الثلاثاء، 26 فبراير، 2008

فوانيس البيوت وقناديل المضايف وأخلاق المواقد






الأهوار - د . جمال حسين علي:

" عرب الأهوار ليسوا بدائيين بأي صورة من الصور
أنهم متحضرون ولكن بطريقة تختلف عنا "

الانثربولوجي النرويجي – ثور هايردال


كل بناء في الأهوار أساسه القصب لأنه لا يستجيب لحرارة الصيف ولا يستسلم لصقيع الشتاء، راسخ كوتد، لا تستغفله الرياح ويعمر لأكثر من ثلاثة قرون وتطويعه حرفة يتقنها كل الأهواريين مضافة إلى طبعهم في العمل الجماعي «العونة» (إيمان صارم بالمثل: القوم التي تعاونت ما ذلت) بمشاركة حتى الرضع والحيوانات لو تطلب الأمر تشييد جدار وسقف وبدء تاريخ لعائلة جديدة. ولديهم عيب كبير لو يدفع صاحب الشأن نقودا للذين ينتخون لمساعدته، يكفيه إعداد غداء لهم ودفع نقود فقط لو استأجر «أسطى» من خارج المنطقة أو أحد «الأجناب» (هكذا يسمون الغرباء) الذين جلبهم خصيصا لتشييد البيت أو المضيف. حياة الجماعة تحرم الباحثين عن خصوصية في الجلوس والمنام والتأمل، فيتحتم عليك الرقود وسط الناس وحركتهم وقد تلحس أذنيك جاموسة ضالة ويطرد عن أنفك الهواء زمرة ذباب ويلسعك بلا هوادة بعوض متوطن ولا يمكن الهناء بدون نباح كلاب غبية ونقيق ضفادع مضطرة للتكاثر قبل الأوان وصياح أطفال لا يكلون ورائحة مطـّال محروق ودفوف عرس قريب ونعيق غربان وصلت توا من القطب وزعيق مولدة الكهرباء الأولى التي جلبوها بسعر رأسي غنم لكي ينصبوا الطبق الفضائي الوحيد للتلفزيون اليتيم الذي يلتم حوله كل المارين لفتح ثغورهم كلها لخدع الفيديو كليب وفتيات العالم الآخر. قد تفتح عينيك في الصريفة التي بنيت قبل عام لتجدها ممتلئة بكل أطياف الشعب وستتفرس في وجه طفل نائم بقربك لم تلده، ستستقيم قامتك وتلف غترتك لكي تكمل نومك في أقرب سوباط. بتآلفهم وتراحمهم وتوادهم كالقصب المرصوص في الأكواخ والمضايف وأي شخص يمتلك أي شيء هو ملك الجميع، فلا قرع على الأبواب للاستئذان فهي غير موجودة، تكفي نحنحة لمقبل الضيف الذي ما إن يجلس حتى يصير رب المنزل منذ عصور العبيد والوركاء وأريدو وأور كان الناس يبنون بيوت القصب كما دلت الرسوم السومرية على الأختام والمنحوتات وهاتف جلجامش لبيته: «أسمع يا كوخ القصب» .
يبدأ تشييد الكوخ بتثبيت «الشِباب» في حفر وكل «شبة» (رزمة القصب) تعتبر ركيزة للكوخ ومكونة من القصب المقشر والمحزم بمجموعة تربطها «البنود» بمسافات متقاربة ويقل قطرها ما إن ترتفع للسقف المغطى بالقصب أيضا والبواري (حصيرة من القصب )، فيما تشبك نهاية البيت على شكل أقواس «الكوسر» وتشبه إلى حد ما المقدمة المقوسة لتكن بمثابة الباب. ويعملون سياجا من البواري لتحديد مساحة البيت ولستر الناس في داخله ليختتم بناء البيت بدون مسمار واحد أو أي شيء خارج نطاق القصب.
بيوت الطين
في الشتاء يدثرون البيت بالطين ليزداد دفئا وفي الصيف يزيلونه ويلقون على الجدران بين فترة وأخرى الماء ليصبح مكيفا بفضل امتزاج القصب الرطب بالهواء. بعض البيوت الآن فيها غرف من الطين «الجمالي» لكثرته مع التبن الذي يمزجونه معه بقوة ليزداد تماسكا. ويميل الشبان لهذه الغرف وخاصة المتزوجين لأنها تعزلهم عن الآخرين وتمنحهم بعض «الخصوصية» لأنها غرف كما يحبونها تسرب الضوء والهواء وكذلك العيون وهذا ما يحبه الكبار. ولمعالجة مشكلة التهوية والضوء في غرف الطين، يعملون فتحات في الأسفل لتمرير الهواء والضوء وهذه الفتحات الشبيهة بالنوافذ يمكنهم إغلاقها وقت الحاجة بقطع من الصفيح أو أي طرف لبارية قصب.
الملاكون والأثرياء والإقطاعيون السابقون لا يسكنون وسط الأهوار الآن، بل في أطرافها اليابسة التي امتدت إليها الطرق الترابية والمعبدة أحيانا وتصلها الكهرباء وحنفيات ماء الحكومة. وبعضهم يشيد «قصورا» فخمة تناسبها مع البيوت المحيطة، وهؤلاء ليسوا من ضمن اهتمام هذا الموضوع وبدت الإشارة إليهم مجرد تذكر عابر.
الأثاث والأدوات
لا توجد في بيت الأهواري كماليات، وكل شيء فيه يستخدمه. يفرش الأرضية بالحصران أو «البسط» وأحيانا السجاد وبعض المخدات ومنادر ولحف وجلود الحيوانات وخاصة الأغنام وأسرة من القصب أيضا ودولاب خشبي أو صندوق إذا كان مرصعا يسمونه «فاتية» او «صندقجة» وحبوب لشرب الماء وأباريق للغسل وقدور ودلال قهوة نحاسية وفالة ومكوار (هراوة نهايتها كرة قار) تستخدم للعراك أو الدفاع عن النفس ضد البشر والحيوانات المعادية. تجد في البيت أواني بسيطة من الفافون ويستعملون الـ «بريمز» أحيانا ولو أنهم يوقدون النار بالمطـّال والقصب اليابس والحلفاء عادة. ولعلها الحالة الفريدة في نمط الحياة أن يتشكل البيت وأثاثه من مادة واحدة فقط: القصب! فالستائر مثلا، وسككها مصنوعة من القصب المبروم والأسرّة والأواني لحفظ البقوليات والرحى التي تطحنها من الطين والمناول التي تحركها ووعاء من الطين وأرفف من القصب لحفظ أدوات الطبخ والشاي وغيرها.
أن حقيقة واحدة تفرضها هذه اللوحة: الناس مرتبطون بشكل كامل بالقصب والماء تماما مثل عبيد المملكة السومرية (القلاع كانت تشيد من الطين وحتى آلهتهم كانوا ينحتونها منه) وأن الأهواريين موجودون أينما يحل الماء والقصب.
الجبايش
لا تبنى بيوت القصب على الماء مباشرة كما هو شائع، بل على المرتفعات الطبيعية أو المصنوعة وسط الأهوار والتي يسمونها «الجباشة» وقد تكون هناك أكثر من عشرة بيوت على كل «جباشة» فيطلقون عليها عندئذ «السلف». وكل مجموعة منها تشكل القرى وهكذا. وبسبب كثرة المياه وكذلك الناس في الأهوار سابقا، فقد كانوا يبنون الجزر الصناعية وسط الماء، باختيار مناطق كثيفة القصب والبردي يقومونه بليـّه وتكديسه فوق بعض حتى يرتفع فوق الماء ويلقون عليه الطين بكميات كافية وينشرونه ويدكونه حتى يستوي على القصب والبردي ويتركونه لييبس وبذلك تظهر الجزائر الصناعية و«الدبن» التي تقيهم حالات المد ّ أو الفيضان وتمنحهم الأمان وكل جزيرة يسمونها «الجبيشة» ومجموعها «الجبايش» كما المنطقة التي تعتبر الآن عاصمة الأهوار والتي تحتوي لوحدها على أكثر من 1600 جزيرة. ويستخدمون «الطوافات» لأغراض الصيد والسكن أحيانا وتبنى حسب مبدأ الجبايش لكنها أصغر وتصنع من القصب اليابس لذلك حين يرتفع الماء يحركها سيكون مرأى جزيرة طافية تتحرك لوحدها وسط الماء استذكارا مبهرا للكثيرين. حاليا، تسببت فوضى توزيع المياه بمتاعب لسكان الجبايش و«الدبن». ويروي سلمان آلا مغشغش كيف وصلت المياه إلى نوافذ المضايف والبيوت فقاموا بجلب جذوع النخيل ورصفوها داخل الغرف فارتفعت بمقدار متر ونصف المتر بسبب المياه. ويمكن تصور حالة أهل البيت وهم يعيشون على جذوع النخيل المتراصة على الماء حيث لا أرض يقفون عليها. يتذكر سلمان كيف سقطت أبنته بين الجذوع واختفت منذ ذلك الحين.
والفوضى جعلت الكثيرين يفتحون المياه حسب تقديرهم وأكثر منهم يبنون السدود حول بيوتهم، ويبدو أنه مقدر على الأهواريين المعاناة الأبدية بسبب الجفاف والفيضان على السواء فطالما غمرت المياه بيوتا وقرى ولم يكن أمام الناس سوى اللجوء لحل «أسطورة الطوفان» للقوارب وتدثرهم بالحصران والسماء. وبقدر ما أعطاهم الماء كان ينقض عليهم كل عام وهكذا استمر نمط حياتهم القاسي بشكل يشبه تقلب الماء والأزمنة والأعاصير وفوق كل ذلك قهر الحكام.
المضيف
أكبر حجما من بيوت القصب وتكون أقواسه فردية تبدأ بسبعة بالنسبة للصغيرة وتزيد إلى تسعة وأحد عشر وهكذا. وقد يصل طوله مائة قدم وعرضه الى ثلاثين أو أربعين قدما. وتكثر فيه النوافذ وبابان في كل نهاية «كوسر» (حسب تقليد العشائر والمناطق ففي أهوار سوق الشيوخ والحمـّار والمدينة لا يضعون بابا في الكوسر الأخير) ويبنى من القصب والبردي أيضا التي يجمعونها في الشتاء والربيع على أن يبنوا المضيف في الصيف بنفس أسلوب البيت لكن أكبر. الأقواس أو «الشبات» التي تسند المضيف يكون عددها فرديا ويساوي أفخاذ العشيرة زائدا قوسا لرئيس العشيرة. في العشيرة الواحدة أكثر من مضيف، لكن يبقى المضيف الرئيسي لزعيمها. وتجري فيه كل الفعاليات الاجتماعية المفرحة منها والمحزنة وتجري فيه القراءات الحسينية بوضع منبر في نهايته يجلس عليه قارئ مأساة كربلاء ويبنون مضايف من أثني عشر قوسا و«شبة» تيمنا بالأئمة الأثني عشر.
أخلاق المضايف
لأن المضيف هو سلطة تشريعية وتنفيذية ومنتدى ترفيهي ومحكمة قضائية ومحطة إذاعية، فقد جمع كل السلطات فيه. وعليه فأن فيه الحدود والثوابت التي اتفق عليها صارت أعرافا وشكلت منظومة لأخلاق المضايف. فلا يأكل المعزب إلا بعد أن يكمل الضيوف طعامهم ولا يوقظون نائما متعبا إلا لتناول الغذاء وحين تغادر لا يساعدونك في حمل الحقائب لأن ذلك قد يوحي بارتياحهم لمغادرتك! وعليك عدم التلميح ولو بإشارات غامضة في الوجه باعتراضك على طعام يقدمونه لك أو شراب أو طلب شيء لم يضعوه أمامك (ملعقة أو شوكة ناهيك عن الكلينكس! ) وحين يقطعون لحمة أو جزءا من السمكة ويضعونه أمامك بأياديهم التي يأكلون بها فلا تظهر ممانعة وتناولها مع عبارة شكر فورا ولا ينبغي أن تتفحص قطعة تمر أو فاكهة تقدم لك لكي توحي بأنها غير مغسولة وهل بمستطاعك رفض فنجان قهوة يقدم لك لأن عشرة قبلك شربوا منه، فهم أناس يشربون جميعا من «طاسة» واحدة! في المضيف لا وجود للفظ الغليظ القلب والمتعالي والذي يقاطع أحاديث الآخرين الذي لا يصغي إليهم جيدا حتى ينتهوا وعليك أن تجيب على قدر السؤال ووجه السؤال إلى من له الحق والمعرفة في الإجابة وخفـّض صوتك حين تتحاور مع الأكبر وقلل من حركات يديك وركز في العبارة بدون ذكر تشبيهات قد تعني آخرين وتلميحات ربما تمس جالسين وذكر حوادث في غير محلها لعلها جرت لشخص ما منهم . وغير جائز تغيير المكان بلا سبب وعدم الوقوف ومصافحة الداخل الجديد أو توديع المغادر وقوفا وبالمصافحة أيضا وحين تدخل مضيفا أرم سلامك بأعلى ما تستطيع من صوت لكي يسمعوك حتى لو كان المضيف خاليا فربما كان أحد ما موجودا لم تلمحه ولا تراقب حاجياتك وتتحسسها وكأن أحدا ما لمسها. أن المضيف بالأساس شيـّد لاستقبال الضيوف وتعد «الضيافة» أساس وجوده ولهذه الضيافة نظامها وتقاليدها وخاصة للمسافرين وعابري السبيل وطالبي العون و«الدخيلين» الذين يلجأون للعشيرة ويقاس وزن العشائر على منظومة المضيف وصرامة تقاليده ورفعة كرمه وحكمة رواده وأناقة وتهذيب كلامهم الموزون. فالمضايف أماكن للمباريات الشعرية وقصص الرواة والحكايات التي يستخرجون منها الدروس وبرلمان يعرضون فيه مشاكلهم مهما كانت صغيرة. والتقاليد تدخل في التصميم الهندسي للمضيف وأي رائد له يلمح ذلك وخاصة للضليعين في شؤون العشائر. فمثلا، المساحة الأمامية يعتنون بها لتكون بمواجهة المقبلين وليس في ظهرهم ومسألة تعليق الفوانيس في الليل التي سنأتي عليها وكذلك قوس الباب الذي يحتاج إلى دقة وقصب خاص لكي ينفرج أكثر ويبدو كبيرا، فمهما وسع المضيف، لو كان بابه صغيرا فأن ذلك يفهم على عدم كرم صاحبه. ويعتبر تثبيت راية العشيرة في بوابة المضيف بمثابة إعلان سيادة في المفهوم السياسي للكلمة وتثبيت هوية المكان والإفصاح عن مسؤولية وتعريف بالآمر الناهي على هذه الأرض وثمة عشائر تثبت رايتها في بيت زعيم العشيرة وبعضها في الاثنين.
قناديل الكرم
يعلقون فوانيس بأبواب المضايف ليلا كدليل حضورهم واستعدادهم لاستقبال الضيوف وكرمهم وهي تدل التائه والحائر والمتردد وحتى القاتل الذي يلجأ إليهم (الدخيل) فسيسارعون في تهدئته ويعدونه بحل أزمته حتى يأمن. للأسف تغيرت الأعراف والتقليد الحازم بسؤال الغريب بعد ثلاثة أيام، نظرا للظروف الحالية التي تمر بها البلاد عموما. وحين تحدثنا مع صابر آل سيد هاشم آل بوشامة في مضيفه حول هذه المسألة قال بجد سلس: قصرناها من ثلاثة أيام لثلاث ساعات. وراح يشرح: نحن مجندون أنفسنا لحل مشاكل الناس وقانون العشائر هو الذي يسود المنطقة. وسبب استقرار الجنوب هو أن السلطة بيد السادة والوجهاء وشيوخ العشائر وأتباع المعروف. لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع استقبال الغرباء في الظروف الحالية، رفعت الثلاثة أيام لأسباب كثيرة فطالما كانوا يبقون «مطرحين» في المضيف وقبلا كان الضيف يبقى في المضيف نطعمه ونلبسه ونغسل ملابسه ويبقى يسكن فيه حتى يموت أو يرحل لوحده. تغير الحال، فقد بدأ التغيير حين فرضت علينا «الفرقة الحزبية» الاستعلام عن هوية الضيف وكتابة اسمه وعنوانه وسبب وجوده وإخبارهم بكل تفاصيله. كان صعبا علينا أن نقول للضيف أعطنا هويتك، غير جائزة ولم نفعلها. لذلك كنا نسأله «من أي أعمام» (من أي عشيرة) ونسأله إن كانت عشيرته تعرف بوجوده بيننا وهل استأذن منهم وفي مثل الحالات وبعد أن نخبره نرسل لهم «طارش» يخبرهم أن ولدهم بيننا. الظروف التي جعلت المضايف لا تستقبل الغرباء أوحى بها صابر لكنه لم يقلها مباشرة وكان بالتأكيد يقصد الحوادث الإرهابية وملحقاتها. فأصحاب المضايف معروفون بفرحهم البالغ وفخرهم كلما ازداد عدد ضيوفهم ويبتهجون وتغمرهم السعادة حين يرون ضيوفهم يأكلون أكثر ويعدون ذلك من علامات التقدير والعرفان. وبمناسبة الظروف حدثت تغيرات تكتيكية وتكنيكية أيضا في التعامل مع الضيف، فمثلا عندما كنا نبيت ليلة في مضيف ما، كانوا يتركوننا لوحدنا في المضيف ليناموا عند البوابة مباشرة. لم نسألهم عن السبب، لكنه الظرف الذي جعلهم يصدون بأجسادهم أي خطر طارئ قد نتعرض له، لم يكن موجودا في تلك الأزمنة، ذلك الفداء للمضيفين الذي لا يحتاج إلى أن نسأل عن سببه.
رفعة القهوة
دق الهاون كجرس ويقوم بدور «الموبايل» الذي يجمع الناس وإشارة إلى أن المضيف يستقبلهم وكمنبه للمضيف بوصول ضيوف جدد تكون فيه دقات الهاون إيذانا بوجودهم ووجوب حضور كافة رجال العشيرة لإلقاء التحية عليهم. وفي المضايف التي جلسنا فيها كانت مواقد القهوة «الوجاغ» عبارة عن حفرة مستطيلة ومنسقة للغاية تتوزع عليها الدلال الكبيرة (الكماكم) ودلال أصغر (ركوة) يستخدمونها لتصفية القهوة قبل صبها في «المصب» وهي الدلة التي تقدم فيها القهوة ومصنوعة من النحاس البراق (يفضلونها على الفضية) ووضع الدلال في الموقد له طريقته الخاصة المعقدة. ولاحظنا وجود المواقد بعد المدخل بعدة أمتار وليس في وسطه وليس في نهايته. الذي يصب القهوة يرتدي حزاما على دشداشته لتسهل له حمل الفناجين والدلال كما أوضحوا، لكن على الأرجح لبس الحزام يرفع الدشداشة قليلا لتقيه من التعثر الذي لو حصل بوجه ضيف ما سيعد كارثة. ويحمل المصب بيده اليسرى ليقدم الفناجين باليمنى على أن تكون هذه الفناجين متساوية الحجم والشكل والنقوش وتأخذها باليد اليمنى وحين ترد لفنجان ولا تحركه بشكل لولبي فأن ذلك يعني أن مقدم القهوة سيصب لك حتى رؤيته حركة الفنجان. يبدأ بالسادة ومن ثم بالأكبر سنا وشيخ العشيرة ليستمر يمينا حتى اكتمال الموجودين. وفي حالة رفض أحد الحضور شرب القهوة فلا يجوز تقديمها لآخر وينبغي سكبها وتجهيز واحدة جديدة. لكن هناك حالة يرفض فيها الضيف تناول القهوة وهي عزمه على طلب شيء قد يكون صعبا فيأخذ الفنجان ويتركه أمامه ولا يتناول القهوة منتظرا الكلمة الفصل من صاحب المضيف. لا تنطفئ مواقد المضايف أبدا. حتى في الأوقات التي لا يتردد عليها أحد يبقونها على نار هادئة حاسبين حضور ضيف مفاجئ أو عابر سبيل لكي يكرموه فورا بالقهوة ولكي لا ينتظر إعدادها طويلا (في حالات استنفار العشيرة لأخذ الثأر تطفأ المواقد وتقلب الدلال حتى يحققوا مرادهم).
عودة اليمامات
طوال تدفقنا وسط المياه وبين القرى كان الناس يبنون بيوتهم ويطلون قواربهم الجديدة بالقار ويزينون شواطئهم بالغلال. لم ندخل قرية إلا ورأينا الرجال يشيدون فيها مضيفا جديدا، ستنبعث من داخله شيئا فشيئا روائح القهوة وعطر المطــّال وستبقى قناديل الكرم نجوم المضايف وسونيتة الهاون فألا لمولد جديد لمن غادر امستردام وسدني ومونتريال واستكهولم ليبني له عشا منقبا بالقصب دافعا بخصلات غربته إلى الوراء حيث الثلوج والغبار ورماد الحرائق ويباس التجفيف لتنبعث موجة أخرى من الأهواريين ملقحة بكل العلوم واللغات رافعة تلك الصفحات السوداء وموقظة عهدا لن يفنى بعد الآن.