الجمعة، 11 يوليو، 2008

كيف دمرت طالبان مدنا أفغانية بأكملها ؟


" لن تعلن الحرب بعد ،
بل ستستمر الفظائع"
- أ. باخمان -

تنتصب مدينة ستاليف على سلسلة جبال ترقد على مبعدة 30 كيلومترا شمال كابول بمنظر لا يستطيع العابر أن يتخطاه.
فالأشجار اللامعة مع الشمس أو الثلج تتساقط كأشرعة بيضاء أو كمطر بطيء يسير على القصب المخضوضر في فضاء ينقش الأسماء مرة واحدة لتبقى خالدة في براعم النباتات الحلوة.
هكذا التصقت ستاليف بالجبال ، مقبولة للسماء والأرض ، أنثى تستأذن الماء المنحدر بين الصخور ليسقى المصبات المستغرقة في خواصرها الجبلية المضيئة. أما طرقها فتدلف بجوار المنعطفات الطبيعية ، فكرتها الأساسية تخدم عبور الحيوانات والبشر ، دون استنطاق الآليات وعناصر الفتك الأخرى.
عاشت كل المخلوقات في هذا المكان الساحر عقود وقرون وتكفلت الجبال بأرواحهم وتبنتهم ووحدتهم مع الأشجار والرياح ومنابع المياه التي لم يكتشف أحد أسرارها.
لم يطلب سكان ستاليف المساعدة من أي كان ، وحتى جسورهم الصغيرة التي نشروها كي لا تعيق أقدامهم نقاوة المياه المتمشي بين الأخاديد الجبلية بنوها من أسرّتهم الحديدية.
هنا إذن ، لا يوجد تطفل لابتكارات قرون المعرفة ، فيها تكنولوجيا الطبيعة والروح المصنوعة بالماء والشمس والثلج والأوراق الرحبة الاخضرار وفيها دوران النهار والليل أظافر القناديل والتماعة العيون.
عاش الناس هذه الأبّهة حتى أرغت الكراهية وإمعان الحياة القاسية في أدلجة الطبيعة. هكذا ببساطة قرر الأمراء الشبان في طالبان فرض أيدلوجيتهم حتى على الطبيعة وحاولوا تغيير ما منحه الرب علانية للأرض بإصدارهم " فتوى " منعوا بموجبها زراعة الكروم. وصادف أن ستاليف وأهلها منذ القرون الماضية توارثوا هذه المهنة من أجداد أجدادهم … فما الحل مع هذه الفتوى ؟
لم يستوعبها وعي الفلاح ، وكانوا مستعدين استبدال أوردتهم وأعصابهم بغصن كروم وأفئدتهم بعنقود عنب ودمائهم بنهير يمرح بين الحجارة. وكان صراع الثنائية المتضادة دون قصد : السلطان والطبيعة ،، السلطة والرقة الفائقة ، براكين النار وجداول الأنهار. فكيف انتهت إليه قائمة الحساب :
في فجر شديد الخصوبة ، زعزعت حوافر طالبان المتشهية للموت أهداب الجبل مدمرة بعجلاتها الوحشية المفاسل ومخازن الفواكه المخروطية موقظة فزع الحمامات الوديعة. لم يقاوم الناس الجرافات والتراكتورات والدبابات وقاذفات اللهب. كل ما فعلوه أن أحنى الرجال بظهورهم على أطفالهم خوفا من رؤيتهم هذا المشهد الكابوسي. استمرت عملية حرق مزارع الجبل ثلاثة أيام بلياليها ، تبعتها أيام طويلة وشاقة قام الطلاب بهدم كل البيوت وحرق كل الدكاكين ، وتبين الصور أنه في حي واحد أحرقت طالبان نحو ألف دكان ومتجر كان يمكنها إعالة كل النفوس القاطنة شمال كابول.
حتى أشد الكوابيس تنبئا ، لم تفلح في تصوير المشهد الذي أنتجه آلات الرعب ، لم ينجح السكان من إخفاء ولو مائدة العشاء. كانت النار تتقدمهم والأجساد أخذت بالطوفان في الدروب التي ما عدت دروبا ، والنفوس التي وطنتها الظلمة بعد ألق ما بعده شفاء.


كان قادة التدمير يتتبعون رائحة الحياة حيثما كانت وباقتدار يحسدون عليه كانت مطارقهم تهوي على جهود البشر وطيب العيش.
هو الإثم أن تبسط لك الشمس جناحيها ويضخ لك الجبل كل الهدايا
غلاظا لم يدنس الحب أفئدتهم ولم يترك فيها فجوة للمهجة وهامش للجمال
دفع سكان ستاليف ثمن مائدة الطبيعة وتقويمها العادل.
ألا يعلم أهل الشورى بأن النبي الأخير كان يحرم قلع شجرة وهدم جدار وإزالة سقف واستباحة مستغيث والتنكيل بأعزل ؟؟
يعترف أي زائر طارئ لهذه المحرقة بصعوبة اختيار أبشع مرأى لنتائج فوضى الدابة العاصية. قال أحد سكان ستاليف العائدين إليها بعد زوال الأسباب :
- لم يكن من السهل التعرف على المكان الذي كان فيه بيتنا !
كل من التقينا في المدينة المنفصلة عن الوجود كان ينفث ذاكرته لتجيب عما حصل في تلك الأيام الدخانية ، وما أن تنطلق الكلمات حتى تتحول الى حروف هشة غير مترابطة ، فالذاكرة لا تستطيع تصوير كل هذا الوهن.
لم يكتف الطلاب بما أنجزوه ، بل زحفوا الى بلدة شكردره وقرى مجاورة أخرى لا معنى لترتيب حروفها كلها الآن وأعادوا كل ما فعلوه بستاليف.

ليس من المفهوم على الإطلاق تدميرهم للبيوت لو كانت المعصية الكبرى تكمن في زراعة العنب. ولو فهم هذا العجب ، فكيف سمحت أيديهم بتدمير مساجد المنطقة ؟
ولابد من التأكيد على مسألة هامة وهي أن دوافع طالبان على هذه الفعلة الجهنمية لم تكن عرقية ، بل كانت عقائدية. ويدل على ذلك أن المتضررين من حركة تصحيح الطبيعة كانوا نحو 40 ألف شخص من البشتون ، يسكنون حاليا في مجمع السفارة السوفيتية في كابول.
وقال هؤلاء بأن طالبان وعدتهم ببناء مساكن جديدة لهم وأن سكنهم في السفارة إجراء مؤقت حال اكتمال المباني. غير أن المعروف عن الطلاب عدم قيامهم ببناء طابوقة واحدة في هذه البلاد وتفننهم في التدمير فقط.
وهكذا انتظر الأشقاء البشتون هذا الوعد منذ صيف 1998 ، حتى اللحظة التي تلاشى فيها الطلاب من كابول وتركوا المدينة للسادة الجدد. وإذا كان الطلبة من البشتون لم يرحموهم فهل سيعتني بهم الطاجيك ؟

لقد خسر هؤلاء الماضي والحاضر ويعد مجمع السفارة السوفيتية الذي يأويهم واحد من أكثر المناطق خطورة في كابول ، لأن السكان هناك لا يثقون بأي شيء ولا يريدون حتى التحدث مع أحد وركبتهم عدوانية غير طبيعة ، هي نتاج طبيعي لما آلت إليه أوضاعهم.
أما سكان المنطقة من الطاجيك فقد التجأ أغلبهم بعد هذه المحرقة الى بانشير حيث الأغلبية العظمى من الطاجيك وقسم منهم تسلل الى طاجيكستان أو إيران. وحال تغير الأوضاع عاد بعضهم للتفتيش عن الأماكن التي كانت تزدهر فيها بيوتهم.
وكان في استقبالهم رعاة الإنسان ليمنحوا لكل عائلة عائدة خيمة وكيس طحين.
وفي النتيجة ، تشاهد الآن عدد من الخيام تصطف على هضبة في المدينة يسكنها أهل المنطقة الذين ينتظرون الصفح من الأشجار الخربة وأوراق الكروم المنقرضة والحمامات الهاربة ومنابع المياه التي لم يتبق منها سوى أسمائها.