الجمعة، 29 فبراير، 2008

فينيسيا: المنال الغارق في الفرح والأمواج












فينيسيا - د.جمال حسين علي:

لكل ميناء أخلاق، وأخلاق فينيسيا الجمال. وعميقا في أرجاء المدينة - الجزيرة يدركك شعور بأنها خلقت فريدة، غير أن مصيرها الذي لا يبان كحورية مالت الى الجمال كثيرا تضعك في جوف مسرح عرائسها لتتخطى بنظراتك في كل الاتجاهات علك تعثر على جوهر وجودها وتخمن سر كل هذا الجمال المجتمع في مكان واحد. ذاقت فينيسيا مئات المرات ملوحة أمواج 'الأدرياتك' واجتنبته في كل مرة بمعجزة شفاء خيالية والتطلع بفصول سيرتها يجبر على التوقف عند مؤتمرات لخبراء ومتخصصين يناقشون تحت شعار منظمة بريطانية 'فينيسيا في خطر' الحلول لانقاذ مدينة شكلتها الآثار وسوقها التاريخ بالآثار المكتفية بلعبة الماضي والمستقبل معبدة مجرى المياه الطافح على زواياها كخبز داكن ليس بالضرورة زيادته كنقصانه مالئة تلك المياه أفواه الزائرين بأسئلة لا يتقن أغلبهم دواخلها، فالمدينة لا تترك لأحد فرصة التقاط أنفاس التذمر ولا حتى وصفها بما يليق. عند ساحة القديس مارك وهي 'الداون تاون' الفينيسي بكل اشراقته وزهوه، ثمة بقع من الماء لا يجوز وصفها بالبحيرات المتناثرة، تبدو كأن مطرا عابرا مس شغاف المدينة تدبر أمره في صفحات التاريخ ورطبها وطار كبساط ضائع في الكونولعل الشعور بالماء أول ما يقفز في ذهن أي زائر، غير أن الأمر قد لا يتعدى مكون المدينة التقليدي، وما يخشاه من يحب المدينة هو ذاك الماء الزائد الذي يسمونه: الفيضان! والفيضان كان قد أغرق فينيسيا عام 1969، الأمر الذي دفع الحكومة الايطالية باطلاق مشروع 'موسى' كلفته أكثر من 4 مليارات يورو سيبدأ تنفيذه عام 2011 لانقاذ المدينة ببناء سد تحت الماء أثار الجدل الواسع وسط. وسدود الماء عبارة عن 78 حاجزا للفيضانات توضع ما أن يهدد المدينة الفيضان وترفع ما أن يزول الخطر بشكل ميكانيكي محسوب بعناية.وثمة خطة أخرى تنحصر في استغلال الماء الزائد في رفع المدينة نفسها وذلك بضخ كميات من مياه البحر تحت ارض المدينة في 12 أنبوبا يصل طول كل منها الى 700 متر، ويعتقدون ان ذلك سيرفع من الأرض بنحو 30 سم في غضون 10 سنوات. من الصعوبة تفسير حالات المد التي تشهدها فينيسيا، فقد كانت 7 حالات مد في العام مطلع القرن العشرين، في حين ازداد هذا الرقم ليبلغ 200 يوم من المد في العام الواحد منذ مطلع القرن الجديد. فالساحة المباركة بالطيور والابتسامات والفرح والكونية التي جمعت كل الأجناس على طبق من بهجة، داهمها الفيضان مائة مرة في العام الواحد، بعد أن كان يتحرش فيها قرابة عشر مرات فحسب، لذلك فان مجرد الاحساس بدنو أجل المدينة بسبب الماء، سيخنق الضحكة وذكريات الأمل في مدينة الملائكة.
مدينة النهضة
فينيسيا التي يسكنها أكثر من ربع مليون نسمة بقليل والتي تؤطرها مائة جزيرة أو أكثر، تترابط ببضع مئات من الجسور وآلاف الشوارع الضيقة طالما تمتعت بسيادتها وسطوتها وقوتها بسبب البحر الذي جعلها في يوم ما من القرون الوسطى دولة قوية بذاتها أذرعها قوتها البحرية وجمالها مسرحها الدائم وعمارتها التي لا تضاهى وجندولها الخالد الذي لا يجاريه نهر في السحر والتميز. (في الألفية الأولى سيطر أسطول فينيسيا على الأدرياتك وكل الممرات البحرية الى فلسطين واحتكر التجارة الى المناطق العربية).هناك يتدحرج التاريخ من ساحة القديس سان ماركو لغاية انتصاب قصر جيوفاني داريو مرورا بالغنج المتباهي لمبنى غارديني وزهور شارع الشيطان والمحبين الذين يتنامون في ساحة سان ماركو والألعاب التي لا تنقطع مع الطيور والألحان القادمة من عازفي المقاهي القريبة الذين يفرشون قدر الموسيقى وانصهارها بالماء الذي يمسح كل الخطايا. لا يحتاج متحف دوكالي ومتحف الزجاج الناطق سوى الى الابطاء في السير والتوقف تحت الثريات والقطع البالغة الثمن المزخرفة بالذهول وتلك الوجوه المثمرة الأقنعة المستوحاة من عمق أعمال رسامي عصر النهضة والنحاتين الكبار الذين أمعنوا في تجسيم خيولها البرونزية الجامحة.
مدينة الأحياء
لو يتضايق الزائر المحب للهدوء والطبيعة من الحشود السياحية في سان ماركو فبامكانه التراجع نحو المناطق الأهدأ نحو شرق المدينة باتجاه قلعة الكاستيلو والشوارع البوهيمية الأنيقية المحشورة بالكنوز الفنية التي ستلقي به الى كنائس كاناريغيو المضروبة بالافتتان وسيلقى المتعة في مشاهدة الأعمدة المزخرفة بالمناظر المجسمة في سان بولو التي تعد أماكن مثالية للتجول. ثمة ثلاثة طرق رئيسية ترتبط بسان ماركو ينبغي المرور منها للقبض على سر المدينة وتشكل مثلثا من ميدان سان ماركو باتجاه جسر ريالتو ومن ريالتو الى أكاديميا المزروعة بفخر بكل انتاج عصر النهضة المتأخر والكلاسيكي والقوطي والبيزنطي المتوجة بكنيسة دي سان ماركو والتي تضم ضريحه في عام 830 ميلادي والتي أعيد بناؤها في القرن الحادي عشر ومساحتها 4000 ياردة مربعة من الفسيفساء المذهبة وفي حالة الظفر والصعود الى قمة الكنيسة يمكن مشاهدة فينيسيا عبر 360 درجة دوران واذا تمكن المرء من تحقيق ذلك فجرا فلا توجد كلمات تصف شعوره ولا مفردة تحصر ما سيراه حينها. ومنها سيكون سهلا الوصول الى مربع Palazzo Ducale وهو قصر رئيس القضاة ومسكن زعيم فينيسيا ومركز الادارة القانونية والسياسية المليء بالقطع الفنية الثمينة والمزين بالآثار النادرة وهناك أيضا Biblioteca Marciana و piazzetta حيث المكتبة ومقر التعليم في المدينة، ثمة العديد من الغرف التذكارية مفتوحة للجمهور تشرح وتفسر تاريخ جمهورية فينيسيا وفي الوسط لا بد أن تنتبه الى لوحة Carpaccio المشهورة بالسيدتين الفينيسيتين.ومن ميدان سان ماركو ستهبط أقدامك الى سوق ريالتو حيث ستمر من خلال مربعات سانت سلفادور التي تسكن أديرتها الاتصالات مركز ايطاليا المستقبلي الآن والذي سيزودك بمعولمات كافية لرحلتك التي ستجبرك على التوقف عند كنيسة سان استيفانو والتطلع الى برجها المائل. لا يمكن حصر القصور والمعارض والمباني الدينية في تحقيق واحد فالمدينة عبارة عن متحف كبير لا يمكن أن تغفر لك الأيام اذا لم تشاهد كاليري أكاديميا وجامعة فينيسيا وكاريتا ودورسيدور والمعرض الشامل لصور فينيسيا والحائط المليء باللوحات المصمم من قبل الرسام الكبير تينتوريتو والسرادق البيضاء في الكنيسة الباروكية الرائعة وبلازا فينيرا وبيت بيجي غوغنهام وأعمال بيكاسو وكاندينسكي وماكس غيرنست وغيرهم.
التيه الرائع
ستتيه حتما في فينيسيا وهذا أروع شيء ستفعله بك الأقدار، فالتيه سيلقي بك للتجول اسفل الممرات الضيقة حيث تدفق المياه وارتطام الأمواج أسفل النوافذ وسيقودك الجسر نحو آخر الى متاهات القنوات وفي حالة شعورك بالتعب، أسأل أي شخص هناك، فواجبه ومتعته الحقيقية سيجدها حين يرشدك الى الاتجاه الذي تريده. مدى المدينة يحق التساؤل: الى أي مدى تسير فينيسيا؟ وكيف يمكن الكتابة عن هذه المدينة لمن لم يرها بعد؟ فلم تمر دقائق دون سماع البوق التقليدي للسفن وهو يقدم التحية خلال وصوله الى مرافئها. العديد من السفن العملاقة تلقي بالزوار كل عشر دقائق تقريبا وبذلك يصعب جدا احصاء الداخلين اليها والخارجين من هذه المدينة التي ستبقى طالما نريد لها أن تبقى الى الأبد وفيرة متدفقة جذلة الفرح، ثمرة حبنا الذي افتضح.