الخميس، 10 يوليو، 2008

مطار كابول متعدد الأقطاب أيضا


مطار كابول كبير من ناحية الحجم وفيه كل متطلبات المطارات الحديثة من ناحية التصميم ومدرجه واسع لدرجة أن باستطاعته في دقائق عشر استقبال طائرات روسية وأمريكية وفرنسية وبريطانية وأمم متحدية ، وإقلاع مثلها.
سمائه مفتوحة هي الأخرى لطائرات كل الدول المعنية بأمر أفغانستان. فلا يمر الوقت دون مشاهدة واحدة أو أكثر تمتزج بغيوم العاصمة لتجد لها خلوة في زواياه.

الأيام الأولى
كان الهبوط في كابول مباشرة قريب للحلم لكل من عاش أيام الحرب الأولى. لم تجر الأمور بالبساطة هذه طوال أشهر الحرب الأربعة الأولى. كان الجزء الأكبر من طاقة الصحافيين وأموالهم تهدر قبل أن يعبروا الحدود الأفغانية من هذا البلد أو ذاك وأسمائها ليست أسرارا عسكرية.
تحملت طاجيكستان الضغط الأكبر من أفواج الصحافيين وتحملوا أيضا ضغطها. فقد استقبلت عاصمة فتية كدوشنبه نحو ألفين صحافي دفعة واحدة وبدون مقدمات واستعدادات. لم يكن أحد مهيأ لهم ولم يشأ أي صحافي التسكع في طرقات دوشنبه بانتظار فرج الدخول الى أفغانستان. وكانت الجماهير التي تمثل كل وسائل الإعلام في العالم تنحدر بلا انقطاع ضاخة جموعها في أروقة الخارجية الطاجيكية والسفارة الأفغانية في الجمهورية.
وإلى جانب ترتيب الأوراق والاعتمادات وتأشيرة الدخول الى الأراضي الملتهبة وما تتطلبه من وقت ومال وأعصاب ، كان هناك ما هو أعظم : كيف يمكن الوصول الى شمال أفغانستان ؟ كيف يمكن اجتياز ولو بضعة أمتار من الحدود ؟
خاطر الصحافيون كعادتهم كل حسب تدبيره وحنكته وإمكاناته ، ولا توجد أية كلمة الآن بعد هبوطنا المريح في كابول ، تصف مرارة تلك الأيام وما فعلته خاصة في تلك اللحظات التي تشعر فيها بأنك لا تساوي شيئا. ولأننا سنتوقف حتما عند هذه الأوقات الشديدة الوطأة ، كان من غير الممكن التحدث عن مطار كابول دون تذكر الزمن الدوّار وكيف أمضى بالخطوات وعصف بكل العبارات.

مقبلات مدبرات
هي الحركة الأولى والأخيرة التي تصيغ يوم مطار كابول. فثمة مدرج واحد للإقلاع والهبوط. وعلى المقبلات انتظار المدبرات ليسنوا النسيم والتوافق في مطار الأحلام.
وهذا التوافق لا تقرره الأجهزة الحديثة غير الموجودة لدى الأفغان العاملين في المطار. فلكل دولة سننها وأجهزتها وناسها الذين ينسقون مع الطائرات المقبلة والمدبرة على السواء.
والأمر لا يشبه الأفلام البوليسية تماما ، بل يقترب الى أفلام الحرب والمخابرات. وإذا كان للأمريكان قاعدة جوية " صغيرة " ملحقة مباشرة على مبعدة أمتار من مدرج الهبوط والإقلاع ، فللروس سياراتهم الجيب المعتمة المزودة بكافة وسائل الاتصال اللازمة.
لم نعرف ما يدور في القاعدة الأمريكية لأنها محاطة الى جانب الأسلاك الشائكة بالممنوع الحازم. غير أن السيارات الروسية تصطف بلباقة على مدرج المطار مباشرة وبدون استئذان ويتصرف أصحابها كما لو كانوا في أي مطار روسي، بل أكثر. كان الشبان الروس الضخام بما فيه الكفاية ، يعرفون وصول طائراتهم بالثانية ويتحدثون أمامنا مع الطائرات المقبلة ويتمازحون مع الطيارين ويباركون لهم هبوطا مريحا.
كان مشاهدة كابينة القيادة والسيطرة في المطار من على متن سيارة جيب معتمة في غاية الظرافة لمن عبر أرض أفغانستان لأول مرة على ظهر حمار أو مشيا على الألغام.

اتفاق الجنتلمان
لا يمكن لأحد ملاحظة أية كراهية بين أصحاب النفوذ الكبار سواء في مطار كابول أو أية بقعة من الأراضي الأفغانية. ويبدو أن اتفاق الدول الكبرى كان قويا وتصميمهم على " حل " الموضوع الأفغاني جادا هذه المرة. وخلال ساعات طويلة من تواجدنا في مطار كابول " الإجباري والاختياري " لم نلحظ إطلاقا أي مخالفة بين الأطراف المعنية. فلكل دولة مساحتها في المدرج الاحتياطي ولا يمكن لأية دابة أو بشر من دولة أخرى اختراق مساحة الآخرين : في المكان الذي اتخذه الأمريكان قاعدة لهم لا يصل غيرهم وفي المساحة التي أختارها الروس لطائراتهم ورجالهم لا يطأه غيرهم ( أو من يوافقوا عليه ) وكذلك الحال لمساحة البريطانيين والفرنسيين وأهل الأمم المتحدة.
والمثير ، أن هذه المساحات غير مرسومة على الأرض بطباشير مثلا ، بل محسومة سلفا باتفاق ربما غير مكتوب ، هو على الأرجح اتفاق الجنتلمان الذي لا يريد الخوض في الصغائر عندما تحيطه مهام كبرى.
لا رموز ولا إشارات ولا دلائل ، هناك الهدف الأسمى الذي أرسى المستقر وأزال الفرقة وجعل كل الشبان الضخام الذين تشع حتى عيونهم وتدل كل سيمائهم على أنهم رجال الأجهزة الخاصة ، منشغلون بالعمل ومسرعون لا تفرق عندهم ما تظلل أفكار هذا أو ذاك من الفضوليين وهواة التصوير.
جسد هؤلاء على أحسن وجه نظرية " المطار المتعدد الأقطاب " بلا غموض وباحتراف تشهد عليه دقة التنظيم وعدم حصول أية حادثة تعكر الحياة الجديدة التي تشهدها البلاد والعاصمة ( ما حصل لوزير الطيران الأفغاني لا علاقة له ولهم بهذا الحديث لكونهم ليسوا طرفا بتسيير الرحلات الأفغانية لأن للأفغان مساحتهم أيضا في المطار التي لا يتدخل في شؤونها أحد ).

مطار الهرج
لعل الحرب الأهلية الأفغانية واحدة من أندر الحروب " الأهلية " في التاريخ التي يمتلك كل أطرافها طائرات حربية خاصة بهم. ليس هذا فحسب ، فلكل طرف كانت مطاراته العسكرية أيضا.
ولهذا السبب ، حاولت الأقوام المتنازعة في خضم الحرب ، تدمير مطارات وطائرات الخصم ، لأنها الوحيدة القادرة على الوصول الى أراضي العدو والنيل منه في ظل التعقيد الشديد في المسالك الأرضية.
وما يثير الاهتمام ، أن كل من يسيطر على العاصمة سواء في أوقات السوفيت أو نجيب الله أو رباني ومسعود لغاية طالبان ، عليه استقبال ضربات الجميع. لهذا السبب ، ما من ملّة إلا وأصابت مطار كابول مقتلا. وعلى الزائر الجديد تمييز الطائرات المدمرة الآن : من منها للسوفيت وأيها لنجيب وخردة مسعود هذه أم لطالبان ؟
هي بانورما قاسية لتاريخ الحرب الأفغانية ، تلك الطائرات المدمرة الموزعة في كل أنحاء مطار كابول ، أموال الناس والبلاد والأمة ، والتي لا يكلف أحد نفسه إزاحتها أو حتى إخفائها بالرغم من مرور السنوات العجاف وغياب كل أبطال التدمير عن الحياة والسياسة.
وتصبح مهمة وأثر تاريخي وربما استراتيجي ، حال الاقتراب منها لتصويرها ، حيث ينبثق من تحت الأرض من يهددك ببندقية ، هو كل ما يعرفه في هذه الحياة للابتعاد والامتناع عن التصوير.


خدمات متجولة
وجود الأمريكان والروس وغيرهم مهضوم ومعروف ومتوقع على مدرج مطار كابول. ولكن أن يأتي لك سائق تكسي مباشرة على المدرج ويعرض خدماته عليك هذا لا يكون إلا من فضل ربي !
والأكثر مرحا ، لا يأتي سائق التكسي لوحده ، بل بصحبة مترجم واحد أو أكثر. وهؤلاء الظرفاء يعرفون بحدس غير خيالي : إذا كانت الطائرة قادمة من روسيا فيجلب معه من يتحدث الروسية ولو كانت من فرنسا فمترجمه يتقن الفرنسية وهكذا يبدأ التفاصل على الأسعار بالساعات أو حسب الأيام فوق أرض المدرج مباشرة !
وحسب الخبرات السابقة في العمل في أفغانستان ، كنا نعرف أن وجود سائق تكسي أو مترجم على المدرج لم يكن بالصدفة البريئة وهؤلاء لا ينكرون المستور. فمنذ اللحظات الأولى تصلك العروض المألوفة : تريد اللقاء مع كرزاي … مع الدكتور عبد الله … أتفضل أولا مع قانوني أو فهيم … تريد الذهاب الى هيرات لمقابلة إسماعيل خان أولا أم نعرج على دوستم في مزار شريف … عروض لا نهائية ما أن تطأ قدميك المدرج المستحيل.

الختم الخرافي
على جوازنا توجد تأشيرة دخول أفغانية مدتها ستة أشهر ومتعددة السفرات ومصدرها ، وهذا الأهم في الموضوع ، السفارة الأفغانية في دوشنبه. وبما أن أهل العاصمة والمنتصرون هم طاجيك أيضا ، فلا وجود لمعوقات روتينية بانتظارنا ، لا سيما وأن الجواز مليء بتأشيرات دخول نقطة الحدود الطاجيكية - الأفغانية وممتلئ بالفيزات الطاجيكية نفسها ، ناهيك عن المرات التي دخلنا وخرجنا من أفغانستان دون العثور على أحد يبصم الجواز خاصة في أسابيع الحرب الأولى.
كنا نتصور أن الأمور تغيرت وصار عندهم مطار دولي ، ولابد من وجود كابينة لحرس الحدود يختمون الجواز بود هذه المرة. وللإنصاف جاءنا شخص وطلب رؤية الجواز على المدرج مباشرة وبعد أن تفحصه قال سآخذه واستلمه بعد خروجك. وبصراحة لم أعطه الجواز بناء على مظهره ، فلم يكن هذا المنظر يوحي بأنه من أهل الحدود ولا بلا حدود. اعتذرت منه متحججا بأنني انتظر مجموعة من الأصدقاء سيهبطون قريبا لنتجه سوية للفندق.
وفعلا غاب هذا الرجل وحتى تلاشى ولم نر طلعته. وتوجهنا الى حيث توجد الكابينة المزعومة لحرس الحدود لنحصل على ختم الدخول ، فماذا رأينا : لا أثر لأي شخص رسمي عدا الحمالين والسواق. انتظرنا ساعتين دون أن يظهر أحد. ولو أضفنا لهذه الساعتين ساعات الانتظار على مدرج كابول وأكثر منها الطيران ونصف يوم انتظار في مطار عسكري روسي لحسدنا الجسد على وجوده والأعصاب على تحملها. وسرعان ما سمعنا فكرة لطيفة من السائق الواثق مختصرها نذهب الى الفندق ونلقي بأمتعتنا هناك ومن ثم نتدبر أمر الختم ! وافقناه بلا تفكير. وبدون الدخول في الحيثيات انتهى الأمر أن أحد شباب وزارة حالة الطوارئ الروسية أخذ جوازنا في الفندق مباشرة ووضع عليه ختم الدخول الذي كان يحمله في جيبه !! هل بالمستطاع نسيان هذه المعادلة التي لم يخترعها أي مفجر للنكات : روسي يختم لعراقي في فندق انتركنتنال كابول !!
بعد هذه الجملة هل ثمة حاجة للحديث أكثر عن مطار كابول !؟