الجمعة، 29 فبراير، 2008

جولة لوداع كابول








كابول - د. جمال حسين علي

الشيء الوحيد الذي يربط بين مواضيع هذه الخاتمة هو عدم ارتباطها بعضها بالبعض الآخر. وربما تتقاسم أطرافها أوجه الحياة الأفغانية. هي محاولة لتسطير كولاج لانسيابية العدسة ، محظورة وغير متفق عليها ولم تخضع لخطة أو نوايا. لقطات لم تشترك في العوم ، بل كانت كالسمك الطافي في بحيرة ممتلئة بالأسماك أو طيور فزعة غادرت مجزرة.
لم يعقد لها العزم ، جاءت هكذا بالصدفة خلال رحلة البحث. ليس لها أي غرض ، لكن من الصعب إزاحتها عن البال. والطريقة الوحيدة للتحرر منها كتابتها كآخر صفحة في الذاكرة. فهي حزم شموع خلفت ورائها روائح مثابرة. فالإصرار على الانتظار ينكب القلب ذاكرة عرضية يعجل من خريفه ، فأينما نزوغ منها تعرض فتنتها وإغرائها : فلتكن نتائج تشخيص صحافي حصل بالصدفة.
الغوص في الحلم
لأنها تحلق فوق القباب والقمم ، فلابد أن تكون المنطلق : حمامات كابول وبياضها المزيّن.
أي جمال تضفي على مركز المدينة وعيونها عندما تبرق مع أصداف النهار وتأجج الشمس في تشابك أجنحتها ومرح مناقيرها. استثناء فاتن يعرّش أصل الصورة ويبيح لها التفرد.
وكل من يريد أن يتكشف حال أعماقه ، يكفيه الجلوس في جوف النهار ، ململما أطرافه ، سارحا بلا طائل مع ألوانها وفرفشتها المستقلة ليسد المزيد من النواقص المنفلتة لديه.
يستندون بلا حراك على الجدران ، بلا رمز أو إشارة ؛ رؤوسهم معلقة مع حركة الأطيار ، ليملئوا أرواحهم بالأحلام الراسخة.
النظرة الجامحة
طفلة من كابول ، كأنها نزلت توا من الغيم بأشرعة خرافية وتآلفت مع الأرض. تتهادى أقدامها على الشارع كما لو كانت في بيتها. ما أن رأت العدسة حتى لا مستها وتصادقتا. لم تبطل النظر فيها ، بل أزهرت ظمأها : عنقود من السماحة والبراءة والصفاء ، أماني طازجة لأول إشراقة ، شحرورة متكاملة فيها فيض اللبلاب. تكسوها كل الخرق المتاحة تتآلف فوق رأسها حزمة خبز ملفوفة بقماش واهن.
تسير مع حركتنا ولا تبطل النظر بالعدسة ، هي التي فرضت الصورة وألفتها …
آه ،، تعثرت .. وظل الطريق !
صلاة في الشارع العام
المتكئون على عتبات الدكاكين اكثر من الزبائن. وتكاد المحلات أن تتحول الى مقاه محلية. فكل الخلان يجتمعون في المساحة التي تحيطه. تنتصب أباريق الشاي وتطول الجلسة حتى نهاية اليوم. كلهم يوجهون لك الدعوة للجلوس معهم واحتساء بعض من الشاي أو تناول ما تيسر من قطع الفواكه الصفراء.
جلسات معتادة تكثر ما أن تبتعد عن المركز الخانق بالحشد. كأنهم يعيدون الوجود لبركة المدينة ولا يمكن أن يسمع لهم صوت. هم مراقبو العالم وحركته وأضوائه وجديده وعيونهم نوافذ ترصد جميع ممراته.
وما أن يحل موعد الصلاة ، ينهضون بلا اتفاق لتأديتها. ويبدو أنهم مهيئين لذلك فكل شخص يجلس أساسا على سجادته. لوحتهم مهيبة ما أن تتشكل وقفة صلاة الجماعة ولهم فقط الفضل في تأليف الصورة.
هندسة الشواهد
للمقابر رائحة السأم والفراق والزرقة المؤلمة. نشيجها يكوي الروح ويدوي في الأعماق. وخاصة في مقابرنا ، تلمس أنانية الأحياء و لامبالاتهم المفزعة. لا نعرف السبب الذي يجعلنا لا نحترم موتانا أو نكون متطرفين في تقديسهم. لا يوجد لدينا منظر وسط ؛ أما نحول مقابرنا الى مزابل عمومية أو نشيد مراقد من الذهب والألماس !
وفي كابول تنتشر المقابر في أكثر الأحياء فقرا وأكبرها يمتد لمساحة شاسعة في مكان واضح من أسمه " حي المقابر ". وسكان هذا الحي لم يجدوا غير المقابر لإلقاء كل ما لديهم من قذارة هناك.
وحتى في القبر يحرص الأفغان على عدم الاختلاط بين الرجال والنساء. ولهم شفرتهم السرية التي يميزون فيها قبر الرجل عن المرأة. وهذه الشفرة مستقاة من هندسة أقليدس على الأرجح وتحتاج الى وسائل تعليمية للتوضيح قد تحل الأمر الصورة أفضل من الشرح : الشاهدة تأخذ شكل متوازي المستطيلات وطريقة تثبيتها على القبر تشير الى جنس المدفون ؛ إذا ثبتت الشاهدة واتجاه متوازي المستطيلات إلى القبلة تكون لرجل ، أما للمرأة فتدار الشاهدة 90 درجة باتجاه القبلة بحيث تظهر وكأنها مثبتة بشكل متواز معها.
وبعيدا عن تعقيد الهندسة والمعمار هذا ، لا يكتب الأفغان أسماء النساء على الشواهد كما يفعلون للرجال. يتركون أي أثر أو رمز تفهمه العائلة لوحدها لتمييز القبر ، أما الرجال فتكتب أسمائهم وحتى سيرهم الذاتية.
مدرسة الرؤساء
أكبر مدارس أفغانستان على الإطلاق. بنايتها ولا حتى جامعة كابول. ضخمة وعريضة ومعمارها معاصر ولا يوحي بأنها لمدرسة ثانوية. مصيبتها أن اثنين من رؤساء البلاد المغضوب عليهم تلقوا تعليمهم فيها. وثانيا أنها وقعت في الأحياء التي دارت فيها المعارك بين قوات مسعود من جهة وقوات حكمتيار وحزب الوحدات من جهة أخرى. وكالمعتاد أبلى الطرفان البلاء الخرب فيها. وتجوال سريع فيها يترك الانطباع بأن عملية ترميمها بسيطة ولا تحتاج الى جهد ومال كبيرين. ومع ذلك أهملت وتركت ولا يريد أحد التحدث عن هذه " المدرسة المشبوهة " ، مع أنها تصلح جدا ولو لإيواء عدد كبير من اللاجئين.
المشنقة والنافورة
وطالما الحديث يدور عن الماضي " البغيض " ، فأن صورة الرئيس المغدور نجيب الله معلقا مع أخيه وسط فرحة مقاتلي طالبان الرخيصة في ساحة جاري آريانا لم يطوها النسيان بعد ومن الصعب العثور على أحد في كابول نسي الساحة والمشنقة.
وبالرغم من محاولة طالبان إنهاء الملف ببناء نافورة في المكان مع علمهم عدم وجود ماء كاف لتشغيلها ، لأنها لم تشتغل منذ بنائها حتى الآن ، إلا أن كل الناس لا يتحدثون عن النافورة ، قدر إشارتهم الى الحادث المروع : هنا علّق الدكتور نجيب !
ويزداد الغبن أكثر في صعوبة زيارة الساحة واسترجاع ما حصل ، لأن القوات الدولية تمركزت في فندق آريانا المطل على الساحة. لذلك لا يسمحون هناك لا بالتصوير ولا التوقف ولا التنفس. أي أن الأمل في اندلاع ماء في النافورة تأجل الى احتفالية شنق قادمة.
الأصدقاء الثلاثة
تعمل الحيوانات بمثابرة في أفغانستان. ولا يمكن أن تجد حيوانا خالي شغل على عكس الملايين العاطلين من البشر. لذلك لهم هيبة فهم يعيلون البلاد. وبناء عليه فلا يجرؤ أي شرطي مرور على تسجيل مخالفة عليهم ، علاوة على ذلك فهم كائنات مسالمة وليسو أعضاء في تنظيمات شريرة ، ولا يحتاجون الى وثائق يعرضونها على القوات الدولية لييسروا سلوكهم في الطرق.
واستغلالا للعوامل المذكورة ، تجدهم في حلّ في أي مكان وترحال الى أي مكان : جِمال تسير بتمخطر وتؤدة في شارع مكتظ بالسيارات وحسب مزاجها وتبصق على العابرين ، حمير ناحرات وسط الطريق العام يتلهين بزعيق المركبات وصرخات السواق، ثيران وأبقار يترنحون بدعاماتهم الضخمة وعيونهم الصافية ممرغين حرمة الشارع في الوحل.
جِمال وحمير وثيران ؛ أصدقاء لا يصطدمون بأكتاف الناس ولا يثيرون مضاجع أحد ولا يتبادلون الأسى ولا يشكون ؛ يعملون ويكدون بهدوء ودون انتظار عرفان وأكاليل.
أفغاني على قارعة الطريق
الأموال في أفغانستان كثيرة جدا ، ولكن في الشوارع وليست في جيوب الناس. والحكومة المؤقتة طبعت من الأوراق النقدية ما لم تطبعه كل الحكومات غير المؤقتة. وبينما يقولون بأنهم لم يطبعوا أي مبلغ ، تظهر أطنان الأفغاني في الشارع جديدة تحمل حتى رائحة المطبعة ولم تمسها يد ومغلفة بإرادة حديدية.
ليس بالمستطاع الجزم بأن هذا القدر الكبير من الأموال يصل الى الشارع وبيد الشبان الطاجيك وداخل سراويلهم بالصدفة. فالعملية منظمة ولها أصحاب ورؤوس. توجد إذن ، قنوات كاملة تنظم حركة الأوراق النقدية المحلية وتداول العملة الصعبة في البلاد.
غير أنها بدائية للغاية ، ولم يكلف القائمون عليها تدبير ولو أكشاك للتصريف بدلا من الكارتونات في أفضل الأحوال التي يضعونها أمامهم جالسين على علب الصفيح ليشكلوا أندر البورصات في العالم.
زراعة الألغام
لم يزرع المتوالون على السلطة في أفغانستان النباتات والأشجار والخضار كما زرعوا الألغام. ولا أحد يمكنه التثبت في عددها ، بل لا يرغب القائمون على الوضع معالجة هذه القضية الخطيرة ، ويكفي أن الخسائر في القوات الدولية بسبب الألغام أكثر منها بسبب الحرب بذاتها.
معظم المعوقين وخاصة من الأطفال جراء غدارات الأرض. تظهر في مناطق لا تخطر ببال ولا حدس. ورؤية قطع باهتة تحمل العبارة الموجزة " خطر مين " ( خطر ألغام ) توجز الخوف. ولكن مثل هذه التحذيرات تنتصب في المواقع المكتشفة وليس في بواطن الأرض غير المنقب فيها عن الألغام بعد. وفي المناطق التي دارت فيها المعارك المعروفة. وماذا عن تلك التي زرعت فيها تشكيلات مسلحة طارئة حقل من الألغام حول مواقعها الطارئة أيضا ؟ ماذا عن شبكات الألغام التي زرعها الأموات أو الذين غادروا المعمعة وأفغانستان ولا يعرف سبيلهم أحد ؟ ماذا عن حقول الألغام المزروعة بشكل ارتجالي و بلا خرائط ؟
فوضى الألغام تعقد مهام أي مثابر لوضع حد لمأساتها ، مهمة مهولة لإزالة ألغام يفوق عددها أوراق الشجر.
الحاوية العنوان
لم يتفق على منشئها وتاريخ وصولها الى تقاطع سراي ميكرويان. وظلت كباقي الحاويات المنتشرات في البلاد : دكاكين وأسواق ومهاجع ونقاط تفتيش وسجون وحمّامات وأي شيء لا يخطر على البال.
غير أنها تحولت بعد مصرعها الى واحدة من النقاط الدالة في كابول ، طالما يأبى الجميع رفعها عن الطريق العام.
تحملت هذه الحاوية ما لم تتحمله جبال تورا بورا من قصف وألم ، حتى تحولت الى أكبر منخل حديدي في العالم ويمكن أن تدخل موسوعة جينيز للأرقام القياسية وفقا لعدد الثقوب فيها.
ولهذا السبب اشتهرت وعرفها كل الداخلين والخارجين. ولأن حفظ العناوين والأسماء الأفغانية صعب لمن لم يسجلها ويحفظها عن ظهر قلب ، فأن أفضل طريقة للاهتداء للمكان المزعوم قولك للسائق : عند الحاوية .. على يمين الحاوية ،، بعد الحاوية بكذا متر .. وهكذا.
ولا يستغرب أن تأتي رسالة من الخارج ليضع مرسلها عنوانه : كابول - قرب الحاوية !
اللحظة التاريخية
الاعتماد الصحافي الذي تمنحه وزارة الخارجية الأفغانية الواقعة في حي ديفانون النظيف ، فيه بعض التحديث. فهو ورقة وليس بطاقة كما جرت الأعراف وكل محتوياتها تكتب باليد ولا تطبع. وهذه أشياء مفهومة ومعقولة. ولكن أن يكتب على ورقة اعتمادك اسم المترجم وعنوانه واسم السائق ورقم إجازته ففيه بعض الإبداع.
ويكون إبداعا حقيقيا لو علم أن اعتمادك الصحافي يكون بحوزة المترجم ولا يحق لك الاحتفاظ به.
ولا يمكن نسيان الموقف الذي شهدناه والذي يرتبط ببطاقة الاعتماد أيضا. فمرة في " مديريت تدقيق واطلاعات " ( لا خطأ إملائيا هنا ) وهي ما يشبه المركز الصحافي لـ " وزارة خارجا " ( وزارة الخارجية ) قبل تأسيسه فيما بعد من نفس الكادر والمبنى ، وفي زحمة الصحافيين وتناثر جوازات السفر فوق المناضد البائدة يقف مدير
" المديريت " ماسكا واحدة من بطاقات الاعتماد في زمن طالبان ليوضح لصاحب مطبعة كيفية عمل نموذج جديد للبطاقة ويشرح له التغييرات بقلم جاف فوق بطاقات طالبان مباشرة بعد أن انتزع صورة صحافي وكان الحوار حيا : بدلا من أفغانستان إسلامي إمارت تكتب كذا ، تغير هذا الشعار ، البشتونية حولها الى فارسية وإنكليزية ، تكبير مكان الـ " عكس " ( الصورة ) قليلا. وهكذا استمر الحوار لطبع بطاقة اعتماد جديدة للدولة أمام جمهرة المراجعين أصحاب البطاقات المستقبليين.
كان المدير يصر على جلوسنا في غرفة الاستقبال وعدم احتشادنا في غرفته وهذا حقه وزيادة. ولكنه في الوقت نفسه يلبي طلبات من يجلس فوق رأسه فقط ، علاوة على ذلك لا يوجد ما يمكن أن يجلس عليه المرء في غرفة الاستقبال. فيها طاولة وإبريق وأريكة مكسورة. ويتذكر العاملون في المديرية هذه الغرفة عندما يحتاجون الإبريق فقط.
ولا يمكن إغفال ملاحظة لا علاقة لها بالموضوع ولا تخص الخارجية لوحدها وهي طريقة التفتيش وخاصة الكاميرات. ومن الواضح أن عملية اغتيال أحمد شاه مسعود بواسطة كاميرا تلفزيونية خلفت هذه الظاهرة وهي إجبارك على التصوير وأخذ لقطات لحائط أو صديق لكي يسمحوا بدخولك هذا المكان أو ذاك. ويبدو أنهم تعلموا هذه الحيطة من الأمريكان.
السفارة المدينة
اختار السوفيت أبعد المناطق في كابول وأكثرها هدوءا ليبنوا عليها مجمع سفارتهم أبان وجودهم في أفغانستان. وأخذوا في الاعتبار التوسيع الأفقي وليس العمودي في تصميمها ، حتى لا يجمعوا كل العاملين في بناية أو عمارة واحدة من عدة طوابق حيث يمكن إبادتهم بعبوة واحدة. لذلك تنتشر كبنايات ذات طابقين كحد أعلى لتتربع على مساحة واسعة من الأرض. وتفصل هذه البنايات الشوارع وكل شيء فيها عدا إشارات المرور. وأحاطوا هذه البنايات بجدران عالية من الأسلاك الشائكة والتي أزالها الناس فيما بعد.
بقت هذه البنايات مهجورة بعد رحيل السوفيت وغموض العلاقة الدبلوماسية بين الكرملين وحكومات المجاهدين ، الى أن جاءت طالبان لتمنحها الى سكان ستاليف من البشتون الذين أحرقت مساكنهم ودمرت حقول الكروم التي تحدثنا عنها في وقت سابق.
وتبين أن مجمع السفارة السوفيتية من الكبر بحيث اتسع لإيواء أكثر من 40 شخص مع حيواناتهم المختلفة.
حاول الروس بعد عودة حلفائهم الطاجيك الى السلطة الرجوع الى مبنى سفارتهم ولكن البشتون الغاضبون هددوا بالعصيان ، فطالبان هجّرتهم من دورهم ويريد الطاجيك تهجيرهم من مهجرهم ، فأين يمكن أن يذهب كل هؤلاء البشر ؟ قال السفير الروسي في كابول بأنه ألغى النظر بالموضوع برمته ( استرجاع السفارة ) بعد أن قال له عجوز بشتوني من سكان السفارة بأنه من غير المعقول أن روسيا التي وهبها الله ثلث يابسة الكرة الأرضية لا تستطيع العثور على قطعة أرض لسفارتها وتشرد آلاف الناس.
الفندق الحلم
دخل فندق انتركنتننتال كابول الواقع على جبل باغي يولا التاريخ من أوسع أبوابه. فقطن فيه أعضاء الحكومة المؤقتة وكل الصحافيين الأجانب تقريبا. وهذا المقطع ليس للكتابة عنه ، فقد عملها غيرنا وخاصة للذين لم يغادرونه لأسبوع أو أكثر أو للذين لم يروا غيره في أفغانستان ، بل لاستذكار موقف تعرضنا له في حصار جبال سالانغ بحيث تحولت رؤية الفندق الى حلم حقيقي. ووصل الأمر الى مقارنة الجحيم الذي رأيناه بجنة الفندق. وكأنه تحول الى مقياس للهدوء وراحة البال. وخاصة الليالي التي بتنا فيها في سيارة على قمة جبل وحسابنا جار في غرفتنا الخالية في الفندق.
عجلات الريح
الدراجات الهوائية توقظ المدينة منذ الصباح الباكر. تمضي الآلاف منها غير عابئة بالمسافات والرياح والحفر. وتعتبر أكثر وسائل النقل شعبية وفائدة ورخصا. حاول الأفغان بناء مصنع دراجات بالتعاون مع الصين ، الا أن هذا المشروع لم ينفذ بعد. وما زالت أغلب الدراجات تصل الى أفغانستان من الصين عبر باكستان.
وفي مدخل كل وزارة أو مؤسسة حكومية هناك موقف خاص للدراجات تنتظم فيه بتوافق هندسي عال.
ولأنها وسيلة النقل الأساسية في البلاد ، فلا حرج من اصطحاب امرأة منقبة على متنها. ويبدو أن النساء تعودن الحفاظ على توازنهن أثناء السير ، بل أن أقدامهن أحيانا تتمايل بغنج ، أو يضعن رجلا على رجل وغيرها من الحركات.
جولة الوداع
مغادرة كابول أو أفغانستان عموما لا تعتمد على أي شخص مهما كانت منزلته ، لأن الأمر يرتبط بوجود طائرة أم عدمه. وهذا الموعد يمكن معرفته قبل أيام ولا يأت بالصدفة دائما. لهذا العامل كنا نعلم باليوم الذي سنغادر فيه العاصمة وكان اليوم الأخير مشحونا جدا بالعمل وختام مسك حقيقيا بعد إنجازنا ثلاثة موضوعات من خطة العمل لم يكن تأجيلهما يعتمد علينا بطبيعة الحال.
ولم يكن يوما ناجحا وعمليا فحسب ، بل فرغنا فيه والشمس فيها ضوء لساعتين أخريين . وكانت فرصة للاستراحة. وحتى هذه اخترنا أن تكون في خدمة العمل وهي جولة حرة لوداع كابول. جولة نحاول فيها رؤية المدينة بلا خضوع لخطط مسبقة ولا مواعيد ولا مزاج المهنة ؛ محاولة للاسترخاء والتمعن بالأشياء المعروفة ، فليس كل الأشياء التي يراها المرء يعرفها أو يقرأ ما فيها.
قلنا للسائق سر على أقل من مهلك ولم يكن بحاجة للتدخل في إدارة دفته فقد درس الطباع والاهتمامات مبكرا.
استعدنا ضحكات سابقة عندما مررنا بمنطقة بولباغ عمومي عندما رأينا أول مرة لوحة " دكان صنايع وزارات " وتساءلنا : هل يصنعون الوزارات والوزراء في هذا الدكان ؟ وتبين أن المقصود " مقر وزارة الصناعة " ! وتملكتنا الدهشة نفسها في كوزكا ديمازنك عندما قرأنا أمام بناية كبيرة " دكان مخابرات " وأدهشتنا جرأة المخابرات الأفغانية التي وصلت الى هذا المستوى من الصراحة بحيث تخبر المواطنين مباشرة وتوضح لهم دكاكين المخابرات. وتوضح أن المقصود " وزارة الاتصالات " !
تذكرنا صناديق الشكاوي الموجودة في كل وزارة ومؤسسة ولا تعلم من يشتكي على من فيها. مقبرة الباصات السكراب التي يفوق عددها كثيرا على العاملات في المدينة.
لا يزال الناس بنفس أرديتهم وهرمهم بينما خطانا ليس تلك الخطى التي كنا عليها بالأمس. فلحظات الوداع ساكنة غير معبأة بالحركات النسرية. تباطأت العربة نحو وزارة معارف دي أفغانون وكوده سانغي وقواي مركز : هذا المكان الذي يقابل فيه البنك المركزي فندق كابول الجريح. كل يوم يكتظ بنصف الحكومة وأقربائها ، السابقات واللاحقات ، ونصف أجنحته سفارات مؤقتة. ومع ذلك لم يفكر أحد بإزالة أنقاض القصف الذي طيّر واجهته !
خفق الفؤاد بارتجاف ما أن حل في كارتا مأمورين ، هنا جلسنا في مطعم ماركو بولو وعند كارتا باروان ودانه باخ. انحنى الظهر في جهارا سادرات وسراي فروج آغا، حيث تلتصق البيوت بالجبال كأثدائها الممتلئة باليقظة والوحشة والقناعة.
كأن هذه الأحياء نراها لأول مرة وكتابا جديدا نسير وراء كلماته وكم هي اللحظات قصيرة التي تطل على ميدان هواي وباري أب وبولو محمد خان وجاري ميكرويان.
استذكارنا لشجرة أسماء كابول عزاء للاستراحة المؤجلة
إيماءات أخيرة للمدينة الخربة تغري بالرجوع
لم الحتم في غدو الرياح وما عداها ؟
كل الظلال الواهنة هنا تأمل في سير الأشياء والخطوط والألوان وابتداع الأمل والتنقيب عن الفرح الفياض.
ولكن بعد أيّ …
بعد " خرابست " أفغانستان ؟!