الجمعة، 11 يوليو، 2008

كيف يمكن حل العقدة الشيشانية ؟

تعتبر الحالة في شمال القوقاز بين جورجيا وأرمينيا وأذربيجان من جهة والمقاطعتين الروسيتين كراسنيارسك وستافروبولسكي من جهة أخرى في المثلث انجوشيا والشيشان وداغستان واحدة من أعقد المشاكل التي تواجهها روسيا اليوم .
فقد كان هذا الإقليم جزء من روسيا شكليا حيث قطنه على امتداد القرون الشعوب الجبلية التي قاومت التوسع الروسي من البحر الأسود حتى بحر قزوين . وإذا انتصرت روسيا في النهاية فان ذلك جاء نتيجة الهجرة الجماعية الى الشرق الأدنى والأوسط . وحافظت هذه المناطق على عقائدها رغم الرقابة الصارمة من روسيا وتميزت بالأخص في مناطق الشيشان الجنوبية الجبلية التي اختلفت بشكل حاد عن المناطق الروسية الأخرى . تتفادى روسيا من مصير تفكك الاتحاد السوفيتي ، إذ قسمت الى عدة مناطق ذاتية الحكم حتى في تلك المناطق التي يمثل بها الروس أغلبية ساحقة . ولكن هذه المناطق تقيدت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في إطار روسيا ولم تسع للخروج منها ، بل ان مجموعات أثنية كالتتار تأصلت في سنوات وجود الإمبراطورية الروسية وأرثها الاتحاد السوفيتي مدخلها عنوة في الحقل الحضاري الروسي العام وفي الدولة أيضا . وأصبحت مناطق الشيشان الجبلية " ايتشكيريا " الاستثناء الوحيد إذ لم تدخل العشائر المحلية في بطن الحضارة الروسية ولم تتحرر من أنقاض النظام التوتاليتاري ( كان هذا النزاع موجــود دائما ) وتعدى ذلك ليصبح في مواجهة الدولة الروسية نفسها . بالتالي كانت آلية المنازعات الناشئة هناك مبرمجة أعمق بكثير من إدخال القوات الروسية عام 1994 طاجيكستان نشأت النزعة الشيشانية للدولة المستقلة لأول مرة تاريخيا على أساس مواجهة روسيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وبالذاكرة التاريخية عن التهجير القسري والنضال الطويل في القرون الماضية . حدث الانشقاق في الوقت الحاضر أيضا . كان الجزء الشمالي السهلي موال لروسيا وبقى الجزء الجنوبي الجبلي ضدها . لذلك ليس من المصادفة أن يستبدل المنتصرون في الحرب أسم الشيشان بجمهورية ايتشكيريا . نسبة للقرية الجبلية الجنوبية التي ينحدر منها معظم المحاربين . وسيصبح هذا الانشقاق أكثر وضوحا وراديكالية عندما تحصل الشيشان على الاستقلال الرسمي واكثر مما يحدث في طاجيكستان. فخلافا لنظام الدولة القديم جدا في فقط .
وتساهم الحالة الراهنة في العلاقات الدولية وخاصة في الشرقين الأدنى والأوسط وهما نواة الحضارة الإسلامية التي رسخت جذورها في آسيا الوسطى والقوقاز بدرجة ما في تطوير العمليات الجارية هنا .
إن استيقاظ الآليات الحضارية غير الأوربية للنهوض بالمجتمع بعد نوم اضطراري طويل لا يتناسب مع توسع بلدان مثل تركيا وإيران وأفغانستان .. كان بعض المجاهدين يطالبون بتوحيد الطاجيك الساكنين على جانبي الحدود السوفيتية ـ الأفغانية . غير إن آفاق تغيير ميزان القوى الداخلي الحاد والمدمر لأفغانستان نفسها بردت الرؤوس الحامية للوحدة . يوجد هذا الاحتمال في حالة حدوث " قفزة الى الشمال " كذلك بالنسبة لتركيا وإيران . لا تجاور البلدان العربية مباشرة الجنوب السوفيتي السابق والروسي الحالي ، غير إن من المشكوك فيه إن إخلال الاستقرار هناك سيستجيب لمصالحها . أولا ، سيجعل تحول بلدان شمال القوقاز المستقلة سلوك الكثير من القوقازيين الساكنين في البلدان العربية ذوي الشأن غير متنبأ به وسيتغير ولائهم لزعماء البلدان التي يسكنون فيها . لقد برز هذا بوضوح في الأردن . حيث كان الشيشانيون المحليين يعطون ولائهم بالدرجة الأولى لجروزني التي لم يروها أبدا وأثروا وتأثر بهم نظام الأمن المعمول به في البلد.
ثانيا ، يعتبر العالم العربي تحول مناطق القوقاز الى بلدان ذات سيادة كضربة في مواقع الدولة الوحيدة التي يمكن أن تلعب دور الثقل المقابل للولايات المتحدة ويفقدهم هذا التحول فرصة المناورة مع الغرب . والمعروف ان المواجهة السوفيتية ـ الأمريكية كانت توفر في الماضي للعرب ميدان واسع للمناورة .
ولا نرى خطرا من ظهور تجارب أصولية في بلدان مثل إيران أو أفغانستان لأن ظفر الأصولية حول سرعان ما الى قوة للدولة البراغماتية كما يحدث في إيران الآن . كما ان العالم الإسلامي تميز بتراجع الأصولية تحت تأثير الآليات المستقرة للحضارة الإسلامية نفسها . فإذا تطالب الأصولية بإعادة توزيع السلطة والملك ( في حالة الشيشان إلغاء هيكل المجتمع العشائري ) ستضطر للدخول في منازعات مع السكان المحليين . ولا يمكن السيطرة على الوضع الا بفرض حالة الطوارئ كالحالة المتشكلة في أفغانستان الآن وفي الثمانينات بعد الانقلاب الشيوعي الذي أيد دخول القوات السوفيتية . وأصبح هبوط نفوذ التيار الديني السياسي في أفغانستان حينذاك أمرا طبيعيا مثل انطلاقته بعد سحب القوات السوفيتية وانصراف الشيوعيين من المضمار السياسي . ولقد تحول هذا التيار الى " الأخ الصغير " لحركة الطاجيك الجبليين المحليين الذين يسيطرون سوية مع الأوزبيك الأفغان على خمس أراضي البلاد فقط ويمكن فهم عدائهم لأصولية طالبان من هذا المنطلق أيضا . أما الحركة الرئيسية السياسية في أفغانستان ( طالبان ) فهي تشابه الأصولية في الظاهر وفي حقيقة الأمر فهي حركة تقليدية لا تسعى للثورة الإسلامية بقدر سعيها لتوطيد نظام تقليدي مصادق عليه من الإسلام . بالتالي إذا اعتبرنا ان التدخل السوفيتي بعث الأصولية في أفغانستان ، فأن عدم التدخل الروسي هناك سيدفنها .
هذه النظرة السريعة سببها تسمية البعض الشيشان كـ " أفغانستان الثانية " ويربطون ذلك بالتدخل غير المتأمل للقوات الروسية هناك . ولكن لهذه المقارنة أساس أعمق : تريد روسيا أيضا دفن الأصولية في الشيشان عن طريق تشغيل الآليات الحضارية القوية وجعل الاتجاه للحصول على السيادة خارج إطار روسيا يتقهقر ( وإن يجري الأمر بدون فهم وخبرة ) . يغرسون في أنجوشيا وداغستان ، مثلا ، التشريع الإسلامي وتشكيل فصائل الدفاع الذاتي وإنشاء حواجز بين الشيشان والمقاطعتين الروسيتين كراسنادارسك وستافروبولسكي وتساعد روسيا بنشاط العشائر في هذه المناطق للتمكن من الدفاع عن نفسها بدون مساعدة الدولة معتقدة بأن هذه الخطوات ستقرب الموقف الروسي من بلدان الشرق الأوسط والأدنى لكي تصبح أكثر ولاء لروسيا .