الجمعة، 29 فبراير، 2008

أصغر دولة في العالم








الفاتيكان - د.جمال حسين علي

تعرف كمقر رسمي وسكن القيادة الروحية للكنيسة الكاثوليكية، لكنها غير بعيدة عما يدور في العالم من أحداث، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لعبت قيادة أصغر دولة في العالم (استقلت عام 1929 بعد معاهدة لاتريان)، دورا كبيرا فيما حصل في أوروبا الشرقية من تحولات، وبالرغم من أنها لم تمنع نشوب أي حرب شنها أتباعها في المذهب والدين، فإنها لم تقف، علنا، إلى جانب أي طرف وإن كانت إعلاناتها وتصريحاتها الرسمية تسند موقف التصالح في كل الأزمات العالمية التي يميل الفاتيكان على الدوام إلى تفضيل الحوار على التشاجر بالصواريخ.ويبرز الفاتيكان بين الحين والآخر في مسائل 'دنيوية' كالإجهاض ومنع الحمل وتحديد النسل ودور النساء في الكنيسة والموت الرحيم والشذوذ الجنسي، ويدخل في جدل يشغل الملايين في العالم كما فعل البابا الحالي حين تحرش بالإسلام وبعدها قدم نصف اعتذار. يولي الكثيرون الاهتمام بما يصدر عن هذه الدولة المحشورة على تل يطل على نهر تايبر في روما، وفيها عدة بنايات بارزة في محيطها الصغير تتضمن كنيسة سان بيتر التي أكمل بناؤها في القرن السابع عشر وكنيسة السيستاين وقصور لاتيران وغرف رافائيلو وفيلا Castel Gandolfo والصرح المقبب حيث تقع متاحف الفاتيكان المختلفة ومعارضه الفنية وما تبقى من الباباوات. والطريف أن لهذه الدولة الصغيرة للغاية عملة نقدية اسمها ليرة الفاتيكان التي تعادل الليرة الإيطالية (انضمت لليورو منذ عام 1999) وتملك رمزها الخاص بالهاتف الدولي والبابا يملك كل السلطات القانونية والقضائية، أما السلطة التنفيذية فهي بيد مجلس الكاردينالات الذين يعينهم البابا، وهؤلاء بالذات يعينون وريثه في حالة وفاته، والبابا يبقى محتفظا بالسلطة مدى حياته. وللدولة هذه وزير خارجية وسفراء وراديو يطلقون عليه 'صوت البابا' ومحطة تلفزيون وقناة فضائية وصحيفة يومية تصدر بعدة لغات تنشر المواد البابوية الرسمية، ومؤسسة بريد خاص (لمن يكتب رسالة لأحد في هذه الدولة يكتب فقط : الفاتيكان واسم المرسل إليه) ومصرف وسوق مركزي وإطفاء ومحطة توليد كهرباء ومحطتان لتعبئة البنزين (أرخص من روما لأنه بلا ضريبة) ومراقبة صارمة للإنترنت!
النظام
يعتبر نظام الفاتيكان ملكيا غير وراثي، انتخابي من مجلس يعينه البابا نفسه وذلك طبقا لمعايير الأنظمة الغربية وحتى الدستورية الديموقراطية، يعتبر البابا ملكا 'مستبدا' يحكم بقبضته السلطة القضائية والتنفيذية والتشريعية كلية وبشكل مطلق على الفاتيكان (حتى بعد وفاته لأن المجلس الذي عينه يمتلك الحق وحده تعيين خلفه!)، وفي الحقيقة يعتبر، من وجهة النظر الغربية حتما، الملك المستبد الوحيد في أوروبا.
أصل القضية
مفردة الفاتيكان قديمة وسبقت المسيحية ومصدرها الرئيسي عن اللاتينية:Vaticanus Ager المقصود بها تل الفاتيكان وهي الأرض التي شيدت عليها فيما بعد المباني المذكورة في المقدمة، وهذه الأرض كانت على مر العصور تابعة لروما وموقعا لعبادة الآلهة Phrygian Cybele وقرينها Attis ، لغاية ظهور الولايات البابوية وانتهاء بحرب توحيد إيطاليا التي انتهت عام 1869 واختيار روما كعاصمة للدولة الموحدة بعد هذا التاريخ بعام.ويقينا، ان حدود هذه الدولة 'خيالية'، فساحة القديس بطرس لا يمكن عزلها عن روما ولا عن طريق باولو الملتصق بها ولا طريق - della Con ciliazione حيث لا يشعر أي من المشاة بأنه في روما أو عبر عدة خطوات في دولة الفاتيكان التي ساهم في تخطيطها موسوليني في معاهدة لاتيران التي بموجبها تقع بعض ملكيات الكرسي البابوي في إيطاليا وخصوصا قلعة Castel Gandolfo والمباني الرومانية البابوية والسفارات الأجنبية ومكاتب ومؤسسات مهمة جدا بالنسبة للفاتيكان، لذلك تحرسها الشرطة التابعة للبابا وليس لإيطاليا التي تشترك مع الفاتيكان بالسيطرة على ساحة القديس بطرس التي تجري فيها الاحتفالات الرئيسية للفاتيكان.
مفارقات
ولعل عددا ليس بالقليل من زوار الفاتيكان يظن بأن ما يراه في الفاتيكان مشيدا من السلطة البابوية، والحقيقة ان الكثير من المباني في الفاتيكان بنيت قبل ظهور السلطة الدينية على يد نيرون وكاليغولا وكذلك الأنصاب والأضرحة الجنائزية والمذابح لآلهة الرومان الوثنية وبقايا المقبرة القديمة كشفت بعد عمليات الترميم التي أجراها الباباوات المختلفون وجهود علماء الآثار الإيطاليين الذين تجادلوا كثيرا واختلفوا في تحديد موقع قبر القديس بيتر الذي شيدت عليه الكنيسة الرئيسية في الفاتيكان الراهن وبعدها صارت المنطقة مأهولة بالسكان، فلم تكن مألوفة بسكن الباباوات، حيث كان البابا لغاية الخلاف الكبير عام 1929 يسكن في قصر Quirinal. (في هذا العام تم توقيع أهم معاهدة في تاريخ الفاتيكان لذلك كررنا ذكرها أكثر من مرة وهي معاهدة لاتيران التي وقعها موسليني والكاردينال بيترو غاسباري نيابة عن الملك ايمانوئيل الثالث والبابا بولس الحادي عشر وهي التي أسست استقلال دولة الفاتيكان. وربما لا يعرف الكثيرون أن معاهدة عام 1984 بين الفاتيكان وإيطاليا عدلت بعض بنود معاهدة 1929 وأهم تعديل اعتبار الكاثوليكية الدين الرسمي لإيطاليا).
حراس الفاتيكان
يحرس الفاتيكان قوة عسكرية سويسرية (من الذكور فقط) تطوعت لأداء هذه المهمة ! لأنه يحق للفاتيكان امتلاك جيش نظامي صغير وبناء على ذلك تم تأسيسه من قبل البابا جوليوس الثاني والآن يضم هذا الجيش أكثر من 100 رجل سويسري كاثوليكي يحرسون البابا والبلاط ولا وجود لقوة أخرى، لذلك فان مسائل الدفاع عن الفاتيكان من اعتداءات خارجية مسؤولية الدولة المحيطة بالفاتيكان وهي إيطاليا بطبيعة الحال.أما المؤسسة القضائية، فتتكون من ثلاث محاكم هي الرسولية والرومانا وسجن التأديب الرسولي الذي يعتبر الذراع القضائي للبابا. والنظام القضائي لهذه الدولة مستند بالمطلق على الإكليروسية أو القانون الكنسي (عندنا نسميها الشريعة) وليس القوانين العلمانية المطبقة في إيطاليا.
الدولة الغنية
للفاتيكان نشاط اقتصادي فريد ومدعوم ماليا بمساهمات جزيلة من قبل كل الكاثوليك في العالم جزء منها الصندوق المعروف بالتسمية 'بنس بيتر'. وتحصل هذه الدولة التي لا تتجاوز مساحتها 108 هكتارات مربعة (تعتبر أرض وطنية حسب القانون الدولي وبينها وإيطاليا تمثيل دبلوماسي على مستوى سفير) الكثير من الأموال من بيع التذكارات الدينية والتذاكر السياحية خاصة أجور التجول في المتاحف والطوابع والبطاقات البريدية والمنشورات ويعتبرون هناك أن من يعمل في الفاتيكان يعيش أفضل من أقرانه في روما. أما الصناعة في هذه الدولة فتقتصر على الطباعة وإنتاج الفسيفساء وخياطة ملابس الموظفين والكهنة.
الفاتيكانيون
ومواطنو الفاتيكان هم الساكنون وراء جدرانه الذين يخدمون في السلك الدبلوماسي في الخارج وعددهم لا يتجاوز 3000 شخص بمن فيهم الحراس السويسريون الذين يتفاهمون بالألمانية في حين المواطنين الآخرين يتكلمون اللاتينية القديمة والإيطالية المعاصرة. وتمنح 'المواطنة' في الفاتيكان لمن يعمل فيه وتسحب ما أن ينتهي عمله، وتمنح للأجنبي المتزوج من فاتيكانية والعكس صحيح وتسحب المواطنة بعد إبطال الزواج لأي سبب، أما جوازات السفر للفاتيكانيين فكلها دبلوماسية. والعلاقات الدبلوماسية يحددها البابا فقط وهو الذي يختار الدبلوماسيين في الخارج ويقرر المعاهدات الخارجية والاتفاقات الدولية، فمثلا الفاتيكان هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي لها سفارة في الصين!
وكر النشالين
على عكس المتصور فان هذه الهكتارات القليلة التي يسكنها ثلاثة آلاف شخص تقع فيها جرائم نسبتها أكثر مما تقع في إيطاليا بعشرين مرة، حسب الإحصاءات الرسمية وتصريح المدعي العام للفاتيكان نيقولا بيساردي، فإن مئات المخالفات الجزائية والمدنية تحصل فيها كل موسم سياحي ووفقا لسجلاتهم فان الكثير من السياح يسقطون ضحية النشالين الإيطاليين ومن النادر القبض عليهم ونسبة الجرائم التي تبقى بلا حل تتجاوز ال 90 %. وحدثت آخر جريمة قتل في الفاتيكان عام 1998 عندما قتل أحد الحراس السويسريين قائد الحرس وزوجته وانتحر بعدها. ولكن الفاتيكان قد ألغى حكم الإعدام منذ عام 1969 بينما كان يعاقب على جرائم القتل بقطع العنق بالمقصلة لغاية عام 1870 أوقات الولايات البابوية.
متاحف الفاتيكان
للفاتيكان أهمية ثقافية ليس من الموضوعية العلمية تجاوزها، فكنيستيا سان بيتر و السيستاين تعدان من أشهر المعالم الفنية في العالم وفيهما أعمال فنانين كمايكل أنغلو وبوتسيلي وبيرناني ومكتبتها الرهيبة لا تكفيها مكتبات لشرح ما تحتويه. ومتاحف الفاتيكان نشأت منذ أن قام البابا جوليوس الثاني (1503-1513) بتجميع مجموعات النحت المهمة في قصره وسمح للجمهور بمشاهدتها ومعرض الملابس الأسقفية المختلفة بدأ برعاية البابا كليمنت الرابع عشر (1769-1774) والبابا بولس في (1775-1799) لذلك يطلق على هذا المتحف لغاية الآن اسميهما. ولاحقا وسع البابا بولص السابع (1800-1823) مجموعة لوحات العصور الكلاسيكية القديمة التي كانت نواة للمتحفين الحاليين: Chiaromonti و Braccio Nuov بينما أسس غريغوري السادس عشر (1831-1846) متحف Etruscan الذي يحتوي الاكتشافات الأثرية وبعدها أسسوا المتحف المصري في عام 1839 والمتحف المسيحي عام 1844 والمحتوي على التماثيل والنقوش وفسيفساء العصر الروماني والمقابر العبرية القديمة في روما التي لا يمكن وضعها في قصر الفاتيكان لكن تم الاحتفاظ ب 137 نقشا لهذه المقابر بجهود البابا جون الثالث والعشرون (1958-1963) وتم افتتاح المتحف في عام 1970.في المتاحف معرضا لأقمشة النجود العائدة للقرن السابع عشر ومعرض الشمعدانات ومعرض الخرائط ومجموعات الفن الديني المعاصر ومتحف الفاتيكان التاريخي الذي تأسس عام 1973 وغيرها من المتاحف التي بفضلها قرروا في عام 1984 إضافة الفاتيكان في عداد المواقع التراثية العالمية التي تهتم وتشرف عليها منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة وطبقا لاتفاقية لاهاي لعام 1954 فأي دولة ليس لها الحق بالتعرض إليها في حالة حصول نزاع مسلح.