الأربعاء، 27 فبراير، 2008

جمال حسين علي في حوار حول تجربته في النقاط الساخنة









كان فوزي بجائزة الصحافة العربية تتويجاً لثلاثين سنة من التخصص في الريبورتاج الصحفي




جريدة "الوقت" - المنامة - علي الديري :




يقدم جمال حسين الصحافي العراقي اليوم في بيت الزايد للتراث الصحفي محاضرة يستعرض فيها تجربته الصحفية في تغطية حروب الثلاثين سنة الأخيرة والتي توجها عام 2004بفوزه بجائزة الصحافة العربية في مجال الريبورتاج الصحفي.حاصل على دكتوراه في الفيزياء والرياضيات من جامعة موسكو ودكتوراه في الإعلام والعلاقات الدولية من معهد العلاقات الدولية في موسكو.
صدر له مجموعة من الروايات منها "صيف في الجنوب"،" الفنارات"، "التوأم" وفي الريبورتاج الصحفي سيصدر له قريبا مجموعة من الكتب منها: "افتتاح ثقب الإبرة" عن تجربته في تغطية حرب أفغانستان و"نهوض الجحيم" عن عن تجربته في تغطية حرب الشيشان ،"مذبح الأزهار" عن تجربته في تغطية حرب كردستان ،"شبابيك الأئمة" عن تجربته في تغطية حرب العراق،"عنفوان المجرة" عن تجربته في الأهوار.
خلاصة تجربته تقول: إن الحروب تشكل خارطة المدن والمراسل الحربي يشكل خارطة الحقيقة، في هذا الحوار يتحدَّث جمال حسين عن تجربته في تشكيل خرائط حقائق المدن الساخنة.

كتبت ما يقارب الألف ريبورتاج ولا يمكنك العثور فيها على اثنين متشابهين في الموضوع أو اللغة أو الصورة
الصحافة هي ريبورتاج
خضت حروب ربع القرن الأخير كلها
ما رأيته وعشته، جعلني أنسى حتى عدد المرات التي مت فيها وحييت
مهما كانت متانة الخطط التي توضع قبل الوصول إلى النقاط الساخنة فإن تسعة أعشار أكثر الريبورتاجات لمعاناً وتألقاً تصنعها المفاجآت بمسراتها وأوجاعها لا التخطيطات.
لا أحب زيارة المدن المستقرة فهي تبدو لي أكثر ضجراً بهدوئها
الذين يروون الحقيقة كما يرونها ( في النقاط الساخنة) نادرين في هذه المهنة!


السيرة الصحفية


- كيف تشكلت سيرتك الصحافية؟

^ تجاوزت الثلاثين عاماً منذ الريبورتاج الأول المنشور في العام 1974 في وقت كان فيه نشاطي القصصي والروائي في مطلعه متشابكاً مع الاهتمام العلمي المدرسي والجامعي ومن ثم في مجال الدراسات العليا المتخصصة. في غضون ذلك لم تمهلني الصحافة ولم أتخل عنها لدوافع أساسها قربها للأدب، وبامتزاج الاندفاع الأدبي بالعلمي تشكلت الصورة العامة للسيرة الصحافية التي سألت عنها، والتي استقرت في هيئة مراسل الحرب الذي خاض فيها كل حروب ربع القرن الأخير، كلها تقريباً بدءاً من الحرب العراقية – الإيرانية مروراً بحروب الجمهوريات السوفيتية فيما بينها والشيشان وأفغانستان والبوسنة وكردستان ودارفور والعراق وأخيراً لبنان.

- تبدو سيرتك هذه تشكيلة من علوم مختلفة وتجارب مختلفة ولغات مختلفة ومجالات مختلفة وجغرافيات متنوعة. كيف أغنت هذه التشكيلة خبرتك الصحافية؟

^الخبرة الصحافية يقويها ويؤسسها العمل الجاد والفعال والمثمر بالنجاح، وبدون النجاح ستتقهقر الخبرة ويذبل القلم معها وتنتكس الهمة ويهوي الصحافي عندها عند قاع التقليدية وروتين العمل اليومي.
إن أول شيء انتصرت عليه في التوثب الصحافي، محاولتي حرق المألوف والدارج والمتوقع، وهذا لا يتيسر في عمل المراكز الصحافية وخلف المكاتب، أنه متاح في الميدان فقط، ومنه، وبمثابرة غير طبيعية وبجهد استثنائي وسوبر حرفية يمكن الخروج بتقارير لا تضاهى ولا تتكرر.
وحول هذا الموضوع، لم أكتب مطلقاً، لعلي لا أستطيع إحصاء الريبورتاجات الآن وهي ليست أقل من ألف ريبورتاج بالتأكيد؛ لا يمكنك العثور على اثنين متشابهين في الموضوع واللغة والصورة، أكثر من ألف ريبورتاج كل مختلف عن الآخر، بالمعالجة وطريقة الطرح والسرد والتكنيك واللغة، إنها حالة المغرم بتغيير أزيائه باستمرار ولا يعود أبداً إليها بعد ارتدائها، أسمي هذا الابتكار المستمر ومنه أطمح في التأثير على المهنة، لا العكس، وحين نؤثر في أي مهنة ندفعها إلى الأمام، نقوي عودها ونجملها بالأحسن والأحدث وبذلك فقط تتطور الحياة.
غربة الريبورتاج

- يبدو التحقيق الصحافي (الريبورتاج) جنساً لم يتوفر على خبرات معمقة في الصحافة العربية. من تجربتك المميزة في هذا الجنس الصحافي، كيف تفسِّر هذا الأمر؟

- الصحافة هي ريبورتاج وليس مقالات رأي وأخبار تختلف في تصنيفها الوكالات، هي ريبورتاج الجريدة الخاص، هذه مهمة الصحافة الرئيسية وعدا ذلك فالأمور تصفف يومياً بابتذال وتقدم إلى القارئ.
أما بخصوص عدم توفر الخبرات المعمقة في صحافتنا، ذلك لأن الريبورتاج أصعب فن في الصحافة ولا يهدى النجاح فيه إلا بعمل دؤوب متكامل، فيه الصورة عنصر يدفع المعلومة، والأسلوب يتناغم مع الموضوع، على كاتب الريبورتاج التمييز حين يكتب عن ليل مدينة وحرائقها، وحينما يكتب عن الحب ليس بنفس لغة الحديث عن الأنهار، وما أن يجبر على وصف الموت، فلديه مهمة أخرى تختلف عن نيته حين يقرر الكتابة عن الجمال، ورسائل الميدان تختلف بنمطها عن سواها، فالمعارك لها لغتها لا تتواءم حين تزيحك اللغة وأنت تراقب نزوح مئات الآلاف من جبهات القتال، وعندما تبحث كأي أنثروبولوجي في أسرار المدن والناس والتاريخ، فلذلك لغة أخرى وأسلوب يتغير برمته ما أن يجرك الحديث عن خدع الدنيا وآلامها وحتى طرائفها.
ليس لدينا كتَّاب ريبورتاجات من الطراز الأول، ولا يوجد لدينا مطلقاً مراسلو حرب متخصصون، إن مراسل الحرب وحده حالة فريدة في الصحافة، له مميزات خارقة عن العادة، لا يوجد الآن متسع لتفريغ محتوى هذه العبارة البالغة التعقيد.


جائزة الصحافة العربية

- فوزك بجائزة الصحافة العربية2004 في فئة التحقيقات الصحافية. ماذا يعني لتجربتك؟ وهل لفت الانتباه إلى أهمية هذا الجنس الصحافي؟

^ كان الفوز تتويجاً لثلاثين سنة من التخصص في الريبورتاج لا سيما الحربي، وهو علامة جودة كما يحلو لأهل البيزنيس تسمية منتجاتهم، وللأسف هو تتويج شخصي وليس عاماً يشمل الجنس الصحافي كما أسميته. فالقائمون على الصحافة عندنا وأقصد الممولين وأصحاب الصحف وأحياناً من يديرها، لا يهمهم جداً ما يشغلنا نحن الواقعين في فرن الصحافة ومطبخها، إنهم يقيسون الأمور قدر ما تدر عليهم من مكاسب مادية ومعنوية ومنزلة وسلطة، ولو حققت هذه الأمور أمور ومواد بعيدة عن المهنة ومبتذلة لا يتوانون عن تشجيعها، لذلك فإن الصحافة ويا للغرابة، أكثر مهنة في التاريخ دخل فيها المتطفلون، عشرات الآلاف من الصحافيين لا يجيدون تحرير نص مقبول، فكيف يستطيعون خلق ريبورتاج أصيل بصوره وقضيته الجديدة ومعلوماته الدقيقة وشموليته وخلفياته وآفاقه والحلول التي يقدمها؟ إن الصحافة تعاني كثيراً لأن أهل بيتها ليسوا صحافيين متمرسين، وهي في أغلب الأحوال قص ولزق وتركيب. عليك أن تنظر لآلاف الصفحات التي تصدر يومياً في منطقتنا، قلبها فقط، هل ستظفر بعمل خلاق؟!

- تجربتك في تغطية الحرب في الشيشان وأفغانستان والبوسنة وكردستان والعراق وغيرها، كيف تروي كل تجربة منها؟

^ لا أستطيع روايتها، ولا أريد. لأن ما رأيته وعشته، جعلني أنسى حتى عدد المرات التي مت فيها وحييت، أقدر الخروج بدروس، لكن روايتها بالغة الصعوبة، هناك كل يوم تتعلم درساً جديداً، لقد تغيرت الصحافة كما تغيرت تكنولوجيا وأساليب الحروب، والتوقف عند الخبرات المتعارف عليها سيلقي بك في مهب الريح، هناك لا ينبغي كتابة تقارير عادية لأن الحرب غير عادية، والصحافي عليه التغلب والانتصار على الحرب نفسها لكي ينتصر.

- بم يتسلح مراسل الحرب؟

^بشدة المراس والتصميم وقابلية تنقية الخير من الشر، معرفة الشر ومعارضته أياً كان مصدره وأي دبلوماسية في هذا الأمر ستشطر المراسل إلى نصفين، واحد للأخلاقيات وآخر للإعلان. لا يكل ولا يمل، دؤوب، قادر على العمل لساعات طويلة، يصبر على الشدائد والمعوقات والوقت المهدور دون إرادته، متحفز ونبيه وفضولي، نادر يتفوق على حب الاستطلاع الإنساني التقليدي، مؤمن بنجاحه ويسير نحوه بثبات وهدوء ومثابرة.

- وسلوكه؟

^ على سلوك المراسل في المدن التي ينبغي عليه دخولها للمرة الأولى، أن يكون بلا أخطاء اجتماعية بالدرجة الأولى، وعليه تصنيف عادات وتقاليد الناس بكل تفاصيلها الصغيرة، ما أن يقرر دخول هذه المدينة أو تلك. وليس أقل من التواضع والرجاء ومنطقية الخطط اليومية بعيداً عن فظاظة القلب واللسان، وعدم التحرج أبداً من الاستعانة بأهم طرف في التغطية.

- من تقصد؟

^ المساعدون المحليون. حين تدخل مدن مدمرة أو تنتظر الحرب لا بدَّ أن تستعين بأحد ما من أهلها، وينبغي على المراسل أن يكون مخلصاً في تعامله، مع من سيكون قريباً منه أو ثمة احتمال لقربه منه، في لحظة ما طوال فترة إقامته في المدينة الغريبة، حتى لو تطلب الأمر حضور دفن لشخص لا تعرفه أو زفاف طارئ، فهناك ستسمع ما لا يمكن توقعه بلغة مفاجئة ستفتح لك المزيد من السبل ومجاري المدن الغامضة. فالصداقات التي تبنى في المناطق الساخنة لا ينبغي أن تؤسس على المصالح المهنية، فالناس هناك مغدورون جداً وليسوا بحاجة إلى غدر جديد، ولديهم حساسية غريزية لتمييز الصحافي البراغماتي عن الإنسان الذي يحاول تبني أزماتهم بإخلاص. وقد يمضي الوقت ولم تحقق صداقات، لكن علاقة قد تستعرض نفسها لدقائق بشكل إنساني، كافية للغاية لإطلاق مشروع صحافي باهر.



أسرار المدن


- كيف تقرأ أسرار المدن؟

^ لا ينبغي الكتابة عن المدن لا سيما الساخنة بناء على ولعنا بها أو احتقارنا لها، بل فيما يستحق منها تقديمه إلى الزمن وذكريات المستقبل وعبرة الأجيال.

- ألا تضع خططاً قبل شروعك بتنفيذ ريبورتاج ما؟

^مهما كانت متانة الخطط التي توضع قبل الوصول إلى النقاط الساخنة، فإن تسعة أعشار الريبورتاجات لمعاناً وتألقاً ستقدمها المفاجآت والصدف بمسراتها وأوجاعها وقابلية التقاطها والخوض فيها حتى النهاية. فلا صدف تأتي لشخص يجلس وينتظر حدوثها بطبيعة الحال، وحتى الصدف المعقولة والساحرة تهدى فقط للراكبين زوارق المقامرة ومن يراهنون على القضايا الخاسرة. ولا يجوز الانتظار حتى يأزف الاختيار، ومعرفة المطلوب فهمه.

- متى يزداد الغموض على المراسل؟

^يزداد غموض المراسل الغريب كلما حاول معرفة ما الذي يفعله الناس في المدن التي تحترق وكيف يعيشون، ولماذا يحصل أمامه كل ما يحصل، وإن كانت أفكاره راسخة وفق الطبيعة العامة لمنطق الأمور فإن بعض الأماكن التي تجري فيها الأحداث بعيداً عن أي منطق تفرس فيه، ستداهمه بالكثير من الاعتقادات الوهمية والصدمات التي ستشل عمله. عليك أن تجر الناس بسلاسة وإدراك منهم لأهمية عملك ولا سيما البسطاء، لا أن توقعهم في الشرك كما تفعل مع الساسة المحترفين وأمراء الحروب.
إن مراسل الحرب جهاز إنذار مبكر للإعلان عن المذابح والفضائح التي تسويقها وكالات التنميق والعجز والدعاية وتضيعها دخان الحروب البعيدة بمزيد من التقارير المخزية.


اختراع قصص الحرب

- ثمة الكثير من التقارير تصل من جبهات الحروب ليس لها مصداقية أو يثبت الزمن فيما بعد فبركتها..

^ التلفيق والزيف والتمثيل ورواية قصص خيالية لم تقع وغيرها من أساليب عادة ما يلجأ إلى افتعالها مراسلو النقاط الساخنة بدرجة قد تصل إلى نسبة لا يستهان بها، وذلك يعود إلى طبيعة المهنة من وجهة النظر الإدارية وحمى المركز الذي يطلب عادة من مراسليه مواد يومية في كل الأحوال.

- عملت كثيراً ورأيت مراسلي وسائل الإعلام الغربية، كيف تقيم تجربتهم؟

^ بسبب أن كل الحروب الأخيرة شنتها دول الناتو بقيادة الولايات المتحدة، لذلك فإن الصحافيين الغربيين كانوا المقدمين على الآخرين بشكل عنصري وليس مهني، ونظراً لعلاقات قديمة واستراتيجية بين دوائرهم والمؤسسة العسكرية التي تشن هذه الحرب وتلك. ولكن إن كان هذا أمراً منطقياً وميسوراً فهمه، فلمَ كان هؤلاء الصحافيون المدللون بعيدين عن الروح، ونقصد بها روح المنافسة الشريفة؟ ولمَ عليهم التجرد من الخصال الإنسانية البناءة والتعالي على الآخرين لكونهم يملكون تصريحاً أغلظ من الآخرين؟ ولماذا لم يحاول أي منهم حتى كبت غرائزه في التنافس المهني والزيف وتضخيم الذات حتى في رسائلهم الصحافية المتورطة بالكثير من وجهات النظر المقررة عن بعد؟


أخلاقيات المراسل الحربي


- وماذا عن الأخلاقيات، حين يضطر المراسل العمل في مكان خال منها؟

^ سيعتقد المراسل في المناطق التي تمارس فيها أعمال بمنتهى القذارة بأن شرفه الخاص يحتم عليه الترفع عنها وانتقادها بلا هوادة. أو في الحالات الأكثر حين يشعر الصحافي بأنه الأكثر نزاهة وأن العالم الآخر وقح ومنافق باعتماده على أساسيات الأخلاق التي يتبناها، وهنا ستصعب مهمته ولن يصل إلى تغطية صحافية فذة اعتماداً على أطره الأخلاقية وليس على ما يتسيد الأرض من آلام وأوساخ، والأهم ما في القضية حتى في جوهرها المهني، أن الصحافي ينبغي عليه أن يترك للقارئ أو المتلقي فرصة التقاط الأنفاس والحكم على النظيف والقذر، الظالم والمظلوم، الجاني والمجني عليه.

- هل تأثرت تقاريرك الحربية بما كانت عيناك ترصده من فظاعة؟

^ من النادر جداً أن تحظو بتقرير من النقاط الساخنة خال من الانفعالات الخاصة من المراسلين الذين لا يستطيعون في الكثير من الحالات الانفصال عن "حالاتهم" وأبطالهم، ومهما وصلت خبرة الصحافي وشغفه الطاغي في الحقيقة المجردة فما أن يظفر بالصورة المؤثرة، حتى يجد نفسه مغلفاً بمعاناتها الشديدة الوطأة، عليه وعلى النص الذي سينجزه. فما الخيارات أمام المراسل في المناطق التي تتمتع بقدر كاف من اللصوص، المتطرفين، عصابات خطف الصحافيين لأسباب شتى، قطاع الطرق، طلاب الفدية، المشاكسين من عامة الشعب الذين يقررون ما على الصحافي تصويره أو تغطيته، الفضوليون، زحام البشر غير المبرر حول الصحافي .. في بلدان تحاصرها الميليشيات، في بلدان تحدِّد للصحافي طريقه، في بلدان توحي لك السلطات الرسمية أنها تثق بك لكنها تراقب كل خطوة تقوم بها، في بلدان لا تستطيع الوصول إليها لأنك أو مؤسستك الصحافية ممنوعون من دخولها، في بلدان أصدرت بحقك حكم الإعدام، في مدن لا تجيد لغتها، وربما أكون من بين القلائل في التاريخ الصحافي، الذين دخلوا إلى بلد عن طريق تهريب الميليشيات المعارضة، وأعمل في هذا البلد وعليَّ حكم بالإعدام. كيف تتعامل مع الذين يصلبون شخصاً لا بدَّ أن تظهر التعاطف معه وأن هذا عليه أن يصلب؟ وأن تتحول إلى سمسار بشر حين تريد الإطلاع على العرب الذين يباعون في الحاويات وبالجملة والمفرد؟ وكيف تصل إلى تحقيق قضية مسلخ جانغي؟ وكيف تدخل في سجن وموقوف فيه أسرى القاعدة وهذه من أسرار العالم العليا؟ وحين تطرح حقيقة موثقة بالصور والبيانات والوثائق ألا تفسدها الاستنتاجات؟

- هل تفخر بكونك صحافياً؟

^على الأقل لا أخجل من أنني أردت أن أكون صحافياً وإن بدت لي الصحافة مهنة مبتذلة فالصحافي يكتب للنسيان وإن كانت رغبته الكتابة للذكرى وللزمن.

مدن الضجر

- هل عملت في مدن هادئة ومستقرة؟

^ لكثرة رؤيتي المدن الساخنة كنت اتساءل: ما فائدة زيارة المدن المستقرة؟ فقد بدت لي أكثر ضجراً بهدوئها والإجراءات الطبيعية التي أتعرض لها في مطاراتها، والمدن الآمنة عديمة الحياة، أما المدن الساخنة فمثيرة للأعصاب والموضوعات.

- تحدثت في البداية عن النجاح، كيف تراه؟

^ في التغطيات الحربية لا يوجد غير مقياسين، إما النجاح التام أو الفشل المنكر، تماماً كما في الحروب التي نغطيها، فيها المهزومون والمندحرون وفيها المنتصرون وهكذا.

60 ألف صورة


-وجدتك تهتم بالصورة ..

^ التقطت أكثر من 60 ألف صورة في الحروب التي عملت بها، لأني لا أعتقد وجود عنصر أهم من الصورة لنقل ما يجري في النقاط الساخنة، لذلك أعجب من رؤية جحافل من الصحافيين بلا كاميرات! والقلق الدائم لمراسل الحرب على الصورة هو وجه آخر للحفاظ على سمعة النص الذي يرسله من الجبهات بلا تنصيص وشرح ومقابلات وهمية.

- من يساعد الصحافي في النقاط الساخنة؟

^ هناك لا تنتظر مساعدة من أحد، فنية كانت أم في صلب الموضوع، فالواجب يبلغ أحياناً درجة من الاتساع، لا يتمكن ولا جيش من الصحافيين التقليديين إشباع نزواته. وثمة تقارير مسلية يخلق فيها الصحافيون أبطالهم وحوادثهم الخاصة، لكنها لن تصل مهما كانت حبكتها لجوهر القضية وأصلها وفصلها.
ويتطلب في أجواء المعايشة المفروضة مع صحافيين آخرين، كما حصل في معسكرات التحالف الشمالي الأفغاني حين حصروا الصحافيين في معسكرات خاصة، يكاد المرء يسمع حلم زميله في الخيمة المجاورة، حذقاً بالغاً وحرصاً شديداً على الكتمان وتجنب بث أفكارك بنثر الحوارات المسائية مع زملاء يعرفون كيفية اقتناص أفكارك وإرسالها قبلك في اليوم التالي، فالأفكار الكبرى لا ينبغي البوح بها!

- وماذا عن الأمانة المهنية؟

^ لا وجود لما يعرف بـ "الأمانة الأدبية أو المهنية" بين الصحافيين، إن مراسلي الحروب يصلون في مرحلة كسولة وخاملة منها إلى درجة التعطش لأية فكرة مهما كانت سخيفة ومطروقة.

ممارسة التضليل

- هل يمارس مراسلو الحرب التضليل؟

^ حين تصِّور الزيف الأخلاقي في محور ما وتقدِّمه على طبق لطيف، فقد تضع عليه اليوم هذا الغطاء وفي اليوم الذي يليه غطاء آخر لكي تمرره للنشر، ولكن كيف يمكنك تمريره إلى ما لا نهاية؟ وكيف لو طرأت عليك فكرة محاسبة التاريخ؟ كيف سيكون رأي المراسلون الأمريكيون والغربيون الذين نفوا التعرض للمدنيين وهم يرافقون القوات الأمريكية؟ لقد وضعوا الغطاء ليجيزوا عدالة الحرب، ولكن بعد أن مات من مات من المدنيين كيف سيتربعون على كرسي الأخلاق؟ الآن في هذه اللحظة حين نكتب عن الجرائم التي اقترفت.. هل سيعتذرون كمن وضع قدميه على طاولتك ودلق عليك الحساء ومن ثم يعتذر منك؟ هل بإمكانك قبول اعتذاره في هذه الحادثة التافهة؟ لا، لا يمكن .. فكيف سيقبل التاريخ اعتذاره وهم الذين نفوا وقوع كل هذه الجرائم؟؟ إذن لماذا يميل المراسلون الغربيون إلى الكذب التكتيكي والكذب الاستراتيجي؟ وهل الصحافة خلقت كواحدة من أساليب التضليل؟!

- ألا يفهم ذلك كواحدة من أساليب انضباط الصحافة في مواجهة الأحداث الحساسة؟

^ صحيح أن الصحافة تفرض عليك ضبط انفعالاتك ولكن بمقاييس قواعد الأخلاق المهنية والإنسانية، وأن لا تطمع في تلقائية النجاح المتوفر لديك من ركوبك دبابة المنتصرين على نسيان الجثث التي تزحف عليها هذه الدبابة، بحجة أن ذلك محظور أو غير شرعي، فما هو الشرعي إذن حين تلزم الصمت؟ وأي عار من تمسكك بالثوابت التي وقــّعت عليها في غرف البنتاغون؟!
هنا لا يتحمل الصحافي الحربي الخزي والدونية ويفقد جوهر الأخلاق فحسب، بل سيؤكد انحطاطه المهني من حيث دقة نقل الواقع فنحن أمام حرب وليس تطبيل في دعاية انتخابية أو تفضيل خصوم برلمانيين على غيرهم، إننا ملطخون بالدماء وعدساتنا بالغبار الصادر من الأرواح البريئة التي تسحقها آلات الحرب الفظيعة.. ولماذا الغاية تبرر الوسيلة هنا حين تكتب تقريراً وتنتزع منه بإرادتك معلومة إجرامية كما يفعل السياسيون في خطبهم؟ ولماذا لم تكشف النقاب عن الأعمال الشريرة المدوية والوضيعة؟ لماذا تتضافر الجهود كلها للخداع؟ هل نعدها هفوة أو زلة حين نفقد الفرصة لكي نتكتم إرضاء للرسميين وبإرشاداتهم خانعين باتفاقات ضمنية؟ لكي نكذب في جوهر المسألة وحينها سنعتاد على الكذب كما في مسألة مبررات الحرب في أفغانستان أو في العراق، ولماذا لم نعرض جوانبها الهامة ونلوذ بالتضليل أو ترك القادة الميدانيين يشبعون القارئ بالكذب السافر والادعاء والبيانات الخالية من المسؤولية؟ ولماذا كلما نريد الكذب نقول "مصادر مطلعة" لنحتفظ بالحقيقة لأنفسنا؟ أي ريب هذا وأي عار حين تسحق الحاجة الملحة للحقيقة وتغطيتها بالأنباء الخارجة عن نطاقها والبعيدة عن أصل المشكلة؟ ألا تمثل هذه المفاجئات العارضة تقارير منافية للآداب العامة حين نسهل مهمتنا في بثها يوميا وعلى الملأ؟!

رواية الحقيقة


- من الذي سيروي الحقيقة للناس إذن؟

^ الذين يروون الحقيقة كما يرونها (في النقاط الساخنة تحديداً) نادرون في هذه المهنة! وعلى الأرجح أن تحوُّل المراسل إلى قاض أو محام لهذه الجهة أو تلك، أكثر ما شوَّه سمعة الصحافة في حروب القرن العشرين ومطلع القرن الحالي. وأكثر ما يثير البغض والنقمة حين يضعون المراسل الذي يخاطر بحياته في زاوية لا حول لديه أو قوة ليضع المسميات كما هي ويحدِّد أماكن النقاط على حروفها.