الجمعة، 22 فبراير، 2008

بساييف المظلي والجنرال والثائر والجريح


الشيشان – د . جمال حسين علي



هو الذي ملأ القوقاز وشغل روسيا طوال التسعينات. عامل البناء والمظلي في القوات السوفيتية ، الثائر لاستقلال أبخازيا والشيشانِ السياسي والجنرال ورجل الأعمال وتاجر السلاح والنفط والإسلامي الذي يحب النساء. من هو شامل بساييف الذي يخشاه أكثر زعماء الإقليم سطوة والذي جعل فيكتور تشيرنوميردن أيام عزه يتوسل إليه بالتلفون بعبارة أثيرية لا تنسى : " أرجوك شامل بساييف " سمعها الملايين عبر التلفزيون ؟ رقد أخيرا حاملا جرحه الثالث عشر والأخير ، يا للغرابة ، أيكون هذا الرقم مشؤوما أيضا عليه وهو الذي حمل جسده 21 جرحا في معارك خاضه لنفسه وللآخرين. مرتزق هو أم ثائر ، جيفارا أم كارلوس أم بن لادن ؟ نحاول في ما يلي الاقتراب أكثر من بساييف المحاصر الآن في قرية جرحاها أكثر من أصحائها ، يحيط بهرفاق الحروب ربما استطاعوا نقله الى مكان أكثر أمنا وإذا لم ينجحوا حتى الآن من مغادرة ألخان كالا فأنهم سيموتون جميعا مع الأسطورة حيث أكملت القوات الروسية محاصرة القرية بالكامل في وقت يعاني فيه بساييف من فقدانه رجله اليمنى وإصابات في ذراعه ورأسه وعينيهِ نحاول عبر هذه السطور استذكار تفاصيل قد تنشر لأول مرة عن حياة شامل بساييف المقاتل والإنسان الذي حمل ألقابا عديدة، منها البطل القومي ومنها الإرهابي رقم 1 ولعلنا نخوض بأمور حان وقت الحديث عنها خاصة وأن أغلب أبطالها من الأحياءِ ، فسيرة حياة بطل هذه الرسالة تاريخ المنطقة بأسرها قبل تفكك الاتحاد السوفيتي وحتى الآنِ وقد تساهم هذه الكلمات في تضميد بعض جراح الذئب الشيشاني الراقد الآن بين الحياة والموتِ لأن من أراد قتله هذه المرة سعى الى طمس الكثير من الحقائق التي يعرفها شامل بساييف والتي كان أحد صناعها ولأن إظهارها سيكشف الكثير من خبايا السياسة الروسية واستراتيجيتها.

عزبة آل بساييف

لم يكن شامل وأخوه شرواني مقاتلين أو إرهابيين أو سفاكي دماء ، كانا صبيين بسيطين يعملان في مقاطعة فولغوغرادسكيا وفي عزبة بوبيرتشني عاملي بناء. عاش الشقيقان هناك ثماني سنوات ، لم يفجرا شيئا ولم يتعرضا لأحد ، وكان كل أهل المنطقة ينتظرون عودتهما من العمل لجاذبيتهما وحبهما مساعدة الآخرين. كانا يشيدان البيوت وحظائر الحيواناتِ وعموما أصبحت هذه العزبة البقعة التاريخية للشيشانيين الطيبينِ وكان معظم آل بساييف يعيشون في عزبة بوبيرتشيني وكان أقرباء الزعيم الشيشاني جوهر دوداييف يسكنونها أيضا. تقع هذه العزبة على مبعدة 200 كلم من مركز فولغوغراد. وكان يسكنها ألف شخص ثلثهم شيشانيون جاءوا من عروس مرتان وفيدينو التابعة لجمهورية الشيشان - انغوشيا في ذلك الوقتِ وكان30 منهم يحملون لقب بساييفِ والآن تغير كل شيء في العزبة ، حيث لم يعد أحد يحمل هذا اللقب هناك وقل عدد سكان العزبة. عموما نتيجة لنزوح أغلبهم الى المدنِ كانت المزارع الحكومية " السوفخوزات " تنتشر في ذلك الوقتِ وطلبت واحدة منها والد القائدين الحاليين سلمان بساييف في عام 1979 ليعمل فيها لأنه كان من أشهر البناة في المنطقة إضافة الى كونه رجلا ورعا ومحترما وصارما وحج البيت الحرام ثلاث مراتِ لذلك كان يتمتع بحظوة كبيرة عند المسلمين وخاصة في الشيشانِ أما ولداه فلم يتميزا بإيمانهم الديني حسب أقوال أهالي العزبة وكانا يحبان التسلية مع الفتيات المحليات التي حملت إحداهن من شامل وولدت له ابنةِ يذكر المحليون هذه الفتاة جيدا وكيف تدارك أهلها الفضيحة بتزويجها من شامل الذي اختفى عنها ما أن التحق بالجيشِ ولا يشك الناس وأقربائها بأن شامل سيعود يوما الى أبنته لأن " الشيشان لا يتركون أطفالهم ". كان سلمان وابنه شرواني وأبنته خليفات العاملين الرئيسيين في فريق سلمان ، ويتذكر أحد أهالي العزبةعريف شاهبانوف : "كانوا مهرة ودؤوبين ولم يسمح سلمان لأحد بالتكاسل ".بنت فرقة سلمان بساييف عشرات البيوت ودوائر السلطة المحلية وحظائر الحيوانات في مختلف مناطق المقاطعةِ وكانت الصحف المحلية تكتب مقالات تحمد فيها أعمال وجهود فرقة بساييف للبناء.غير أن شامل لم يبن كثيرا وانضم الى فرقة أبيه في عام 1986 عندما كان عمره 21 سنة. وكان حلم شامل أن يدخل الى جامعة موسكو ، لكنه لم يجتز الامتحانات اللازمة للقبول واضطر بعدها الى دخول معهد استصلاح الأراضي ولم يكمل سنته الأولى وفصل بسبب الغياب. يتذكر سكان العزبة التي قضى فيها شامل أجمل سنوات عمره كما قال مرة، شاملا كرجل قوي البنية قادر على العمل ومجتهد فيه وبنى شامل بيديه لوحده أكبر بيت في العزبة من أساسه الى سقفه. وتسكن في هذا البيت الآن معلمة العزبة وفي عام 1988 غادر شامل بساييف هذه العزبة لتبدأ حياته الأكثر صخبا.

شامل الثاني

ولد شامل بساييف في عام 1965 في القرية الشيشانية تسا - فيدينو قرب مركز المنطقة المعروفة بتسمية فيدينو، وكانت القوات القيصرية قد صعدت في القرن التاسع عشر في أثناء الحرب القوقازية الأولى الى هذه الجبال الموحشة ولم تستطع التقدم أكثر لأن الصخور الجبلية أغلقت كل الطرق. وفي هذه البقعة أيضا توقف الجيش الروسي في عام 1995 وسيتوقف عندها في عام 2000 أيضا. وهذه الملاحظة التاريخية مهمة لمعرفة السبب الذي أطلق فيه الشيشان على شامل بساييف في عام 1995 تسمية شامل الثاني تيمنا بأول قائد شيشاني قاد الحرب القوقازية الأولى وتمجيدا بشامل الجدي. ساهمت الطبيعة بشكل كبير في حماية شامل بساييف وتشكيلاته المسلحة وكان كل شيء يتوقف عند فيدينو ، وفي تلك البقعة بنى شامل بساييف قلعته التي انطلق منها ليحرر غروزني في أغسطس عام 1996 وهناك فقط ممران لعبورالمشاة يسمون الأول المسار السياحي الذي يؤدي الى جورجيا بينما يوصل الثاني من يسلكه الى داغستان، ولا تستطيع المركبات والمعدات الثقيلة عبور الممرين

شامل الشاعر

في طفولته رعى شامل الغنم في هذه المنطقة التي يعرف صخورها وقال معلم القرية بأن بساييف نحت من هذه الصخور قطع الشطرنج الذي كان يهواه في طفولته وأجاده في شبابهِ ويتذكر بأن شامل كان ينظم الشعر ويهوى قراءته بصوت مرتفع ليسمع صداه عبر الوديانِ.

شامل الجندي

وعندما خدم شامل في الجيش السوفيتي يتذكره الضباط بأنه كان من أفضل الجنود استخداما للسلاح وأكثرهم طاعة وجرأة ، لذلك نقلوه ليخدم في هيئة أركان السلاح الجوي في موسكوِ وبعد مشاجرة حامية مع أحد الضباط عاقبوه بسجن انفرادي لمدة شهر حسب اللوائح العسكرية ونقلوه الى وحدة مطافئ في أحد المطارات.

التعرف بدوداييف
في هيئة أركان السلاح الجوي تعرف شامل على الطيار الشيشاني الأول جوهر دوداييفِ وكان دوداييف في عامي1985 ـ 1986 قائد فوج القاذفات الثقيلة في أفغانستان واشتهر باختراع أسلوب " القصف الشامل ". بعد تسريحه من الجيش التحق بمعهد استصلاح الأراضي في موسكو وبعد فصله بدأت البقعة الغامضة في حياة شاملِ لا يعلم أحد بالضبط ماذا كان شامل يفعل في موسكو خلال ثلاث سنوات وحتى 19 أغسطس 1991 .قال لنا شامل في لقائنا الثاني معه في عام 1997 بأنه كان يعمل في " تعاونية شيشانية " وغرق بالضحك ! وقالت بعض المصادر بأن شامل عمل في البيزنيس الشيشاني في العاصمة الروسية وانخرط في مجموعةالمافيا الشيشانية المشكلة حديثا بعد البريسترويكا والانفتاح وهذه المافيا ما أطلق عليها شامل "التعاونية ".

إنقاذ يلتسين

وفي صباح 19 أغسطس عندما لم يعلم الكثير من الموسكوفيين والعالم أنباء حدوث الانقلاب الشهير على ميخائيل غورباتشوف وتأسيس ما عرف وقتها بلجنة الطوارئِ وصل " التعاوني " بساييف الى البيت الأبيض (مقر البرلمان الروسي حيث كان بوريس يلتسين يعتصم فيه وقاد عملية إفشال الانقلاب بنجاح تاريخي معروف )وكان بساييف يحمل حقيبة رياضية مليئة بالقنابل اليدويةِ واستقبله المدافعون عن 'البيت الأبيض' بحماس لأنه جاء بالقنابل التي كانت بالنسبة لهم في ذلك الصباح العاصف أمرا ملحا في وقت لم يملك أغلبهم أكثرمن العصي والقضبان الحديديةِ وصل خبر الشيشاني المتحمس الى بوريس يلتسين وطلب التعرف إليهِ وبعد أن عرف بأنه أحد المتمرسين بالقتال وتاريخه في قوات المظليين كلفه بالدفاع عن البيت الأبيض سوية مع الجنرال الكسندر ليبيدِ واستمرت علاقة ليبيد مع بساييف قوية ومخلصة حتى هذه اللحظة وهي التي ساعدت في التوصل الى اتفاقية خسافيورت السلمية التي أنهت الحرب الأولى ِوكان الكثير من المراقبين يستغربون من عمق العلاقة بين الجنرالين الروسي والشيشاني ، إلا أن القليلين جدا في روسيا والعالم يعرفون عن أيام أغسطس 19 الذهبية وكيف ساهم بساييف في إنقاذ رقبة يلتسين !!ويمكن تذكر اللقاء الذي جرى في الكرملين في مايو 1996 بين الوفد الشيشاني برئاسة سليم خان يندرباييف وبوريس يلتسين وكيف توجه يلتسين قبل الحديث مع يندرباييف الى شرواني بساييف وتمازح معه واستغرق معه بحديث قطعه التلفزيون ، ولكن لا يشك أي عارف بهذا السر أن يلتسين كان يسأل عن أحوال بساييف لسبب بسيط أن يلتسين لم ينس كل الذين اعتصموا معه في البيت الأبيض فما بالك بالشيشاني حامل حقيبة القنابل اليدوية والذي تطوع في الدفاع عن المقر الذي عد وقتها رمزا لحرية روسيا واستقلالهاِ لم ينسه يلتسين ولم يذكره بسوء أبدا ولم يطلق مرة عليه عبارة الإرهابي الأول كما عرف بها فيما بعدِ وليس من المصادفة أن يلتسين أمر فيكتور تشيرنوميردن في الساعات المريرة التي احتل فيها بساييف مدينة بوديونوفيسك الروسية واحتجز آلاف الرهائن الاتصال بشامل ونقل إليه رغبة يلتسين في إيقاف الحرب علنا عبر التلفزيون وأمر الرئيس الروسي وقتها بعدم التعرض لقافلة بساييف حتى وصولها الى جبال فيدينو حيث كان بساييف يقرأ الأشعار للطيورِ ولم تنقطع اتصالات الكرملين مع بساييف حتى قيامه بالانقضاض على داغستانِ والتقى به في يوليو الماضي الكسندر فالوشين رئيس ديوان الكرملين سابقا وحالياِ علما أن فالوشين أحد أعمدة "العائلة " الحاكمة ولا يمكن أن يقوم بخطوة كهذه دون موافقة بوريس يلتسين.

الجميع الى الجبهة

يجدر التوقف هنا للإشارة الى واقعة تاريخية غير معروفة جدا : كان ميخائيل غورباتشوف السكرتير الأول لمقاطعة ستافروبولسكيِ وفي ذلك الوقت نشأت صداقة بينه وبين دوكو زفغاييف الذي كان السكرتير الثاني للحزب في جمهورية الشيشان - انغوشياِ ولم يكن الشيشان وقتها يعتدون على مقاطعة ستافروبوليه ولم تكن في الأوقات السوفيتية حدود إدارية بين المقاطعات وحتى بين الجمهورياتِ وكان غورباتشوف وزفغاييف يعملان كل في ساحته من أجل تحسين معيشة ثلاث مناطق تشرف على نهر تيريك نقلها نيكيتا خروتشوف الى قوام جمهورية الشيشان - انغوشياِ وعندما أصبح ميخائيل غورباتشوف الأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي جعل زفغاييف السكرتير الأول للحزب في جمهورية الشيشان - أنغوشياِ وكانت هذه أول حالة خرق بها التقليد السوفيتي غير المكتوب حيث كان الروس دائما يهيمنون على منصب السكرتير الأول في المقاطعات التابعة لروسيا السوفيتية وكان ممثل القومية التي تنتمي إليها المقاطعة أو الجمهورية يشغل منصب السكرتير الثانيِ وكانت لدوكو زفغاييف نوايا جادة حيث كان يترأس أكبر وأقوى جمهورية في شمال القوقازِ ومهما كان الأمر حين وصلت الحالة في عام 1991 الى إعادة النظر في المعاهدة الاتحادية كان زفغاييف من أنشط المشاركين في عملية " نوفوأوغاريوفو " كما يسمونهاِ ونسب زفغاييف الى نفسه بعد مرور سنوات عديدة تقديم أكثر الاقتراحات راديكالية والقاضية بمساواة الجمهوريات ذاتية الحكم بالحقوقِ وحسب أقوال زفغاييف كان ينبغي أن يجلب الى موسكو مشروع المعاهدة ليعرضه على غورباتشوف لكي يصادق عليه، لكنه لم ينجح في ذلك بسبب أحداث أغسطس وبروز نجم بوريس يلتسين الذي لم يكن بحاجة الى زفغاييف أو غيره من الرعيل السوفيتي أو اتفاقيات وأفكار عن مساواة القوميات بالحقوق، زد على ذلك لم يرغب يلتسين منح زفغاييف أو سلطات الشيشان الحق بالتصرف في أنبوب النفط المار بالشيشانِ وفي هذه الأيام حصل ما يلي :أرسل يلتسين الى غروزني أقرب السياسيين الى نفسه في 8 سبتمبر 1991 وهم روسلان حسب اللاتوف وسيرغي شاخراي وأندريه شوميكو وميخائيل بلترانين وغالينا ستاروفويتفا وغيرهم ( من وجبة الإصلاحيين الأولى)،وفي هذا الوقت بالذات ظهر شامل بساييف في غروزني أيضاِ وأشرف على كل تحركات الوفد الروسي منذ أن وطأتأ قدامه العاصمة الشيشانيةِ أخذهم مباشرة الى جوهر دوداييف الذي وصل الى غروزني قادما من محل إقامته في فيلنوس البلطيقية في ربيع 1991 حيث أقنعه سليم خان يندرباييف برئاسة ما أطلق عليه " مؤتمر الشعب الشيشاني الموحد "،وخلال ساعات محدودة شكل بساييف فصيلة مسلحة لأنصار المؤتمر ووزع هؤلاء " الأنصار " في محيط الدوائرالحكومية واحتلوا بسرعة خارقة مقر لجنة أمن الدولة "كي جي بي ". ويمكن القول ان هذه الفصيلة تعتبرمن الناحية التاريخية أول تشكيلة مسلحة لمن عرفوا فيما بعد " الانفصاليين الشيشان ".دخل وفد موسكو بحراسة فصيلة بساييف دار اللجنة الحربية التي أطلقوا عليها فيما بعد بقصر دوداييف الذي دمره الجيش الروسي من الأساس بعد احتلاله غروزني في عام1995ِوفي ذلك اليوم كانت تجري الجلسة الأخيرة لمجلس السوفيت الأعلى لجمهورية الشيشان - انغوشيا الذاتية الحكم ( البرلمان ) والذي كان برئاسة زفغاييفِ دخل مبعوثو موسكو القاعة وأعلنوا فورا حل المجلس واللجنة المركزية للحزبِ واندفعت حشود ساخطة الى دوكو زفغاييف وجروه من شعره " القليل " نحو الشارعِ وكان شامل بساييف يوزع أنصاره على المبنى ويراقب بهدوء ما يفعله الشعب بزفغاييفِ ( عادت موسكو ونصبت زفغاييف رئيسا للشيشان في انتخابات صورية جرت تحت أسنة الرماح الروسية في نهاية عام 1995 ومرة أخرى يعيد التاريخ نفسه ويدخل بساييف غروزني بعد أشهرويطرد زفغاييف منها بعيدا جدا الى أفريقيا سفيرا لروسيا في تنزانيا ).كانت هذه أول عملية إلغاء للحزب الشيوعي والسوفيت الأعلى تجري في الاتحاد السوفيتي وبعدها تشجعت موسكو وأغلقت لجان الأحزاب وحل السوفيت الأعلى لكل الجمهوريات والمقاطعات الأخرى بما فيها روسيا.

مطار لا يقبل الطائرات

انتخبوا في 29 أكتوبر 1991 جوهر دوداييف رئيسا للشيشان وكانت هذه أول انتخابات رئاسية تشهدها جمهورية" سوفيتية " ذاتية الحكم حيث كان السكرتير الأول للحزب يتولى شؤون الجمهوريات والمقاطعات. ولم يعترف البرلمان الروسي (المجلس الأعلى لروسيا ) بهذه الانتخاباتِ وتسبب هذا الموقف بأول مشاجرة بين رئيس المجلس الأعلى روسلان حسب اللاتوف وبوريس يلتسين الذي دعم جوهر دوداييف (لأن دوداييف دعم اعتصام يلتسين في البيت الأبيض ولم يؤيد الانقلابيين على العكس من زفغاييف). بينما كان حسب اللاتوف يريد تنصيب صنيعته يوسوب سوسلامبيكوف رئيسا للشيشانِ وأقنع نائب الرئيس الروسي الكسندر روتسكوي ( قاد معه فيما بعد انقلاب أكتوبر 93) بضرورة الذهاب الى غروزني بغية " توضيح العلاقة " مع جوهر دوداييف. رافقت روتسكوي سرية من الوحدات الخاصة بطائرة خاصة وهبطت طائرته في مطار "سيفيرني " في غروزني في 7 نوفمبرِ لم يوصلوا السلم الى طائرة روتسكوي ، وعندما ألقى روتسكوي نظرة الى مدرج المطار وجد طائرته تحت مرمى مقاتلي شامل بساييف الذي أشار الى روتسكوي بيديه معتبرا إياه أسيرا. بقى الجنرال الطيار روتسكوي أسيرا لدى بساييف ليومين لكي يزيد من إذلاله وسبقت نائب الرئيس الروسي فضيحته الى موسكو (سبق وأن أسره المجاهدون في الحرب الأفغانية ) بعدها سمح بساييف للطائرتين بالإقلاع والعودة بخيبتهما الى موسكو. ويظن من يعرف بهذه الحادثة أن كره القوات الروسية لبساييف بدأ منذ هذه الحادثة بعد إهانته لرمز الجيش وبطل الاتحاد السوفيتي وممثل الجيش في الكرملين بصفته نائب الرئيس.

مرحبا بالأسلحة

شكل شامل بساييف من فصيلته الصغيرة كتيبة لحراسة جوهر دوداييفِ وبدأت تزداد بالتدريجِ ولم تعان من نقص الأسلحةِ ففي ربيع 1992 سحب وزير الدفاع الروسي المارشال يفغيني شابيشنيكوف القوات الروسية من الشيشان وأبقى فيها أسلحتها ومعداتها كلها تحت تصرف دوداييفِ كانت هذه الأسلحة عبارة عن 50 ألف بندقية آلية و 30 وحدة مدرعة وطائرتين للتدريب. وكان وزير الدفاع الروسي الثاني بافيل غراتشوف يوصل الى الشيشان خلال ثلاث سنوات أسلحة وذخائر كانت تابعة للقوات الروسية الغربية المرابطة في ألمانيا. كانت هذه الأسلحة تباع الى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وكان الكثير منها يبقى في الشيشانِ وأيا كانت التسميات التي تطلقها موسكو الآن على المقاتلين الشيشان تبقى حقيقة تسليحهم هذه معروفة للجميع. وفي السنوات 1992 ـ 1994 انتقل كل الضباط الشيشانيين في الجيش الروسي الى الشيشان بمن فيهم أصلان مسخادوف بالإضافة الى العاملين في الأجهزة الخاصة الذين دربوا المقاتلين على حرب العصابات. وهكذابحلول عام 1994 كانت لدى الشيشان قوة تقدر بأربعة آلاف مقاتل مدربون على درجة عالية من الكفاءة واكتسبوا خبرة القتال في أبخازيا وقره باغِ وقال دوداييف وقتها بأنه يستطيع تشكيل جيش يضم 100 ألف مقاتل إذا اقتضى الأمرِ ولم يفهم وقتها هذا الأمر الذي قصده دوداييف ، لكن الأحداث بينت أنه عبارة عن أداة خطيرة للتأثير على كل الإقليم والهراوة الروسية فيه ( هكذا كانت تتمنى موسكو على الأقل من تسليحها لدوداييف).

الحرب الأبخازية

بدأت هذه الحرب في أغسطس 1992 . وكانت أبخازيا ترغب بالانضمام الى روسيا. غير أن موسكو لم ترغب بالتدخل في النزاع مع جورجيا على المكشوف لأسباب عديدة منها تخريب سمعة رابطة الدول المستقلة الحديثة الإنشاء والخوف من فقدان الثقة بروسيا من دول الرابطة، فمن كان يستطيع في القوقاز مساعدة الانفصاليين الأبخاز بشكل يظهر روسيا محايدة ؟عندها رجعوا الى شامل بساييف متناسين الإهانة التي تعرض لها نائب الرئيس الروسي روتسكويِ وبوضح النهار حمل بساييف مقاتليه بباصات إيكاروس وتقدم الى سواحل البحر الأسودِ ومن مدينة مينرالنيه الروسية استقلوا طائرات عمودية اجتازت بهم سلسلة جبال القوقاز. حاربت فصيلة بساييف بشكل باهر هناك ولعبت دورا رئيسيا في انفصال أبخازيا حتى الآن واستحق بساييف شخصيا وسام بطل أبخازيا وعين بمنصب نائب وزير الدفاع وعاد الى الشيشان بعد ذلك بزوجة أبخازية هي ابنةأخ رئيس جمهورية أبخازيا فلاديسلاف أردزينبا.

الغارة على بوديونوفيسك

قام بساييف في صيف 1995 بغارته الشهيرة على مدينة بوديونوفيسك الروسية بعد أن مر مع 40 مقاتلا من فصيلته بحرية مطلقة عبر المناطق الشيشانية التي كانت تحتلها القوات الروسية واجتازوا منطقة الطوارئ في أوسيتيا الشمالية ودخلوا مقاطعة ستافروبولسكي الروسيةِ ومن غير المفهوم حتى الآن كيف عبرت شاحنتان محملتان بهذا العدد من المقاتلين وبكمية كبيرة من الأسلحة الخفيفة والذخيرة من كل مراكز السيطرة وخاصة عبر الجسر الوحيد لنهر تيريك. قال شرواني بساييف بعد شهر من الغارة بأن خطتهم كانت تختلفِ حيث كانت مهمتهم أسر خمسة طيارين ، غيرأن " هؤلاء البلهاء من أفراد الأمن الداخلي لبوديونوفيسك اضطرونا لاحتلال المستشفى واحتجاز الرهائن
ويعرف الجميع ماذا حصل بعد هذه الغارة وكيف نجا بساييف من مصيدة بوديونوفيسك.

الحرب حسب الخطة

وفي 6 أغسطس 1996 استولت قوات بساييف البالغ عددها 3 آلاف مقاتل على غروزني وحررتها من القوات الروسية التي سيطرت عليها لأكثر من سنة ونصفِ وكان فيها حوالي 20 ألف من القوات الفيدرالية. كيف حدثت هذه المأثرة ومن كان بحاجة إليها أكثر من غيره ؟كان الكرملين بحاجة الى إنهاء الحرب الشيشانية لانعدام آفاقها ولتزحلق الآلة العسكرية الروسية فيها بشكل خطير وكان التراجع من غروزني بدون سبب يعني الاعتراف بالهزيمة. وفي هذه اللحظة بالذات استولى بساييف على غروزنيِ وأعلن الجنرالات الروس الإنذار الشهير التالي : " إذا لم تغادر العصابات غروزني خلال 24 ساعة سيتم محوها من وجه الأرض ". وفي هذه الساعات وصل الجنرال الكسندر ليبيد سكرتير مجلس الأمن القومي حينذاك والهاوي لصناعة السلام منذ إيقافه الحرب في بريدنوستروفيه (مولدافيا) واجتمع أولا برفيق أغسطس 91 شامل بساييف وقال له بالحرف أن تهديد الجنرالات الروس له " نكتة سخيفة " ومن ثم انضم إليهما رئيس الأركان الشيشانية أصلان مسخادوف. وبعد هذا اللقاء الذي استمر طوال الليل تخللته مباراة بالشطرنج بين بساييف وليبيد تم وقف إطلاق النار. وبعد أيام وقعت اتفاقية خسافيورت من الجانبي نوانتهت الحرب.

الظهور الجديد

وعندما أراد الكرملين استئناف الحرب في عام 1999 ظهر بساييف من جديد وبشكل جديد أيضا بصفته وهابي وأن لم يعلن بساييف هذا أبدا. لم يتميز شامل بالتعصب الديني وقالوا عنه عبر وسائل الإعلام الروسية بأنه وهابي وخلاص ! وسبق تدخل بساييف في داغستان في أغسطس 99 لقاؤه مع رئيس ديوان الكرملين الكسندر فالوشين في يوليو من نفس العام في سوتشي وحسب بعض المصادر في باريس وهذا لا يهمِ ولكن المهم أنه قبل دخول بساييف بأيام تم سحب لواء قوات الداخلية من منطقة بوتليخسكي الداغستانية الذي كان يغطي الحدود الحدود الشيشانية - الداغستانية. ولهذا دخل بساييف الى منطقة خالية تماما من المقاومةِ وانصرف بساييف من داغستان تحت بصر القوات الروسية ويقول شهود عيان بأن مروحيتين روسيتين كانتا تغطيان انسحابه.

الحصار

وخلال الحرب الشيشانية الثانية، طوقوا بساييف وقواته أربع مرات : تارة في غورغورسك وأخرى في شالي وفي غروزني والآنفي خان كالاِ والمعروف أن جمهورية الشيشان صغيرة جدا لا تستطيع تشكيلات كبيرة كالتي ترافق بساييف دائما الاختفاء فيهاِ فمثلا عندما قرروا تصفية جوهر دوداييف قضوا عليه بصاروخ واحد في أبريل 1996ِكان بوريس يلتسين يريد الجلوس مع الشيشان قبل الانتخابات الرئاسية لكنه وصف التفاوض مع دوداييف بالقبيح ، لذلك اغتالوهِ ومن الواضح أنهم أرادوا إنهاء هذه الحرب بشكل ظافر الآن قبل الانتخابات الرئاسية أيضاِ وهذا الظفر لن يكون الا برأس شامل بساييف لكي يؤمن موته صمته عن كل ما رافق الأحداث الجسام التي ذكرناها أعلاه والتي تكشف الكثير جدا من خبايا السياسة الروسية القذرة.