الثلاثاء، 26 فبراير، 2008

زمان المعيديات








الأهوار - د . جمال حسين علي

" النساء .. القوة الخفية في الأهوار "
- كافن يونغ -

متداركا، ملزما، مأزوما، حائرا، هائما ولهانا، مجبرا على اركاع المفردة وتطويع الكلمة وعصر جوهرة العبارة، لذر أنامل الورد على عصـّاباتهن وفوطهن و شيلاتهن وجدائلهن وضفائرهن وأكفهن المتشققات من العمل الكثير. فلا جهد يعلو فوق انجازاتهن ولا يوجد عمل ابتكره الانسان الا وقمن به بأيديهن عدا حلب الجاموس وصبّ القهوة في المضايف. كل الأعمال التي تخطر بالبال والتي لا تخطر يقمن بها بطيب خاطر قبل ذيوع الفجر حتى مقبله الجديد. لا يكلَلْن ولا يملَلْن، فهن كيروسين وجنريترات الأهوار بلا أدنى تردد ولن تحظى لو درت العالم سبع مرات بمثل الأهوارية، طاقة وبراءة وقوام ورشاقة وكحل وهبته اياها الطبيعة ونضارة شفاه طفل وجسارة شجعان وقوة بنية وجسد يهز ّ الأرض وشكيمة وحسّ عال بالأنوثة ورقــّة ندى وحيوية ووفاء يجعل أنين امرأة فقدت زوجها أو أخيها، ونواحها في سكون الليل مؤتلفا عاديا كمسرى الرياح. لن تنسى الأهوارية حبيبها حتى الموت ولعل قصص العشق التي خلدتها الأشعار المحلية والحكاوى بما فيها وحولها مجد ارضاع الحب بأقصى ما تنميه مثابرة الفؤاد وزمجرة القلب حين يهوى. حاذقات وأن بدين بسيطات ولماحات مهما جارت عليهن الأيام وصانعات بسمة في رداءة الوقت وبلا أستار يندفع الضوء من عيونهن كتفرق المرح في الهواء الناصع البهجة. وعندئذ فقط، سيستحيل رداءهن المغلوب بالسواد وتكديس الأقمشة وانشطار الألوان بلا مناسبة وتعدد العباءات الفضفاضة ؛ شجيرة كرنب وأوراق دردار وخطواتهن الحافية وذاك الطين الملتصق ببهاء أظافر أقدامهن أطهر من حزن صفصافة وعهد اخلاص و تسريحة ماء خلفه المطر. لتطلعها وقيامها في الفجر وهجعتها النبيلة بعد ايفاء كل مطالب الخلق والمخلوقات ولآثار الأرض على بشرتها لفورتها ومساورة فتوتها لاذعانها حين ترمى في أرض غريبة ولأغصانها المشذبة وجذعها المكسور، ننبئكم باللواتي اندفعن في الآفاق كقناة الحياة الفريدة: نعناعة و طليعة و حسنة و شولة و حليمة و نظيمة و سليمة و زهرة اللواتي شاركننا ترحالنا بالصوت والصورة والعمل الباهر والى كل اللواتي لم يدهشنا الحظ برؤيتهن أو لمحناهن من بعيد ذارعات الهور بالمشاحيف وكل من يطلقون عليهن: المعيديات!
الفورة المبتكرة
تستيقظ الأهوارية قبل الشمس بكثير وقت الـ «سروة» كما يسمونه، منسابة وحدها في المياه لتجميع الأعلاف للجواميس والأبقار والأغنام والدجاج الذين تدق ساعتهم البيولوجية عند مقدمها فيجتمعون حولها ويخاطبونها كل بلغته متوددين شاكرين فرحين بوجبة الصباح.
ويكون عندئذ موعد الافطار أزف لاطعام البشر بعد الانتهاء من الحيوانات، فتجلب «المطــّال» وتحرقه في التنور وفي الوقت الذي يسخن فيه، تكون بسرعة النار قد جهزت العجين لكي تخبز ما طحنته عصر الأمس. ولأن الشلب أو الرز متوفر أكثر من الحنطة في الأهوار فأنهم يميلون أكثر لطحين الرز الذي تحوله النساء الى خبز «السيـّاح» الفاخر بمساعدة قرص من الصاج و«الرصـّاع» المفيد للغاية لتقوية بنية وعظام الأطفال ويكون أقل سمكا من خبز الحنطة المعتاد. وفي حالات كثيرة يخبزن «الطابك» وهو أسمك وشهيّ وسمي كذلك لأنه يعد على طبق طيني . وتتفنن النسوة في استثمار كل ما موجود من نباتات في البيئة المحيطة لتحويله الى طعام وكذا يفعلن مع نوع من الحلفاء بعد طحنه ليقدمن الخبز الذي لا يرى في أي مكان عدا الأهوار والذي يسمونه «العجيل». أما الحلوى الأولى التي تصنع في الأهوار فقط فتعدها النساء أيضا بتجميع غبار الطلع من رؤوس البردي والذي يسمونه «الخرّيط». لا يستعملن لقوتهن الخفية، أي وسيلة لانتزاع الخبز من التنور، يرفعنها وسط اللهب بأصابعهن بكل رشاقة. في هذه الأثناء تنشغل الأخريات في اعداد القيمر والحليب واللبن الرائب «المغالي» والسمن والزبد وأياد أخرى تعد الشاي ليبدأ يوم الجميع في الجلوس على حصيرة الافطار.
الجوّالة
يقسمن الواجبات من وجهة النظر الميدانية حسب العمر والخبرة والشطارة والمعرفة بالشيء. فثمة من تبقى في البيت للاعتناء بالأطفال والحيوانات والأخريات يذهبن بالمشاحيف باتجاه النقاط البعيدة للقرى والمدن لتسويق منتجاتهن وبيعها واستبدال النقود بالشاي والسكر والقهوة والتوابل والسجائر وأدوات للخياطة قطع قماش عند الحاجة والأعياد فهم لا يشترون الخضروات لأنها كلها موجودة وكذلك التمر أما الفواكه فلا يعرفونها! المرأة اذاً، لا تنتج فحسب، بل تذهب بنفسها لتبيع وتشتري وهي بذلك تتحول الى منظومة متكاملة اقتصاديا تعهد عليها تنفيذها في كل تفاصيلها وهي في المفهوم العام «ثقافة اقتصادية» بني على أساسها مجتمع الأهوار الخالي من أي معمل ولو كان صغيرا لانتاج مشتقات الألبان أو الغزل أو حتى البواري والأقفاص، وكان هناك معمل واحد للحليب في الفضلية سرقه سيد هادي مع سياراته واختفى في الفوضى التي عمت البلد! سدت نساء الأهوار هذا الفراغ غير المبرر والاهمال المتعمد للدولة لجزء كبير من مساحة الوطن ونموذج حياة غير مكرر، فالأهوار ليست أريافا وناسها ليسوا فلاحين كما يظن غير العارفين بشؤونهم، إنهم «معدان»؛ شعب القصب والماء ذراعهم طير وقلبهم سمكة وبهذه العناصر تكتمل صورتهم وبغيرها يجري الحديث عن أناس آخرين ونموذج مختلف. لقد مرت سنوات قاسية على النساء في الأهوار كن يحفرن الآبار يوميا طوال سنين بحثا عن الماء وأطعمن أطفالهن علف الحيوانات بعد تسخينه لو توفر الماء حتى لا يموتوا من الجوع بغياب رجالهم هربا من الاعتقال. كانوا يحرقون القصب حتى تنمو بدله حشائش جديدة يطعمون بها الجواميس وطالما هرّبـن الطعام والأسلحة للمقاتلين المعارضين المختبئين في جوف الهور. وحينما حلت ساعة الهروب الجماعي حملن الأسلحة مع الرجال وعبرن الأهوار الماء تلو الماء في زمهرير فبراير ورعد مارس وبرقه الموحش ولم يجاريهن أحد في تحمل كل تلك المآسي التي مهما قيل عنها لن تلثم ليلة واحدة مريرة في الهور.
الماهرات
وكذلك ثقافة ادارة البيت والمطبخ، فسكان المدن أخذوا من الأهواريات الكثير من طرق الطبخ كاعداد السمك المسكوف مثلا و خبز «السيـّاح» الذي يوصي به الأطباء متعلمات المدينة ونقلوا الى المدينة أسرار اعداد «المصموطة» وطرق تجفيف السمك وتيبيس الباميا وتحوير المشويات كالكباب الى أكلة «الجباب» التي يستبدلون اللحم فيها بالسمك. ولعل الطرق المختلفة التي تعد فيها النساء وجبات الطيور والدجاج وتشكيل المقبلات داخلها وحشوها بالعنبر والكشمش ونومي البصرة من أطيب ما نقل عنهن من طرق لطباخي المدن. ويتميزن باعداد الوجبات الخفيفة وكذلك التي تصمد لأيام عديدة حين يهيئن «المتاع» للرجال الذين يقضون فترة قد تطول أيام في الهور وخصوصاً الصيادين وجامعي القصب (العملية قد تطول اليوم بأكمله) ومنفذي بناء الجزر الصناعية «الجباشات» ويتطلب معرفة خاصة بكيفية الحفظ والاعداد لطعام يكفي عدة أيام ملتهبة الحرارة دون أن يفسد الطعام وبدون طرق تبريد.
المخترعات
تصنع النساء كل مستلزمات العيش و الأدوات المنزلية من سلال وحافظات الرز والطحين والأواني والستائر والمنادر ومخدات الريش المنتوف من الدجاج ودجاج الماء خاصة لأنه أنعم وغزل أصواف الأغنام وبرم الحلفاء وتشييد مهود الأطفال وأسرة الصغار والكبار من القصب وكذلك الأقفاص والمناول والحصران والطبك من نبات الجولان اليابس وسعف النخيل وغيرها. و تمهر النساء في كيفية التعامل مع القصب وتحويله الى حصران وبوار ومناضد وغيرها من وسائل العيش. فطوال ساعات تجلس النساء وسط أكوام القصب من أجل تقشيره من غلافه غير النافع ومن ثم «تفشيكه» ودقه باستخدام «المدكة» الثقيلة بمواجهة امرأتين تتناوبان الدق بقوة وسرعة وبشكل متواصل وبمساعدة رش الماء على القصب لفترة لا يتحملها الا الجسد القوي لحين تحول القصب الى «ليط» جاهزا للغزل والنسج وتحويله الى أنواع «البواري» أو «الباريات» ويسمونها أيضا «طريدة» و«عشيراوية» (السومريون أطلقوا عليها «بورو» والآراميون والفرس «بوريا») وهي مستطيلة الشكل بأحجام مختلفة كان يجلس عليها في يوم ما كل أبناء الجنوب العراقي قاطبة وتغلف بيوتهم وتحمي أسقفهم لكونها مقاومة للحرارة والرطوبة ولا يستطيع الماء النفاذ من خلالها ولطالما سترت «البواري» بيوت العراقيين وحددت عوالمهم الخاصة. بالطبع لا يستخدمونها كلها، بل يبيعون القسم الأكبر منها، وأسعارها تدرجت من 50 فلسا أوقات الخير حتى وصلت الى ألف دينار في أوقاتنا السيئة.
عصر الباريات
أما الطلبات فتزداد عليها حتى من أهالي المدن في ظل ارتفاع أسعار المواد البناء، فالكثيرون يسيجون حدائقهم بها ولمحنا أكثر من مرة استخدامها كستائر أو لتغليف شرف البيوت بها لاتقاء الشمس حتى في المناطق الحسنة التدبير، ناهيك عن عودة الناس لتربية الدواجن في بيوتهم طوال فترة الحصار واستمرت للآن، فكانت «البواري» أفضل أعشاش لهن أو لباقي الحيوانات الداجنة. ويمكن اضافة الحسينيات التي استؤنف نشاطها ومجالس العزاء التي راجت أوقاتها والتي تفرش بها وكذلك الحصول داخل المدن وأطرافها والمشاتل والمسقفات المستخدمة للزراعة الصناعية، ووصل الأمر الى دخول «البارية» لأول مرة جدول التصدير الخارجي حيث تكثر الطلبات عليها من سوريا وايران وتركيا، لاسيما المزخرفة والتي تنقش عليها أشكال هندسية لعمل الديوانيات الصيفية هناك والشبيهة بالمضايف العربية ويزداد الطلب عليها من أرياف الدول المذكورة التي تتشابه بالتقاليد والطباع والاهتمامات.
الملهمات
وان كانت الطبيعة تكحلهن والموجود يلبسهن والندى يزينهن، فإن طرائقهن في ارتداء غطاء الرأس ووضع الاكسسوارات وجرأتهن في ارتداء الحلي في القدم والخزامات في الأنف وشكل الجدائل وطراز تهذيبه وترصيعه بالفضة ومعادن براقة أرخص و هندسة الوشم على وجوههن وأكفهن وتطريز ما يظهر من جوارب أو شالات أصبحت كلها من الموضات العالمية والشائعة حتى في الأوساط المدنية بين النساء العربيات والغربيات والآسيويات. فهن أوليات النساء اللواتي ارتدين الحلي في الأنف واهتممن بالأقدام واظهار فتنتهن بالوشم والتطريز والحلي وهذا ما مشت عليه الموضة بعد قرن من معرفة «المعيديات» واكتشافهن له.
المسترجلات
ذوات جسد قوي، يشاركن الرجال في المعارك وفي صيد الخنازير وهذه أخطر مهمة تشبه سابقا صيد الضباع والأسود التي انقرضت من الأهوار. يتعاركن بالمكوار ويصرعن الرجال ويجلسن بالمضايف ولا يمكن رؤية خصلات شعرهن لأنهن يقصصنه كالرجال. لا يقمن بأعمال النساء كغسل القدور والملابس في الأنهر وصناعة المطال والخبز و الجرش ولا يخيطن او يحكن أو يطرزن ولا يضعن الحلي ولا القلائد المزيفة و تظهر أصواتهن خشنة كالرجال أو هكذا تبدو. واذا كان الأهواريون لا يطلقون الرصاص في تشييع النساء فإنهم يطلقونه لو ماتت واحدة منهن. هن ّ نساء بالتكون البيولوجي، لكنهن رجال في الطباع والشكل والمهام وربما حتى الرغبات!
النيسانيات
نساء البلدات والقرى والأقضية والنواحي المتوزعة على أطراف الأهوار ولا يسكنّ في الأهوار، الأكثر من المسحوقات والمعدمات يأتين مع الرجال الذين يطلق عليهم «النيسانيون» في أبريل - نيسان من كل عام الى الهور ليعملوا بأجر لدى مسحوقين أقل منهم وهم أهل الهور. ونيسانيات ليس لأنهن يصلن للأهوار في نيسان - أبريل فحسب، بل لأنه في هذا الشهر يبدأ موسم الخير في كل شيء: صيد الطيور والأسماك وقطع القصب وحصد الشلب وبعدها يبدأ موسم جني التمور وغيرها من منتجات تتطلب أيدي عاملة اضافية. والغريب أن رجال الهور عادة ما يتزوجون من النيسانيات لأسباب تعرفهم وتقربهم من بعض طوال الموسم الممتد حتى سبتمبر، لكن تسمية النيسانيات تبقى ملاصقة لهن حتى لو يعشن دهرا كاملا في الأهوار فحين يحل اجل احداهن، يقولون: ماتت النيسانية!
الصابئيات
اثنان من ستة رافقونا في رحلة الأهوار متزوجان من صابئيات ! فقد كان عدد الصابئة كثيراً جدا، فيما تبقى منهم في سوق الشيوخ ونواحيها 50 عائلة فقط. فالكثير من الدراسات أثبتت أن منطقة الأهوار الموطن الأصلي للمندائيين الصابئة. لكن ظروف الحرب والتجفيف والتهجير جعلت نسبة الإناث تزيد بشكل ملحوظ على عدد الذكور (كحال كل العراقيين). وربما كانت هجرة الرجال أكثر لكونهم أخفّ وأكثر تحررا فبقت الصابئيات بدون صابئيين. وتميزن بالجمال والأناقة والذكاء والاخلاص والعمل والدقة في تأدية الواجبات المنزلية ومنظمات ومرتبات أكثر من «المعيديات»، فلذلك انجذب الرجال لهن أكثر وتصاهروا واستمرت حياتهم على وتيرة الأهوار نفسها لكنهم في بعض الأحوال حين ينسون اسم شخص ما يهتف أحدهم مذكرا: هذا رجل الصابئية!
المتحررات
لا يظن أحد أن الأهواريات يعشن مجتمعا ذكوريا وتحرم عليهن أشياء كثيرة ويمنعن من كذا أمور ومن يعتقد ذلك يخطأ. فليس عليهن سطوة البدوي والريفي وهن متحررات بما اتفق عليه الجميع: تمخر الهور لوحدها، تصل الى المدن، تتعامل مع الأسواق ثم تعود. لن تختبئ كالبدويات والريفيات حين تلمع الكاميرا وتبتسم للغريب وتجيبه، أحيانا ترفع فوطتها لتغطي نصف وجهها ولكن حين تطلب رؤية وجهها ( لخاطر الصورة ) ترفع نقابها المؤقت بابتسامة وغنج أحلى من السابق. يلقين السلام ويردن التحية لو ألقيتها، يساعدن أي رجل غريب أو قريب، يغسلن القدور والملابس على حافة هذا النهر أو بركة الأمطار أو الهور، يتسامرن عند الشواطئ ويلاعبن البقرات، تظهر أصواتهن وهي ليست عورة ويمكنك التطلع الى ملامحهن وتلك ليست بحرمة. يتبادلن الكلمات والأحاديث ويردن على أسئلة الرجال العابرين ويشتركن في المناقشات التي تجمع بين الرجال في الدار لو لم يكن هناك غريب. ونتذكر أن آراءهن على الدوام كانت هي الراجحة في نهاية النقاش ( لاسيما المسنات)! وللنساء طرق فائقة التهذيب لاشعار المقابل بأن ما قاله مرفوض ويمتلكن حدسا مذهلا للاعجاب بالرأي السديد والتعبير عن هذا الاعجاب بمنتهى المحافظة اللبقة ويمتلكن قدرة على تغيير الموضوع أو توجيه دفته أو التركيز على هذه النقطة دون سواها بجاذبية لا يمتلكها أعرق السياسيين المعاصرين. هن جزء متحرك ديناميكي تجده في كل زاوية ومنعطف وحتى تشارك بطلي القار للمشاحيف وان كان ذلك من اختصاص الرجال كقص القصب، لكن طالما رأيناهن يفعلن ذلك، اما بغياب الرجل أو لمرضه أو لزيادة الخير واختصارا للوقت. المجتمع الأهواري مختلط بالمعنى الشرقي للكلمة تجد النساء فيه عند كل خطوة حتى في المضيف ( حالة خاصة ) وحريتهن منضبطة بالأصول المتعارف عليها وبالرغم من أن مساحة الهور الشاسعة تعطي للفتيان والفتيات فرصة الاختلاء ببعضهم بعيدا عن العيون، لكنهم أبناء عشيرة واحدة وليس من عاداتهم الخيانة (الطرفان)، لذلك تنتهي مثل هذه العلاقات بالزواج في الأغلب. هي ليست «اباحية الأهوار»، لكنها موجودة في عالمنا كله، لكن شكل الهور يساعدها ويسهل من أمرها، لكنها ليست ظاهرة يمكن التوقف عندها كما استغلها النظام في مس سمعة الأهواريين من هذه الزاوية وكان اتهاما باطلا بما لا يقبل الشك. لقد انتزعت الأهوارية حقها في التعبير والحركة واللبس والتزيين والعمل قبل الأوروبيات (ناهيك عن نساء مدننا أجمعين) لكنها تعيش وتموت دون أن تملك المال لأن ما تربحه تمنحه لرجل البيت وكذلك فان العائلة لو قررت ارسال أحد الأبناء الى المدرسة فسيكون الذكر بحظ الأناث جميعا. علاوة على أنها ظلت تعاني من قضايا سيئة الذكر لابد من التوقف عندها.
الفصليات
وهذه أسوأ ظاهرة أو عادة وربما صارت قانونا عشائريا لا يزال ساري المفعول بمزيد من مرارة الأسف، حتى يومنا هذا. والمعروف أن حوادث قتل البشر والحيوانات والاعتداءات المختلفة والتجاوزات التي لا يشرع بها قانون العشائر موجودة حتى بين أفراد الفخذ الواحد في العشيرة. ( السب والقذف قد يصل أحيانا لو تعرض له احد الوجهاء لمنزلة القتل). هذه المشاكل لا تحلها المحاكم طوال قرون، بل تفصل بها المحاكم العشائرية وفق قوانينها «السناين» وتبدأ بـ «العتبة» وتنتهي بـ «العطوة» (هدنة تهيأ لجهود الوساطات، في غضونها تعقد مجالس مشتركة يحضرها ممثلون محايدون وآخرون مراقبون وبعض الوجهاء والسادة وشيوخ العشائر والأفخاذ المعنية والوسيطة والقريبة ). ودائما في حالات القتل تنتهي اجراءات «الفصل» بتغريم الجاني دفع نساء لعائلة المجني عليهم والمرأة منهن تسمى «الفصلية»! والفصليات أنواع ويرتبطن حسب قوة الجريمة وبشاعتها وعدد القتلى وحالات كثيرة. وتبدأ بالبكر التي عمرها يبدأ من 14 سنة ويسمونها «الفجرية». واذا كان «الفصل» فيه أكثر من فصلية فالباقيات يسمونهن «التلاوي» وأحيانا يحدد الفصل أكثر من «فجرية»! واذا كانت «الفصلية» أخت القاتل كما جرت العادة، لتتزوج بطرقهم المحلية من أخ القتيل، فيمكن تخيل معاملته لها وتصرفات أهله ضدها ومدى الذل والجور والاغتصاب الفج الذي ستتعرض له طوال حياتها لكونها ارتضت فداء أخيها من الثأر وحتى لو لا ترغب فليس أمامها سوى الانتحار الذي لن ينهي المشكلة أو العودة لأهلها لكي يضربوها ويردوها أو طريقة ثالثة سنأتي على ذكرها أدناه تزيد من تعقيد الأمور للجميع وتنتهي عادة بالقتل أيضا.
المرأة المهر
وتعاني المرأة هنا من علاقة رديئة أخرى وهي اعتبارها مجرد «مهر» وللتوضيح: لو يخطب أخوها فتاة ما فان أهل العروس يطلبون مهر أخته لابنهم وفق المعادلة الاجتماعية المريعة «كصة بكصة» (ترجمتها الحرفية جبهة بجبهة والترجمة الأكثر توضيحا تريد أختنا أعطنا أختك!)لم نر أي داع لدراسة جذور الظاهرة، لكنها بالتأكيد امتهان صريح لحق المرأة في اختيار شريك حياتها، خاصة في الحالات التي تكون فيها هذه الفتاة قد اختارته فعلا، وهنا تبدأ المشاكل وقد تصل الى الدماء حين يقتل العاشق «عريس الغفلة» وتنتهي عادة إما بحرب ثأرية طويلة أو بدفع «قطيع نساء» للمجني عليهم لوقف نزيف الدم. كم فتاة ضاع حلمها وهشموا آمالها وقتلوا حبها وارتضت بصمت مصيرها لأنها اذا اعلنت رفضها أو عشقها لرجل آخر فسيكون مصيرها الموت أو العزل في أحسن الأحوال وهي في الحالة هذه تفقد حياتها وتذبل لتموت ببطء وأحيانا يقبل صاحب الدية بها حتى لو رفضته لينزل عليها كل أنواع الذل والتعذيب النفسي والجسدي وحتى الجنسي.
النهّابات
في هذه الاحتدامات بدأت ظاهرة «النهب» وهي هروب المرأة مع حبيبها ويسمونها «النهـّابة» أو «الشالحة». ويكون هروبهم الى المدينة عادة، لأنهم لو يهربون للأرياف أو الأهوار المجاورة فسيجلبونهم حسب العلاقات العشائرية ويقتلونهم معا. الفتاة «الشالحة» كانت أكبر المصائب التي تحل على أهلها لذلك حين يعثرون عليها يحتارون كيف يعذبونها ومن ثم يقتلونها ويقطعون كفها ويبقونه معلقا حتى تعرف كل العشائر بأنهم محوا «العار»! والأكثر مأساوية في قصص «النهـّابات»، أن أهلهن يطاردنهن مدى العمر حتى لو أنجبن أطفالا وكبروا وأصبحوا رجالا، فإن كفها سيعلق في واجهة دارها القديم وأن أبناءها حتى لو عقدت قرانها ألف مرة، يعدونهم أولاد زنى ولا يعترفون بهم!لا ندري في أي خانة نضع النسوة اللواتي يفدين العشيرة أو أقربائهن وكيف سنلوم الهاربة مع حبيبها لكي تتزوجه لكي تنتهي كفا مقطوعة وهي مدركة لمصيرها. فداء وايثار وتضحية وتقرير مصير ومنح الحب كل ما يملكه الانسان حتى حياته وأهله واستقراره أو العيش وفق قاعدة «كصة بكصة» مع رجل لا تعرفه وربما لا تطيقه؟! وكيف يمكن لأولاد الحب أن يكونوا أبناء زنى حتى لو علاقة أبويهم شرعية فيما «الفصلية» المجبرة والخانعة الذليلة أو التي تمنح كمهر ليتزوج أخوها فأولادها شرعيون؟! تتزوج النساء على هذا النحو ويقايضونهن بهذا الشكل ويقتلونهن ويعلقون أطرافهن بعد رفضهن السبي في بلد ربع برلمانه نساء وفيه وزارة اسمها المرأة وكلهم في دولة ظهرت مؤسساتها قبل 80 سنة. ويبدو أن كل الأطراف فشلت في تعليق «السناين» على كاهل المرأة فحسب، فالفصل العشائري يكون بالمال والنساء والحيوانات. أي أنهم اعتبروا المرأة بمصاف الحيوانات حين يتفقون كالآتي: مليون دينار وثلاث نسوان وعشرة جواميس! وكفى المؤمنين القتال ويخرجون متصافحين يقبل بعضهم الآخر، فيما تبدأ المرحلة الأكثر مرارة وخيبة ومصيبة من القتل حين يستلبون بشرا مثلهم وربما أجمل وأعلم وأخلص وأوفى.
وحتى «العار» مفهوم نسبي ويطرح عدة وجهات، فمن الذي يحدده ومن يقرره ولماذا يعرف الجميع لو حصلت حادثة فردية من فتاة أو رجل. يحدث ذلك لأن هذه المجتمعات بمن فيها الأهواري، مفتوحة كأكواخهم ومياههم كما يسميها علماء الاجتماع «المشاعية» وكذلك نمط نشوء العائلة ليس فيه أسرار، الكل يعلم عن الكل الصغيرة والكبيرة، لذلك فان الكل يقرر حين تأزف الساعة والكل يدفع الثمن لو أخطأ أي منهم، هذا حالهم وهكذا ارتضوا به.