الاثنين، 25 فبراير، 2008

حقيقة القتل الطائفي في البصرة




البصرة - د . جمال حسين علي:

ثلاث سنوات والوضع الامني في البصرة اكثر من جيد، وهذه المدينة كباقي مدن الجنوب، اسقطت ذريعة الحكومات العراقية التي ظهرت بعد التاسع من ابريل 2003، وهي ان نقص الخدمات وغياب المشاريع مرتبطان بالمشكلة الامنية التي لم تعان منها وان الناس الذين اوصلوا الساسة الحاليين إلى الحكومة والبرلمانينبغي ان يلمسوا اخيرا تقدما ما، وعلى الرابحين اتخاذ خطوة تثبت صدق برامجهم الانتخابية. هذه المعادلة بدأت تبعد الناس عن الفائزين وقادة الائتلاف الذين شعروا بذلك فبدأوا بترميم وضعهم على شاكلة النظام السابق: لكي يبقي المجلس الاعلى سيطرته على الكوت، نموذجا، منح كل عائلة برميل نفط مؤونة للشتاء او يمنحونهم بعض الرز والطحين باقتراب الانتخابات بالرغم من ان هذه المكارم لا تكفيهم لايام وفي كل الاحوال فان الناس يصحون بعد' ابر التخدير' هذه ليطالبوا بحقن اكثر جوهرية. البصرة مليئة بالفقراء: الفقراء جدا ومن تعلم امتهان شيء يرقيه الى الطبقة الوسطى، والفقر في البصرة ليس طائفيا، ولا يميز ما بين السني والشيعي والمسيحي، ومع ذلك لم يرحمهم القتل، ولم يكن للموت وقت للتمييز، لقد استعجل الموت كثيرا في تثبيت نفسه بين الفقراء. باعة عاديون يقتلون حسب المذهب، وخلال تشييعهم تستأنف الهجمات الطائفية لتحصد من يشارك في التشييع لتستمر سلسلة القتل والثأر الغبي الذي يحصد الناس اكثر فاكثر.حرب الطوائف في البصرة تشبه الى حد كبير ما يحصل في مدن العراق الاخرى، في الاساليب وكذلك المبررات، ولكن اغرب ما يميز حرب البصرة انها عادة ما تبدأ حين ينتهي الجميع ! تندلع فجأة وتتوارى، وكباقي حروب الطوائف فهي جبانة، حيث لم نرصد اي مواجهة مسلحة كما يسميها المحاربون: وجها لوجه، انها حرب جبانة لان اوارها يشعله الجبناء، فكل حوادث القتل اشتركت كلها في الصفة الدنيئة: الغدر.لا نعلم لماذا حين يقتل احد ما في البصرة يطال القتل عائلته ايضا (العراق عموما تميز بهذه الظاهرة) ويمكن في هذا الصدد ابداء الملاحظات التالية:
- المنفذون الرئيسيون في القتل لهم نفوذ.
- من بيدهم السلطة لا يشكمون من لهم النفوذ.
- من بيدهم السلطة ولهم نفوذ لم يحترم الاول سلطته وتجاوز الثاني نفوذه.
- غياب الجهة التي يستمع اليها ويذعن اصحاب السلطة والنفوذ.
- ان الفوضى مسؤولية اهل السلطة الذين وجدوا انفسهم في قلب الجلجلة.
- انسحاب القوة الاكثر تأثيرا والتي يسمونها المتعددة الجنسيات.
- تداعي تأثير المرجعية الدينية العليا للطرفين.
- الطرفان ليسا متحاربين، بل واحد قاتل والآخر مقتول دائما ويتبادلان الادوار بغياب تعريف للظالم وللمظلوم.
- وصول ظاهرة السيارات المفخخة التي تهاجم العامة والمسحوقين.
- انتشار ظاهرة 'المساجد المسلحة' وكأنها تعود بنا الى حقبة العصور الوسيطة في اوروبا حين امتزجت المعسكرات بالاديرة.
- لا نفهم ما الذي يفعله الشبان في المساجد بعد منتصف الليلِ.
- بروز ظاهرة' حرق المصاحف' لتلبية شروط اعلامية قذرة يتبناها طرف ضد آخر في الدين الواحد.
- لا احد يسلم من القتل بغياب الاسباب ومنطق وعدالة الموت.
- لا موعد محددا لا للقتل ولا لانتهائه والنهايات مفتوحة نحو المقابر.
قتيل كل ساعة
ان معدل الموت في البصرة يسير وفق المتوالية العددية التالي: كل ساعة يغتال شخص حسب ماجد الساري المستشار في وزارة الدفاع العراقية، حصة اساتذة الجامعة اكثر من عشرين ويفوقهم عددا الاطباء والمهندسون والصحافيون والطلبة وحتى الرياضيين والحلاقين وباعة اللبن والعصير. تزداد اللافتات السوداء وتعاني المدينة من ازمة توابيت وكل طرف يلقي باللائمة على الطرف الآخر بينما القتل يستمر.
إجراءات المالكي
ما استطاعت السلطات فعله لدى زيارة رئيس الوزراء نوري المالكي كان الاجراءات التالية: - فرض الاحكام العرفية لمدة شهر بما فيها منع التجول في الليل.- القاء اللوم على السلطة المحلية.- سحب الملف الامني من السلطة المحلية وتسليمه للجيش، اي نقل الملف الامني من مجلس المحافظة ليتولى متابعته اللواء الركن عبد اللطيف شعبان قائد الفرقة العاشرة الذي سبق وان عزله بشكل غير قانوني محافظ البصرة محمد الوائلي.- تشكيل لجنة امنية يترأسها صفاء الصافي وزير الدولة لشؤون البرلمان وعضوية سلام المالكي من التيارالصدري وهادي العامري رئيس منظمة بدر (يلاحظ انهم جميعا من الائتلاف العراقي الموحد). ولابد من الاشادة في هذا المقام، بالدور الذي لعبه نوري المالكي في زيارته المثمرة للبصرة، تلك الزيارة التي اعادت للبعض صوابه وذكرته بالمعاني التي حملها الدستور وانبأته بان البصرة مدينة عراقية فعلا تقع في بلد اسمه العراق عاصمته بغداد ويقود البلد رئيس الوزراء الذي ذكرهم باخطاء فهمهمللديموقراطية وثباته في السير نحو طريق نزع اسلحة الميليشيات لكي لا تتحول البصرة او غيرها ساحة لتصفية الحسابات واستعراض العضلات لانشاء او تقوية النفوذ، وان العراق الذي يقوده لن يكون لقمة سائغةللاقوى حتى لو كانوا الاشقاء في المذهب، واذا كانت البصرة طوال العقود الماضي المعسكر الامامي الذي بناه النظام السابق ووضع فيه اقوى فيلقين في جيشه، فلا ينبغي ان تعسكر المدينة في زمن الكل يتحدث فيه عن الديموقراطية وعواهن النظام السابق وان عليها ان تترك السلاح وتخطط للبناء.
هكذا تكلم المالكي
ولو نستذكر ما قاله رئيس الوزراء نوري المالكي خلال زيارته للبصرة والوعد الشهير:' سنضرب بيد من حديد رؤوس العصابات والمتلاعبين بالامن في المدينة'ِ وبشبه صراخ وجه المالكي كلامه:' الامن اولا وثانيا وثالثا'ِِ وتساءل:'من يصنع الامن غير الدولة وحين يتصدى مسؤول امني علينا رعايته وليس ملاحقته من الاحزاب'، ليعود للموضوع الرئيسي ويطرحه بغضب:' ما هذه الاغتيالات؟!ِِ ما هذا القتل؟!ِِ ما هذه العصابات التي تخطفِِ ما هذا الذي يجري في المدينة؟!
يتذكر العراقيون عبارات مثل' نضرب بيد من حديد' وهي جزء من منطق القوة الذي اعتادوه واذا كان الامن غائبا فمن اين تأتي للمالكي اليد والحديد وكيف سيضرب باجهزة امنية هي جزء من المشكلة، وينبغي ان لا يفوت رئيس الوزراء العراق بان ميليشيات الاحزاب وافراد العصابات التي كان يقصد ضربها بيد الاجهزة الامنية الحديدية هم انفسهم وان المشهد برمته متداخل بحيث يصعب جدا الفصل بين الجاني والمجني عليه. ان العناصر الثلاثة التي تحمل السلاح هي في الحقيقة واحدة، وهي التي دمرت المدينة وبرقبتها دماء الضحايا ولجم الفكر والتطلع الآخر والرغبات التي اجهضت والتدخل في خصوصيات الناس وطريقة لبسهم وحلاقتهم وفرحهم ومنع كل المظاهر المدنية التي كانت البصرة تعرفها منذ عقود.
أسباب السلطة المحلية
والسلطة المحلية اعلنت اسبابها ايضا: بعض رجال الدين يحرضون الناس ضد القانون، والاحزاب تحولت الى سلطة داخل السلطة. هذا كان كلام محافظ البصرة محمد مصبح الوائلي الذي وجه الامر بشكل خرجت في اليوم التالي مظاهرات تدعو الى اقالته، من الاطراف التي اشار اليها طبعا، ليستمر الاحتقان السياسي ولكن هذه المرة بين الاخوة الاعداء. تجدر الاشارة الى ان العنف في البصرة لم يتصاعد مع تسلم المالكي زمام السلطة، بل كان متأججا، ولم يعلن وكل الاطراف ساكتة ولا تريد اثارته منذ العام الاول من السقوط وتصاعد بشكله العنيف المعروف في تلك الاوقات التي كانت فيه الحكومة تسمى حكومة تصريف الاعمال، الاوقات التي كانت تمر عصيبة على بلدكل مسؤول فيه لا يعرف هل سيبقى في مركزه ام يحزم حقائب العودة الى بيته الاوروبي أو الاميركي، وشهور العزلة وغياب السلطة وانشغال ابراهيم الجعفري بتثبيت نفسه في الحكومة القادمة في ذروة الصراع السياسي، انساه تصريفه للاعمال التي جاءت في المرتبة الثانية وربما الثالثة من اهتمامات حكومة كانتتلفظ انفاسها الاخيرة، في هذه الاوقات بالذات، ظهرت السلطة الظل، الخفية لتعبر عن نفسها وتكشر عن انيابها.
الأطراف الخارجية
الاجتماع الذي عقدته هيئة الرئاسة في 18 مايو الماضي كلف نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي بايجاد حل لانهاء ما اسماه البيان الذي خرج منه هذا الاجتماع:'اعمال العنف' التي تشهدها البصرةِ وبعد ان انفض الاجتماع مباشرة لم يمهل طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية ايضا زميله الشيعي للتوصل الى حل مع الاطراف السياسية والدينية لطرفي النزاع، بل حدد وادان بشكل مباشر من يقومون بعمليات الاغتيال والتهجير القسري وكان الاجتماع عقد اصلا، لكي يبدي كل طرف متحارب في الشارع رأيه على لسان ممثليه في السلطة وثانيا، لكي يؤدوا واجبهم في الاجتماع.لكن اللافت، ان عبد المهدي الذي استلم 'ملف البصرة' رسميا اشار الى نقطة لم يتجرأ احد من القيادة العراقية على ذكرها فيما يخص البصرة بقوله الصريح: 'ان اعمال العنف التي شهدتها المحافظة سببها تدخل اطراف اقليمية وخارجية'، وكمراقبين لا نحتاج الى ان يتورط شخصية مسؤولة مثله لتسميتها كي نعرفها.
انهيار الجنوب
اذا قدر وان انهار النظام الامني في البصرة، فان ذلك سيؤدي إلى انهيار المنظومة الامنية التي بنيت في الجنوب برمته والمقامة على اساس سيطرة ميليشيات الاحزاب الحاكمة، الامر الذي سيضاعف من مهام القواتالاجنبية هناك، وسيرجئ بلا شك في مسألة رحيلها التي بدأتها القوات الاسبانية والاوكرانية وستلحقها الايطالية وربما اليابانيةِ وعندما يحين مثل هذا الوقت لن تجد القوات البريطانية سوى الاميركية لمساندتها، وستكون مسألة رحيلها النهائي المؤمل في نهاية عام 2007في طي النسيانِ وتعد هذه اكبر الخسائر التي ستتكبدها مدن الجنوب والاقليم الذي يرتبون على اعلانه كثقالة الوزن مع كردستان فيالعراق الفدرالي المنصوص عليه في الدستور.
شكل البصرة
تبدو البصرة كدولة صغيرة، فقيرة وفاسدة للغاية. وتبدو ايضا دولة تعمها الفوضى والاهمالِ واذا كان ثمة شيء قد حققته طوال سنوات الحرية فهو التداخل الكبير في نشاطات الاحزاب والتيارات والحركات التي كان عليها ان تؤمن السلم الاجتماعي وبدلا منه حظيت بالسأم الاجتماعي، حيث يتقدم الولاء للحزب على الولاء للمصلحة العامة والوطن. الجميع يدعون الى تفكيك المركزية وتهميش المركز، لكن الجميع ايضا يريدون الابتعاد عن المركز للاحتفاظ بالسلطة والنفوذ والمال وان يصبحوا كبارا على حساب الاغلبية الشعبية المسحوقة.يتحدثون عن الاستحقاقات الانتخابية والشعب الذي رفعهم الى ما هم عليه الآن، لكن هذا الشعب آخر ما يقلقهم على الارجح، وحين تضطر هيئة الرئاسة ورئيس الوزراء شخصيا للتدخل، وقبلها ادانة السلطة المحلية، فان اذابة الصلة مع المركز اصبحت الرهان الذي سيتخذ شكل الصراع الجديد.ان جوهر النشاط الحزبي في البصرة هو توجيه الشارع والعامة نحو الافكار والايديولوجيا التي تتفق على اطارها العام احزاب السلطة في المدينةِ وبالرغم من اختلافهم وتعدد اسمائهم، فان أسلمة الشارع في الاتجاه المذهبي ما يتفقون عليه جميعا، كل بطريقته وامكاناته وعدد البنادق وكاتمات الصوت الفعالة لديه.لا احد يستطيع سماع اغنية او موسيقى في هذه المدينة البائسة، وبيع اقراص الاغاني يشبه الاتجار بالمخدرات، مزقوا اعلانات شركة اثير للموبايل لانها حملت صورا لكاظم الساهر ولا يتجرأ أحد ويمسك يد زوجته في الشارع فقد يقيمون عليه الحد ويفتون جهارا بمنع تدخين السجائر الاجنبية وكسروا حوانيت الباعة على رؤوسهم ولا نعرف هل حرام بيع الاجنبية وحلال تدخين المحلية، قتلوا باعة السجائر واغلقوا صالونات الحلاقة النسائية وكل الحلاقين يدفعون الاتاوة لهم وفرضوا الحجاب على الجميع حتى على غير المسلمات.
الحقيقة والبصرة
كان الصحافي الاميركي ستيفن فنسنت يتجول في البصرة مرتديا الزي المحبب لعناصر جيش المهدي: تي شيرت اسود عليه صورة الامام الحسين ويضع على رقبته مسبحة خضراء. ان كان الاميركي الذي ينشر في اكبر وسائل الاعلام في العالم شهرة وهي نيويورك تايمز و وول ستريت جورنال و كريستيان ساينس مونيتور يرتدي رموز الشيعة لاسباب عاطفية او جمالية، لكن ما كتبه عن البصرة والعراق عموما كان ينبض بروح الصدق والشجاعة وحب العراق، وبدلا من استغلال صحافي بهذه المنزلة والامكانيات، قتلوه بدم بارد، لانه كتب جملة واحدة لم تعجبهم، قال كأي مراسل نزيه: ان البصرة تحكمها الميليشيات المسلحة التابعة لايران. أطلقوا عليه الرصاص ورموا جثته في شارع الاستقلال حيث الفندق الذي يسكنه، وهكذا استشهد ستيفن فنسنت دفاعا عن الحقيقةِ والمشكلة ان من قتله يستمر بالقتل ولجم الحقيقة.
المتعة والبصرة الشيوخ والسادة والمتأسلمون ذوو الوجوه الشحيمة والجباه المكوية بالبطاطا المقلية والباذنجان المسلوق والبياض المستورد من البودرة المقدسة فرحين بكروشهم ولحاهم المصبوغة بالحناء ونقودهم التي بدأت تزيد وافضت بهم لمواهب لا تتوقف عند الحب النهم للاكل فحسب، بل النساء. فرضوا الاتاوة على العاهرات الرسميات، اما العاملات المسكينات في النفط ودوائر الدولة الاخرى فيتم نكاحهن شرعا من قبل هؤلاء، شرعا، بزواج المتعة.هؤلاء يستمرون باغتصاب المدينة.