الأربعاء، 9 يوليو، 2008

نهر كابول .. بقى منه الاسم فقط


يقابلك أينما ذهبت ، ممسكا بالمدينة. دليلك نحو الزحام وسائقك النائي. ومهما أشرقت عليه الشمس لن يتجلى بذلك الالتماع والبهاء بعد أن تحول الى رابية ، بل ساقية يمكن لفأر القفز عبرها : نهر كابول أقفل مزلاجه واقترب الى مراتب المستنقعات المؤذية .. تحطم هو الآخر وأبيدت أسماكه وضفادعه التي طالما ناغت للقوارير. أخرسّت زمجرته وانقطعت ألفته ، متكئا على مطر يعاود الكرة مرة في الشهر أو يلبث في الأفق سحابا لئيما.
والثلوج التي كانت ينبوعه السيّال ، ترفض الذوبان والانصياع لمشيئته. جفت سواقيه واهتزت الأشجار المحيطة به عطشا فوق عطش. وإذ راق لها أن تقاوم تخطو بحذر لذل المدفئات.
ولِمَ الجسور الـ 35 تنهش أحشائه طوال المدينة وعرضها نحو الضواحي كمشانق رقطاء ، طالما تلمس الطريق في البياض والسواد واحد ؟
ركع ثعبان العاصمة للمشاة الذين يعبرونه غير مبالين بماضي أمواجه. فالماء لا يحب الشجار.
ملّ من تغيير أسمه مرات ومرات حسب إرادة الشوكة لا الوردة. ومع كل المهانة التي تحمّلها من الأسياد والثلوج والمطر، ما زال يغسل ثياب المدينة ويشقق أكف النسوة النابضات.
حولوه الى كراج لغسل سياراتهم وإسطبل لدغدغة حواس خيولهم ومبولة اشتراكية. وقريبا سيفتتحون الأسواق الليبرالية في قاعه ، فقد غرقت الحياة فيه واقتبس أعمار الراحلين بعد أن كان يهيأ وجبات إفطارهم.
كل الذين تسللوا إلى كابول لم يروه ولم يشكو من حدته وانصياعه. لم يلحظه أحد هاربا ، منحرفا عن باقي السيول. لم تدمع عين أمام دموعه الخاملة ولم تتشذب يد لفك عقدته. لم يزج أحد نفسه بالسؤال العابر : أين اختفى النهر ؟ هل هرب كشبح وتنازل للفيضان المنقرض ؟
سنين وسنين يهب كل من يلجأ الى جوانحه ظهيرة ناعمة وحقولا وسلالا واخضرار ورطوبة للأرض الخشنة وخبزا وزبدا وأطفال وملاعب وزوارق وبريق ضوء لا يقاوم. فأين أنفاس أمواجه ؟ ومن الذي خنقها ؟
السر في الماء الذي يردد صداه : لا يفتح النهر أبوابه للديار التي تحارب !