة أخرى يبدي الاستراتيجيون العسكريون نفاد صبر لأنهم يدركون أن العملية لا تحدد مصير الجمهورية المتمردة فحسب ، بل وقد تهدد مصير شمال القوقاز برمته. ولهذا السبب أعطى أكثر الاستراتيجيين تفاؤلا حتى الربيع القادم مهلة للحديث عن الانتصار النهائي.
بمعنى أن القوات الروسية ستكتفي في الخريف والشتاء بالحصار العسكري والاقتصادي لذلك الجزء من الشيشان الذي يسيطر عليه المقاتلين. وستؤدي المناطق " المحررة " دور الواجهة التي ستؤمن للقوات الروسية تهيئة الحياة العادية من مدارس ومستشفيات ومرافق عامة على الورق وشاشات التلفزيون.
غير أن الجنرالات الحاميين الطبع " سبايس مين " تكاثروا وسط الساسة ، هؤلاء الذين تسيطر عليهم عقليات غير معقولة والتي دفعت بوريس يلتسين الى مغامرة عام 1994. وبدأ بعض الساخنين التكلم بلا هوادة عن ضرورة الاستيلاء على غروزني. معتقدين أن رفع العلم الروسي على غروزني هو الظفر في هذه الحرب ولكي ينهوا الحديث عن مفاوضات ما مع السلطة الشرعية ولكي يمهدوا الطريق للرئيس أصلان مسخادوف للتواري في جبال إيتشكيريا وينذروا ما تبقى من الأهالي لمغادرة العاصمة.
وتبقى المزايدات على حالها دون تغيير ؛ يطلع مثلا ، الجنرال فلاديمير شمانوف أحد القادة الروس الميدانيين ليعلن أمام جمهرة من الصحفيين بأن قواته حاصرت في بلدة غوراغورسكي فصيلة تحت قيادة شامل بساييف نفسه. ولكن لا وزارة الدفاع أكدت ذلك ولا دائرة الأمن الفيدرالية. وبعد مرور عدة أيام ظهر بساييف بهدوء في غروزني وسط كاميرات التلفزيون.
وأخذ الحامين يرمون على الصحافة معلومات تشير الى الاضطراب والتردد وفقدان السيطرة الذي يعتري " العصابات " وأن بعض الشيشانيين أمثال المفتي أحمد حاجي قاديروف وبعض القادة الميدانيين مستعدين لعقد اتفاقية " انفصالية " مع القوات الروسية لضم المناطق التي يسيطرون عليها الى المناطق التي " حررتها " القوات الفيدرالية. واقتنع من تخيل هذا السيناريو بان القوات الروسية سوف لا تجابه بأية مقاومة كما قال فاليري مالينوف نائب رئيس هيئة الأركان الروسية : " سنتفق ببساطة مع الإدارات والشيوخ الذين سيطردون بأنفسهم العصابات ".
ليست رحلة صيد
ومن الواضح حتى الآن ، أن تأمين المراقبة على المناطق "المحررة" ليست بالمهمة البسيطة. فالجنرالات يدركون بأن قضاء الشتاء بين كر وفر ليس بالأمر الهين. فلن تسمح طبيعة الأرض المعقدة وتفاهة الأموال المخصصة ببناء خط دفاع واحد وستكون حرب الخنادق في صالح المقاتلين الشيشان وسيتسللون في مؤخرة القوات الروسية وسينزلون الضربات المفاجئة عليها في الوقت الذي يقررون.
أمام هذه المعطيات ، ستتقوى الرغبة في إنهاء الأمر بسرعة أكبر حتى لو تطلب ذلك خسائر كبيرة بالأرواح ، لا سيما وأن الجنرالات لم يصطدموا للآن بمقاومة شرسة عدا في غروزني عندما قرر المقاتلين هناك الدفاع عن المدينة. وبدا لهم عدم إجازة التوقف في أي حال من الأحوال وإعطاء المبادرة التعبوية للتشكيلات الشيشانية.
ولا يوجد أي نبأ يؤكد بأن الجيش الروسي ينوي التوقف عند غروزني . فقد أعلن مؤخرا الجنرال كوسوفان نائب وزير الدفاع لشؤون البناء ومرابطة القوات بأنه لا ينبغي بناء أي شيء رئيسي في هذه الخطوط وتكتفي خدمات المؤخرة بإرسال الخيام الى القوات.
ومع انعدام نظرية عسكرية واضحة لهذه العملية ، لا يمكن تحديد من سيفوز بهذا الجدال ، المتحفظون أو الحامون. ويتكرر خطأ الأعوام 94 - 96 الرئيسي : مصير الحرب بيد الأشخاص الذين يسعون الى ترقيهم السياسي وعدد الأوسمة على صدورهم قبل كل شيء.
حالة بوتين ( 2 )
تتفق خطة الحملة البرية غير العاجلة لحد الآن مع حسابات الذين يستعدون لإجراء حملة فلاديمير بوتين الانتخابية لشغل مقعد الرئاسة. وهؤلاء مستعدون للهجوم الدعائي الفعال على الناخبين الروس لمرحلة " التشتية " في الخنادق. وينبغي أن تتم في نتيجتها صياغة صورة بوتين لا لكونه " قاهر الشيشان " فحسب ، بل المحسن الذي بمبادرته بنيت الدارس والمستشفيات وخطوط أنابيب الغاز والذي أشاع الديمقراطية بإجراء انتخابات نزيهة في الأراضي " المحررة ". وقال أحدهم : " لا يهمنا موعد الاستيلاء على غروزني غدا أو في مايو وسنعمل على أن لا يؤثر ذلك على شعبية بوتين".
ويبدو أن بوتين نفسه لم يثبت على تكتيك مختار. والمميز أنه لا يوجد شخص واحد بين الموظفين الكبار في الكرملين ومقر الحكومة يعترف بأنه يعمل بالقضية الشيشانية. وحتى في وزارة شؤون القوميات حيث يخصص مئات الموظفين لهذا الغرض أظهروا عدم امتلاكهم الصلاحية في التعليق عن أي سؤال حتى بخصوص " حكومة المنفى " التي ترأسها شخص لا يعرفه أحد يدعى مالك سعيد اللايف. ولم يشرح أحد في هذه الوزارة كيف سيعود النواب السابقون الذين فرقهم جوهر دوداييف وأعضاء مجلس الدولة المشكل حديثا الى " الوطن " بمساعدة الحراب الروسية وكيف سيقبلون على إدارة " الأراضي المحررة " وبأية آلية. ويبدو أن التاريخ لم يعلم الوزير فيتشسلاف ميخايلوف الذي كان أيضا على رأس هذه الوزارة في الحرب الأولى قصة حكومتي سلام بيك حاجييف ودوكو زفغاييف وقبلهم عمر أفترخانوف. وبدا من خلال البحث والمناقشة عدم وجود أنصار لهذه الحكومة في مقر الحكومة والكرملين. غير أن الحكومة شكلت واستقبلها فلاديمير بوتين وسمعت منه كلمات التأييد والاستحسان. لكن موظفا رفيع المستوى قال بأن " هذا التدبير لم يعجب بوتين جدا لكن لم تتوفر لديه إمكانية التملص من هذا اللقاء. وقابلهم كمعارضين لأصلان مسخادوف فحسب ". وأضاف: " لا جدوى من الضغط على بوتين في المسائل الجدية لأنه لن ينكسر ولن يرضخ للضغط ".
ليس ثمة مسوغات كافية تقنع بعدم صمود بوتين أمام الضغط غير القوي جدا من لوبي " حكومة المنفى " الذين لا يمتلكون نفوذا كبيرا يصمد بوجه " البواشق " من أجهزة القوة الماهرين في دسائس الأروقة. وأكد بعض الموظفين في محيط بوتين بأنه شعر بضغطهم وأغلب الظن أن ذلك زاده تصميما أكثر فأكثر. وتبقى المسألة محصورة بالتوقيت فقط.
ويعتقد بوتين والساسة المشتركين في صنع الشعار " بوتين رئيسنا " أن بدء الهجوم في الربيع القادم معقولا أكثر. ومع ذلك يصطدم هنا الاهتمام السياسي والفائدة العسكرية.
وإذ يشعر بوتين بكل ذلك ، يحرص على عدم وضع الخطط العسكرية واتخاذ القرارات لوحده. مع الإشارة الى أن كل الجنرالات المحيطين به الآن يحرصون على إرضاء الرئيس المستقبلي. ويبدو أن وزير الدفاع إيغور سيرغييف الوحيد الذي سلم بأن خدمته العسكرية ستنتهي بعد أقل من سنة فأخذ يعمل للتاريخ ، آخذين بنظر الاعتبار عدم وجود رتبة أعلى من مارشال يمكنه الحصول عليها. لذلك يعتبر الآن الوحيد ممن عارضوا القيام بالعملية البرية أو اقتحام غروزني بالرغم من تصريحاته التي يطلقها بين الحين والآخر والتي تجنبه الاتهامات بالتخاذل. أما زملاءه الأقل عمرا والذين ترتبط أسمائهم بهزائم الحرب السابقة فأن كبريائهم أكبر بكثير من أعمارهم وخبرتهم وهم متعطشون أكثر من غيرهم للانتصار بأي ثمن. لذلك من الصعوبة إرغامهم على الانتظار حتى الربيع. فقد يتضح في مايو القادم وقبل شهرين من الانتخابات الرئاسية بأن الوقت قد فات عليهم. وسيشكل المرشحون الواقعيون حتى ذلك الوقت فرقهم العسكرية الخاصة ومن الطبيعي أنهم لا يحتاجون الى إدراج أسماء ملطخة بهزائم الحرب الشيشانية السابقة والجلوس بلا عمل على ضفة تيريك.
لقد علل الجنرالات الروس هزيمتهم في الحرب الشيشانية السابقة بتدخل الساسة في شؤونهم عندما بدئوا محادثات لا معنى لها مع " الانفصاليين " في الوقت الذي كان يجب إبادتهم.
ويبدو أن القيادة الروسية وعلى لسان فلاديمير بوتين أعطت أوامر هذه الإبادة حيث قال في حديثه الأخير في وزارة الداخلية بأنه يعطيهم الحق بالتصرف بالطريقة التي يرونها ضرورية !
وأعقب هذا تصريح لوزير الدفاع ايغور سيرغييف أكد فيه بأنه لم تطرح للجيش مواعيد ثابتة لإنهاء العملية كما نفى وجود موعد محدد لاحتلال غروزني.
وهذان التصريحان يطلقان في درجة كبيرة أيدي الجنرالات ، ويبقى التكهن فقط بما سيراه هؤلاء ضروريا.
كانت القوات الروسية خلال الأشهر الماضية تتحرك بلا عجل في سهول الشيشان وتحاصر المناطق المأهولة بالسكان. وكان المقاتلون الشيشان بغية عدم إيقاع الخسائر في صفوف المدنيين وتجنب تدمير المدن والقرى بالكامل يخرجون منها ليدخلها الجيش بيسر.
وظنت القيادة السياسية والعسكرية الروسية بان كافة المدن والقرى الشيشانية ستقع تحت سيطرتها على هذا النحو وسيتراجع " الانفصاليون " الى الجبال حيث سيعانون من البرد والجوع والقصف المستمر. وسترابط القوات الروسية داخل وحول المدن وسيتم اختيار سلطات محلية في كل منطقة لكي " تعيد الحياة الطبيعية " إليها.
وأخبر نائب رئيس هيئة الأركان فاليري مانيلوف ببداية المرحلة الثالثة والحاسمة للحملة العسكرية. غير أنه لم يشرح وقتها معنى المرحلة الثانية ونتائجها ولا ماذا يعني بالمرحلة الحاسمة. وكرر الرئيس السابق بوريس يلتسين ما قاله جنرال الأركان بعد يومين مؤكدا بأن المرحلة الثانية انتهت لأن " قطاع الطرق تم إبادتهم وطرد الباقين الى الجبال ".
غير أن المقاتلين الشيشان غيروا تكتيكهم مفضلين اختيار زمان ومكان المنازلة العسكرية التي قرروا أن تكون في غروزني. وهاجموا القوات الروسية في كل المدن الشيشانية الكبيرة التي سيطرت عليها بلا مقاومة جدية واستعادوها في ليلة واحدة.
وهذه الإنجازات العسكرية للشيشان لم تحدث هذه المرة بفعل خيانة سياسيي موسكو ( على الأقل لا يوجد دليل على ذلك ) وقد تكون لأسباب عسكرية.
ويتخبط العسكريون الروس الآن على مشارف غروزني ؛ تارة يلقون منشورات تحذير وتارة يقترحون اقتحام " ناعم " كما حصل في غوديرميس وأتشخوي مرتان.
وتسرب القيادة العسكرية الروسية معلومات بغية التأثير النفسي على المدافعين عن غروزني باستخدام أسلحة جديدة مثل طائرات " سو - 27 " و " تو - 22 م " القادرة على حمل قنابل زنتها نصف طن وأحاديث عن صواريخ مجنحة وقنابل فراغية مخصصة لتدمير المخابئ … الخ.
ويبدو أن جنرالات الأركان الروسية انطلقوا من حقيقة ستفرزها نتائج العملية السيكولوجية لكي يتراجع المقاتلون الشيشان المتحصنين في العاصمة الى التلال الجنوبية بدون معركة. وسينهون بذلك المرحلة الثالثة والحاسمة. وإذا تم ذلك في وقت ما فقد تستمر المرحلة الرابعة بمطاردة المقاتلين في الجبال الى ما لانهاية.

منشورات الموت


يعد إلقاء منشورات من قبل الطيران الروسي تنذر الأحياء في غروزني للخروج من المدينة عبر ممر أعدته القوات الفيدرالية لغاية يوم 11 ديسمبر 1999 أهم تطور شهدته الساحة العسكرية والسياسية في شمال القوقاز.
وكنا قد حصلنا على عدد من هذه المنشورات ، حيث كانت تطبعها استخبارات القوة الجوية الروسية. وتم إلقاء منشوران الأول يخص المدنيين جاء فيه أن القوات الفيدرالية ترى نفسها " مضطرة لتوجيه هذا الإنذار " لهم وذلك " حفاظا على أرواحهم وسلامتهم " من الأعمال العسكرية التي قد تحدث بعد 11 ديسمبر في العاصمة الشيشانية. وأشير فيه الى أن القوات الروسية أعدت ممرا آمنا للخروج من غروزني قبل التاريخ المذكور ووعدت كل من يستجيب الى هذا النداء بتوفير سكن لائق له مع تزويده بكل احتياجاته الغذائية والصحية والأهم ضمان حياته.
واختتم المنشور بتحذير حاد مفاده أن كل من يبقى في المدينة بعد هذا التاريخ ستتعامل معه القوات الروسية كـ " إرهابي ينبغي القضاء عليه " وبعكسه فأن القوات الروسية تخلي مسئوليتها عن مصير الباقين.
وكان المنشور الثاني موجه الى المقاتلين المتحصنين للدفاع عن العاصمة وردت فيه نفس الوعود بضمان الحياة وتوفير السكن والغذاء والدواء وتنفيذ العفو الصادر من الكرملين والذي صادق عليه الدوما بحق كل من يلقي بسلاحه ويخرج من " الممر الآمن ". واختتم أيضا بنفس التحذير السابق.
ويستنتج من المنشورين المفزعين جملة من الحقائق أهمها : أولا ، عزم القوات الروسية على تنفيذ عملية عسكرية ( لا يشترط أن تكون اقتحاما بريا ومدرعا ) في العاصمة الشيشانية بعد 11 ديسمبر. ثانيا ، محاولة القوات الروسية إنهاء المقاومة الشيشانية قبل حلول شهر رمضان لتجنب ضغوط محتملة من الرأي العام الإسلامي. ثالثا ، وجود نوايا باستخدام أسلحة دمار شامل " محدودة " التأثير لتجنب الخسائر في صفوف القوات الروسية. وهذه الأسلحة ستستخدمها الطائرات والصواريخ القصيرة المدى والمدفعية الميدانية المنتشرة حول المدينة. رابعا ، محاولة روسية لانتزاع نصر سريع قبل حلول الانتخابات البرلمانية في 19 ديسمبر لتقوية مواقع " حزب السلطة " في البرلمان القادم. خامسا ، تبرير التنكيل الحتمي بالمدنيين الذين سيضطرون للبقاء في بيوتهم لأسباب تتعلق بعزة النفس وعدم الارتضاء بصفة اللاجئين وظروفهم المهينة وأخرى ترتبط بعجز الكثير من المسنين الجسماني على تحمل مشاق التهجير القسري. وهذا التبرير موجه بشكل خاص الى المنظمات السياسية والإنسانية الدولية.
وأصبح واضحا من خلال متابعة أسلوب القائمين على السياسة العسكرية الروسية بأنهم يفعلون ما يقولون ، بمعنى أن غروزني ستشهد مجزرة حقيقة بعد 11 ديسمبر لن يسلم منها أي كائن حي. وتعطي " منشورات الموت " المذكورة الانطباع بأن القوات الروسية بدأت تتعامل مع المقاتلين الشيشان من موقع القوة والشعور بالانتصار الذي أعلنته موسكو باحتفالها قبل أيام بتوزيع الأوسمة والأنواط على الضباط والجنود والروس. كما أن المنتصر فقط يعطي لنفسه حق منح العفو للطرف المقابل.
ولم تصدر تعليقات من القيادة العسكرية داخل غروزني حول التحذيرات الروسية، وغالب الظن أن المقاتلين ينتظرون قرارا سياسيا من القيادة السياسية والعسكرية العليا التي غادرت مع رئيسها أصلان مسخادوف العاصمة وتمركزت في مدينة شالي الواقعة في الجنوب الشرقي من غروزني.
غير أن المقاتلين في مدينة عروس مرتان يبدون حتى الآن مقاومة ضارية وأعلنوا بأنهم سيقاتلون حتى النهاية. وهذا القرار مرتبط بشكل كبير مع التحذيرات التي وجهتها القيادة الروسية لرفاقهم في غروزني. حيث أن سقوط عروس مرتان قبل 11 ديسمبر سيضع المدافعين عن غروزني في وضع ميداني صعب للغاية ، فيما يعطي القوات الروسية تفوقا عملياتيا ساحقا ينحصر في تطويق المدينة بالكامل والتحكم بكل ما يدور فيها بشكل كامل. الأمر الذي سيمنح القوات المهاجمة حرية المناورة وقدرة على ترتيب مواضعها واستحكاماتها بدون إعاقة.
وهكذا فأن طبيعة المقاومة التي سيبديها المقاتلون في عروس مرتان ستحدد نوع المعركة اللاحقة في غروزني. وإذا استمرت مقاومة فصائل القائد الميداني أحمدوف وبعض تشكيلات خطاب في عروس مرتان على النحو الحالي فقد تجد القوات الروسية نفسها أمام خيار القتال في جبهتين منفصلتين بالتوازي وهذا سيكلفها الكثير من الجهد والخسائر والمتاعب. غير أن معطيات كثيرة تشير الى أن القوات الروسية ستحقق أهدافها سواء في خططها الرئيسية أو البديلة في وقت ليس ببعيد.
تجدر الإشارة الى أن مغادرة مسخادوف وبساييف وأودوغوف وغلاييف وغيرهم العاصمة الشيشانية رغم رجاحته من وجهة النظر العسكرية ، قد ترك فراغا سياسيا ومعنويا للمدافعين في داخل غروزني. وهذا ما بدأت تستغله القوات الروسية كما ينبغي بمحاولة ملأ هذا الفراغ السياسي والنفسي باتباع سياسة الترهيب والترغيب وطرح خيار الحياة أو الموت من خلال المنشورات التي ألقيت على المدينة.

روسيا على خطى الحرب القوقازية الكبرى

( 1 ) سلطة الجماعات
لم تكن ثمة سلطة في الشيشان قبل شن روسيا عليها الحرب للمرة الثانية ، ولم يتعد نفوذ أصلان مسخادوف أبعد من القصر الرئاسي. فالشخص الذي خاض الحرب مع الرعيل الأول من " الثوار " الشيشان وانتصر على أبطال الحرب في الساحة السياسية لم يستطع قادرا على قيادة الشيشان. وببساطة لا يحترمه القادة الميدانيون ويسمونه " العقيد الركن الذي يحارب بالخرائط ". ويبدو أن الطلب الذي قدمه شامل بساييف رئيس مجلس الشورى ( وهو منصب اخترعه لنفسه ) وقادة الفصائل المسلحة خنكار إسرابيلوف وسلمان رادوييف بإقالة مسخادوف ليس ملحا الآن. لأن مسخادوف لن يستقيل حتى آخر محاولة لاغتياله ! ومن الواضح أن صبر القادة الميدانيين بدأ ينفد وقد يتحول أي خلاف قادم الى مجابهة مسلحة صريحة ، لا سيما وان شورى بساييف تقود الشيشان عمليا. علما أن أعضاء المجلس المشكل من زعماء الجماعات الإسلامية يعتبرون أشخاصا متنفذين في مناطقهم ويخضع لهم الجميع هناك. وتشكل كل جماعة محكمة شرعية ويترأس زعيمها غالبا في آن واحد الإدارة الرسمية أيضا.
والجماعات الشيشانية مسلحة جيدا. فحسب معطيات وزارة الداخلية الروسية أخذت في الأعوام 1994 - 1996 من مخازن وزارة الدفاع ووزارة الداخلية وجهاز الأمن الفيدرالي في الجمهورية 40 ألف قطعة سلاح خفيف و 42 دبابة و34 عربة مشاة مدرعة و 139 مدفع و 165 طائرة ومنظومتين صاروخيتين مضادتين للطائرات. علاوة على 20 ألف قطعة سلاح آلي أحيلت في بداية التسعينات الى حكومة جوهر دوداييف نتيجة لـ " قرار سياسي ". وحسب الوقائع العملياتية يشتري الشيشانيون دوريا الأسلحة والذخائر من الوحدات الروسية المرابطة في شمال القوقاز.
والجماعات تنظم المحاكم الشرعية التي تنظر في كل القضايا الجنائية والمتنازع عليها وتحل قضايا الأحوال الشخصية وتمتلك فصائل مسلحة للدفاع الذاتي. وبالإضافة الى الدفاع ضد عدوان خارجي فأنها تهب لمساعدة " الأخوان " في الجمهوريات المجاورة وحراسة الآبار النفطية ومزارع المخدرات ومصانع تحويلها . حيث يجلب النفط والمخدرات دخلها الواقعي.
نفط ومخدرات ورهائن
خلال السنوات الثلاث الأخيرة ازداد في الشيشان عدد مصانع تكرير النفط ( الصغيرة ) من 30 الى 400 مصنع. أما عدد آبار النفط السرية فليس له حساب.
وكما يقولون في وزارات داخلية دول الجوار الشيشاني ، يزداد في كل خريف سيل المخدرات بانهمار شديد المفعول وبالأخص الهيروين من الشيشان. وإذا كان الشيشانيون يروجون المخدرات في داغستان ومقاطعة ستافروبوليه ، فأن سعاتهم الآن يوصلونها الى موسكو و فورونيج وأستراخان وإليستا. وتزداد المساحات المزروعة بالخشخاش ويبحث تجار المخدرات عن أسواق جديدة دائما. ويؤكد ممثلو وزارة الداخلية الشيشانية بأن 70 % من الجرائم تحدث بعد حالة الانتعاش التي تسببها المخدرات. وحسب رواية مسؤول في الداخلية الشيشانية ترتبط محاولة اغتيال مسخادوف التي نفذت في العام الماضي بثأر بارونات المخدرات في منطقة غودرميس بعد أن نفذت وحدات الداخلية أمر مسخادوف بإحراق مزارعهم.
والرهائن مادة أخرى لدخل القادة الميدانيين. ويكسب منها بشكل خاص عربي بارييف الذي ترابط فصيلته في عروس مرتان. فحصل ، مثلا ، مقابل ممثل الرئيس الروسي في الشيشان فالنتين فلاسوف 5 ملايين دولار. ووضع أنصار بارييف قاعدة أيدلوجية تحت تصرف هذا البيزنيس. ويحلو لبارييف الاستشهاد بآيات من القرآن الكريم الخاصة بالجهاد ضد الكفار بعد الانقضاض على كل رهينة ، غير أنه لا يردد هذه الآيات عندما يقبض ثمنها من أولياء الكفار !
ويحاول أصلان مسخادوف بغية المحافظة على سلطته جذب المعارضة الى جانبه. ودعا الى الحكومة للمرة الثانية خلال السنتين الأخيرتين أصلانبيك إسماعيلوف وعينه وزيرا للإنشاءات. واقترح على القائد الميداني خطاب قيادة إحدى فصائل الحرس الجمهوري. وعندما رفض خطاب هذا العرض طلب منه تدريب الأجهزة الخاصة الشيشانية على عمليات التخريب التي يتقنها خطاب جيدا من تجربته في أفغانستان. ووافق خطاب على الطلب الثاني الذي لا يؤثر على استقلاليته.ويخطط مسخادوف لدعوة بساييف للحكومة مرة أخرى . ولكن لا خطاب ولا بساييف مستعد للعمل تحت جناح الرئيس ، فهم الذين فتحوا الشيشان وسيفتحون داغستان أيضا.
الكونفدرالية العظمى
قال شامل بساييف في إحدى جلسات الشورى الأخيرة : " الآن لسنا بحاجة الى استقلال الشيشان. فنحن بحاجة الى استقلال كل شمال القوقاز. وستكون لنا كونفدرالية عظمى ". وصرح الزعيم الشيشاني الآخر مولادي أودوغوف جهارا بأن الحرب في داغستان لابد منها لإقامة الجمهورية الإسلامية هناك.
ولقد بدأت " الثورة الإسلامية " في منطقة الحدود الشيشانية - الداغستانية منذ عام ونصف. وكانت الحرب غير المعلنة بين القوات الروسية والإسلاميين مستمرة منذ ذلك الوقت. وحسب معلوماتنا فأن الفصائل المسلحة التي استولت على القرى الداغستانية مؤخرا تخطط لإثارة التمرد المسلح في العاصمة محج قلعة في الشهر القادم. وقد نقل من أجل تحقيق ذلك 600 إسلامي الى منطقة بوتليخسكي الداغستانية عبر القرية الشيشانية الجبلية كنخي وسينقلون فيما بعد الى محج قلعة فرادا وجماعات. وينون قبل إعلان التمرد في العاصمة الداغستانية تنفيذ هجمات على مؤسسات الطاقة والوقود لغرض شلها وسيحاولون الاستيلاء على محطة ضخ النفط في أزبيراش لتمويل الحملة بالطاقة اللازمة والسيطرة على الطريق الذي يربط محج قلعة وجروزني.
ويؤكد رئيس اتحاد مسلمي روسيا نادر خاتشيلايف على أن 30 % من القرى الداغستانية تطبق الشريعة الإسلامية ويزداد عددها من يوم لآخر.ولم تنتشر هذه القرى في المناطق المتاخمة للحدود الشيشانية فحسب ، بل في مناطق في العمق الداغستاني أيضا مثل منطقتا أكوشينسكي ويويناسكي. وأعلنت القريتان الجبليتان قره ماخي وتشبامماخي نفسهما جزءا من " الجمهورية الإسلامية المستقلة ".
وتضطر السلطات الداغستانية مماشاة هذه الظاهرة بحذر وقلق شديدين.وحاولت تجنب المصادمة مع شيوخ وزعماء هذه القرى. ووقع ممثلو الحكومة وإدارات المناطق مع الجماعات الداغستانية اتفاقية في العام الماضي نصت على منح الناس حرية اختيار العقائد الدينية التي يختارونها وخرج بموجبها عشرات الإسلاميين من المعتقلات وشطب أكثر من 1500 شخص من قوائم التحري.
وجرت في يوليو بمبادرة من نادر خاتشالايف أول جلسة للمحكمة الشرعية ، دعوا إليها رئيس مجلس الدولة في داغستان محمد على محمدوف ورئيس الحكومة حزري شيخ سعيدوف ونائب رئيس مجلس الشعب أرسين كامايف.
ولكن لم يحضر الجلسة أحد غير خاتشالايف واضطر الى تأجيلها الى سبتمبر. وينوي إعلان مواد غرفة الرقابة العامة التي راجع أعضائها القضايا المالية للحكومة في السنوات الخمس الأخيرة.
( 2 ) جمهورية الفساد
هذه أمثلة للاستهتار بالسلطة والفساد في داغستان والتي تعتبر أهم عامل في تخلف الجمهورية الاقتصادي والاجتماعي والتي أدى بها لأن تصبح حقلا للتجارب السياسية والعسكرية ومرتعا للثوريين ورجال المخابرات والعصابات المسلحة وتجار المخدرات والبشر وغيرهم :
في عام 1995 حول الى المصرف الموسكوفي " أوبو فينانس " 62 بليون روبل لتمويل ما أطلق عليه " صندوق استقرار اقتصاد جمهورية داغستان ". ولكن حكومة داغستان أدخلت 15 مليون روبل فقط الى حسابها الى مصرف " أورو بنك " . وحتى هذا المبلغ لا يوجد في دفاتر حسابات الحكومة ما يدل على إنفاقه . وعلى النحو ذاته تم تحويل 334 مليون دولار في الأعوام 1994 - 1997 الى داغستان ولكن المبلغ وجد في باريس بعد تحري طويل. وليس من المستبعد أن جزءا من هذه الأموال وقروض صندوق النقد وجه بعد " تدويرها " الى الحملة الانتخابية.
وقبل سنتين تم تحويل 300 مليون روبل من وزارة المالية الروسية الى مصرف " ليسبروم بنك " ( البنك الموكل لحكومة داغستان والذي أسسه محمد سلام أبن الرئيس محمد علي محمدوف ). وكان على الحكومة الداغستانية أن تشتري مقابل هذه الأموال سيارات من مصنع " غاز " وتبيعها لتوجه حصيلة العملية لتطوير المرافق الحيوية والبلدية والاجتماعية في الجمهورية. غير أن هذا المبلغ اختفى ولم يعثر موظفو غرفة الرقابة على أي أثر في دفاتر حسابات الحكومة !
وتعتبر نسبة الجريمة في داغستان هي الأعلى في روسيا الاتحادية . وهناك لا يقتل رجال الأعمال وحدهم كما يحصل في موسكو ، بل الموظفون والنواب وحتى رجال الدين الذي انخرطوا في المافيا المحلية. وارتكبت 10 محاولات لاغتيال عمدة محج قلعة أميروف وتحول في واحدة منها الى مقعد. وأجرى فلاديمير كوليسنيكوف النائب الأول لوزير الداخلية الروسي في العام الماضي في الجمهورية " تطهيرات واسعة النطاق في الجمهورية وفتحت نتيجتها عشرات القضايا الجنائية ".
واقتصاد داغستان يرثى له : تبلغ نسبة البطالة 70 % . وتعيش " الولاية الروسية " على المعونات الاتحادية بنسبة 85 % لأن كل شيء هناك معطل ؛ المصانع والمعامل وورش الإنتاج والتصليح والحقول ، كل شيء تماما !
ولكن السلطات المحلية تمني نفسها بالنفط في الماء ؛ فقد اكتشفوا قبل سنتين في بحر قزوين أربعة أجرف قارية يقال بأنها غنية بالنفط . وشاركت في هذا الاكتشاف الشركتين الروسيتين العملاقتين " لوكويل " و " غاز بروم " وبعض الشركات الأجنبية العريقة في هذا المجال. ولكن بقدرة لا تصدق فازت شركتان داغستانيتان على هذه الشركات التي لا تُنافس بالرغم من عدم امتلاكها الأموال لاستثمار مشاريع ضخمة كهذه !
هذه الأمثلة عينات قليلة جدا مما يمكن أن يذكر في متابعة صحفية ، ومن المؤكد أن نادر خاتشالايف يمتلك في ملفه أكثر منها بكثير سيعلنه في الشهر القادم إذا رفضت السلطات الحضور الى محكمته الشرعية . وهذه لا تكون سوى البداية كما قال خاتشالايف لنا عبر هاتفه الجوال الذي كان يصرخ بألم عبره وهو السياسي المدرك للعواقب التي تنتظر داغستان. فالإسلاميين يثقون به جيدا واحتضنوه في الشيشان منذ ستة أشهر بعد أن لاحقوه بشتى التهم ( بعضها حقيقي ) ورفعوا حصانته البرلمانية ( نائب في الدوما ) وشنوا ضده حربا إعلامية يتحول بعدها أي إنسان الى ذئب جبلي.
ولا تريد السلطات الداغستانية ( والروسية عموما ) أن تفهم بأن الزعيم الإسلامي محمد بهاء الدين الأكثر ثقافة وعمقا وحماسا مما يتصورن يحظى بتأييد منقطع النظير في الشيشان واكتسب من الشعبية في داغستان ما لم يصل إليه أحد قبله بعد أن اقتحموا القرية التي يسكنها في مارس 1997 ونكلوا بشبابها‍ وأهانوا شيوخها وساقوا من وقع تحت أيديهم الى المعتقلات . وتحول هروب بهاء الدين الأسطوري الى الشيشان بعد أن اخترق الطوق الأمني الكثيف حول القرية الى أسطورة يقارنها الناس هناك بهجرة المسلمين الأوائل‍.‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍
لماذا بعد أن عانى الإسلاميون ما عانوه من فقر واضطهاد وفساد لا يحجبه الغربال لا يرفعوا شعار سقوط هذه السلطة ( الموالية لموسكو ) وتقديم شرعية جديدة ؟
لقد هيئت السلطات الداغستانية التربة الملائمة للبديل. وكان الشيشانيون بانتظار ساعة الصفر ولحظة الحقيقة وكانت أحداث قره شايغو شركسيا تنضج يوما بعد آخر‍.
( 3 ) حريق الشركس
كانت جمهورية قره شايفو - شركسيا حتى الآونة الأخيرة أكثر جمهوريات شمال القوقاز هدوءا. فقد أطفئ " الحريق الأول " هناك مع أدنى مستوى من الخسائر في عام 1995 عندما اكتشفوا فجأة بأن الجمهورية تسير بلا دستور و‍ لم تجر في الجمهورية انتخابات للبرلمان ولرئيس الجمهورية . عندها وقعت العلاقة بين المجلس الأعلى القديم ( البرلمان ) والرئيس المعين من موسكو فلاديمير خوبييف في مأزق وعاشت الجمهورية فترة من الاضطرابات. وشكلت على عجل بمبادرة من إدارة الكرملين لجنة التوفيق أخذت على عاتقها تأليف دستور وشكلت هيئات سلطة وشكلوا الحكومة وانتخبوا بأنفسهم نواب البرلمان ‍.
‍ غير أن القصة مع الانتخابات الراهنة لرئيس الجمهورية أحيت الصراع الداخلي. لأن ظهور فلاديمير سيميونوف القائد العام للقوات البرية الروسية في المضمار السياسي للجمهورية ( فاز في الانتخابات التي جرت في 16 مايو ولم يعترف منافسوه الشركس بنتائجها ) سيهدد المسؤولين المحليين بفقدان السلطة والملكية التي وعد سيميونوف بإعادة تقسيمها‍. حيث أكد في سير حملته الانتخابية بإعادة النظر في نتائج الخصخصة والتي حازت السلطات نتيجتها على 3 % من الأملاك العامة فقط. ونشأ خطر كبير في تسليط الضوء على فضائح كثيرة حال مجيء سيميونوف الى الحكم.
والسلطات المحلية والموسكوفية على السواء لا تريد إعادة التقسيم هذه لأن صلات المسؤولين المحليين ترتبط بديوان الرئيس الروسي والنيابة العامة. وحاول سيميونوف إقناع موسكو بأنه لن يساوم في هذا الأمر .
واعترف فالنتين فلاسوف الذي عينه بوريس يلتسين حاكما وممثلا عنه في الجمهورية ( ذكر أعلاه بمناسبة اختطافه عندما كان يشغل نفس المنصب في الشيشان ) بأن المسؤولين المحليين مستعدون لتقاسم السلطة ولكنهم غير مستعدين لتقاسم الملكية.
وحاولت موسكو إخفاء الأسباب الحقيقية لعدم الرغبة في " تقاسم السلطة " في الجمهورية مع الجنرال سيميونوف بالأسلوب المجرب القديم بإعلانها أن هذا النزاع هو ما بين القوميات. وكان تفسير الأمر بسيط ، لأن نسبة 80 % من الملكية والمناصب الرفيعة في الجمهورية وقعت في أيدي النخبة الشركسية . وهذه النخبة هي التي أثارت الاضطرابات الجماعية في الجمهورية بعد فوز الجنرال بالمرحلة الثانية من الانتخابات الرئاسية والتي وصلت الى تهديد الشركس بالانفصال عن الجمهورية تمهيدا للخروج من نطاق روسيا الاتحادية برمتها.
وقام الكرملين بدور حاكم الصلح في النزاع بين الشركسيين والقره شايفيين ( أو القَرَش ). وعارضت المحكمة الروسية العليا فورا قرار محكمة الجمهورية التي اعترفت بفوز الجنرال سيميونوف بالانتخابات.
وعدم اعتراف المحكمة الروسية العليا لا يلغي قرار محكمة الجمهورية ومع ذلك حاولت موسكو استخدامه لصالحها. وبرز في الكرملين سيناريوهان لتطور الأحداث ، يقضي الأول بتغيير نموذج ( موديل ) إدارة الجمهورية. وبواسطة ذلك يمكن إلغاء الخطر الذي يمثله سيميونوف. والثاني إعلان حالة الطوارئ في الجمهورية بسبب الاضطرابات الجماهيرية.
وأظهرت حوادث الأسبوعين الأخيرين بأن تحقيق السيناريو الثاني أسهل للكرملين . لقد ضربوا ثلاث من أنصار سيميونوف بشكل قاس في شوارع مدينة شركس ونقل أحدهم الكسندر بيلانوف الى غرفة العناية المركزة وهو الآن بين الحياة والموت. واتهم الشركس بتنفيذ هذه الاعتداءات . غير أن القَرَش لم يقوموا بأعمال جوابية بأمر من سيميونوف.
واستعدت الميليشيا المحلية لمواجهة أعمال العنف. ولا يخفى على أحد بأن كمية الأسلحة في شمال القوقاز وحتى في قره شايفو - شركسيا الهادئة كافية جدا لاندلاع حرب أهلية ضارية. وحسب بعض المعلومات الأمنية فقد وردت الى الجمهورية فور إعلان نتائج المرحلة الثانية للانتخابات دفعات من الأسلحة من مقاطعة ستافروبوليه وتنتظر إمدادات مماثلة من الشيشان وأبخازيا ويهيئ السكان الشركس أنفسهم لحرب طويلة بتخزين الأكل والمواد التموينية.
ولا يجلس القَرَش بدون فعل شيء ويقولون بأن شراء الأسلحة أمر غير مقعد في روسيا وأن موسكو خدعتهم و " إذا لم تعترف المحكمة العليا بفوز الجنرال سيميونوف فنحن مستعدون لكل شيء ".
ويبدو أن القَرَش يستعدون للحرب بالفعل ولن يستطيع أحد ولا الجنرال سيميونوف من إيقافهم . وعموما فأن الاستعداد للحرب انتهى عمليا ولم يبق غير تقريب عود الكبريت من برميل البارود وفي الكرملين يتهيئون لإعلان حالة الطوارئ في الجمهورية.
ولموسكو أصبح حساب آخر بعد اندلاع الحرب في داغستان ، لأن حربا جديدة في القوقاز ستتجاوز كل توقعاتها وإمكانياتها. فقد أعلن البلقاريون من جمهورية كبردينا - بلقاريا المجاورة استعدادهم لمساعدة القَرَش. وسيساعد القابرديون الشركس . وحسب المعطيات الرسمية فقد يتم إرسال 100 مقاتل تقريبا يوميا الى الحدود مع قره شايفو شركسيا أثناء الاضطرابات في الجمهورية . كما أن الشيشان والأبخاز على استعداد لنجدة الشركس في أي وقت.
ولن تقف جمهورية أديغيا على الحياد ، حيث سيتحول استياء الأديغيون من الروس المحليين الى مرحلة أكثر فعالية. وإذا حدثت مواجهة ما فأن المتطوعين من كل مكان في القوقاز سيهرعون لمساعدة الأديغيين ضد الروس . وفي هذه الحالة لا تستطيع موسكو السكوت " لحماية الأقلية الروسية هناك " وستفتح جبهة ساخنة أخرى .
( 4 ) لهيب الأبخاز
لا يترصد روسيا خطر حرب قوقازية كبيرة على أراضيها الخاصة فحسب ، بل من الجهة الأخرى من جبال القوقاز حيث يحترق بلا لهيب منذ سنوات فتيل النزاع الجورجي - الأبخازي غير المحلول. ولم تأت محاولات المجتمع الدولي وهيئة الأمم المتحدة ورابطة الدول المستقلة وروسيا في إجبار تبليسي وسوخومي للجلوس وراء طاولة المفاوضات بثمار ملموسة.
وهذه الحالة خطرة بالنسبة لروسيا لسببين : أولا ، أن روسيا ستفقد جورجيا بلا رجعة مع عدم وجود أي تقدم في تسوية الأزمة. وتعتمد مواقف تبليسي كلها على موقف موسكو من سوخومي. وتصريح الرئيس الجورجي أدوارد شيفرنادزه بضرورة عقد مؤتمر دولي لمناقشة مشاكل القوقاز يدل على أن ثقته بموسكو قد تلاشت.
ثانيا : أن تخلي روسيا عن أبخازيا سيغرق الإقليم بحرب عرقية ستنجر إليها روسيا حتما وستجد نفسها مشتركة في حرب قوقازية واسعة النطاق.
وحسب الصحف الجورجية فأن 300 من المقاتلين الأبخاز وصلوا الى قره شايفو - شركسيا . علما أن الشركس والأبخاز والقباردين والأديغين الساكنين في قره شايفو - شركسيا هم أقوام شقيقة للأبخاز ( خلافا للقَرَش الذين ينتسبون للمجموعة التركية ) . وكانت شركسيا خلال الحرب الأبخازية بمثابة الجبهة الخلفية التي كانت تعد المقاتلين الذين حاربوا القوات الجورجية. وفي حالة نشوب الحرب الأهلية في قره شايفو شركسيا لابد وأن يعيد الأبخاز الجميل لأخوتهم الشركس لمساندتهم في حربهم ضد الجورجيين . وإذا اندلعت الحرب بين الأبخاز والجورجيين فأن الشركس سيهبون لمساعدة أخوتهم في أبخازيا . وفي كل الأحوال ستجد روسيا مواطنيها في هذه الحرب. وإذا كان القَرَش قد التزموا الحياد في الحرب الأبخازية الأولى وسمحوا ساكتين بمرور الشركس عبر ممراتهم الجبلية لنجدة الأبخاز في عام 1992 ، فمن المشكوك فيه أن يعبروا الآن هذه الممرات بدون عوائق.
( 5 ) حرب السنوات السبع
صرح رئيس إنغوشيا روسلان عايشف عن رفضه لإجراء المباحثات مع قيادة أوسيتيا الشمالية لتسوية النزاع حول منطقة بريغوردني وإقامة إدارة اتحادية هناك. وهذا يعني أن إنغوشيا وأوسيتيا الشمالية ستجدان نفسهما على حافة حرب جديدة.
وكان النزاع الأوسيتي - الإنغوشي قد اندلع في عام 1992 واعتبر أطول نزاع في شمال القوقاز. وتعود جذوره الى التاريخ البعيد. وكان جزء كبير من فلاديقوقاز ( عاصمة أوسيتيا الشمالية ) ومنطقة بريغوردني حتى قبل السلطة السوفيتية أراض إنغوشية. وفي الأعوام 1924 - 1934 دخلت بريغوردني ضمن قوام إنغوشيا الذاتية الحكم. وبعدها أصبحت ضمن جمهورية شيشانسكي - إنغوشسكيا السوفيتية الاشتراكية ( في العهد السوفيتي كانت الشيشان وانغوشيا في جمهورية واحدة ذاتية الحكم وفي عام 1992 أعلنت انغوشيا انفصالها عن الشيشان). وبعد قيام الزعيم السوفيتي بتهجير الشعب الشيشاني لاتهامه إياه بمساعدة النازيين ألغى الحكم الذاتي لجمهورية شيشانسكي - إنغوشسكيا في عام 1944 وأحال منطقة بريغوردني الى أوسيتيا الشمالية. وبعد وفاة ستالين أعيد الاعتبار لهذه الجمهورية ومعه الحكم الذاتي ولكن بدون هذه المنطقة.
بدأت الحرب من أجل بريغوردني في أكتوبر 1992 ويوجد حتى الآن اللاجئين الإنغوش على حدود هذه المنطقة وإنغوشيا ( حسب البيانات الانغوشية يبلغ عددهم 67 ألفا ).
وحاولت السلطات الاتحادية حل هذه المشكلة أكثر من مرة . وفرضت حالات الطوارئ في الإقليم أكثر من مرة وحاولت القوات الروسية تسهيل عملية عودة اللاجئين مرارا لكن المحادثات بين الجانبين كادت تصل الى حافة الحرب نتيجة فشلها.
ولم يرفع فوز الكسندر دزاسوخوف في الانتخابات الرئاسية في العام الماضي حدة النزاع. وكان روسلان عايشيف يرحب بفوزه علنا في بداية الأمر حيث وعد في سير حملته الانتخابية الى مزيد من المرونة لحل المشكلة الانغوشية. غير أن الاصطدامات في الحدود لم تتوقف. ففي أكتوبر الماضي قتل الانغوش خمسة أفراد من الميليشيات الأوسيتية . ورد الأوسيتيون على ذلك بتدمير وإحراق عربات القطار التي يسكنها اللاجئين منذ عام 1992. وقال عايشيف وقتها : " بقى للحرب خمسة دقائق ".
وفي يونيو 1992 أعلنت فلاديقوقاز عن إلغاء عودة اللاجئين الى بريغورودني مفسرة ذلك بعدم امتلاكها القدرة على توفير الأمن لهم. ولم تنته المناوشات بين الطرفين وحرق البيوت والسيارات وأفعال الانغوش الجوابية خلال السنوات السبع. ويكفي هذا لاعتبار أن هذه الحرب لم تخمد بعد.
وحاول عايشيف أخذ المبادرة على عاتقه مطالبا مجلس الشيوخ الروسي ( رؤساء الجمهوريات ذلتية الحكم أعضاء فيه ) بالتدخل الفوري. غير أن رئيس المجلس ايغور سترويف لم يدرج هذه المسألة في جدول أعمال الجلسة الصيفية الأخيرة. ودعا الرئيس الإنغوشي الى جعل المنطقة المتنازع عليها تحت الإدارة الاتحادية وكف عن المطالبة بفلاديقوقاز كعاصمة لإنغوشيا.
وفضت موسكو الاشتباك الأخير كالعادة ، غير أن هذا لا يعني أن النزاع قد تمت تسويته خاصة وأن روسيا لم تجد أحدا بعد يفض اشتباكاتها مع الجيران الآخرين.

روسيا على خطى الناتو

يستمر الطيران الروسي عملياته بقصف المواقع التي تعتقد هيئة الأركان بأنها " أوكار " الجماعات الإسلامية في الشيشان. وفي هذا الصدد قصف حي أكتيابرسكيا في الشيشان باعتباره مقرا لجماعة القائد الميداني عربي بارييف . وفعلوا الشيء نفسه في مناطق سيرنوفودسك وسامشكي وأعلنوا تدمير " آلة شامل بساييف الحربية " هناك. ويبدو أن الطيارين الروس أخذوا راحتهم في القصف فقاموا بالتحليق الواطئ فوق غروزني مدمرين مركز التلفزيون المحلي وملوحين للرئيس أصلان مسخادوف بالذراع الطويلة للقاذفات الروسية عندما حلقوا على قصره الرئاسي أكثر من مرة ، والغريب أن منظومات الدفاع الجوي الشيشانية كانت صامتة عن القصف المباح بالرغم من أن مسخادوف أعطى أوامره بالرد الحازم على هذه الاعتداءات !
وتعطي هذه الحقيقة نتيجة واحدة لا غير وهي وجود اتفاق بين السلطات الروسية والشيشانية الرسمية بعدم التعرض والاعتداء. وصمت المدافع الشيشانية الرسمية مهضوم جدا طالما أن الهجمات الروسية تستهدف مواقع شامل بساييف وخطاب وباقي الثوار الذين لم يعطوا لمسخادوف فرصة التمتع بالرئاسة.
وعلى خطى الناتو تقوم روسيا الآن بتطبيق دروس الحلف الأخيرة بحذافيرها مع الأخذ بنظر الاعتبار دقة الأطلسيين وعلوا كعبهم التكنولوجي. فمثلا تستهدف العمليات الروسية المواقع الاقتصادية البحتة : حقول النفط ومصانع تكريره والإعلامية : مركز التلفزيون والاتصالات وكذلك الجسور ومطار " الشيخ منصور " الوحيد في الجمهورية الذي دمرته القاصفة العملاقة " أن - 2 " وهي الوحيدة من عائلة طائرات " أنتونوف " مخصصة للأغراض العسكرية. وتستخدم روسيا أيضا أقمارها الصناعية وبفضلها تم تعطيل كافة الاتصالات في الشيشان حتى المرتبطة منها بالأقمار الصناعية.
وأعلنت روسيا أيضا عن تدمير طائرة بساييف الخاصة وهي من طراز " سيسنا " ذات المحرك الواحد التي قالت موسكو بأنه يستخدمها في نقل المخدرات وكان قد اشتراها من باكو في عام 1997.
والمجمعات النفطية التي قصفت هي التي يمتلكها شامل بساييف فقط حيث دمر أكبر المجمعات النفطية الشيشانية في شمال غرب العاصمة الشيشانية. ويبدو أن غروزني الرسمية شامتة بالقائد الميداني لأنه حسب زعمها لم يوظف دولارا واحدا لغرض تنمية اقتصاد جمهوريته المستقلة ولم يمنح الأموال التي يحصل عليها لتطوير البنية التحتية المدمرة في البلاد ولم يفكر بإعادة الحياة لمدرسة أو مستوصف.
تجدر الإشارة الى أن عمليات القصف الروسية أصابت الكثير من الأحياء السكنية مما أدى الى مصرع المدنيين.
وتدل العمليات الروسية بأن موسكو قررت عدم الاعتماد على النفط الشيشاني وألغت فكرة مرور نفط بحر قزوين بخط باكو - نوفوروسيسك عبر الأراضي الشيشانية. وربما سيتم إحياء بناء خط بديل يمر عبر داغستان تطبيقا لفكرة رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين بفرض عزل شامل على الجمهورية القوقازية. وبناء خط بديل يمر بداغستان سيؤدي بلا شك الى زيادة الصراع المسلح حول السيطرة عليها. وستؤدي هذه الخطوة الى نتائج عكسية تؤجج أوار هذه الحرب بدلا من إيجاد حل سياسي - اقتصادي لها.
وكانت مسألة الخط الروسي لنقل نفط قزوين محور مناقشات وزير الطاقة والوقود الروسي فيكتور كالوجني في أذربيجان في الأسبوع الفائت. وهناك أعلن الوزير الروسي بأن حكومة بلاده قررت نهائيا بناء الخط البديل ( لنقل النفط الأذربيجاني عبر روسيا ) ولكنه لم يسم داغستان لأن مرور النفط عبرها بديهية جغرافية.
وأخبر كالوجني ممثلي أكبر 24 شركة نفط عاملة في أذربيجان بأن روسيا ستنقل النفط القزويني بواسطة السكك الحديدية حتى تنفيذ مشروع الخط البديل. وأكد على أن روسيا تستطيع نقل 12 مليون طن من النفط بهذه الطريقة سنويا. ولكن معطيات وزارة الطاقة الأذربيجانية تشير الى مليوني طن فقط.
واصبح من الواضح الآن تزامن القرار الروسي بالاستغناء عن أنبوب النفط المار بالشيشان بالقصف الذي تعرضت له المجمعات النفطية الشيشانية.
والقرار الروسي أثبت أولا ، أن كل الوعود الروسية التي منحت الى الرؤساء الشيشان بالتعاقب ؛ جوهر دوداييف وسليم خان يندرباييف وأصلان مسخادوف بعدم التجاوز على الشيشان وبناء الخط البديل لم تنفذ وكانت مجرد وعود. ثانيا ، يضع الإجراء الروسي مسألة نقل النفط عبر أراضيها موضع شك ، لا سيما وأن الخط التركي جاهز للعمل وأمين نسبيا بعد ورود الأنباء الخاصة بـ " استسلام " تشكيلات حزب العمال الكردستاني المسلحة.
أما المعطيات التي تفرزها عمليات الطيران الروسي في الشيشان فأهمها أن القيادة السياسية الروسية أعطت " كارت بلانش " للعسكريين ليحلوا النزاعات السياسية الداخلية. ومع الأخذ بنظر الاعتبار تضارب مصالح الشركات النفطية الروسية نفسها في القوقاز ، يمكن تصور حالة هذا الصراع عند انتقاله الى موسكو حيث ستكون لكل مجموعة نفطية جنرالاتها الذين يدافعون عن مصالحها هناك. وسيكون الأمر أكثر كاريكاتيرية عند التصور بأن لكل شركة نفطية روسية سربها الجوي الخاص ! وكانت التجارب الماضية قد أثبتت خطورة منح العسكريين الروس الحرية الكاملة وغير المشروطة في استخدام أسلحتهم لأن القرار العسكري مشروط ومحدد مسبقا بمصالح المجموعات المالية والنفطية التي هي بالأساس تدير الحالة السياسية في البلاد !
إذن ، فأن الحرب في القوقاز أشعلت الصراع النفطي في داخل موسكو ، وهذا أخطر صراع ممكن ونتيجته متعبة للغاية لأي متابع بسيط.
وعلاوة على ذلك فأن الـ " كارت بلانش " الممنوح للعسكريين الروس سيؤدي الى جر موسكو لحل مشاكل داخلية أخرى في الطريقة ذاتها. فماذا يمنع من حل مشكلة نتائج الانتخابات الرئاسية في قره شايفو شركسيا بالطريقة ذاتها ؟ ربما غدا يشعر الكرملين بالملل من مشاكل هذه الجمهورية ويعترف بفوز الكسندر سيميونوف ( القرشي ) ويقرر ضرب أية عملية تمرد يقوم بها الشركس بالطائرات ! والأمر نفسه قد يتكرر في مركز داغستان لو تعرض الأنبوب البديل للتفجير ( سيفجر حتما في حالة سماح " الإسلاميين " ببنائه أصلا ) وفي أنجوشيا وأوسوتيا الشمالية وفي أي مكان في روسيا حتى موسكو !

حوار مفتوح مع مواطنين شيشان


توضح الصور الخرائب التي حلت في المدن الشيشانية . ثمة بيوت دمرت كليا والقسم الآخر لم يعد صالح للسكن. وعموما فأن البيوت المهجورة أكثر من المأهولة بكثير. والسكان يستقبلون ضيوفهم بدفء وحب. لا يشعر حتى الروس بحقدهم المميز في عام 1995 عندما شهدت المدينة معارك طاحنة. شاهدنا الناس يحيطون بالعسكريين ويناقشونهم بـ "ديمقراطية" وحتى يرفعون أصواتهم عليهم. ولم نلحظ غطرسة ما في أجوبة الجنرالات ولا استعلاء هناك محاولات استرضاء ممزوجة بكذب محترف.
وقال أحد سكان المدينة بأنه يشعر لأول مرة في السنوات الأخيرة بأنهم " لا يعاملونهم مثل الكلاب " وأن السكان يريدون أن يعيشوا كالبشر في الكرة الأرضية مع الغاز والكهرباء والماء والغذاء وبلا دماء.
مع الحاكم العسكري
واشتركنا في حوار ضم " الحاكم العسكري " للمدينة مع المواطنين. كان الجنرال يسمع في بداية الأمر مطالبهم بهدوء . وهذه المطالب انحصرت في توفير مستلزمات الحياة الأساسية لهم طالما لعبوا الدور الأساسي في فتح المدينة وحقن دماء الجانبين. ولم يجد القائد العسكري الروسي أمامه سوى تكرار وعود السياسيين . وعندما اشتد الضغط عليه انفجر بالقول : ماذا عمل لكم مسخادوف وبساييف طوال السنين الماضية ؟ هل تريدوننا تحقيق كل هذه الأمور بأسابيع قليلة ؟
إدارة المدينة
ولم تعجب الشيشان وخاصة الشباب طريقة اختيار إدارة المديـنة وأثرنا مسألة تكرار سيطرة مراكز القوى على المدينة وعبر عن وجهة نظر الناس الذين لم يشعروا بتغيير فقد تم استبدال مسلحين ضد موسكو بآخرين موالين لها في الوقت الحاضر الأمر الذي قد يترك المدينة دائما تحت برميل البارود. فما أن يشعر هؤلاء بتضارب مصالحهم مع السكان أو موسكو حتى يشهروا السلاح مجددا ويعلنوا العصيان. لذلك ستضطر موسكو دائما لإرضائهم على حساب الأموال المخصصة لدعم الضمان الاجتماعي والصحي.
واتفق جميع المشاركون في هذا الحوار على أن المسلحين يتكلمون دائما من خلال فوهات بنادقهم بغض النظر عن توجهاتهم الدينية أو السياسية أو مصالحهم البراغماتية. وسيبقون في واد والشعب في واد آخر ولا توجد ضمانة من تكرار أعمال المسلحين السابقين في فرض السطوة والأتاوه والرأي وممارسة الطغيان بكل أنواعه على الناس المسالمين والمتعلمين والمتنورين.
محررون ومحتلون
أن الأسلوب الذي تتبعه القيادة العسكرية الروسية في الأراضي التي فرضت السيطرة عليها هو أسلوب احتلالي بما فيه سياسة " فرق تسد " واللعب على التناقضات الدينية والعرقية والعشائرية - المحلية واستخدام مستلزمات هي أبسط حقوق الإنسان مثل الكهرباء والغاز والماء كورقة رابحة للمساومة ( هذه القضايا تمثل عصب الحياة الأساسي في المناطق الباردة جدا وتكرار الحديث عنها كونها بأهمية الهواء للكائن الحي ). ومن المعروف أن روسيا لو كانت تشعر بأن هؤلاء مواطنيها ( من الدرجة الأولى ) من المعيب عليها مساومة شعبها بكم كيلو واط من الكهرباء وبعض الأمتار المكعبة من الغاز !! ولدى اقترابنا من مزاج المواطنين الشيشان فقد لمسنا صلابة وعزة نفس غير محدودة حتى في اللحظات التي يصرخون بها مطالبين بحقوقهم. ولو استمرت روسيا باستخدام العصا والجزرة والترهيب والترغيب فستصطدم عاجلا أو آجلا بما لا تحمد عقباه حتى من أكثر المسالمين.
طفل رهينة وآخر إرهابي
وتحدث مدير شبكة كهرباء غروزني السابق والذي أعطيت له مهمة الإشراف على عملية تزويد غوديرميس بالغاز بأن أفراد العصابات اختطفوا في مدينة بياتيغورسك أبنه البالغ من العمر 8 سنوات وبقى لديهم رهينة لمدة 8 أشهر الى أن حرره أقربائه باقتحام مخبأ قطاع الطرق وقتلوا منهم 11 شخص. وقال بعصبية : " نريد أن يقضوا عليهم على هذه المرة وهذه أمنية 90 % من سكان الشيشان ".
وقال شاب سمع هذا الحديث بأن القوات الروسية قبضت على صبي عمره 8 سنوات أيضا بدعوى أنه " إرهابي " وتسائل بسخرية : كيف تسنى لصبي بهذا العمر التحول الى إرهابي !
جنة تحت ظلال الحراب
وإذ يعلن معظم سكان المدينة عن ارتياحهم لرحيل المقاتلين فأنهم أكدوا بأنه حتى الحياة في الجنة تحت ظلال الحراب غير مرغوب بها. وعندما أثرنا هذه المسألة في حوارنا مع الحاكم العسكري عقب عليها قائلا بأن المدينة " حررت " منذ فترة ولا يمكن اعتبار ما نراه قاعدة للمستقبل. وأوضح بأنهم قرروا تدريب الشباب الذين تجاوزا سن الجندية وتشكيل وحدات نظامية تابعة للقوات الفيدرالية منهم. لذلك فأن الحراب التي نراها الآن سيحملها أبناء المدينة بدلا من الجنود الروس. ومما لاشك فيه أن عملية التجنيد بما فيها جمع الراغبين في ذلك وتدريبهم وتجهيزهم وإعدادهم بشكل مناسب سيتطلب فترة لا تقل عن 6 أشهر. وإلى أن يحين ذلك الوقت لا يمكن لأحد الآن التكهن بتطور الوعي الاجتماعي الشيشاني إزاء ما يحصل.
البديل
واستمرارا للحوار الذي كان سياسيا في معظمه طرحنا عليهم مسألة البديل كما يرونه. وأشار أغلب الشيشان فوق الثلاثين بأنهم يرون في روسلان حسب اللاتوف خير قائد للشيشان في المرحلة القادمة لما يتمتع به من موهبة وذكاء وإخلاص للشيشان. فيما عبرت الأقلية عن حيرتها في قدرة حسب اللاتوف في لملمة الصف الشيشاني الذي تتعقد تشكيلاته يوما بعد يوم. وأكد بعض الشيوخ بأن كل الحلول التي تطرحها موسكو الآن ستفشل وأن أية عملية استيراد حكومة من الخارج ستجابه بالفشل ، غير أنهم استثنوا حسب اللاتوف من هذه القاعدة وعبروا عن ثقتهم به رغم أخطائه ( دوره في سقوط دوكو زفغاييف رئيس مجلس السوفيت الأعلى الشيشاني والذي أيد الانقلابيين في موسكو الذين قاموا بحركة تمرد في 19 أغسطس 1991 ضد غورباتشوف وتشجيعه دوداييف بالقيام بانقلاب عسكري أطاح بزفغاييف في سبتمبر 1991 وانتزاع تأييد رسمي له من موسكو ومن ثم سحب هذا التأييد وحشد كل قواه لإسقاط دوداييف. وكذلك دوره الكبير في أحداث 3 -4 أكتوبر المأساوية في موسكو والتي فقد على إثرها منصب رئيس مجلس السوفيت الأعلى لروسيا الاتحادية).
ولا يؤيد أحد من الشيشان ما يسمى " حكومة المنفى " التي يترأسها سعيد اللاييف واعتبروا محاولات موسكو بدعم محافظ غروزني السابق بسلان غانتيميروف إعادة لسيناريو سيرغي شاخراي الفاشل في عام 1993 والذي أدى الى كل المصائب التي تشهدها الشيشان. ( كان سيناريو نائب رئيس الحكومة الروسية سيرغي شاخراي وقتذاك يتلخص في ضرب الشيشانيين بعضهم مع البعض الآخر دون تدخل من القوات الروسية ولذلك كانت موسكو تدعم بلا هوادة المعارضة الشيشانية المسلحة التي كان أبرز رموزها : بسلان غانتيميروف وعمر أفتورخانوف وروسلان لابازانوف ووجوه معروفة مثل البروفيسور روسلان حسب اللاتوف والبروفيسور سلام بيك حاجييف وعمر أفتورخانوف الذي كان محافظا لعروس مرتان الخارجة عن سيطرة دوداييف بعشائرها وشعبها ودوكو زفغاييف الذي كان يسيطر تماما على عشائر المناطق الشمالية. غير أن هذا السيناريو مني بفشل ذريع بعد فشل هجوم تشكيلات المعارضة الشيشانية المسلحة على غروزني من أجل إسقاط نظام دوداييف بدعم من القوات الروسية في نوفمبر 1994 ، الأمر الذي أدى الى اتخاذ قرار اجتياح الشيشان من قبل القوات الروسية مباشرة بعد أسابيع في حرب كانت أبرز نتائجها الحرب الحالية ).
صعوبات الحياة
وتحدث الرجال عن الألم الذي يشعرون به نتيجة فقدان فرص العمل وانعدامه عمليا الأمر الذي يعقد حياتهم ويحيلها الى بؤس حقيقي.
وأكدت النسوة بأن الحياة صعبة جدا بدون أية خدمات وموارد مالية وينظرن الى المستقبل بقلق طالما أن الحرب مستمرة ولا يجدون أمامهم خيار سوى تصديق الوعود الروسية والتشبث بها كأمل أخير.
900 غرام طحين عبر التلفزيون
وذكرت ربات البيوت بأنه تم توزيع 900 غرام من الطحين وبعض المعلبات لكل عائلة. وسألتهم : هذه الكمية يومية ؟ وأجابوا بالضحك: لا ، هذا ما أعطونا إياه منذ وصولهم حتى الآن ؟ قلت : كيف ؟ ماذا ستفعل عائلة كاملة بـ 900 غرام من الطحين ؟ فسروا ذلك بأن الأمر كان من متطلبات الدعاية حيث حضر كل مراسلي القنوات الروسية ليصورونا ونحن نستلم هذه المساعدات !!
وأشارت النسوة بأنهم يعانون من انعدام الماء . وتصل شاحنات تحمله لغرض بيعه وفي أحيان كثيرة لا يجدون النقود لشراء الماء الذي تحول الى وسيلة للتجارة.
وعن الأدوية فهي تباع في الشوارع بأسعار غالية حيث لا تعمل مستشفى المدينة منذ زمن طويل. ولهذا السبب هاجر الأطباء المحليين ولا يوجد طبيب واحد في المدينة الآن.
ماجستير بلا عمل
وقالت فتاة شيشانية تقف مع أمها بأنها حاصلة على شهادة الماجستير بالاقتصاد وتحاول جاهدة منذ سنوات البحث عن عمل. وهمهمت بأن البلد الذي يلعب بمقدراته من لم يكملوا حتى المدرسة ولا يوجد فيه اقتصاد لا يحتاج الى ماجستير في الاقتصاد. وأضافت بأنها أخيرا حصلت على عمل بعد أن افتتحوا إدارة المدينة ( المحافظة ) وستلتحق به اعتبار من يوم غد. مشيرة الى أنها ستقطع مسافة كيلومتران مشيا يوميا ذهابا وإيابا ومع ذلك فعلامات السعادة تبدو عليها بعد حصولها على عمل أخيرا رغم أنه إداري بحت ولا يتعلق باختصاصها.
الحكايات الروسية
وكانت طفلة مع أمها تحمل حكايات وقصص باللغة الروسية. وسألت أمها هل تتقن ابنتها اللغة الروسية ؟ أجابت بأنها معلمة وعندما كانت المدارس تعمل كان الأطفال يحبون مادة اللغة الروسية. وفسرت ذلك بأن كل الكتب ومجلات الأطفال وأفلام الصور المتحركة بهذه اللغة. ونادرا ما تجد أحد يتحدث باللغة الشيشانية سوى بعض الشيوخ فيما بينهم.
لماذا لم يرحلوا ؟
ووضحوا أسباب عدم رحيلهم من المدينة وتلخصت في قلة مواردهم المالية ، لأن الوصول الى انغوشيا يتطلب أكثر من ألفي روبل وهذا المبلغ غير متوفر لمعظم من بقى في المدينة. وقال شيوخ بأنهم يشعرون في بيوتهم كسلاطين ويرفضوا مهانة اللجوء حتى لو ماتوا في دورهم. فيما قالت بعض النسوة بأن لديهن أطفال كثيرين ورضع ولا يتحملوا الرحلة الى المجهول. كما توجد أسر فيها رجال ونساء طاعنين في السن لا يقوون على مشاق الطريق ومن المستحيل تركهم لوحدهم.
علقوا أبنه
وقال أحد الشيوخ بأن المسلحين قتلوا أبنه وعلقوه بجسر المدينة لأنه رفض الانخراط بهم ودعاهم الى مغادرة المدينة وعرض علينا الصحيفة التي اتهموا فيها أبنه بالتخاذل وحكموا عليه بالإعدام الفوري وبشكل وحشي أمام كل الناس ليثيروا رعبهم . وقال بأن أبنه الثاني بطل العالم بالمصارعة وكان مطلوب منهم أيضا لأنه قاد حركة مسلحة ضدهم ولكن مع اشتداد الضغط تمكن من الهرب وهو في باكو الآن.
وأضاف بأن الغرب طامع بثرواتهم أكثر من روسيا ويسعى للسيطرة على القوقاز. وتسائل : ماذا يمكن أن تصنع لنا ألمانيا أو الولايات المتحدة ؟ روسيا جارتنا ولا يستطيع أي منا تغيير خريطته. لذلك يرى أن الضغط على روسيا سيؤدي الى نتائج عكسية على شعوب المنطقة التي لن تر من الغرب غير الكلام الذي يصب لمصلحتها السياسية.وذكر بأنه استقبل حسب اللاتوف شخصيا في بيته في عام 1994 وأعرب له عن ثقته بقيادته. غير أن حسب اللاتوف ، برأيه ، رغم الشعبية الهائلة التي يتمتع بها في الشيشان فضل العيش بهناء في موسكو ولم يتحمل المسؤولية في وقت كانت فيه آمال كبيرة معقودة عليه. وأشار لنا بيده الى الساحة التي نقف فيها قائلا: " أنظر .. لقد امتلأت هذه الساحة عن بكرة أبيها وتسلق الناس الأشجار والبيوت .. لم يبق أحد في غوديرميس ألا وخرج لاستقبال حسب اللاتوف . وقال بمرارة : كيف يسمح لنفسه إضاعة هذه الفرصة ؟. وأردف بحيرة : مسخادوف ضعيف وارتمى بأحضان بساييف وحسب اللاتوف مستكين وسلبي رغم عبقريته وغانتيميروف سارق وقاطع طريق وسلام بيك حاجييف أبعد من أن يكون رجل دولة رغم أنه عالم مرموق وزفغاييف مليء بالعقد وارتمى بأحضان موسكو وأحرق كل الجسور وتحول الى موظف عادي في هياكلها ( الآن سفير روسيا في تنزانيا ). وأطلق حسرة : الله وحده سيحل مشكلة هذه البلاد !
كيف خرج المقاتلون ؟
شرح لنا سكان المدن الشيشانية التي سقطت بيد القوات الروسية عن كيفية خروج المقاتلين من مدينتهم كالتالي : انصرفت الوحدات التي كانت تحت قيادة روسلان غالاييف المتكونة من 600 شخص تقريبا مع 20 مدرعة وانتقلت سيطرة المدينة بشكل عملي الى تشكيلات الشقيقين ياماداييف الذين منحتهم السلطات الروسية الحق في حمل السلاح. وقامت القوات الروسية بعملية تطهير ظاهرية لأغراض دعائية بحتة حيث تم الاتفاق مع المقاتلين وخرجوا حتى بحماية المروحيات الروسية وتحت بصر الجميع وضح النهار.
والأخوين ياماداييف هما أيضا من القادة الميدانيين المعروفين والذين قاتلوا القوات الروسية في الحرب السابقة. لكنهم في الوقت الحاضر في وفاق مع مفتي الشيشان أحمد قادروف لسبب واحد وهو اتفاقهما على معاداة الوهابيين. وتحرس تشكيلات ياماداييف المفتي وتقوم بدوريات في المدينة. وهؤلاء أيضا مسلحون بشكل غير شرعي ولكن طالما موسكو راضية عنهم ومواتيين لها فهم ليسوا برجال عصابات !
وتحالف قادروف والأخوين ياماداييف ، على الأرجح ، وقتي فرضته ظروف الحرب وتعتبرهم موسكو " حصن للنفوذ الروسي ". ويحاولون الآن الحصول على نصيبهم من المساعدات الواردة من روسيا والأموال المخصصة لإعادة البناء. وإذا استقر الوضع لصالح روسيا كليا في الشيشان وظهرت فيها حكومة مدنية فلا يعرف كيف يمكن نزع سلاحهم.
وعينت مالكة حمزييفا وهي مديرة مدرسة سابقة في غوديرميس نفسها محافظة للمدينة بمباركة المفتي والأخوين المسلحين وتقابل المسؤولين الروس القادمين من العاصمة على أساس هذا المنصب. وعينت موسكو أيضا إدارة للمدينة. وثمة اقتراح يحتاج قرار سياسي من الكرملين لتنفيذه وهو اعتبار غوديرميس عاصمة للشيشان كخطوة واضحة لتقسيمها الى جنوبية وشمالية على الطراز الكوري والفيتنامي …الخ.
وأصبح واضحا أن التحالف الحالي في العاصمة المستقبلية للشيشان في حالة عدم سقوط غروزني أو إلغاء اقتحامها مؤسسا على اتفاق المفتي والإدارة المدنية والأخوين. وهؤلاء التقوا لأنهم يتبعون الطريقة القادرية التي يحاربها الوهابيون مثل كافة الطرق الصوفية ( الشيشان مقسمون الى نقشبنديين وقادريين ). وكان أصلان مسخادوف وهو من أتباع القادرية قد أرسل وفدا الى أحد أطراف بغداد وقابل الكردي محمد كسنزاني الحسيني الذي يدعي بأنه زعيم الطريقة القادرية في العالم وكان الوفد برئاسة أحمد حاجييف قاديروف مفتي الشيشان قبل خلعه من قبل جماعة بساييف.
ومن الواضح أن موسكو تلعب على وتر التناقضات الدينية في الشيشان ، إذ أن قادروف ومسخادوف كانا قد أعلنا قبل سنتين بأن حربهما القادمة لن تكون مع الروس ، بل مع الوهابيين. وبعد أن انصاع مسخادوف لتأثيرهم لم تجد موسكو سوى قادروف الذي استقبلته في الأسبوع الماضي بكل حفاوة وقابله فلاديمير بوتين الذي وصف المفتي بالرجل المحترم الذي لم يلطخ يديه بالدماء. وأضاف " لا يمكن وصف قاديروف بأنه شريك ملائم جدا للتباحث فله رأيه في كل مسألة ولكنه يستحق الاحترام ويمكن توليته الثقة ".
والتقينا المفتي أحمد قاديروف قرب حاكمية المدينة ( أصبح فيما بعد رئيسا للشيشان واغتيل في منتصف عام 2004 ) وكان محاطا بغابة من البنادق وتحاورت معه في أمور كثيرة وخاصة عن مستقبل البلاد بعد العملية العسكرية. وكانت آرائه تتفق تماما مع ما ذكره الناس. وأكد بأن الأهالي هم الذين أوفدوه الى موسكو لمناقشة سبل تطوير الأوضاع في غوديرميس. وعبر عن اعتقاده بأن العام الجديد سيشهد تحولات كبيرة على صعيد تطوير الحياة في المدينة وإعادة كل المرافق الاجتماعية التي كانت مغلقة.
ولاحظنا طبيعة العلاقة التي تربط المفتي بالأخوين يامادييف وتركت لدينا انطباع بأنها أبعد من أن تكون علاقة بين مفتي وحراسه الشخصيين. فهم يبدون وكأنهم عصابة مسلحة وشكل المفتي وطريقة حديثه تجعل منصب " المفتي " آخر شيء يمكن أن يصفه به شخص لا يعرفه مسبقا !