الأربعاء، 27 فبراير، 2008

الذي تبقى من شوارع بغداد






مجلة العربي - بغداد - د .جمال حسين علي:

ما إن تصبح الشوارع مسالك, تخرج عن روح المدينة وتأزم الرابطة ما بين شهيقها وطيفها, كحال النور الخاطف, نهر, يمتصه الماء كتحصيل انكسار مفروض, وليس زبده وبرعم وطأته.
سنسلك فتات الشوارع البغدادية الرئيسية وما تبقى من هديرها وتردداتها وجنباتها, مغزلها ومخيطها, بأعداد الخلق الوفيرة الذين استووا سابلة انفرط عقدهم مع الشوارع منذ أن تفككت أحلام المدينة بنسيانهم ممراتها وأزقتها, سندها وأراجيحها كاطمئنان وشيك وكيان سائر نحو التفتت.
ويقينا بأن الغوص العميق بأذرعها وتفرعاتها بادعاءات التاريخ وتسويات الراهن, مواجهة معروفة النتائج, في أن بهيا متدفقا, لن يمرق بمواتاة الفرصة في الزمان وأن الغلالة المفروضة على رقبة اليوم, قد تستحيل قلادة, غدا.
وهي ليست إطلالة من شرفة على تواريخ تندثر ومدينة يسلخ جلدها وهيكل عظمي تطحن فقراته وسلامياته, بل نوع من حلول اليقظة وهزاتها العاصفة وإشعال الحياة, مجددا, في الحلم كإبعاد البذرة من الصقيع والبحث عن الأشرطة المسلوبة لمدونات المدينة التي ما عادت تستيقظ فجرا بالقمصان الملونة ولم تتشاجر في سبيل التقاط الحب, ولم تتداع جدرانها من أجل نشوة سرب حمام ضال.
لنجعلها إصغاء متاحًا لصدى أماكن ليس بالمقدور نسيانها وإن قرعت أبوابها ولا من مجيب, وتراقصت ستائرها المغبرة وحبست أوراق سنديانات الأميرات الغائبات مع طنين المشاعر المشتركة لكل من كانت الأقدار تجذبه لهذه الشوارع, آمنا, مطمئنا, لزهوها وحلاوة مقبلها.
شارع الرشيد
من الذي يمكنه زيارة بغداد, دون السريان الهادئ في هذا الشارع الذي تمسكك فيه المصادفات لتبتكر معك الرغبة في الطواف بالموجودات?! كأن المارة كافة أصحابك, والنهار بطوله والمساء بتخفيه يثقفك : دعاماته والكتب المنثورة والمتسلقة حيطانه, عتبات أطباء التوليد وأفضل محلات النظارات, قوزي (أبو سمينة) والباقلاء مع البيض والباجة وشوربة الجنود الصاحين مبكرا في ساحة الميدان.
لكل حصاة فيه معنى, يشعرك المسير, بأنك حي, يثيرك ويرصف تقلبات اضطرابك, يخلع عنك الضجر وازدحام الأماني, معقل المتمردين والأشقياء, ومؤسسي الأحزاب وكتبة البيانات الشعرية, وقراء المخطوطات الأدبية ومحامي الدرجة الممتازة, وسينمات العصر الزاهي من هذا الفن, وآخر صيحات الأزياء المطلوبة من أرستقراطيي العاصمة, وأقدم تسجيلات وأسطوانات لا تجدها حتى عند ورثة عمالقة الغناء العربي. هو جلد بغداد وشريانه ومهما فكر أي معماري أو مخطط مدن بغدادي فلن يظفر بمثله كتجسيد لقوى النهر.
يهدي التوازي شارع الرشيد أعذب الأنهار, كما لو كانا يتناجيان في رجاء الانزواء. شكله الضاج, برعم المدينة, حنينها واستفاقة حماليها, أطرافه تناغم ليل آسر ورقاد مزين بالقناديل. شارع العواصف السياسية, وقصائد هجاء الحكومة لشعراء لم يلفظ العراق مثلهم لا قبل ولا بعد. بقي الأكثر انبساطا, حيث لا يداهمك التعب أينما تحل فيه, ومهما قلبت أطراف جفنيك وبؤرة عينيك, تراه نفسه في أي اتجاه.
المواعيد الأولى والمطابع وأحرف المصححين, موسيقى مختلف القرون وسجادات لا تتكرر, وأفضل بطانيات لفتاح باشا وأخف أحذية لباتا, وأول عواد وأعرق شربات وأكثف لبن, لا تجدها إلا في انطلاقة الشارع السائر بك والمنسل إليك كضوء عشب.
مدونة الشارع
بناء على المدونات يعتبر أول شارع يعبد في العراق. يرجع تاريخه إلى عام 1915, حيث بدأ كمركز تجاري وثقافي وترفيهي, والذي لا يوجد مهندس معماري عراقي رصين, إلا وترك له أثرا فيه.
والتاريخ المذكور مسجل للشارع المعبد العصري, غير أن وجود الشارع يرتبط بالكثير من الأسواق التي كانت موجودة قبل إعلان تأسيس بغداد من قبل أبي جعفر المنصور في عام 762 م.
وسوق الثلاثاء, الذي كان يجتمع فيه القرويون كل ثلاثاء لعرض بضاعتهم واقع في الضفة الشرقية من دجلة, استمر نشاطه طوال الخلافة العباسية. ويمتد السوق الذي يسمى الآن سوق باب الآغا, والذي يعد نواة شارع الرشيد نحو الحيدرخانة, ويرتبط بسوق السلطان الذي يطلق عليه حاليا ساحة الميدان التي تواجه القلعة التي امتدت فيها وزارة الدفاع الحالية التي تشير المخطوطات, إلى أنها كانت مبنية منذ عام 1338م. والقلعة مفتتح شارع الرشيد, ولأنها كانت دوما مركزا للجيش, فقد اعتبرت مركزا للقوة والسلطة, وفيما بعد للانقلابات والمؤامرات.
وكانت ساحة الميدان مركزا للتجمعات الجماهيرية والاحتفالات والأعياد وتعلن فيها بيانات الولاة وقراراتهم.
وباب السلطان (طغرلبك), المسمى حاليا باب المعظم, فيحدد مدخل بغداد الشمالي في عهد الخليفة المستظهر, المتوفي عام 1118م وفيها مرقد الإمام الأعظم ويبدأ في ساحة الميدان وينتهي عند مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني.
الشارع والنهر
إن أزقة شارع الرشيد لم تبدأ منه, خلافا لما هو شائع, بل من دجلة, عدا شارع النهر, فقد انبثقت أزقة بغداد الأولى من النهر, وامتدت عموديا ومتعرجا إلى كل المدينة باتجاه أبوابها الأربعة ( باب المعظم والوسطاني والطلسم وكلواذا).
من هذا المفهوم, يعتبر نهر دجلة, الشارع الرئيسي في بغداد, من الناحية العملية. ولهذا السبب تأثرت كل الحركة في بغداد بنهر دجلة. وبنظرة مباشرة إلى خارطة بغداد الحالية, لا يعثر على أي تغيير في الشكل العام لها المحصور بين السور والنهر منذ الخلافة العباسية حتى الآن.
شجرة الأسماء
تنتمي إلى هذا الشارع الكثير من معالم بغداد الأساسية, مساجد ومكتبات وبنوك ووزارات وخانات و مقاهٍ وأسواق وسينمات ومحال شهيرة.
يبدأ سوق العطارين المسمى حاليا الشورجة, بشريعة التمر والمصبغة ويلتقي معه في شارع الكفاح حاليا, يضاف إليه درب الإمام طه, الذي يبدأ من جسر القوارب قرب جامع الأصفية. وهناك درب الكيلاني الذي يبدأ من السنك وينتهي بباب الطلسم.
والشريعة تطلق على المناطق التي تلتقي عندها الأزقة الرئيسية لدجلة, وهي تمثل مراسي للزوارق والسفن التجارية والدواب المحملة بالبضائع.
هنا, شيدت جوامع المرادية والأوزبك والحيدرخانة ومرجان والخاصكي والسنك وسيد سلطان وتكية الطالباني وخان مرجان وأسواق البزازين والصفارين والنجارين وباعة البالات وعكد النصارى وأزياء محلات حافظ القاضي وسينمات روكسي والوطني ورويال ومكتبه مكنزي القائمة للآن.
الشوارع المستقيمة
ويعد والي بغداد مدحت باشا أول من فتح شوارع مستقيمة في المدينة لتأثره بتخطيط المدن الأوربية, وأول من أدخل خط الترامواي رابطا الكاظمية ببغداد للمرة الأولى. وكان مدحت باشا يفكر في ربط باب المعظم بالباب الشرقي بشارع مستقيم هو الرشيد حاليا, غير أن فترة ولايته القصيرة لم تسمح له بتحقيق هذه الأمنية التي كانت غايتها بالدرجة الأولى تحقيق سرعة تحرك القوات العثمانية.
واستطاع خليل باشا في عام 1915 تنفيذ فكرة مدحت باشا, لذلك أطلق على شارع الرشيد في البداية اسم (خليل باشا جادة سي) حتى اختصره العامة إلى (جادة) فحسب حتى أسماه البريطانيون (الشارع الجديد) بعد استعراضهم المعروف في غضون دخولهم بغداد.
وساهم في بنائه رئيس البلدية وقتذاك رءوف بك الجادرجي, الذي تأثر بما شاهده خلال دراسته بألمانيا, واستعان بناء على هذا التأثر بخبراء ألمان لتنفيذ المشروع. وواجهت الفريق الذي شق شارع الرشيد صعوبات جمة أهمها أنهم كانوا يريدون بناء شارع مستقيم, وهذا لا يمكن تحقيقه لاعتراض أزقة دجلة له, خاصة عند شريعة الباججي وجامع السيد سلطان علي ومبنى المقيمية البريطانية في السنك, ومعارضة رجال الدين باعتبار أن الشارع يشق أملاك وقفية كسوق الحيدرخانة, وجوامع مرجان والسيد سلطان علي. والمشكلة الأخرى كانت تعويض أصحاب العقارات التي ينبغي هدمها ليسيل الشارع باستقامة تامة.
ازدهر الشارع بالأفراح والمظاهرات واليافطات وصوروا فيه أول الأفلام وآخرها وبنيت على جانبيه 20 دارا للسينما وأغلب مقاهي بغداد الأدبية والشعبية واصطفت الكتب والمجلات في دورها, خياطون وحلاقون وصائغون وصناع الحلويات وشهقت فيه أعلى بناية للاتصالات دمرتها الحروب المتوالية والنهب الناتج عنها.
بعد تقاطع حافظ القاضي ارتفعت في الشارع مباني أهم وأغنى البنوك في الشرق الأوسط منها البنك المركزي العراقي ومصرف الرافدين. وقطع السنك الجسر المسمى باسمه وشيد تمثال للرصافي وسطه, وربما يشيدون لعبد الكريم قاسم تمثالاً آخر بعد أن رفع الناس تمثالا لعبد الوهاب الغريري الذي قتل أثناء محاولة اغتيال أول رئيس وزراء للجمهورية.
ضنى الشارع
أوجاع الشارع الآن لا تشبه مسراته السابقة, مهجور, سائب, محروق, مغلقة معظم أسواقه ومحلاته الشهيرة. حركة السيارات فيه لا تعني عودة النشاط إليه, قدر تعلق مسيرها وعبورها إلى جهات أخرى من المدينة. لا داعي للسؤال واستجواب المارة والباعة المتجولين عن الأسباب, فقد كان كل شيء واضحًا, مات الشارع, فأدار الناس ظهورهم إليه.
في سوق الشورجة والكفاح يمكن في أية لحظة أن يداهمك مسلحون ليأخذوا ما تحمل حتى لو أزرار قميصك, السوق العربي الذي ألبس العراق وغذى كل مدنه بالبضاعة, مسود لا ينقطع الدخان من حرائقه. مركز الاتصالات مدمر ومنهوب, الأمريكيون قطعوا شارع الرشيد قبل منطقة البنوك بعشرات الأمتار, وسيجوها بالأسلاك الشائكة والمدرعات, ووضعوا نقطة النهاية في شارع الرشيد عند الدبابة الأولى قبل البنك المركزي.
بدلا من الكتب والمسابح الشرقية والتحف واللوحات الفنية والأسطوانات المميزة, ينشر باعة السمك بضاعتهم لقتل آخر الروائح الشهية في الشارع, ويعرض اللصوص ما ملكوه قبل لحظات.
ضاع شارع الرشيد وهدمت أحجاره, وكسفت هيبته وغطته القمامة من كل صوب, تلاشت السينمات بلا رجعة واختفت مانيكانات آخر صيحات الموضة, تجمد الوقود في فوانيسه وتمزق هيكله كما لو حرثه محراث عملاق.
تحدق, ترمي ببصرك هنا أو هناك, علّ هذا المنظر طارئ والندوب طفيفة والأنقاض خدعة سينمائية.
لكن شارع الرشيد كبغداد, جريح, فما إن تشف قروح المدينة, حتى تصله الدماء, لعلها لماما, وفقا لحلم ذلك الباشا الذي رحل دون أن يرى شارعه المستقيم المزين بأنوار دجلة وفيء مائها الرطيب.
شارع البنات
الشارع المعلق بالنهر, اسمه وأعمدته والنساء الكثيرات جدا اللواتي استعجلن ضجيجه وأحببن ضوضاء باعته, كراديو مشتغل على الدوام, تراوح أقدام البنات معلنة أن طفلا سيولد قريبا مع خرير النهر وممرات الشارع الذي لا يحجب القمر, وتلك التفرعات التي مهما حاولت الزوغان منها ستلقي بك في المصب. ومهما كانت شدة الريح, باردة أم عاصفة, تهدئها الأزقة وترطب رملها وغبارها لتخبئها في تجاويف المحلات التي تلمع ما إن تمر كومة فتيات, ساعد غياب الكهرباء على منحهن فرصة التجوال فيه بدلا من تعقيدات مختبرات التحليل والرسم الهندسي.
في شارع البنات لا يفترض أن تعرف إلى أي جهة تسير خطاك وأي أعماق فيك تحترق, الزمان فيه فترة كما الحلم, وسريان وليس وقع خطوات متضامة كذلك الحبل الذي مدوه ليشقوا أول شارع في البلاد التي لم تعرف النور إلا بعده.
الشارع المنور
مهما كانت أهداف والي بغداد ناظم باشا في تنفيذه كشارع منور بعد أن كانت بغداد علب صفيح مسقفة لا يربط بينها رابط أو شارع, فإنهم بدأوا بشقه عام 1910 بعد أن مدّ المسّاحون ومهندسو الطرق الأوائل في البلاد, في عهد مدير بلدية العاصمة رءوف الجادرجي بحبل عبر أزقته وممراته الترابية بحبل خرافي لطوله الكبير, على أن تهدم كل البيوت التي يمر بها (حبل الوالي).
لم يستسلم الكثيرون من أغنياء وأعيان المنطقة لمشيئة حبل الباشا, فقد تدبروا الأمر مع العاملين ليبعدوا الحبل المدمر عن أملاك أي منهم, لذلك ظهر الشارع في النهاية متلويا كأفعى طويلة.
تبعات حبل الباشا
المرحلة التي أعقبت مد حبل الوالي, كانت إزالة كل البيوت والأكواخ والمباني التي مر بها الحبل, وشرعوا بعدها بتهديمها, لغاية اليوم الذي توقف البناء فيه بسبب دخول القوات البريطانية إلى بغداد. وبمستطاع من عاش في تلك الأزمنة استرجاع مناظر البيوت نصف المهدمة أو تلك التي تمت إزالتها بالكامل ولم يفلح أصحابها في بنائها, مرتضين بعمل مهاجع لهم في العراء, مستخدمين البطانيات والملابس المستعملة وامتد منظر العراء الشامل من المصبغة التي كانت ميناء بغداد الرئيسي مرورا بـ(خان اللنج) حتى (المبخانة).
كان الناس الذين يلتحفون الفراغ والسماء والأرض ينظرون إلى الإنجليز من وراء دورهم المهدمة, في أوقات لم يكن في كل البلاد شارع واحد أو مصباح, حيث كانوا يستخدمون الفوانيس النادرة للغاية و لم تحفر بها المجاري ويحصل الناس على مياه الشرب بواسطة القرب التي تحملها الحمير, فأول مضخة مياه دخلت العراق في عام 1907.
وأدى الحرث غير المواتي وغياب) الباشوات) واستبدالهم بـ (المسترات) إلى تدهور المخطط الرئيسي بعد هروب ناظم باشا إلى اسطنبول والمهندس رءوف الجادرجي إلى ألمانيا, فلم يكتسب شارع المستنصر كما أسموه في البداية شكل الشارع الحقيقي, لاسيما بعد أن أعاد الأهالي بناء دورهم بطريقة ما, حتى استقر الشارع إلى زقاق طويل جدا, لضيقه, الذي لم يمنع في ذلك الوقت من دخول عربات الحمل والنقل فيه.
المواصلات النهرية
بعد الاحتلال البريطاني للعراق, نشطت التجارة عبر الخليج والبصرة إلى بغداد وشمالا حتى الموصل. ولأنه لم توجد مطلع عشرينيات القرن الماضي, طرق مواصلات برية أو سكة حديد, ولا حتى وسائل كافية لنقل البضائع من البصرة إلى المناطق المذكورة, فقد التجأ القائمون على شئون البلاد وتجارتها ومعيشتها إلى الأنهار, حيث ازدهرت المواصلات النهرية في ذلك الوقت, حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية واستخراج النفط الذي مهد لبناء طرق برية حديثة.
وكان نصيب بغداد من الأنهر, دجلة فقط, الذي كان عصبها وشريانها, وغذى النهر العاصمة, ولم يكن شارع النهر وقتها, سوى المرسى الذي كانت تنهال عليه السلع والبضائع والمواد الغذائية والتوابل والأقمشة والبخور وكل ما يحتاج إليه البغدادي.
والمرسى توسع ليصبح أكبر موقع لمخازن البضائع, والمخازن تفرعت لتبنى بالقرب منها محلات البيع بالجملة والمفرد, ومنذ نهاية العشرينيات كان شارع المستنصر - المقصود بهذه الرواية, ولغاية اليوم - أهم المحطات التجارية العراقية على الإطلاق.
شلال حرير
الفتيات جذبهن الشارع بالملابس الحديثة, وآخر الموضات القادمة من لندن وبومبي, وآخر تقليعات الإكسسوارات الشرقية والغربية, وما يصل الى البلاد من أحذية مستوردة. كنّ الباحثات الدءوبات عن المناديل والعطور والعباءات والمواعيد الغرامية والمشاريع العاطفية على بداية جذلها ورقة أخبارها, متلمسات بريق الذهب ومنبع الصاغة الأوائل وشلالات الحرير ونعمة (النفانيف) المقشرة بالزهور والأشجار, واشتياق الطبيعة لسلامة أعشابهن وشفرة يقظتهن.
ولأن الزقاق الطويل الذي كان في خاطر الباشا المتقاعد, شارع, تحول إلى مركز إناث العاصمة, فاكتسب اسمه الجديد: شارع البنات! لذلك من الصعب جدا العثور على بغدادية لم تسر خلال عمرها في هذا الشارع, أو بغدادي لم يتغزل فيه حافظا (رد قلبي), أو يتعلم النضال الخاسر مع التمايل.
الخانات الأولى
دورة الحياة تعني أيضا ارتباط كل شيء في تطور المدن, فتحول الشارع إلى مركز تجاري, ومرفأ وموقع لمخازن ضخمة, يعني كثافة بشرية تتركز فيه, بالقياس إلى أحياء العاصمة الأخرى. وكثرة الناس, العاملين والزائرين, البائعين والمشترين, المارة سهوا, والمتعمدين حشو أعينهم بالرفاه والنساء, كل هؤلاء يحتاجون إلى أماكن للراحة. ولهذا السبب ظهرت الخانات الأولى في شارع النهر, الموازي أصلا لشارع الرشيد ودجلة.
والخان هو فنادق الخمس نجوم في أيامنا, فهو الفندق والمطعم والمشرب, يغني فيه أشهر المطربين, وتمارس فيه كل الألعاب الشعبية ويعد مركزا ترفيهيا واجتماعيا وحتى سياسيا.
ومن خانات شارع النهر التي تعتبر إحاطتها بالميناء أمرا منطقيا, خان العادلية وخان الباشا وخان التمر وخان الدفتردار, التي أكملت صورة شارع البنات, بهيجان عيون زائراته السوداء ونظرات الرجال البوهيمية, ولامبالاة الأطفال المصحوبين كحجة لخروج المحبوسة بين الجدران الأربعة, تغيراته الأثيرية, مده وجزره الذي انساب منه بفضل النهر ونشوء وارتقاء شارع الرشيد.
شارع الأنامل
لم يسألوا سابقا عن جمال المخطوبة, ولا عن شهاداتها, لا عن طولها ولا عرضها ولم يهمهم وزنها, بل كان أهم سؤال لأم العريس : هل تعرف تخيط وتطرز?!
لذلك كانت الأمهات يعلمن بناتهن منذ الصغر الخياطة والتطريز, لاستكمال المهنة التي تثبت لها حتى في جواز السفر : ربة بيت. ولا ينتهي الأمر بإجادة العمليتين, بل باختيار الأدوات والأقمشة والخيوط الملونة, والإبرة والمقص وبكرة التطريز والأشرطة والخرز والنمنم وزجاجيات معينة, وغيرها من المزركشات, وهذا الاختيار لا يتم, إلا بزيارة شارع البنات.
والمحترفون في هذا الشارع قالوا إن غزو الملابس التركية والسورية والهندية والصينية الجاهزة والمطرزة بالمكائن, قلل من البنات اللواتي فضلن شراء البضاعة المطرزة أصلا, فيما كنّ سابقا يطرزن أحلامهن على الوسائد والشراشف, قلوبا وعصافير وأزهارًا.
ويبدو أن مقبل الشتاء, ساهم في تحريك الجو في الشارع, فهذا الفصل يطرح قماشه الذي يساعد على التطريز كالقديفة حيث يمكن تثبيت مختلف أنواع النقوش عليه بمساعدة رسوم جاهزة, تتوافر أيضا في هذا السوق الناعم.
تبدلت أحوال الدنيا, وتنشغل الفتيات المغرمات بالتطريز بتثبيت الرسومات والأدعية الدينية على الجبة الإسلامية والحجاب وما يظهر من البلوز, وتتدهور هذه المهنة مع مرور الزمن, وتطور الملابس الجاهزة, وقلة الموهوبات وحرص ما تبقى منهن على البضاعة الرخيصة وانتصار المكائن على الأنامل.
الأنتيكات
حافظ شارع النهر على صاغته الصابئة الماهرين, أولئك الذين حولوا محلاتهم الى متاحف حقيقية, فعبر زجاجات العرض تجد مختلف الآيات القرآنية التي تفضلها الفتيات الراهنات وأسماء وعبارات حب وإهداءات مختلفة, ينقشون عليها ما يطلب منهم المشتري, صورًا أو عبارات أو أسماء, وتواريخ وأمكن,. ساعات تثبت على غزلان وعصافير فضية, تحيطها أوراد وردية, أجراسها, أغاني العرس الحلوة وصبا ليل هادئ. الحركة النشيطة في شارعنا تبدأ مبكرا لتتراجع ظهرا, بسبب الشمس وقيظها, ولأن الزائرات لابد أن يعدن إلى بيوتهن بانتظار عودة الرجال الذين لا يحلو لهم خلو البيت من النساء.
وبسبب الشمس في الصيف والمطر في الشتاء, فقد قاموا بتسقيف السوق, لذلك أطلقوا على جزء كبير من هذا الشارع سوق (المسكف), المتخصص ببيع الستائر ذات النقوش الأندلسية والمغربية والعباسية, بالإضافة إلى اشتهاره بتغليف الأثاث المنزلي.
وفي الشارع سوق (المميز) نسبة الى مؤسسته ومالكته, التي تنتشر فيه الملابس النسائية الجاهزة وأدوات التجميل والإكسسوارات وفيه ورش الخياطة التي تمول العراق بالألبسة النسائية.
ولا يقتصر شارع البنات على الملابس والتجهيزات النسائية فقط, ففي أحد تفرعاته ثمة سوق (السموأل) المتخصص بخياطة الملابس الرجالية وبيع الجاهز منها, ويقال إنه أنشئ خصيصا للراغبات أو المتخصصات بشراء ملابس أزواجهن.
وهناك سوق (الخفافين), التي فيها مسجد ومقهى أدبي يحمل الإسم نفسه أنشئ من قبل 800 عام, وتفسير هذا الإسم أنه يهتم ببيع الأشياء الخفيفة, ويشتهر بمهنة (الريافة) والعباءات الرجالية والعقال وغيرها من الملابس الشعبية. وبيعت فيه سابقا الأحذية والخف الرجالي الجلدي والمغزول بخيوط بيضاء, ويمكن اعتبار التسمية مفهومة الآن.
الشارع يشيخ
شارع النهر هرم بما فيه الكفاية, فالأماكن تشيخ أيضا ويهجرها الناس كالناس تماما.
ومع ذلك, فليس الشارع على شاكلة واحدة, وعلمته الدهور التكيف مع متطلبات العصر والظروف ويشيرون في هذا الصدد, إلى تركيز الفتيات حاليا على الجبة الإسلامية والحجاب, مفسرين, أن الحجاب في الظروف التي تمر بها البلاد, بمنزلة (صمام أمان) للنساء, ووصل الأمر إلى أن مسيحيات وصابئات من فتيات البلاد يقبلن على شراء الحجاب ويرتدين الجبة الإسلامية أيضا ليبعدن عنهن الشرور والأشرار, باعتقادهن المبني على مسار الحياة وتقلباتها المضنية.
وشارع البنات أصابته عدوى شارع الرشيد وخموله, فقد هجرته فتياته ونساؤه ليقبلن على أسواق العرصات والمنصور و 14 رمضان وشارع فلسطين, فالكثيرات يعانين, من غزو (ملابس الفضائيات) للأسواق, الأمر الذي جعل التقاط ملابس (مناسبة) من شارع البنات أو غيره, اختيارا صعبا.
استراحة شارع
كمرآة ينصهر شارع البنات مع شارع الرشيد مثبتا بأعمدته, متواريا في تفرعاته, كأنه يعود إلى جسده, لا تبعده عن ضفة دجلة وجسورها, غير موجة متحدة فريدة, تباغته برفقة أسلاك أرادوها شائكة, في زمن يستغرق كثيرا بولادة الزوابع وتلكؤ البهجة.
الشارع يستريح في ظله, إذا ما ابتعدت عنه فتياته يستوي قبرا في مدينة مهجورة, والشارع يتوارى إن قل العابرون والماشون عليه, وفي ندرة الزيارات الوجيزة.
والبنات اللواتي كنّ شموله ونظرته وكبرياءه, تحولن إلى (سابلة) أو عابري طريق فحسب, فكرته الملفوفة بتاريخ بغداد و(الخاتون) التي تهوى التقاط القلوب عند زواياه المغمورة, راحت قبل نهايته وقبل أن يكمل القمر مداره على تلاشيه.
تركته الفتيات والسنون, محجوبًا عن الأبصار وعيون الصباح الممتلئ أغاني وصبايا ومرح الخطوات, وقصر الكلام واحتشاد الصدى وعمقه, الذي كان مدينة بوصاياها وحكاياتها ونزواتها وكامل جبروتها.
انطوى زمان (ممر الكرنفال) الذي كان يسمونه شارع البنات, وشاخت شبابيكه وهرمت شرفاته كمن أسرف في عشق الماضي وتأنق أيامه, فهو الشارع الغريب في استيقاظه والتاريخ الشخصي للرجال والنساء الذين التقوا فيه لأول مرة وفيه عقدوا زواجهم فيه, فأي سوق أو شارع فيه مساجد وتكايا, محكمة زواج وقبور, مقاهي ومعامل, خانات وملاهي!
ككوكب صغير كفّ عن التظاهر بمعبر الغيوم التي مرت عليه ثمانية قرون لم تنتب جدرانه الوحشة كما الآن, طاووس ينوّم ذكرياته.
شارع أبي نواس
الوحيد الذي تبقى أنواره وأوتاره تتكئ على النهر المتوازن مع السماء, في الصيف ينشط وفي الربيع يزدهر كسطوح القلب ونجمة أطلقت سراحها غيمة عابرة.
من غير الممكن اصطياد بغدادي ليس لديه ذكريات فيه, أو لم يبلغ الأمواج دعاؤه وأمانيه, أو يتطلع إلى النيران التي تعد مائدته, منتزعا من أمسياته الصيفية البالغة السحر, آلاف الأحلام غير المحسوبة واستسلام مطيع لهجران اليوم المتعب والليل المؤرق والفضاء المسجون بالأكاذيب.
هذا الشارع ـ كما كان يوحي التأمل فيه دوماً ـ زبد أسفنجة وخاتم النهر المنتظر وأقحوان بطيء النمو واشتياق الرغبة الأخيرة وسراج من طيور لا تمل الدوران وقطط واثبات على ما تلقيه من باطن السمكة وذيلها.
إنه النشوة للعريسين المغطيين بالورد ونزهة ما قبل الحياة الجديدة وصور الكاميرات غير المغشوشة, ومقاييس الفعل والجد والهزل والانسجام ووثبة الغصن المزين بالحب وأنشودة الحديقة الخالدة والأرجاء الحبيبة للمدينة, التي تسطع عليها الشمس نهارا وأنوار هذا المكان ليلا, جيّاشة أجنحته, مباحة ملذاته, بريء ليله الغابر.
وهو الشارع الذي لا يمكنك نقله الى أي مكان آخر ولا إلباسه قناعًا جديدًا ولا تحويل نشاطه ولا تغيير هندسته ولا يصلح إلا لينتشي هنا, وفي هذا المكان المصنوع منه كيانه وإرثه وتاريخه وخلود رائعة النحات محمد غني حكمت في سرده البرونزي العميق لملحمة شهرزاد وشهريار المعانقين كلمات ذلك الشاعر الذي أمسى شارعا, المضيع عصارتنا والناسج القصائد الباقية قرنا بعد قرن مودعها حفنة من الفرح والتشكيك والسقم والعذاب والفوضى التي اخترعها قبل السرياليين والوجوديين والهيبزيين.
الشاعر أو الشارع غير المحدود ببراعمه وورده وعاره وبغضه ومناداته بغير استجارة لأن ينهض أحدهم يطلق سراح الشاعر والشارع الذي احتضن الملايين, وأعلن أبوته لهم مكلوم الغيظ, كاظم المرارة, ولأن يعيد للشاعر مطره المنسي ومفرداته المنكوبة ودفق ذكريات المدينة التي إن حل بها غريب لا يعرف أي عنوان آخر يزعق بالهاتف الوحيد المتاح لديه لكي تسمعه بالكاد: في شارع أبي نواس!
السقوط الأول
ولعلها الأقدار التي حملت القوى العظمى إلى شارع أبي نواس لتستقر طوال أشهر ما بعد السقوط الأولى في فندقي فلسطين ميريديان وعشتار الشيراتون. وكانت الأقدار قد سبقت الغرباء في أن هذا الشارع يكون المختار لمحبوبي النظام ومقربيه, وعناصره الفتاكة لكي يبنوا مجمعاتهم السكنية, ناهيك عن إطلالة القصر الجمهوري الذي يعد من فضائل الملكية في العراق, على الضفة الأخرى من نهر دجلة المقابلة تمامًا للشارع الذي سيجوا نهره بالأسلاك طوال عقود حتى تلك اللحظة التي تهشمت فيها كل الأسوار بسقوط تماثيل البرونز وإشاعات الورق التي تمكنت من البلاد.
لم يكن اختيارهم شارع أبي نواس أمنيا ولا استراتيجيا, بل هو سبب أكثر من سياحي, وفيه استحواذ وأنانية وحب تملك الأشياء الجميلة, تميزوا بها كون هذا المكان كما رأوا وأدركنا منذ نشوء بغداد المعاصرة ; الأجمل والأمرح والأكثر زهوا ومتعة.
الخمول الثاني
تتبعنا خمول شارع أبي نواس التدريجي, ومنينا النفس في أن العلة ستكون طارئة وتحاشينا حتى تصويره في رغبة مؤمنة في أن كل شيء سيتم إصلاحه, وأن الغمّة ستزول.
لكن الواقع أثبت أن الشارع سقط مع انهيار الجميع, وربما في اللحظة نفسها حين ظهرت الدبابات والمدرعات الأجنبية في تلك الأحياء المخصصة للسمر والجدل, وتنظير قرون المعرفة وبيانات الحداثة الشعرية, ومخططات التشكيليين المبدعين وصياغة الأحرف الأولى من قصائد الأوقات الذهبية, وتبادل أحدث النكات على القيادة الحكيمة.
منذ تلك اللحظات المخبأة بالمصير البغدادي, ظهرت البراميل وجذوع النخيل أولا, لتسد منافذ الشارع, ومن ثم طورها الغرباء لتصبح دعامات إسمنتية وأنابيب وأكياس رمل ومن بعدها ظهرت أفواه الدبابات وشواهق مدافعها, لتعلن انطفاء الشارع في أول علامة (إكس) تمنع السير منه وإليه, لمختارين جدد وضعوا أيديهم على حكاياته وتاريخه وذكريات كل البغداديين تقريبا, دون أن يهمس في آذانهم أحد بأن أرض العراق شاسعة ويمكنهم اختيار مكان أكثر عسكرية من هذا الذي يلجأ إليه العراقيون لإشعال سرورهم.
صيف ثالث
سينقضي الصيف الثالث, وربما العاشر, في حكايات ما بعد السقوط, لنجتر مع من كان يعرف أسرار مهجة الشارع ونعومة ظله على الخلق, عدد الفرص التي كان من الممكن استغلالها لإنقاذه.
ومظهره في الصيف الثالث ; براميل مطلية وإعلانات لسمك ومسارح مهجورة ومبان مهدمة وأسلاك لم يرفعها أحد, بالرغم من أن الغرباء رحلوا عنه منذ أكثر من سنة.
من النقطة التي ينتهي فيها شارع الرشيد ليودع الناس في اتجاهين متوازيين, الأول يلقي بهم في شارع السعدون, والثاني إلى شارع أبي نواس تبدأ المظاهر المدججة بالأكياس والعواميد والجدران الإسمنتية العالية, حامية هذا الفندق أو ذاك الحزب أو تلك الجريدة الناطقة, لغاية مطلع جسر الجادرية, حيث تبدأ الأسوار الجديدة لأحزاب ورجال هم يقودون البلاد حاليا.
تحول المكان إلى ثكنة عسكرية نموذجية ولهذا سبب : أن الجدد استحوذوا على مباني المخلوعين, وإذا كان المخلوعون قد أرغموا الناس على التوقف عند حد معين وأغلقوا المناطق التي كانوا يلهون فيها, فليس للجدد حدود في الإغلاق ولا يعرف أحد من أية نقطة ينتهي به المسير وإلى أي حد تتكدس حرية تجواله, لقد تركوا كل شيء على عاتق الإسمنت والبراميل والمسلحين وأنت وحظك كما يقال. المخططون الأوائل للمدينة لم يشقوا شارعي أبي نواس والسعدون ليكونا متوازيين بالصدفة, ولأنهما الشارعان الأكثر نشاطا في العاصمة حسب التخصص: التجارة هنا واللهو هناك, فقد تفرعت بينهما كل مائة متر شوارع تلحمهم ببعض, اشتهرت في الفنادق والشقق الفندقية والمؤثثة التي تستقبل زوار الليل والصباح على السواء. واحتوت هذه الأفرع ليس على الفنادق المتوسطة والصغيرة فحسب, بل على كل المطاعم والبارات الأقل درجة من تلك التي احتلت الشاطئ, وظفر الآلاف ممن كانوا يرتادونها بأفضل الخدمات في تلك الأوقات, لاسيما أن هذه المنطقة برمتها بإضافة السعدون وتفرعاته لغاية ساحة كهرمانة, كانت البقعة الرئيسية لتجوال السياح من كل بلدان المعمورة.
وفي ظل هذه الظروف التي لا تجد فيها زائرا واحدا للشارع يقصد زيارته, كيف سيتسنى لهم تدبير أمور معيشتهم ونشاطاتهم المختلفة?
أغلب أصحاب المطاعم والمقاهي والمحال باعوها وانتقلوا إلى مناطق أخرى, لذلك من الصعب الحديث عن عودة أيام شارع أبي نواس, فالناس يخافون من المرور من هنا فكيف الحال بانتظار من يتجول أو يتنزه هنا?!
ولا يستطيع أحد تحديد الخطورة البالغة لمن يرتاد هذه الأمكنة, فهي من جهات عديدة, بالإضافة إلى القصف بالهاونات والاعتداءات التي تتعرض لها الفنادق ومقار الأحزاب, تحول الشارع, الى مرتع للصوص وأوكار للعصابات التي استغلت الهجرة الجماعية التي داهمته فوضعت أيديها على مبان ليس لها صاحب أو يخاف أن يظهر لها صاحب.
اندفع الجمهور وسرق المسارح وأحرق ما تبقى منها, في الأيام الرهيبة الأولى من عمليات نهب البلاد, ولم تسجل حوادث في التاريخ تحكي عن سرقة الجمهور للمسارح إلا في هذه الأثناء.
الحلم الرابع
منذ الجمهورية الأولى نهاية الخمسينيات, وهم يتحدثون عن تطوير شارع أبي نواس, وما إن يصل مسئول جديد حتى يبدأ بفتح ملفات من سبقه ليحكي عن بناء شارع مبلط يحاذي دجلة المسلوبة مباشرة وبناء مكتبة وطنية هناك وأحواض للسمك والأحياء المائية ومركز للفنون وآخر للسمعيات ومتحف يختصرون فيه تاريخ بغداد.
لم يحقق هذه الأمنيات النظام السابق ويتعذر على أحد في هذه الأوقات إعادتها على النظام الحالي المزحوم بجمهرة من الطلبات, فلا مجال حتى للحديث معهم الآن على متاحف أو أحواض للسمك أو ترميم حديقة, في وقت يفكرون فيه جديا بناء على (فتوى) ما بتغيير إسم الشارع فلا يصح أن يسمى شارع على اسم شاعر ماجن في دولة تقية.