الثلاثاء، 26 فبراير، 2008

فناء الأهوار






الأهوار - د . جمال حسين علي:

" كيف لم تترو فأحدثت الطوفان "
-ملحمة جلجامش -

في أوقات زهوها وخيراتها التي لا تعد، كانت الحياة في الأهوار صعبة للغاية بل بالغة المشقة، وسط درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية وتنامي لسعات «الحرمس» وانقضاض غادر لقطيع خنازير و صراع غير متكافئ مع الثعالب وأبناء أوى وبناته، فضلا عن الأفاعي والسموم ورفش الزواحف الذي كان يخطف الأطفال بما يسمونه في تقييمهم لأفعاله «عبد الشط» الذي يقترن بعلاقات استراتيجية مع «الطناطل» المتآخية مع الليل البالغ العتمة، حين يهبط على «جباشات» الناس الآمنة. عندما كانت صورة الهور كاملة، برزت الصلابة والمثابرة والعمل الطويل المرهق كخيار وحيد لرتق اليوم وتفجر صبحه بنصل جديد لتعب لا حدود له. فكيف الآن والحياة تسير بالتركيب والترقيع والاستعاضة وبتبدل طبائع الأمور وترتيبها المنطقي ودرجات حرارتها وضغطها وأكياس رطوبتها المائية، وباقات من أمراض جديدة خيمت بتناول حروب مختلفة لجيوش اندثرت بعدها صبت بغرائز الموت ما استطاعت من سموم ونابالم ومواد كيميائية صنعوها خصيصا لتذيب القصب وتقتله من الجذور وكذلك البردي وكل ما ترتفع قامته على هذه الأرض، لكن أحدا منهم لم يتوقع بأن جذور النباتات هنا تعيش أكثر من ثلاثة قرون، وإن حجبت عنها الدنيا المساعدات والمنح الخارجية. تعرفت التربة وأنامل «الكاط» وسماحة «الكعيبة» هنا على نثار اليورانيوم، ونسجت عرق النسوة من فيضه جوادا افترش الشفاه والرئات وطفا على مرضعات الجيل برق أرقط من بثور الموت. عندما كان كل شيء هنا حلوا، كانت الحياة شاقة ومتعبة وموجعة، فكيف هي في زمان الفواصل والعناكب والغازات والحروق والأطماع وزبالات الذرة وقيح النواة! عندما كانت المدفأة هنا، تنبثق من «المطــّال»، المصدر الرئيسي للطاقة للأهواريين، وعندما كانت أبرة واحدة تخيط فتوق العائلة طول الدهر وحين كانت النار تتلظى من هبوب الرياح وأوقات كانت السعادة فيها مهد الأطفال ونبوءة النساء وفرح الشيخ بالتماس شباك الإمام والمضارب الرقص والأكف مناديل والجلود ألوان والمواكب مهرجانات والبارود إعلان والمضايف غرف أخبار ومتعة الفراشة في أناقتها وود القطة في موائها وانحراف السيارة خدعة مدينة زائلة. راحت تلك الأزمان مع ناسها وطيورها وأسماكها، لكن عشرات الآلاف ممن امسكوا بمدونة الأهوار ولوحها السومري، أولئك الذين ينمون الآن مع القصب والخوص والعشب لا ينبغي تركهم يتيبسون مثل «حشف» مأكول من كواسر الليل وعدادات البرسيم ومفاجآت أخرى فجرها بلا أدنى شفقة صبيح هندال: «كنت واثقا بأنه حتى لو سقط النظام، فلن يفعلوا للهور شيئا وسيبقى كل حال على حاله». ننفرد اليوم بنشر أول صور تظهر في مطبوع للسدود والنواظم والمضخات وطرق خنق الأنهار وتكتيفها وصور الأنهر الصناعية وكل مراحل أبشع عملية تعرضت لها الأهوار في التاريخ التي اشتهرت بالتسمية المرة: التجفيف!
بطائح الثوار والمنفيين
قبل تناول ما تعرضت له هذه المملكة من دمار وعدوان، لابد من استعراض يوضح كم كانت هذه البقعة المتنوعة مصدرا لقلق وإزعاج الإمبراطوريات التي حكمت البلاد. فعلى مر العصور كانت غابات القصب هذه ملجأ للفارين الذين تطاردهم الجيوش منذ عهد الآشوريين وحملات ملكهم سنحاريب الذي قدم من عاصمته نينوى لمطاردة الكلدانيين والاراميين والعيلاميين. واختفى في الهور هذه الأثناء الملك مارودا كبالادان وأصيب في معارك الأهوار الإسكندر المقدوني ليس بالسهام، بل في الحمى التي سببتها له بيئة الأهوار والتي لم يتعودها وأجوائها الصعبة ومات على إثرها. هكذا اختفى في الأهوار الملوك والخلفاء والأمراء ولم يهاجمها خالد بن الوليد، وحين فتح عتبة بن غزوان البصرة ذهل من مناظر الأهوار واستبدل خيمته بكوخ من القصب وتعرف العرب على الرز لأول مرة في الأهوار، التي ستمر السنين ليختفي فيها الخليفة القادر العباسي من الخليفة الآخر الطائع بالله، والتجأ إليها قاضي القضاة أبو علي المحسن التنوخي، ومنها بدأ الزنج ثورتهم وكذلك ثورة الزق والقرامطة وحركة المشعشع والطرق الصوفية والرفاعية. ولأنها مملكة محزمة بكل الأسوار الطبيعية والموانع التي لا يدركها سوى أهلها، فقد كانت الملجأ المثالي للشبان الشيوعيين الذين أعلنوا الكفاح المسلح نهاية الستينات وبعد فشل حركتهم تحولت الأهوار إلى موطن المعارضين والهاربين من الجندية أوقات حرب الجيش ضد الحركة الكردية، وتضاعف أعدادهم بالطبع في غضون الحرب مع إيران. و مع مرور السنوات اتخذت المجموعات الكبيرة للهاربين والمعارضين شكلا منظما وانتقلت من الاختباء السلبي إلى الهجوم على مرتكزات نظام صدام حسين وبذلك تحولت الأهوار تدريجيا إلى خاصرة مؤلمة لذاك النظام لم يستطع الإفلات من أوجاعها حتى انتهاء الحرب مع إيران. وقتها وجه قوته العسكرية إلى الحركة الكردية بعمليات الأنفال المعروفة التي تلاها مباشرة غزو الكويت الذي عطله من تنفيذ هجوم شامل على الحركات المسلحة في الهور. وبعد اندحاره في الكويت، كانت الفصائل في الهور تدرك بأن وقتها قد حان للبدء بالهجوم كأفضل وسيلة للدفاع، ولأن القاعدة الشعبية كانت مهيأة تماما للثورة، حدثت انتفاضة فبراير - مارس 1991 التي انتهت بالخديعة الكبرى المعروفة حين سمح الحلفاء للنظام باستخدام الطيران وكامل قوته العسكرية في صدها، وكانت بمثابة السماح والإذن المفتوح للنظام بعمل أي شيء في الأهوار بدون رادع دولي، فقام بأول محاولات تهجير وإحراق وتجفيف الهور في مطلع مارس وفي غضون المعارك. خصص العديد من الآلة العسكرية لمطاردة الثوار ومن ثم كلفت هذه الجحافل بتسوية غابات القصب مع الأرض وكانت القاصفات والمروحيات تلقي بحاويات النابالم وغازات ومواد كيميائية لإحراق وإذابة القصب، الأمر الذي أدى إلى هجرة مئات الآلاف من الناس مع ما تيسر لهم من حيواناتهم ونفوق الكثير في عملية المطاردة هذه وكانت الطائرات والمروحيات تلاحق الناس في عمق الأهوار خلال هروبهم لترش عليهم الموت، لكن الغالبية نجحت في التسلل إلى إيران والسعودية، حيث أقامت الأولى لهم معسكرات الأوردكات في الشوش والأحواز وشيراز ودزفول بإشراف جهاز المخابرات الإيرانية «اطلاعات»، فيما بنت الثانية مخيم رفحا لمن وصلها من أبناء الهور، لتبدأ قصة أخرى كاملة التفاصيل، غير أنها ليست من اهتمام تحقيقنا الحالي.
تاريخيات التجفيف
قبل أن يسقط النظام، اختفت من مدوناته وخطاباته الرسمية مفردة الأهوار (لأنه بالأساس طمرها وقضى عليها) وكانت المؤسسات الرسمية تستخدم بدلا عنها مفردات «الأراضي البور» أو «أراضي الاستصلاح الزراعي»، الذي برع به قبلهم بخمسة آلاف سنة السومريون عندما حققوا في ذات الأرض التي جففها النظام أفضل منظومة لاستصلاح الأراضي واهتموا في بناء السدود وأبدعوا في شق قنوات الري بحيث ازدهرت في مناطق الاهوار خمس مدن سومرية كبرى، غير أن سدود السومريين انهارت وأعدم على خرائبها 40 مهندسا بعدها رممها البابليون ليعيشوا فترة ازدهار زراعي مؤقت.
لقد حاول الكثير ممن حكم هذه الأرض تجفيف الأهوار وقام سرجون الأكدي عام 710 قبل الميلاد باستخدام العبيد لتحقيق هذه المهمة، وفعلها الملك البابلي نبوخذنصر والملوك الساسانيون ومعاوية بن أبي سفيان وهارون الرشيد والحجاج بن يوسف الثقفي وهشام بن عبد الملك والبويهيون بعد الثورات ضدهم، وكانت أول محاولة لتجفيف الأهوار في العصر الحديث، لكن الملك رفض المشروع الذي قدمه المهندس البريطاني فرانك ثيغ الذي كان قلقا من السدود التركية والذي كان يريد تحويل المياه الجارية الى الأهوار لتصب في قنوات مائية أخرى، على اعتبار ان الأهوار تعتبر استراتيجيا منطقة رخوة تساعد في التغلغل الإيراني والاستفادة منها كمجال للمناورة العسكرية معها. رفض الملك لأنه لم يستطع تخيل العراق من دون أهوار كما قال للبريطاني الذي سبقه مشروع الإنكليزي الأكثر شهرة وهو السير بيرسي ولكوكس الذي أعد تقريرا بموجبه يقترح حفر مبزل في جنوب البلاد لغرض سحب المياه المالحة ورميها في الخليج.
مراحل التجفيف الراهن
عام 1989 أعدوا «خطة عمل الأهوار» ويقول رئيس الجمعية العراقية لتطوير الأهوار جاسم المرسومي إن النظام أعد مشاريع مبكرة في هذا الصدد أشرفت عليها وزارة الري حيث أعد خبراء روس 12 مجلدا تناول في مجمله ما أسموه «الموازنة المائية»، لكن عملية التجفيف أجلت بعد زيارة صدام إلى الأهوار وإعلان «حبه» لأهلها وليس للأهوار على حد تعبيره. وفي الحقيقة كان التأجيل سببه عدم تماسك عود النظام وقتها وعدم توفر ذريعة كافية للقيام بخطوة بيئية راديكالية بهذه الضخامة ووجود معارضين دوليين لمثل هذه الخطوة. وفي أبريل 1992 وافق المجلس الوطني على «برنامج جديد» أعلنوا بأنه سيوفر المسكن للسكان في الأهوار، لكنه في الحقيقة كان برنامجا كفيلا بازالة كل القرى في الأهوار تمهيدا لمسحها من الخريطة كما حصل في الواقع. لكن السدود الترابية كانت قد بنتها وحدات الهندسة العسكرية عام 1982 حين انسحب الجيش العراقي إلى «الحدود الدولية» وتوقع قيادته الميدانية بتحول الأهوار إلى منطقة عسكرية شاملة، شهدت بالفعل فيما بعد معارك طاحنة من أجل السيطرة على حقل «مجنون» الغني بالنفط. وهكذا ابتكروا شركات ظاهرها مدني ولكنها تعمل تحت إشراف وزارة التصنيع العسكري وقد انيط ملف التجفيف وقتها الى حسين كامل الذى تولى مهمة إعداد التصميمات الهندسية لشركة الفرات وتنفيذ السدود لشركتي الفاو والمثنى بما يعادل 180 مليون دولار وفي الوقت نفسه كانت ألوية 65 و 66 و 68 بمساعدة الطيران تقصف الهور ملقية عليه 111 برميل نابالم حسب معلومات أحمد السعداوي فيما كانت مقاومة المسلحين مستمرة في عمق الهور الذي لم ينشف بعد. لقد دخلت الدولة وكوادر حزب البعث بكل ثقلهم المادي والبشري بقوة من أجل تنفيذ عمليات تجفيف الهور وقص القصب والبردي وتهجير الناس وتحويل هذه الجنة إلى منطقة قاحلة وسبخة وبور كما أطلقوا عليها فيما بعد، وساهمت كافة الوزارات العراقية بهذا العمل لاسيما الإسكان والتعمير والدفاع والري والزراعة والنفط والصناعة والتصنيع العسكري والبلديات. وقسموا العملية إلى عدة مراحل أهمها بناء السدود وشق الأنهر الصناعية لرمي الماء في البحر والصحراء.
تكنولوجيا التجفيف
بداية منعوا المياه من الوصول إلى مناطق الأهوار واتفقوا مع تركيا لتقليل منسوبها (تركيا بالأساس كانت تنفذ «مشروعGAP » الذي يتضمن بناء 22 سدا تركيا لغاية 2010 بالإضافة إلى الجفاف الذي ضرب العراق في السنوات السبع الأخيرة من عمر النظام). أما المياه التي كانت تصل إلى العراق فكانوا يحولونها إلى سدود بادوش الذي أنجزته الشركة اليوغسلافية «انجنير بروجكت» وسد بخمة الذي بنته الشركة التركية «إينكا» و سد مكحول في الموصل وما يزيد من الروافد يوجهونه لسدود الثرثار وحديثه وخزانات دوكان ودربندخان. وبالرغم من أن هذه السدود والخزانات كانت كافية لاستيعاب مياه النهرين، لكنهم باشروا بإنشاء سد العظيم لاحتواء أنهر العظيم وديالى إليه لتتولى سدة الكوت السيطرة على مياه الغراف وتقضي على أهوار الخراب و المضدك والغموكة والعوينه والكطينة وغيرها. وبإضافة المشروع التركي للسدود في سوريا تم إنشاء سد طبقة وبحيرة الأسد وجففت إيران جزءا كبيرا من هور الحويزة التابع لها باقامة سد مياه نهر الكرخة عنه لأسباب قالت أنها عسكرية في غضون الحرب، وقيل أن هدفها من بناء سد الكرخة تزويد الكويت بالمياه العذبة عن طريق خط أنابيب.
تكتيف وتهذيب
حسب الوثائق الرسمية للنظام فان خمس عمليات كبرى وضعت لتنفيذ التجفيف نفذوا منها ثلاثا فقط. الأولى تكتيف أنهار الوادية والعدل والكفاح والشرمخية والمسبح وهدام وأم جدي وأنجزت في يوليو 1992 بقطع المياه عن كل الأنهر والأهوار والجداول التي كانت تستفيد من الأنهر المذكورة وكانت الضربة الأكثر وجعا حين تم تنشيف هذه الأنهر بقطع المياه عنها في المرحلة التالية بإنشاء نواظم خاصة على دجلة. وأطلق على العملية الثانية مفردة «تهذيب» ضفاف الأنهار بإنشاء سدود على الأنهر والجداول التي تغذي أهوار العمارة عند الجندالة وأبو الجواتل وأبو عجل، وبذلك حرمت منطقة شاسعة من مياه السقي والشرب. وثالثا، قاموا بتحويل مياه الفرات باتجاه المصب العام (النهر الثالث) في خور عبد الله الواقع في الخليج، بدءا من منطقة الفضيلة التي لا تبعد كثيرا عن الناصرية. وبذلك حولوا المصب العام إلى مبزل يسحب مياه هور الحمــّار أكبر موقع للمياه الحلوة في العالم، حيث كانت الأنهر الصناعية تمر في منطقة أخفض منه لتسرق مياهه من الجنوب نحو البحر. بالتوازي منعوا مياه الفرات بالتسرب ثانية نحو هور الحمــّار بإنشاء سد كبير بمحاذاة الفرات بطول 145 كيلومترا وبارتفاع لا يزيد عن ستة أمتار وبهذه العملية منعوا أي قطرة ماء تصل إلى هذا الهور الشاسع من أنهر عنتر والخايرة والخرفية وغيرها من الجداول. وفي القرنة لم تتكفل خطة التجفيف بشيء، فقد كان الجيش قد أنشأ سد يسمونه «الحماية» يقع ما بين القرنة و«المدينة». وبالتوازي كانوا يبنون سدودا ترابية مختلفة بغية تجزئة الهور وكان مسرحها قرى الصحين و أبو صبور وأم السباح والمكطاع والعبرة وأم الزهدي والعويلي.بمجملها بنوا ثلاثين سدا وهو عدد من السدود لم يبنه أي بلد في منطقة ضيقة ولهذه السدود قدرة تخزين كميات من المياه أضعاف من تحمله دجلة والفرات المكبلتين بسدود دول المسرى.
ري وبزل
وكانت مشاريع الأنهر الصناعية تجري بالتوازي مع السدود وكان المعلن أن هذه الأنهر ستصلح الأراضي الصحراوية وتنقي المياه من الأملاح، لكنها كانت تستدرج المياه إلى البحر فحسب. وتصدرت مشاريع أنهار «أم المعارك» و«العز» و«النهر الثالث» في ذلك الوقت الاهتمام الشديد بشق الأنهر الصناعية التي لم يستفد منها احد لا في العراق ولا في دول الجوار. وعملوا في مشاريع البزل والري للسيطرة على نهر العز في الدلتا المنحصرة بين دجلة والفرات التي كانت تتمتع بمياه جداول البتيرة والعريض والمجر الكبير بفرعيه العدل والوادية ومشاريع أنهار القادسية والوادي والمالحة وأم نخلة وغيرها.
آثار التجفيف
قائمة طويلة من الآثار السلبية والمدمرة خلفتها عملية التجفيف التي لم تكن ذات منافع اقتصادية أو زراعية أو إروائية لكونها كانت سياسية وأمنية جوهرها كبح النبتة وخنق الفراشة وقتل الحياة التي تسير من دون إذن أو مشيئة القيادة التي اعتبرت نفسها عادلة. نتيجتها زوال أكثر من 90 % من المسطحات المائية في الأهوار وتشريد معظم سكان المنطقة وتدمير أكثر من 100 قرية، ناهيك عن آلاف الجبائش والإيشانات التي كان يقطنها «المعدان». تمت ابادة 85 نوعا من الطيور وعدد يقل عنه من أنواع الأسماك التي عاشت في الأهوار، ناهيك عن الكائنات الحية الأخرى وحرمت البلاد من ثروة آلاف الأبقار والجواميس وعشرات الآلاف من رؤوس الماشية واختفى أهم أنواع الرز في العالم الذي تخصصت المنطقة بانتاجه والمسمىب «العنبر» وتلاشت غابات القصب التي كانت تستخدم في الكثير من الصناعات المحلية اليدوية وحتى الأفرشة والمساكن ووسائل النقل ودمرت المنظومة الطبيعية لترسيب المواد الغرينية والأملاح والمواد العالقة في المياه وتم القضاء على إرث تاريخي امتد عمره لأكثر من 5 آلاف سنة عاشت على أرضه ممالك وحضارات وعمق أصيل من سلالات بشرية لا تزال شواهدها مطمورة بين الأشنات. سرنا في عمق هور الحمــّار لساعات طويلة بواسطة السيارة، هذا الهور الذي لا يمكن أن تمخره إلا المشاحيف والزوارق والشختورات ولا يقف عليه كائن حي إلا على الإيشانات والطوافات، نسير به بسيارة وسط الأعواد وقامات البردي المتيبس. لم يرحموا التنوع الأحيائي الفريد ولم يحم أحد الطيور النادرة المهاجرة التي كانت تواصل الحياة طوال الجزء الطولي من الكوكب. وبدلا من عشرات أنواع الطيور والدواجن اختلطت أرضه القاحلة بالسموم والألغام والذخائر المتروكة والقنابل غير المنفجرة ومياه جوفية أقرب للبرك الآسنة. أن عملية الأرض المحروقة التي اتبعها النظام في الأهوار بغية تشريد أهلها وإخلاء المنطقة من المعارضين، أدت الى تسمم وهلاك الأحياء هناك وتسرب هذه السموم إلى شط العرب ومن ثم إلى الخليج. حدثنا شاوي أن ولده جلب مرة عددا من السلاحف رآها على وشك الموت عطشا وجوعا، حملها في كيس وتركها تعيش بالقرب من النهر. وكانت البذرة الأولى التي أعطت الحياة الجديدة للنهر الذي بدأت مياهه ترتفع. يعد هذا مثالا لتآلف الإنسان مع الحيوان في هذه المناطق، الإنسان الذي لم يفضل نفسه يوما على الحيوان في علاقة ود متبادل وعطاء وتضحية منح كل منهم الآخر على مر الأزمنة.
المهجرون
حسب إحصاءات الحكومة الحالية فأن 650 ألف شخص تم تهجيرهم من أهوار الجبائش والحمــّار والفهود وحدها، بينما أكد سيد صادق في إحصاء عشائري يحتفظ فيه واطلعنا عليه في مضيفه أن مالا يقل عن مليون إنسان تم تهجيرهم في مناطق الأهوار المختلفة. والقاعدة التي تعلمناها هنا هي أن المياه تجذب الإنسان لأنها تمنح الحياة لحيواناته وتعطيه فرصة ممارسة شؤونه التي اعتاد عليها بصيد السمك والطيور وتدبر أموره بكفالة من الماء. والبيانات الرسمية أفادتنا بعودة 40 ألفا فقط من سكان الأهوار، لكنها لم تثبت عودتهم إلى أماكنهم الأصلية، التي لا يمكن العيش فيها الآن. لذلك فضل هؤلاء السكن في المدن والنواحي والأقضية القريبة من الهور وامتهان أي عمل يسد رمقهم. ففي تلك الأوقات التي هجروا فيها وشردوا الناس من الأهوار، التجأ قسم لا بأس به منهم إلى ديالى والرمادي وبعض المناطق الزراعية وسط وغرب البلاد، باعتبارها آمنة وزراعية وبعيدة عن جبهات القتال والأهم أنها عراقية حسب الافتراض. عوملوا هناك كما يقول سديري بخت، كالعبيد وكانت امتيازاتهم تقل عن حقوق الحيوان، فلم يسمح لهم بإيجار البيوت ولم يسمحوا لهم حتى المبيت في الفنادق وكانوا يفرضون عليهم «الجزية» ويدفعون أتاوات ولا يستطيع أي منهم تدبير عمل وممارسته إلا بإشراف أحد سكان المنطقة الأصليين الذي يأخذ الأرباح ويمنحه ما يسد رمقه فحسب. هكذا كانوا يعاملون الأهواريين في الفلوجة والانبار وتكريت وديالى وبعقوبة وسامراء، بعد أن قامت جحافل جيوشهم نفسها بإحراق قراهم وتشريدهم حسب نظرية النظام الزائفة التي طبلت فيها وسائل إعلامه بأن هؤلاء مجرد هنود جلبهم محمد بن القاسم معه بصحبة الجواميس من الهند. كانت هذه النظرية العنصرية والخالية من أي مصداقية التي بنى عليها النظام أسسه الفكرية وحججه الأخلاقية لتدمير المنطقة وتشريد سكانها في وقت أثبتت كل الأدلة أن جلجامش كان يصارع الجاموس البري وأن الجاموس في الهور أقدم من عشيرة صدام في تكريت بآلاف السنين، وأن على هذه الأرض وبين أمواجها ترعرعت ممالك وحضارات وخطت ألواح ما زالت تشع علوما وأدبا وشعرا وفنا لا يضاهيه احد في التاريخ وأن الأقوام العربية التي سكنت الأهوار من دون مسميات، كانت قلب القبائل العربية الأصيلة.
عودة الإقطاع
يعود الناس بشكل غير منظم إلى الأهوار. وأسأل صريـّح مجبل الذي تجمع أبناؤه حولنا خلال مقبله علينا حافيا مغطى بالمياه لأنه عبر الجدول «مشيا»، وهو واحد من الناس هنا الذي لم يطلب شيئا لنفسه ويجابه مشكلة في توفير علف للجاموس يقول : لا توجد لدينا «النخالة» (كل جاموسة تأكل 4 كيلوات يوميا منه لكي تمنح اللبن والزبد والقيمر الجيد). لدى صريـّح وعائلته المتكونة من عدد غير قليل من البشر 8 جاموسات تمنحه يوميا من 50 - 80 ليتراً من الحليب (يحسبها بوحدة القياس الكيلو) والكيلو يبيعه بـ 400 دينار (30 سنتا) ولكن هناك مشكلة أكبر من «النخالة» وسعر الحليب. بدأت هذه المشكلة حين حاول النظام السابق فرض سلطته داخل كل كوخ في الهور فقام بتوزيع الأراضي بما فيها من مياه وحيوانات وقصب وبردي إلى زعماء العشائر وصارت منذ ذلك الحين إقطاعيات باسمهم (بالتعبير الحقوقي ملك بدون طابو). واستمرت الحال حتى بعد التهجير، فمن كان يساعد النظام من الشيوخ وأتباعهم لم تطلهم مجرفة النظام وبقوا في قصورهم مشرفين على الأراضي التي يعتبرونها بصمت المؤسسات الرسمية الحالية ملكهم الخاص.
بطلنا صريــّح يدفع لآل حمدان وهم أصحاب الأرض أو كما يسميهم «أبو الديرة» حسب الشرح أعلاه نحو 600 ألف دينار يسمونه " ضمان سنوي " لكي يستطيع أن يبني له كوخا على حافة الهور أو أي نهر ويربي جاموسه. أمثال صريــّح الآلاف من يدفعون لـ «الشيوخ» ما نسميه بالأتاوات، لأن هذه الأراضي والأنهر أصلا ملك عام للدولة وهي أرض العراق وليست ملكا لأحد، لكن قوانين توزيع الأرض التي قام بها النظام السابق لزعماء العشائر حتى يتسنى لهم السيطرة ولجم الفلاحين البسطاء لا تزال سارية حتى الآن من دون أي وجه حق أو مشروعية بالطبع.وبحساب بسيط لحليب جاموسات صريـّح وتكلفة نقله إلى السوق وبيعه وإطعامها العلف فأن آل حمدان يأخذون منه سنويا أكثر من 60 % من عوائد أرباحه ويبقى يعيش بما يتبقي من أموال قليلة، يقول أنه يشتري بها الطحين الذي يتقاسم نخالته مع الجاموس، أما السكر والشاي والرز فقد اعتبرها كماليات، ولدى سؤالنا عن المدرسة وفيما إذا كان أولاده يذهبون اليها، فغر فاه ولم يجب لأنه لا يعلم عن أي شيء يدور الحديث!
العائدون أيضا
وآخرون لم يعودوا من خارج العراق، ولا من داخله بعد تشتتهم في القرى والبلدات وأرجعتهم إلى الأهوار الإشاعات والأنباء ورائحة المياه التي قالوا أنها غمرت مناطقهم. وهذا القسم من العائدين ليس لديهم أي شيء يملكونه سوى مهنتهم وتعلقهم بالماء والحيوان وكلهم من دون مأوى تقريبا وعملوا من القصب الموجود أكواخا مؤقتة لهم.
سابقا كان أبناء العشائر في الهور يعيبون من يتعاطى التجارة وحتى الذي يبيع تمور حقله وكانوا يزرعون الخضار ولا يبيعونها، بينما يضطر القسم الأكبر لممارسة أي عمل دون التوقف عنده لتمشية أمورهم. فصيد السمك والطيور، الذي يمتهنونه، جعل الأهوار أيام عزها تصدر 500 طن من الأسماك المختلفة يوميا لكل أنحاء العراق، بما يعادل 70 % من إنتاج الثروة السمكية في كل العراق، أصبحت هذه المهنة غير متاحة في الأهوار التي وصلت إليها المـياه قبل فترة قصــيرة، فهــذه الأحـــياء تحتاج لمدة كافية لكي تعود إلى حياتها الأصلية. لم تقدم أي جهة رسمية أو مانحة أو متطوعة للعائدين إلى الأهوار أي شيء يذكر عدا الوعود، في حين لا يملك من عاد إلى الأهوار غير ملابسه التي تغطي جسده وقدر وفراش قديم.
دانمركيون وهولنديون
قسم كبير من المهجرين إلى دول الجوار، تم ترحيلهم إلى دول اللجوء الإنساني مثل الدول الاسكندنافية واستراليا وكندا. فقبل تشييع جنازة حجي نهار، التي اشتركت فيها كل القرية التي نسكنها، رأينا الكثير من الصبيان الدانمركيين والهولنديين وسألت سعد القطان كيف استطعت إقناع أولادك بالعودة من الدنمارك إلى قرية العتيبية وما الذي يفعله هؤلاء الدانمركيون الصغار هنا. نظرت إليهم محمد المصطفى وفاطمة الزهراء وعلي المرتضى أبناء سعد كانوا فرحين لمولد أختهم الصغرى بسملة وغير مبالين بمواطنتهم الجديدة ويعدون أنفسهم من سكان الهور. والشيخ منذر سعدون القــطان حير اللجنة الهولندية لحقوق الإنســان التي كانت تريده أن يبقى في " وطـــنه " هولندا ولكنــه طوال ساعتين من النقاش أقنعهم بضرورة عودته إلى قريته ليتزعم عشيرته ويقودها في الظرف الصعب. يؤكد الشيخ أبو عاصم بأنهم لم يفهموا ما كنت أعنيه بزعامة قبيلتي وأني ساترك هولندا لأعيش في قرية على أطراف سوق الشيوخ.
القرى المحروقة
تحفظ ذاكرة الأهوارييون تدمير وحرق أكثر من مائة قرية وسلف (مجموعة البيوت المتحدة على الجبائش) وربما آلاف الايشانات ومن ضمن التي يدونها تاريخ الأرض المحروقة أهلكت القرى التالية من أهوار البصرة : السديدة الصالحة، الدانك، السمانة، الأزرق، ام السباح، السورة وعشرات مثلها وفي الناصرية: العمايرة، البيضة، عبادة، حمــّار، العبرة، آل شمس، العشرين، آل جويبر، آل زياد، آل حرب، آل إسماعيل، العثمان، الخرفية وغيرها وفي العمارة: الصيكل، الشطانية، العويلي، الروازة، القبور، الحشرية، الشطيط، النقارة، أبو شذر، الهوية، وما عداها من قرى أهوار ناحية الإصلاح كالخليوي والرميض ونصرالله و العريثم والكردي وآل نهار واللغيوات والنواصر والعامر والرويمي والبو حسين، وكذلك قرى الدهيش والجبيش والرحال والحسام. ومن قرى الجبائش التي تتكون من 1600 جزيرة: البحر والعوجة والسريحات والمواجد والسماكية والفريح والحدادين والونيس والخاطر، وعدد من قرى ناحية كرمة بني سعيد والمطيرات وآل بو خليفة وآل بو عويد وآل الإسماعيل وآل بو شخير وكرمة حسن والمزالكة والبنج الواقعة في ناحية الطار وقرى آل جويبر التي أعدم النظام الكثير من هذه العشيرة وأفنى وجودها بالكامل.