الأربعاء، 27 فبراير، 2008

المدينة الدائمة روما .. ومن نبجل غيرها حيث تؤدي كل الأحلام إليها








روما - د . جمال حسين علي:

من الصعب للغاية التحدث عن روما والقفز على تاريخها الفظيع الغزارة والتنوع والعمق ، غير أننا سنفعلها ، وإن كان في هذه الجرأة نوعا من البطش نتحمل حسرته ، فروما لا تحتاج إلى تعريف عابر ، لأن باستطاعتها التحدث عن نفسها منذ أن صارت بيتا للكنيسة الكاثوليكي ة والحكومة الإيطالية كعاصمة لإيطاليا عام 1870 حيث جريان الماء بهدوء بين تلالها السبعة خالقا تعرجات واسعة تبدأ بالسهول الصغيرة حيث يسكنها الأكثر نفوسا بين المدن الإيطالية الذين حدد عددهم إحصاء 2001 ب 2,459,776 شخصا.إذن روما الأكبر بين المدن الإيطالية والأكثر سكانا وتتميز بسهولة الوصول إليها من كل المناطق الإيطالية ومن ذلك فهمت العبارة الشهيرة: كل الطرق تؤدي إلى روما.والطرق الآن تغيرت وكذلك الوسائل ، حيث تدوي قطارات 'اليوروستا ر' بدخولها وخروجها بين الفينة والأخرى وأزيز القطارات الكهربائية بين المدن المحاذية وحافلات الخدمة الليلية والطرق البرية الكثيرة والمطاران اللذان ننبه الى عدم الخلط بينهما حينما يفضل البعض الوصول بالطائرة ، فهناك مطار Fiumicino (يسمونه أحيانا ليوناردو دافنشي) الواقع في المنطقة الجنوبية الغربية بمبعدة 26 كيلومترا عن مركز روما، ومخصص للرحلات الداخلية والخارجية على السواء وأكثر رحلات مناطق وعواصم الشرق الأوسط عبره والمطار الثانيCiam pino الواقع في المنطقة الجنوبية الشرقية ويبعد 13 كيلومترا عن روما ويستخدم بشكل رئيسي للرحلات المحلية والطائرات الدولية المستأجرة. مرور تاريخي كل المؤرخين التقليديين دونوا ميلادها في 753 سنة قبل الميلاد من قبل Romulus ، غير أن تطورها الكبير بدأ في القرن العاشر قبل الميلاد، وتأسست فيها أول جمهورية في التاريخ قبل أن تصبح مركز واحدة من أكبر الإمبراطور يات التي عرفتها الإنسانية. أطلق عليهاCaput Mundi (رئيس العالم في العصر الروماني) بالمدينة الأبدية وبقوانينها وفنونها المتحررة، وعلومها شعت أنوارها وغطت كل العالم الغربي لغاية تعرضها للغزو على يد البربر وهزيمة فرانكس وبداية ظهور قوة الباباوات وسيطرة الكنيسة على السلطة التي جعلتها 'إمبراطوري ة مقدسة'، وكانت في حقيقة الأمر 'امبراطوري ة فساد' شجع تناميه القتال بين العائلات الرومانية النبيلة الذي أبرز قوة الباباوات وهيمنتهم على وسط إيطاليا بما عرف وقتذاك بالولايات البابوية. الانبعاث الكبير لروما انبثق في عصر النهضة والمراحل الباروكية، لكنها سياسيا تحررت من الهيمنة البابوية في عام 1871 فقط بعد أن أصبحت عاصمة لإيطاليا بعد التمرد المعروف ضد السلطة الدينية المسمى تاريخيا ب 'تمرد بورتا بايا' الذي رص صفوفه ما يعتبره الكثيرون حتى الآن في إيطاليا بطلا قوميا: جيوسيب غاريبالدي. وابتداء من التاريخ المذكور أعادت روما دورها في التاريخ الأوروبي وتشكلت فيها الحكومة الإيطالية وانزوى الباباوات في الفاتيكان الذي حافظ على حضوره ليومنا وأصبحت أهم مركز ثقافي فني في العالم يجذب ملايين السياح كل عام ليطلعوا على القطع الفنية الأشهر لعصر النهضة وما بعده.المدينة الاستثنائي ةما تحتويه روما من ميراث فني استثنائي في كل المقاييس ، ويعد شهادة مطلية بالفخر لماضيها العميق ورحلتها الرائعة في الإنجاز الفني الذي تحقق على يد خالدين أمثال برامانتي ورافائيل ومايكل أنجلو وماسولينو وبيريغينو وبوتيسيلي وغيرالنديو والمصممين الكبيرين اللذين يعدان سادة الباروكيين بوروميني وبيرناني اللذين تركا شاراتهما في كل معالم المدينة: قصورها وفيلاتها ونافوراتها وغير المذكورين ممن جمعت أعمالهم في المتاحف المشهورة للمدينة والفاتيكان (أغلب أعمالهم كانت برعاية بابوية).وروما تعتبر المركز الببليوغرا في الأكثر أهمية في إيطاليا. فمكتباته العامة شاملة ومتنوعة وعميقة إلى حد بعيد ( لا نستثني مكتبة الفاتيكان الفريدة والرهيبة والبالغة السرية). وهناك الجامعات الرسمية وغير الرسمية والأسقفية والأكاديمي ات الفنية الرفيعة المستوى والمختلفة التخصصات وفيها المركز الإيطالي للفنون والسينما المشهور بالتسميةci necitta الذي يعتبرونه 'هوليوود الإيطالية' الذي أنتج شرائط سينمائية وسيناريوها ت وممثلين لا أحد من أي جيل يمتلك الحق في عدم معرفتهم. تطعم نفسهابغض النظر عن كون روما تعتبر المركز الإداري والسياسي الإيطالي، فانها تسند نفسها للثلاثية التي خصصنا فيها ميلان: الصناعة والتجارة والسياحة. فالمدينة تطورت بشكل مؤدب وبدون قفزة راديكالية منذ أن خلعت عنها الاقتصاد البابوي الراكد مستبدلة إياه باقتصاد صارم يعتمد على الإدارة الرسمية وبنوك كبرى ومشاريع حكومية وشركات تأمين ، وأدى تدفق السياح عليها إلى ازدهار تجارتها التي أنجبت مشاريعها المتوسطة والصغيرة وانتعشت فيها تقنية المعلومات والتقنيات الحيوية وقطاع الاتصالات، وساهم في أهميتها وجود الحكومة والبرلمان والمحكمة الدستورية والسفارات والمنظمات الدولية والبنوك والشركات الرئيسية ، الأمر الذي أدى إلى زيادة دخل العاملين في كل هذه المؤسسات. روما المعاصرةتشهد روما مهرجان مايو السنوي والصيف فيها كله مهرجان للأوبرا والمسرح والأدب وماراثون روما الشهير وبطولات التنس ومعارض الأزياء ونشاط المتاحف الذي لا يتوقف على مدار العام. وبعيدا عما حصل في روما الفاشية وما جرى لها في الحرب التي دخلتها إلى جانب برلين النازية في عام 1940، فانها بعد الحرب العالمية الثانية توسعت بشكل كبير وبنيت فيها قاعدة عريضة من الصناعات الى جانب المنتجات الإيطالية التقليدية كالمنسوجات والطباعة والملابس المتطورة والأغذية المعلبة والمكائن والورق والأدوية وكذلك الأفلام السينمائية . للسهولة يمكن تقسيم روما إلى منطقتين: وسط المدينة وما وراء جدار 'إيرولاين' المبني في نهاية القرن الميلادي الثالث والممتد نحو التلال السبعة حيث كان مقر الحكومة لمدة طويلة والبلاطيون وفيه قصر فلافينز الذي بناه الإمبراطور الروماني دوموتيان.غير أن المركز التاريخي للأباطرة والباباوات والعائلات النبيلة والغنية الذين ترك كل منهم بصماته وآثاره وإشاراته البالغة الأهمية ، فيحتل منطقة صغيرة ويقع في شرق المدين، مما جعل روما مستودعا هائلا للأنصاب والتماثيل عبرت عن فترات مختلفة، ولسوء الحظ لم تحمل الحقبة الزمنية للملوك الرومان السبعة والحقبة الجمهورية الكثير من الآثار ، لكن بقي منها على قيد الحياة واحد من أروع صور التاريخ وهو الColosseu m وإن كان محطما جزئيا بمدرجه الضخم لرؤية المصارعين والنصب المتنوعة والجدران القديمة وأقواس النصر وأماكن الاجتماع العلني والكنائس والقصور والحمامات وسراديب الموتى والأنفاق القديمة تحت المدينة والأضرحة وشواهد المدينة قبل انحطاطها وحرقها الذي نجا منه نحت مايكل أنجلو في كنيسة القديس بيتر.وهناك ميدان ديل كامبيدوغلي و حيث يرتفع تمثال ماركوس آيروليس وميدان نافونا بنافوراته الثلاث ونافورة تريفا حيث يرمي فيها السياح عملاتهم المعدنية وميدان دي سبانا حيث الآثار الإسبانية المشهورة المبنية في القرن الثامن عشر منها يمكن الصعود إلى كنيسة ترينيتا مونتي المبنية في القرن الخامس عشر والتي ستطل من برجها على روما كلها. تذكارات زمانناومن التذكارات المعاصرة الأعمال النحتية التي ظهرت بمناسبة تنظيم روما الألعاب الأولمبية عام 1960 والمسجد الإسلامي الأول في روما الذي افتتح عام 1995 بعد أن استغرقت فترة بنائه 20 سنة ويمكن رؤية الهندسة المعمارية للمسجد مباشرة من نهر تايبر حيث امتزجت الحضارتان الرومانية والإسلامية في تصميمه. لا يخلو شارع في روما من تاريخ طويل ومعقد يحتاج إلى دراية ودراسة ومعرفة ، فميدان فينيسيا في المدينة وحده يكلف الكثير من المطالعة لفهم محتوياته المسيطرة عليه النصب المشيدة من عام 1895 لغاية 1911 تكريما لفيكتور ايمانويل الثاني الملك الأول لإيطاليا المتحدة ، وكذلك ميدان دي بوبلو الواقع أسفل تل بينوسيو الذي استخدم في القرون الوسطى كميدان لسباق الخيول وفي قلب توريستك على طريق فيتوريو فينتو صمم أواخر القرن التاسع عشر ميدانا لإحياء الانتصار الإيطالي في الحرب العالمية الأولى، وفي الشمال تجد أحد أكبر المتنزهات في روما حيث حدائق بينوسيو المكتظة بالنصب المهددة بالتدمير بسبب التلوث والاهتزازا ت والحركة الفوضوية للمرور. صيف روماينشط في الصيف واحد من أفضل مسارح الأوبرا في إيطاليا وهو دار Ifaly ويزداد الارتياد على حمامات Caracalla وأجوائها الفريدة. وتفخر المدينة صيفا بحفلاتها الموسيقية التي تقام في المدرجات القديمة والمتاحف وبين الآثار والمجموعات الفنية الأقدم في روما كأعمال إيتروسكان والفن الروماني المكشوف وأعمال فيللا جيوليا في المتحف الوطني والبيت الريفي للبابا يوليوس الثالث المبني في القرن السادس عشر، ومتحف النحت ومعرض بورغيسي، والمتحف الروماني الوطني وتصميمات مايكل أنجلو الأكثر جمالا في الفن الروماني واليوناني بما في ذلك أعمال ليودوفيشي المميزة، وقصر فارنيسي الذي بدأ تشييده عام 1514 ولم ينته إلا في عام 1589، والقصر الفينيسي العائد للقرن الخامس عشر الذي تتوهج فيه الأعمال البرونزية الفريدة، وقوس قسطنطين المشيد على شرف الإمبراطور قسطنطين بعد انتصاره على الماكسينيي ن، وملعب ماسيمو الذي كان في القرن الرابع قبل الميلاد يسع لأكثر من ربع مليون متفرج جالسين وكان قبلا مضمارا لسباق الخيول وقتال الحيوانات، ومنتدى أغسطس المبني بمناسبة الانتصار الذي حققه ماركوس أنتونيوس في هذا الشهر على قتلة القيصر الذي استمر بناؤه 40 سنة كمعبد مكرس لمارس المنتقم الهائج على أعدائه رافعا رماحه معتليا عربة تجرها خيول جامحة. نحو الماءليس ثمة مدينة في العالم غنية بالنافورات مثل روما ، ومنذ الحقبة البابوية تمت إعادة وتزيين عشرات النافورات التذكارية احتفالا بقوتهم ولغاية اليوم يمكن شرب الماء العذب النازل من الأفواه الكبيرة للأسود المقلدة بالحنفيات المذهبة.وتعتبر نافورة ميدان ريبوبلكا الأكثر جمالا في روما الراهنة تليها نافورة موسى ونحت الحشرات الثلاث في نافورة بيرنيني ، لكن نافورة دي تيرفي يعتبرها البعض الأكثر شهرة وإدهاشا في روما التي بنيت في عام 1629 من قبل جيان لورينزو. أقواس النصر العنصر المعماري للأقواس ولد في روما كرمز للولاء وتخليد الأبطال بعد كل معركة ينتصرون فيها يعبرون تحتها احتفاء بمآثرهم البطولية. وزاد في روما بعدما كثرت حروبها ، عدد أبطالها. ويمكن بدء الرحلة لمحبي هذا الطراز من المعمار القديم في منطقة Velabro عند حدود Foro Boario حيث يرتفع القوس الشاهق ل Giano المبني تكريما للإمبراطور قسطنطين. وخلف كنيسة سان جورجيو هناك قوسArgenta ri وهو أكثر من قوس وبوابة ، وهناك قوس تيتوس الذي يعتبرونه الأكثر شهرة في روما والمصمم من قبلDomizia no شقيق الإمبراطور . مدينة المسلاتفي روما ثلاث عشرة مسلة ، لذلك يسمونها مدينة المسلات (الإمبراطو ر أغسطس استحوذ على مسلتين مصريتين وجلبهما إلى روما)، ومنها عرف الرومان المسلات حيث شيد كاليغولا مسلة واحدة في سيرك ماسيمو وكلف إيسيس بتصميم خمس أخريات يعتبرونها الأطول والأعلى ارتفاعا في العالم ( 38,18 مترا).يذكر أن في الحضارة المصرية كانت المسلات تشيد كتشبيه لإله الشمس آتوم را كمثلث قوة يرتكز على الضوء المقدس للشمس بوجهه المتجه نحو السماء واستغلت في روما لتصوير 'عظمة' الإمبراطور ية الرومانية وفيما بعد السلطة البابوية.