الثلاثاء، 26 فبراير، 2008

10 فواتير نجفية

























النجف - د . جمال حسين علي:

بقيظ جمر نهار جديد، تبصر العدسة أزرار كتابة أخرى، مصبات مأخوذة بالتفرد الشائك مرة، وبتوزيع النظرات مراتِ لوحات ممتهنة تفصح عن مداخل مواضيع منفوشة تبعث على الغور داخلها والتقاط التهابها قبل سر الانطفاء. نضيء في صفحة النجف الأخيرة أردية حكايات، بغير توقف مفرط، بمثابة مسامير ندقها لنعود إليها هرمين، ما ان تستفيق جدرانها في ملتقى خطوط الكلام.
مآذن وبنادق
هن الأعلون، للمنقب عن التناقضات، كشراكة الماء والرمل، ما أن تعلو واحدة، تشمخ الأخرى، تذيع المنارة الصوت المحايد، فيما تقضم البندقية رصانة السحر. للمنائر والبنادق علاقة أخوية في البلاد المضطربة، عناق الحب للحرب وتفرد الأسماك بجفاف الشواطئ. باختلاف الأمكنة والحجج، تصغي البنادق مرة لوجع المآذن، وأكثر منها، تلوذ المآذن بكساء البنادقِِ عبء الفيض والادعاء وصقل المفاهيم على مقاسات المصالح، ذلك الذي يعطل قطار العراق عن الصفير حتى الآن. لم تمر معركة واحدة منذ انفتاح السبل، دون تآخي المآذن والبنادق، كهدوء شيء مستقر، وكتعليل أمر طبيعي، كأن المآذن أصبحت من مقومات البنادقِ ولم تنته معركة في مدن البلاد دون ظهور بنادق المنتصرين قرب مآذن المدن الساقطة. علاقة مخروطية، كالباحث عن دقيق نثرته الرياح. المثير أن كثيرا من مآذن البلاد يبحث عن بنادق، وكل البنادق فيها تتدفأ بالمآذن، علاقة تخلو من مهارة الربط الرائج، طالما تصر السكاكين على الخروج من مهنتها لتذبح الورق!
هو الذي رأى
كنور أطل من جوف نفق، تنساب صورة السيد علي السيستاني من بين أنقاض قطعة صغيرة من النجف، فلتكن بيتا أو محلا أو مزارا أو أي شيء آخر. نعد هذه الصورة، الرداء الواقي الأخير والمجسد لتلك الأيام المريرة التي عصفت بالمدينة. فيما نزح الجميع وتهدم المكان ونهبت محتوياته ، يلمح السيد كل شيء بنظرات حزينة ثاقبة، كل ما جرى أمامه، صامتا، صابرا. ستمر أقدامه على روائح النار، تدله عصاه على طرق شبابه التي أمخر بها بين الحفظ والقراءة وعمق السؤال والدروس المستعصية في الفقه والشريعة والاستنباط والاجتهاد، سيفكر في مصير المخطوطات وأصوات تلاميذ الحوزة وهم يرددون معجم العلوم من ألفه الى يائه. لا مناص لعصا العليم، شق أذرعها لتجنب المصير بين الجماجم والبنادق وبقايا الكتب التي ضاقت بها الأمكنة، بذلك النفق - الممر، الذي وضع فيه ليخرج الأسير والجريح والمغلوب على أمره والتعبان والجوعان والخائف والمهتز والثائر، من قمقم الحيرة وهرم الشكوى وصعوبة التداخل ما ان يمطر خيار البحث عمن هو على حق، ومن هو على باطل : الشريان أم الوريد! سرق اللصوص كل محتويات المكان وتركوا الصورة التي تبين أن السيستاني، في نهاية المطاف، هو الذي رأى!
حراس الحطام
هي صورة الحياة المتناثرة، ملمعة عن قرب، للحارسين الفتيين اللذين وجدا أن أفضل فيء يستظلانه، هو الناتج عن تناغم الحطام. وبينما الدخان يتصاعد من كومة الأخشاب، يتجرعون شيئا من ماء الفرات، سال في عروقهم الظمآنة من يد متطوع، خفق قلبه آلاف المرات في الأيام الماضيات. هل توجد ضرورة لوضع التقويم لصورة كهذه، فيها الكثير من الضوء والمعاني والقصص، الشباب والجمال، الدمار ومفاجأة الماء حين يصب على الأفئدة العطشانة؟ أهميتها، أنها تمر على التاريخ كفتات حرب بلا توطئة ومن غير سبل، وأن فيها عبرا، ليس بالضرورة الإفصاح عنها دفعة واحدة وبعمد. فلنترك المحاربين يستقون وسط الحطام، ولنطمر الفكرة بين الخطى والألوان.
بسبع أرواح !
هذه العجوز النجفية وصديقاتها المتماثلات. بجلسة المتكئ على الهزيمة، تلت علينا هذه المعمرة كثيرا، معارك الضريحِ ولكثرة ما حسمت السنون أمرها على ظروف بشرتها، فقد كانت ملامحها تبان في عاجل حكاياتها وآجلهاِ قصص من تعود على الحكي ورواية ما لا ينفع، فهي التي حمت السوق من نهب اللصوص، وهي التي أرشدت الجيش إلى مواضع السلاح وكشفت لهم حقول الألغام، هي التي كان 'السيد' يستشيرها بالكبيرة والصغيرة قبل أن يغادر الضريح، وهي التي طالما أنذرتهم بالعواقب. تحلو للمسنين المبالغة واستعراض أهميتهم كالصغار، لكن تدفق الحكايات الوهمية بلا انقطاع، لفترة لا تناهز استرجاع الأنفاس، تعد موهبة، فيها الكثير من الفائدة، لو خصها المعنيون بقدح شاي، لعلها في النهاية، تدلهم على أسرار ما حصل ولم ترصده وسائلهم التقنية الحديثة، فهي مشروع استجواب مجاني، لا يقاوم. هي صورة الحرب المكعبة، بأوج تناقضها، حيث تجلس المرأة التي بلغت من العمر عتيا، تروي معارك النجف التي داست وطحنت الآلاف من الشبان أمامها، دون أن تمسها لا ضراوتها ولا ذوبان الرغبة بإعادة قص ما حدث.
القلم المقضوم
من شرفة خربة في النجف، تطل هذه اليافطة الصغيرة المتواضعة التي كتب عليها شيء مهاب : المكتب العام لاتحاد الصحافيين في النجف!ذكرتنا بقول عميقِِ عندما تدمر الدنيا لا تسأل ولا تذر الحجج، قل لماذا سكت الشعراء! ما نعرفه أن صحافيي النجف، كحال زملائهم الآخرين في هذه البلاد غير المنضبطة، بقوا محملقين بالخيط وهو يحترق، لا هم بالساكتين ولا هم بالتاركين الأمور على خرابها، فكلماتهم مهما استطالت، لا تبرحأبواب المباني المنهارة. سيحمل الصحفي الفتي الواعد كاميرته التي استدان ثمنها من قوت ابنتيه، ليعكس البنايات المنكوبة وارتطام زجاجات المصير على أمواج حياته الناشئة للتو، سيحاول وضع الصرخات في دعاماتها ويطير حماماتالحروف ما ان تداعب صلابة الزمان وهجرانه وقسوته، عند نشيج الرجال المتأهبين بلا مقدمات للموت. بوقور الزهرة النضرة، سيكون التقصي إسرافا والتسجيل بطرا ووصف ما على طرف اللسان شعرا في غير محله.
رسوخ وإن أذابته الحرب، سيفتح رموزه في يوم ما، بباقة مذكرات أو تدوين وثائقي لم يجد نور إصداره بعد، والسرعة في حالتنا أهم شاهد عيان!
حوار الأضداد
ما ان نسجت الحرب خرابها، جاء دور التراص في دوائر الجدل. أكثر من حلقة ملتهبة يحاول كل طرف توضيح موقفه للطرف الآخر، ظاهرة أنبل مليون مرة من استخدام السلاح. تبين الصورة، تناغم حوار ما بعد المعركة، بين أخيار المدينة وممثلي الجيش والحكومة الجدد. مجاميع من مدنيين وقورين ورجال يرتدون بزاة الأطباء ومتطفلين وحراس ومجرد ملتقطي أنباء وشبان شعروا أن القيد فك عنهم للتو. ينهمك السيد والشرطي والمقدم والطبيب في حوار لا تحمد عقباه، مسرعة نبضاته، كمسابقة للوصول الى الحياة القادمة، كمشي عربة حصان على سكة حديد. اللوحة توضح أن أمرا ليس هينا موضع خلاف، ليس مبالغة لو قلنا أنه كان حول حفر المقابر الجماعية أم تركها بعد حين، رفع الانقاض وانتشال الجثث أم انتظار رافعات الدول المانحة حوار ليس رومانسيا بالمرة.
أطفال وحرائق
أتراهم يلهون بحرث الحرب ورماد المعارك، أطفال النجف في صبيحة الدهشة المستحبة؟! مثل قطط فضوليات، درخ الصبية عن ظهر أكفهم، ما تحتويه أطلال المدينة الخربة، تتويج يفضي للحجارة بالتنهد وبالسقائف المثول أمام الشهود الصغار. ما تمنحه حروبنا، أن الأطفال فيها يعلمون أكثر من الكبار! فقراء جدا هؤلاء الصبية بتفتيشهم المر على دماهم الضائعة في المحارق، كالسائر لوحده الى المنفى، مهملا، تعيسا. في اللحظة ذاتها التي يسمعون استدراكا أو سؤالا، بلا أي جزء من ثواني التأني، يدلونك على الصواب والطريق ولا تتعثر في شفاههم الحقيقة ولا يتعبون من انسجام الحق، كما هو يلقون به عليك، منهوك ورنان.
مهارة الاستبدال
ينهمك الصباغون في برج هذا المبنى الذي كان جيش المهدي يسميه كما يشاء، لغاية اليوم الذي دخلت فيه الحكومة المدينة لتبدأ حملة تسمية الأشياء بمسمياتها. يصبغ الفاتحون ما كتبه المنسحبون، طالما يوجد صبغ وصباغون، داخلون وخارجون، هابطون ومتسلقون. غير أن وجود هؤلاء دوما، لن ينعش مهنة الخطاطين والصباغين فحسب، بل يهدر أعصاب هذه اليافطة، حين يخطون عليها في كل موسم : قضية. فمشكلة البلاد لا بالصبغ ولا بالصباغين، بل في الاتفاق على ما يخطونه ليبقى الى الأبد، أما أن يخط كل من يمتلك الصبغ مشاعره الجياشة، فستتحول البلاد الى لوحة إعلانات مجانية.
البناؤون
أوانه حان بعد سكوت المدافع : حديث البناء. بداية، قرر الرسميون إزالة الأنقاض، للشروع فورا بالبناء، كلام وتنفيذ صحيحان، فهي المعادلة القديمة تستوي في النجف، مئات من العمال السائرين في المدينة نحو ظفر السلامِ أجهزة بلديات مختلفة وصلت منكربلاء وبابل وقسم من بغداد، مهمتها المساعدة على النسيان وإزالة التراب والحجارة وتضميد الحروقِ هي بذاتها أشرف مهمة ومهنة ومحاولة لترويض وتصحيح نبض الشوارع وتدليك فؤاد المدينةِ طافيا فوق الماءغاسل الطرق المؤدية الى الحضرة الشريفة، نفر من جنود مجهولين، يهمون بجعل الأرواح أكثر تقبلا للتنفس قبل حلول مساء السلام الأول، مرتسمة ملامحهم بكرم الطمأنينة والتفاؤل، الذي لا يلبث أن يشع على ساحاتالنجف المدمرة مسبغة رضا. تمطر المكانس شقوق الإسفلت والحجارة المضطربة، لتحيل حلاوة الحياة الى منظر يسقي الناس الملتحفين في بيوتهم. استبدلت الحرب أوزارها ورحل الرجال الملثمون بالأسود والمرتدون أكفان الآخرة، لتستقبل المدينة، رجالا جددا، برتقاليين، بلون التسلسل السعيد لدراما، قدر للجميع التمعن بدروسها.
ابتسامة الوداع
هكذا تحلق الشبان النجفيون، صادين بابتساماتهم خراب المدينة، وكأنهم يقللون الدمار بالابتسام وشارات النصر والأمل المتساقط على رذاذ الحريقِالضحكات الممشوقة، مرصعة بتطلع الأفق البعيد، لعل الوجيعة تهزم اليأس غير الرحيم. فلنتذوق طعم الأمل بابتسامات الفتية ذوي الأعصاب الرقيقة الجاعلة روح المدينة تهفو، مضاعفين الورود على الرماد والأرجوان على السخام.فلننشد كل أغنيات الأمل المتاحة للنجف نصف العريانة ، لتكسوها الألفة والترفع والخضرة والود، فالمدينة ستنبثق ولو عبر قنطرة الأمل.