الاثنين، 25 فبراير، 2008

من آلام مراسل حربي مهداة لزنابق الزملاء الشهداء ( 2 )




التصوير على متن دبابة في الشيشان
بين الناس في سوق شعبي في كابول
ومع البيشمرغه في كردستان

د . جمال حسين علي

لائحة بريمر حول حرية الإعلام سمحت باعتقال كل من يخل بشروطها
كيف انتشرت ظاهرة الأسماء المستعارة في الصحافة العراقية؟
لماذا اكتفت المنظمات المعنية بإصدار البيانات ولم تساعد في كشف جريمة أو مساعدة عائلة منكوبة لزميل مقتول؟
ماذا كان بريمر يعني بعبارته: تقوية دور كلاب الحراسة الذي تقوم به أجهزة الإعلام لرعاية المصلحةالعامة؟!


تسلط الحلقة الثانية من التحقيق التالي الضوء على ما حصل باستعراض نماذج من الجرائم التي ارتكبت ضد بعض الصحافيين وليس كلهم، وتنوي توضيح الحالة الشاذة والمعقدة للغاية، التي يعيشها أهل المهنة في العراق، وآفاقها، ومن المذنب في كل ما جرى وسيجري وأي دوافع جعلت كل الأطراف تتفق على أن الحقيقة ومن ينقلها ستكون العدو رقم واحد، للأحرار وللإرهابيين وللطغاة واللصوص على السواء، في واحدة من أكثرالصفحات مأساوية في تاريخ المهنة، استخدمت فيها كل الأساليب المهينة لوأد التغطية الحرة وحماتها. لا يستطيع الصحافي إرضاء الجميع وهنا تكمن مشكلة الصحافي المحلي بشكل خاص، فالأجنبي يستطيع الاختفاء وتبديل مسكنه من وقت لآخر، لكن المحلي معروف للجميع أصلا وفصلا، وطريقة تنقله وحياته واضحة، ولا فرق لدى المجموعات الإرهابية لو قررت تصفية صحافي عراقي إن كان مع أطفاله أو زوجته كما فعلوا مع العديد الذين قتلوهم أمام عائلاتهم، وقسم منهم مع أولادهم. لا يستطيع الصحافي الرافض للإرهاب والمندد به عمل تحقيق ناجح بهذا الشأن لأنهم سيخطفون ابنته من المدرسة وسينكلون بوالده العجوز، ولا يجرؤ الذي يملك وثائق الفساد عرضها في الصحف المحلية لأنه مسينحرونه على باب صحيفته ولا تقوى أصابعه على فض حقيقة الميليشيات وماذا تفعل بالناس لأنه سيتحول إلى داعية للإرهاب وسيقتل في اقرب فرصة، ولا يستطيع أي صحافي محلي انتقاد الساسة العراقيين ولا زعماء الكتل البرلمانية لأن لديهم جميعا فرقا للإعدام لا تتركه لحظة واحدة يهنأ بمقاله وتقريره الشجاع. يذكر تقرير لجمعية الدفاع عن الصحافيين العراقيين أن الصحافيين العراقيين لا يستطيعون حتى انتقاد أداء البلدية والشرطة لأن البنادق ستنتظرهم، لهذا السبب شاعت بين أوساط الصحافيين العراقيين ظاهرة النشر بأسماء مستعارة صريحة مثل 'شلش العراقي،أبو جنوب، شمس الدين، جحا العراقي وغيرها العشرات' وحققت كتاباتهم بعض الصدى، لكنها بقيت أسيرة صحف الإنترنت والصحف غير واسعة الانتشار ولا يستطيع الصحافيون التلفزيونيون أن يظهروا بأسماء مستعارة أوارتداء أقنعة كما برزت هذه الظاهرة في إيطاليا وكولومبيا أثناء الحرب الإعلامية مع المافيا، وقد يأتي يوم يظهر فيه المذيعون مرتدين وجوه ضفادع ودببة وحيوانات بريئة أخرى.
القتل بالبيانات
الكثيرون، ومنهم اتحاد الصحافيين العرب، لا يقرون بالقتل السهو والخطأ الذي يحصل عادة من قبل القوات المسؤولة عن حماية المواطنين العراقيين والصحافيين على السواء حسب القرارات الدولية التي أعدوهابأنفسهم، فمثلا أحد بيانات اتحاد الصحافيين العرب والموقع من أمينه العام صلاح الدين حافظ اعتبر أن "الاحتلال في العراق يهدف إلى قتل الصحافيين عمدا" وسبب 'إرهاب الصحافيين' حسب البيان: 'إخفاءالحقيقة وتشويه واقع ما يجري على الأرض وبالتالي تزييف التاريخ وخداع الرأي العام'. علما بأن الرعيل الأول من الصحافيين الذين قتلوا في العراق وتجاوز عددهم في السنة الأولى العشرين بين أجنبي وعراقي وعربي كلهم قتلوا على أيدي القوات الاميركية ولم تعتذر قيادة هذه القوات عن هذه الأفعال وكانت تمضي في تبريراتها مخالفة بذلك القوانين الدولية والمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان،علاوة على أن البنتاغون لم يسمح لأي طرف خارجي ولا منظمة دولية متخصصة بشؤون الصحافيين التحقيق في هذه الحوادث ولم يعاقب أي شخص من مرتكبي هذه الجرائم بحق الصحافيين لغاية الآن وذهبت دماؤهم هدرا في النتيجة.
القتل باللوائح
حين حلت إدارة التحالف المدنية بقرار من مديرها بول بريمر وزارة الإعلام العراقية، أناطت مهمة تشكيل مؤسسة بديلة تعنى بتطوير وإعادة تأهيل وسائل الإعلام العراقية الرسمية بما فيها المرئية والمسموعة والمقروءة بالمدير السابق لإذاعة صوت اميركا روبرت رايلي المؤيد للحرب والمحسوب على المحافظين الجدد الذي رأى بأن نشر الأخبار لا يكفي في المرحلة التي يمر بها العراق بل: 'الكشف عن طبيعة الشعب الاميركي لكي تتضح المبادئ الأساسية للحياة الاميركية'. بموازاة تنصيب هذا الاميركي المحافظ جدا على وسائل الإعلام العراقية أصدر بريمر لائحته سيئة الصيت التي حدد بموجبها 'المعايير الاميركية' التي ينبغي أن تلتزم بها وسائل الإعلام هذه، مهددا بإغلاق أي صحيفة تنشر قصصا مثيرة Wild Stories وتلك المواد التي تعتبرها الإدارة المدنية "استفزازية" أوالمحرضة على العنف ضد القوات الأجنبيةِ وعموما شملت هذه اللائحة 9 ممنوعات كلها تحظر المس بقوات التحالف بدون الخوض في حيثياتها، وبعكسه سيتم إلغاء التصريحات الممنوحة لوسائل الإعلام وإزالة معداتها وغيرها من العقوبات. جاءت هذه اللائحة في وقت ظهرت فيه أكثر من 200 صحيفة عراقية قبل تأسيس إدارة التحالف، ولم يصرح أحد بإصدارها وكانت كل مطبعة عراقية تصدر الصحف بناء على اتفاقات تجارية مع أي راغب في ظل فوضى وفراغ مؤسساتي كامل، وكانت قناة 'العراقية' تخطو مراحلها الأولى في بثها التجريبي ، رجال أعمال وأحزاب وعشائر ومنظمات سرية وأنصاف موهوبين وطلاب للشهرة اجتمعوا على إصدار الوجبة الأولىمن 'أعداد الصفر' بلا حسيب ولا رقيب وكانت الصحف تغلق نفسها بنفسها بسبب المتاعب المالية وانعدام الكادر وكانت المواد الإعلامية المسروقة من الإنترنت المادة الرئيسية لكل الصحف المذكورة، بما في ذلك صحف الأحزاب الكبرى عدا صحف 'التآخي' و'الاتحاد' و'المؤتمر' التي كانت تصدر أصلا منذ أوقات النظام السابق بإضافة جريدتي 'المدى' و'الصباح' المشكلتين وفق أرضية مالية وبشرية جيدة منذ البداية ومبادرة رجل الدين أحمد الكبيسي بإصدار جريدة 'الساعة' بتمويل خليجي سريع لتحقيق توازن ' سني' في وسائل الإعلام المذكورة. ويبدو أن الصحف العراقية الجيدة بدأت جيدة واستمر الحال معها حتى يومنا هذا، فيما اختفت الصحف الأخرى بغض النظر عن لائحة بريمر التي استغلت بشكل تطورت فيه الأحداث مع بنودها بشكل دراماتيكي بعد أشهر من صدورها. وبناء عليه تم إغلاق جريدة "الحوزة" لسان حال التيار الصدري وكانت الشرارة الأولى، بل السبب الرئيسي في اندلاع معارك جيش المهدي والقوات الاميركية منذ أبريل 2004 ولغاية سبتمبر من العام نفسه بخاتمتها المعروفة في 'مطحنة النجف'. هكذا أدى إغلاق صحيفة محدودة الانتشار وضعيفة البنية المهنية إلى أكبر مواجهة عسكرية بين الشيعة وقوات التحالف ما زالت آثارها السياسية والاقتصادية والنفسية، واستغلت الصحافة و'المعايير' الاميركيةمجددا لإثارة فتنة لم يكن لها مبرر. لقد سمحت 'لائحة بريمر' الإعلامية لقوات التحالف باعتقال واحتجاز وسجن أي صحافي أو مدير مؤسسة إعلامية يخل بالشروط المذكورة، والأكثر غرابة في هذا المرسوم الفوقي، أن الصلاحيات كلها منحت لبريمرسواء بالاحتكام أو بإصدار القرار النهائي! وكان السيد رايلي يقود المؤسسة التي ظهرت على أنقاض وزارة الإعلام العراقية وهي 'شبكة الإعلام العراقية' شكليا، لكن أباها الروحي وراعي نعمتها وممولها كان بريمر بطبيعة الحال، فهو الذي كان يعين أصغر الموظفين وأكبرهم وكذلك يطردهم متى يشاء، وتبين أن رايلي ومساعديه مجرد تماثيل من الشمع في حضرة المدير التنفيذي لسلطة التحالف الذي يحيرنا أحد البنود الذي جاء في لائحته في الفقرة 6 من الأمر المرقم 65 ونصه الذي لم نستطع استيعابه حتى الآن هو: 'تقوية دور كلاب الحراسة الذي تقوم به أجهزةالإعلام لرعاية المصلحة العامة'!! لم يحدث شيء ملفت للتقدير بين العهد السابق والعهد الحالي وكأنها إعادة للعبة 'الماتروشكا' الروسيةحين تفتح دمية لتخرج واحدة أصغر منها لكن تشبهها، وكان وضع الإعلام العراقي يشبه التعليب الروسي للماتروشكا، فقد انتزعت قرارات صدام الذي كان يبطش بالصحافيين بالتهمة الجاهزة (العمالة لاميركا وإسرائيل وحتى إيران) ليأتي بريمر ويغلف الصحافيين العراقيين بذات المنهج ويمترس عقولهم ويهددهم بالعمالة لصدام هذه المرة!
قتل الإرادة
أدت تبعية وسائل الإعلام إلى الغرب وحتى في القسم المحلي والعربي منها إلى فقدان التغطية الحرةللأحداث وتحول القتلى العراقيون إلى مجرد أرقام تذكر يوميا دون منح الفرصة لإبراز دوافع قتلهم للرأي العام كوسيلة لوقف هذه الجرائم مهما كان مقترفهاِ ألا يعد أسلوب ذكر أرقام القتلى بالشكل التالي جديدا على المهنة: 'قتل 30 طفلا و 40 امرأة..'، أليس من أبسط واجبات الصحافة تتبع هذه الحادثةالكبيرة: كيف قتل الأطفال، من هم، أعمارهم، حياتهم لماذا انتهت على هذا النحو، متابعة التحقيق في الحادث، دوافع قتلهم ..الخ من بديهيات التغطية الإعلامية؟ِ غير أن الجميع تعود ترديد أرقام الوكالات الأجنبية التي لم تتفق أبدا مع أرقام الداخلية والصحةالعراقية في كل الحوادث التي جرتِ فلا يحتاج الصحافي إلزام نفسه بمتابعة الأمر على المستوى الرسمي، تكفيه إشاعات لوبيات الفنادق وفي أحسن الأحوال شهادات المارين بالصدفة في المكان المفجوع. لم يسأل أحد قنوات تعرض مئات الإرهابيين واعترافاتهم يوميا، عن آفاق التحقيق ومجرياته وكيف حصل أن آلاف الإرهابيين الذين تم إلقاء القبض عليهم البارحة يطلق سراحهم اليوم، فإما أن يكونوا إرهابيي نتوجب معاقبتهم أو أن يكونوا أبرياء على القنوات المذكورة تقديم اعتذارها لهم لكونها وصفتهم بالأمس إرهابيين! لا توجد هنا أي ضوابط أساسية في العمل الصحفي وتتحول فيه وسائل الإعلام إلى مجرد وسائل دعاية لهذها لوزارة وذاك الوزير وتطبل لهذه الحكومة وذاك الحزب مولجة نفسها في حرب إعلامية غير عارفة بتكنيكها ولا بابسط قواعدها. وحدث أن سربت صور تعد متواضعة جدا بالقياس لما حصل، نذكر حادثة إطلاق النار على جرحى المسجد في الفلوجة وربما كانت صور أبو غريب مثالا لما يمكن أن نسميه ب 'الطفرة' التي حققت إنجازا إعلاميا ول ومن باب الصدفة أو تصفية الحسابات أو كسب المال من المصورين الهواة الذين يجدون أنفسهم في قلب الحدث،كما حدث أثناء تسريب صور صدام في سجنه. لذلك لا يمكن اعتماد مثل هذه 'الطفرات' في التاريخ الصحفي للتغطية الإعلامية لحدث كبير كالحرب والوضع في العراق، أنها حالات استثنائية كل واحدة منها محكومة بظروفها ولم تتحول إلى آلية سلسة ومنطقية للعمل الصحفي في العراق أو في أي مكان آخر مشابهِ لا يريد بالطبع المجرم أن تسجل جريمته بالصورة وهنا تبرز المعركة الشرسة بين الصحافيين وبين من يرتكب الجرائم في العراق: إرهابيون، لصوص، ضباط أجانب أو محليون، وربما سياسيون، لكن الصحافة تربح أحيانا بعض الجولات في غضون تصفية الحسابات بين الأطراف المتصارعة على سبيل الحصر قام الاميركان بأنفسهم بهداية الصحافيين الى قبو الجادرية الذي كانت فيه قوات الأمن المحلية تعذب سجناء عراقيين وكذا الحالبين الأحزاب والقوى المتصارعة فيما بينها، وتبقى في كل الأحوال هذه التغطيات استثنائية مرهونة بحدة الصراع والموقف السياسي العام وتلتزم الصحافة بدور الرهينة لهذا الموقف أو ذاك في اغلب الأحوال. هكذا سلبت إرادة الصحافة من قبل السياسيين والعسكريين والإرهابيين على السواء وامتهنت كرامة السلطة الرابعة حين تنازلت عن الصغائر لتجد نفسها فاقدة للكبائر.
الحماية الذاتية
نظرا للخطورة البالغة التي يواجهها الصحافيون للعمل في العراق، يضطر المتمكنون ماديا منهم إلى تأجيرحماية خاصة وتتكفل بعض الفنادق الكبرى بتأمين جيش الحماية لمناطق سكناهم ويضطر القسم الأكبر منهم إلى البقاء داخل المنطقة الخضراء، الأمر الذي يفقدهم فرصة العمل الحر وسط الناس ويتكفل بذلك مساعدوهم المحليون الذين يلتقطون لهم الصور الخاصة بالمدن والفعاليات العراقية المختلفة وإجراء الحوارات وتنفيذ ما يطلبونه منهم من مهامِ لا يستطيع الصحافي ذو السحنة الغربية العمل إطلاقا في المدن العراقية وكذلك الصحافي المحلي المزود بأجهزة ومعدات واضحة، ومهما كانت الحماية التي ترافقه فأن التعرض إليه وسط جمهرة غير معروفة ومتجانسة من البشر وسط الساحات والطرق العامة يعتبر غير معقد لو نفذه انتحاريون محترفو الإجرامِ لذلك لابد من تراجع الأداء الصحفي المتميز في الميدان، كصورة ونص وفكرة وعمق ومعلومات، ويرهق الصحافي نفسه كثيرا لتأمين حمايته قبل تنفيذه أي تحقيق مهما كان بسيطا، وإذ كنا نستخدم أسلوب التخفي لنا ولمعداتنا في أغلب الأحوال، فإن ذلك سيقلل بطبيعة الحال من جودة الصور وغزارة الأفكار والمعلومات التي تنتج من الاحتكاك المباشر مع أصل القضية: الناسِ وأي حماية يمكن أن يوفرها أصحاب الفنادق للصحافيين في وقت شن الإرهاب فيه أكبر هجوم بثلاث شاحنات على فندقي فلسطين والشيراتون رغم الحماية الاميركية المشددة الموجودة! وكذلك الحال في فندق الحمراء وباقي الفنادق التي كنا نتداول السكن فيها من وقت لآخر.
لا يستطيع أحد حماية الصحافيين لا في سكنهم ولا في غضون عملهم في الميدان وتبقى الوسيلة الوحيدة أمامهم السكن في المنطقة الخضراء وبعث مندوبيهم لتنفيذ ما يمكن تنفيذه من مهام، وهذا إهدار كبير وصريح ليس في المنظور المهني فحسب، بل لكل إمكانات العمل الصحافي الجاد، لذلك تأتي التغطيات الإعلامية ولاسيما الغربية، سطحية، خالية من المعرفة الدقيقة لواقع الحال الذي يسمعه الصحافيون من مساعديهم الذين لو امتلكوا الموهبة الكافية لما صاروا مساعدين لغيرهم.
القتل المجهول الهوية
قد يذهب الصحفي الأجنبي ضحية سوء فهم بالغ في غضون عمله في المدن العراقية وخاصة بغداد، فمرة قتل الأهالي صحافيا يصور أحياء بغداد القديمة ظنا منهم بأنه عميل للموساد واستنادا إلى حجة أن هذه المناطق كان يسكنها اليهود قبل نصف قرن. وسيطلق النار أي مسلح رسمي أو من الميليشيات على أي شخص يلتقط الصور سواء داخل السيارة أو يترجل خشية من كون هذا المصور يعمل لحساب تنظيمات إرهابية تستطلع المكان بالصور قبل تنفيذ عملياتهاِ وأصبح مجردالتقاط صورة في سوق أو حي شعبي أو ساحة عامة وغيرها من المعالم المعروفة في المدن عملية بالغة الخطورة، حيث لا تستطيع التنبؤ بمصدر الخطر الذي تنجم عنه مغامرة التقاط صور عامة للمدينة وكيف سيفسره أشخاص لا يمكنك معرفة مقاصدهم وطرق تفكيرهم، كما أن الخلايا الإرهابية النائمة التي عليها مهمة الاستكشاف والرصد تتخذ أشكالا مختلفة، مثل التجول بالسيارات أو الوقوف في السيارة في أحد جوانب الطريق لاستطلاع الوضع أو يتخفى أعضاء هذه المنظمات بهيئة صباغي أحذية أو بائعي بسطات أو باعة متجولين أو يركبون عربات للحمير وغيرها من أساليب لا يمكن أن يحزرها الصحافي الذي ما إن يترجل ويفصح مظهره عن نفسه، حتى يتعرض للاغتيال أو الاختطاف من قبل هؤلاء المتخفين الذين لا يستطيع احد كشفهم أو حتى صدهم، فعملياتهم الإجرامية تتم في غضون أجزاء من الدقيقة يتوارون بعدها بحرفية عالية.
القتل بالفساد
حلوا وزارة الإعلام المنهوبة والمحروقة من قبل الشعب ورصدوا مبلغ 120 مليون دولار لإعادة تأهيل شبكة الإعلام العراقية. صرف المبلغ ولكنه على حين غرة اختفى، اختفى هكذا ببساطة هذا المبلغ الكبيرِ وفتحوا تحقيقا في الكونغرس لم يتوصل إلى شيء سوى إطلاق مبلغ 196 مليون دولار إضافي منحت بموجبه شركة هاريس الاميركية في فبراير 2004 عقد ما يسمى " تأهيل الإعلام العراقي" الذي يتضمن ثلاث مراحل: قناةالعراقية، محطات تقوية في كل محافظة عراقية وإذاعة العراق الرسمية وجريدة 'الصباح'. بنصف مليار دولار تقريبا، لم يبنوا أي استديو ومحطات التقوية كانت موجودة أصلا وصبغوها فقط والبرامج اشتروها من LBC اللبنانية التي أعطت رونقا لبنانيا - مصريا على القناة التي أصروا أن يكون أسمها:العراقية! أما الإذاعة فكانت تبث من غرف متهالكة في قصر المؤتمرات وتستطيع حتى إذاعة الحزب الإسلامي العراقي التشويش عليهاِ وكان الشعب العراقي يدفع ثلاثة ملايين دولار كل 90 ساعة بث من البرامج الرديئة التي تعلم العراقيين طرق طبخ السباغيتي والرياضة الصباحية وتنقل لهم مباراة الدوري اللبناني لكرة السلة وحتى حالة الطقس تصور في لبنان!
تحرج حالة الصحافيين المأساوية في العراق الإدارة الاميركية ومنظومتها البرلمانية خصوصا، ففي جلسة ضمت رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الاميركي جون وارنر ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد وكبارالجنرالات الاميركان، شدد السيناتور الاميركي على ضرورة اتخاذ الإجراءات الكافية لحماية الصحافيين في العراق، وصرح بعد الاجتماع بأن رامسفيلد تعهد القيام بذلك، والمشكلة أن رامسفيلد لا يستطيع حماية نفسه لو وصل إلى العراق فكيف يتعهد بحماية الصحافيين، فخط سيرالمسؤولين الاميركان في هذا البلد معروف: من المطار إلى المنطقة الخضراء وبالعكسِ وجورج كاسي قائد القوات الاميركية في العراق قال بعد هذا الاجتماع بأنه سيجتمع مع الصحافيين المحليين والعاملين في العراق لدراسة وضعهم والسبل الممكنة لحمايتهم. هذه نوايا حسنة لكن لا يوجد أي سبيل لحماية الصحافيين من تعمد الإرهاب والسهو المبالغ فيه وحتى الكاذب من جانب الاميركان أنفسهم. وفي هذا الصدد ذكرهم ديفيد شليسنجر مدير التحرير العالمي لوكالة رويترز بقائمة طويلة ومثيرة للحوادث القاسية والمؤلمة التي تعرض لها الصحافيون في العراق واولئك الذين تم احتجازهم وأسيئت معاملتهم عن عمد من قبل القوات الاميركية حتى بعد التعرف على هوياتهم وتلك التي قتل فيها الاميركان فني الصوت في رويترز وليد خالد مبررين ذلك بجملة واحدة: 'كان لدى الجنود مبررا لإطلاق النار'، ليصبح عدد العاملين في رويترز وحدها الذين قتلتهم القوات الاميركية 4 صحافيين وفنيين.
أن القوات الاميركية عاجزة عن حماية نفسها أمام الهجمات المختلفة ولا حديث عن إمكانات حماية صحافيين أو غيرهم سوى في الاجتماعات الرسمية ولكن أي تقدم على الأرض لم يحدث أبدا.
نسب سوداء
أن الحرب في العراق وما بعدها كشفت حسب تقرير 'مراسلون بلا حدود' أن هذا البلد يعتبر الأكثر فتكا بالصحافيين منذ الحرب الفيتنامية، ففي غضون سنتين فقط سقط صحافيون ومساعدوهم أكثر مما حدث طوال الحرب الفيتنامية التي امتدت عقدين كاملين وقتل فيها 63 صحافيا وفي حرب البلقان قتل 49 صحافيا وفي الجزائر57 صحافيا (لا توجد أرقام دقيقة تحسب عدد الصحافيين الذين قتلوا في العراق بسبب تعريف المنظمات المختلفة للصحافي وعدم إضافة المهنيين والمترجمين والمرشدين والسواق إليهم وكذلك عدم وجود حساب دقيق للمخطوفين فأحيانا كثيرة تتستر وسائل الإعلام في هذا الصدد لحماية الصحافيين وخاصة المخطوفين بهدف دفع دية وغيرها وهذا من مساوئ الإحصاءات غير المنضبطة). والمريع في الأمر أن الصحافيين صاروا الأكثر استهدافا من كل الأطراف المتصارعة، أكثر حتى من الخصوم الحقيقيين.
وبينت الإحصائيات أن نسبة الرجال تتجاوز 90 % فيما تقل النساء عن 10% ممن قتل وخطف من الصحافيين في العراق حيث تضرر 65 % من العراقيين والأوربيين 13 % والاميركيين 5 % والعرب 11 % وبلدان أخرى النسبة الباقية. قتلى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة 70 % والصحافة المكتوبة 30 % و قتل في بغداد 32 % وفي ضواحيها 38 % والنسبة الباقية تتوزع على المحافظات العراقية تتقدمها الموصل وغرب العراق والبصرة. وكانت أسباب الموت 71 % إطلاق نار و 7 % اعتداءات و 5 % صواريخ و 9 % انفجارات و 4 % نيران دبابات و4 % أسبابا غامضة، وقتل 4 صحافيين من بين مئات عملوا بمرافقة القوات الاميركية.