الثلاثاء، 26 فبراير، 2008

في مقبرة "وادي السلام" المندرس




الصورة من أرشيف المدوّن وليست بعدسته

النجف - د . جمال حسين علي:

فيها، تفكر بأي ضوء نافذ، زائغا على حطام القبور الممتلئة بالعبرات والبيارق المتعثرة الرياح والنذور المأخوذة من فم الرضيع والشواهد الذائب لونها في الرخام، كأن البشر هنا استحالوا أرقاما وصورا لا وزن لها ورمالا مغمسة بلهاث السفينة غير المكتملة لإنقاذ ما تبقى قبل الطوفان بزفرة الرجال العظام الذين يدوس المحاربون على ثراهم، بوفاقهم ودأبهم، بأناقة أشرطتهم الخضراء ومسالك نبوغهم المبكر، هنا يرقدون، أسلمت بأنهم يرقدون هنا الى الأبد، وغدا ستقرأ الرياح ارتجافها على موضع ناصيتك ومنتهاك. فلنقرأ عليكم قبل أن يفوت الأوان، سونيتة الزوال لشدو محافظة القيام والنواح والتحطم قبل الانتهاء في مناهضة الجنائز ما أن يستقيم الوداع على منبر العنوان الأخير في: محافظة الموتى!
الأقدم والأكبر والأكثر
تمتد 'مقبرة وادي السلام' في الجهة الغربية من بحر النجف الجاف الذي يهدي المدينة الحر والبردِ وتعد أول مقبرة في البشرية منذ أيام سيدنا آدم وتستدعي أسماءها الأولى 'الجودي' و 'الغري' حكاية سيدنا نوح الذي تركه ولده واحتمى بالجبل، الذي يعتبره بعض العلماء النجف الحاضرة الآن. وهي الأكبر من حيث مساحتها وعدد سكانها الذين يتجاوزون أضعاف سكان المدينة، بل ومدن عراقية أخرىِ ولا تضاهيها في الكبر وعدد المدفونين سوى المقبرة الصينية.وأكثر المقابر 'طبقية'، ففيها تشيد مراقد كبيرة تفوق حجم القصور، فيما لا يجد الفقراء مترا يدفنون فيه، فيلقون بهم في أحوال كثيرة خارج الواديِومساحتها غير محددة، ولعلها تقاس بكيلومترات الموت وأعداد الزائرين، ذلك العدد الذي يتفاقم مع اشتداد الخطوب والحروب التي لا تريد الانتهاء في البلاد، كما أنها تستقبل يوميا أعدادا كبيرة من الموتى، ليس من داخل العراق فحسب، بل من إيران والكويت وباكستان ولبنان، وعدد آخر من البلدان التي يقطنها الشيعة.
العذاب أهون
ويصر الشيعة على الرقود بالقرب من الإمام علي، ليشفع لهم ويخفف عنهم عذاب القبر ولكي يرافقوه في ليلة الحشر، سائلين إياه الثواب بعد حلول القيام. ولهذا حملت جثث سلاطين وشاهات وملوك وأمراء ووزراء وأولياء بناء على وصاياهم لتدفن هناك مثل عضد الدولة البويهي وولديه شرف الدولة وبهاء الدين وفيروز أبو النصر (بهاء الدولة) والوالي بدر بن حسنويه والشاه عباس الأول الصفوي والسلطان محمد القاجاري والملك كيومرث والسلطان محمد حسن خان والملك حسين قلي خان والملك عز الدين عبد العزيز و الملك عز الدين الأصفر والإمبراطور الشهير تيمورلنك والكثير من ملوك مصر (الفاطميون منهم خاصة) وملوك إيران وأمراء باكستان وأذربيجان وطاجيكستان والهند.
سكون المراقد
وفي ال 1383 كيلومترا مربعا فقط وهي مساحة النجف، يرقد الأنبياء والأئمة، كالنبي هود والنبي صالح والإمام علي بن أبي طالب والإمام زين العابدين ومقام محمد بن الحنفية ومقام رقية بنت الحسن والعديد من أصحاب الإمام علي: خباب بن الأرت، الأحنف بن قيس، جويرة بن مسهر العبدي، كميل بن زياد النخعي، سهل بن حنيف وغيرهم. وتورد بعض المخطوطات وكتب الزيارات ومدونات الرحالة كابن بطوطة و سيدي علي التركي في كتابه 'مرآة المماليك' بأن السادة الأنبياء آدم ونوح وشمعون مدفونون في النجف، غير أن الجدال التاريخي يكثر حول هذا الأمر. ولا يقر المسيحيون بذلك، فقد قام البريطانيون في أول دخولهم الى النجف بتحطيم مراقد النبيين هود وصالح، فيما تركوا النبي (الكفل) الذي يبعد عنهما ويؤمه ويزوره ويتبرك به يهود النجف (عاش الكثير من اليهود في النجف حتى أن حيا كاملا أطلق عليه 'عقد اليهود' كانوا يسكنون فيه).ويرقد في المقبرة علماء وشيوخ طوائف لا يتسع المقام لذكرهم جميعا.
أدب القبور
لو تسنى لأحد جمع كل الأشعار المكتوبة على الشواهد، لمدينة كل سكانها ينظمونه، لحصلنا على واحد من أثرى الآداب في الإنسانية والذي لم يتنبه إليه أحد والذي يمكننا أن نسميه 'أدب القبور'. ويمكن للسارحوالشارد والغفلان، قراءة أشعار قوية للغاية، بلغات من دفنوا فيها الفلسفة والدين والمنطق والفكر والبلاغة والصور الشعرية العميقةِ كتبت على أحجار الشواهد الرخامية منها والمرمرية، بل نحتت وزينت بألوان لا يمكن للزمن مهما طغى، محوها ولا التجرؤ على الاقتراب منها.
مقابر الشهداء اللانهائية
شواهد الحقيقة وهوام الحياة النابضة بالموت، بوخزاته ومنبته، بالأسئلة التي تجهز على المشاعر وتتواطأ مع الخيبة والفراق بلكنة الأقدار ما أن تخط: مقبرة الشهداء. وإن لم يكف الموت عن حصدهم يسمونها الأولى، لكي يخطوا من جديد مقبرة الشهداء الثانية، وقد تكون الخاتمة على السكون المنفلت للنادبات حظوظهن لحظة ولادتهن هذا الكم من الشبان القتلى، فلا أهمية للرقم واكتبوا: مقبرة الشهداء الثالثة،، ليصيح الديك على قافلة من الفتيان المحمولين والمقمطين بالعلم، زد الرقم، زد عليه، إلى أن يضيع الحساب.
شبكة السراديب
تميز النجف ببناء الأقبية والسراديب يعود الى مناخها الجاف الهاب عليها من بحر النجف، فالحرارة تشتد صيفا بشكل لا يطاق، وفي الشتاء يكون البرد قارسا جداِ لهذا السبب بنى النجفيون السراديب لأنها تحافظ على درجة حرارة ثابتة نسبيا، بطريقة بناء وتصميم جعلها باردة صيفا دافئة شتاء. وانتقل التقليد الى المقبرة أيضا، لأن الله سبحانه وتعالى كون جيولوجيا المقبرة فجعل طبقتها العليا رملية فيما السفلى رملية صلبة تسمح بحفر اللحد عموديا ومنحها العلي القدير، مناخا جافا خاصا جدا لمنع العفونة وتسرب روائح الموت وأهداها نسيما عبقا جعل الأهالي يتجولون فيها من شدة عذوبته. وتحولت 'نزهة القبور' الى تقليد شبه يومي، يقرب الناس من موتاهم ويجمع الأقرباء المشتتين في مدن أخرىِ فمثلا، عندما يزور الناس في البصرة أو الديوانية أو الكويت، قبور أقربائهم، فهم في البداية يتوجهون الى الأقرباء والمعارف الأحياء لإلقاء التحية عليهم أولا، وهؤلاء الأحياء يصطحبونهم فيما بعد الى قبور الأقرباء المشتركينِ وهذا عرف لأهل النجف، فلا يتركون الغريب القادم إليهم يؤدي الزيارة وحده، لأن في ذلك عيبا كبيرا، ويتحتم عليهم الزيارة وكسب الثواب الذي يعدونه كبيرا وأجرا وواجبا تؤجل بموجبه كل الأعمال والمشاغل الدنيوية. أما الدفانون، فيعرفون الموتى أكثر من أقربائهم، يحفظون أسماء كل السكان، وما أن تقول له اسم الميت ورقم القطعة المسجى جسده فيها، حتى يدلك خلال لحظات على الذي سبقك الى الموت. زحام الأقرباء عند القبور، جعلهم يعتنون بالمساحة المخصصة لهم، فبنوا فيها الديوانيات وأوصلوا المياه والكهرباء إليها وتجد هناك المطابخ وغرف النوم، كالبيوت تماما، ويمضون أحيانا هناك عدة ليال، يبكون وينوحون ويصلون، ومن ثم يخرجون من وادي الموت الى الحياة مرة أخرى.
وادي الحروب
اعتقدنا، أنها توطئة ضرورية لاستيعاب وفهم أسباب اختيار المتمردين والأطراف الأضعف تقنيا وعسكريا، مقبرة وادي السلام طوال التاريخ والتجائهم إليها عند اندلاع المعارك والعمليات العسكرية مع الأطرافالأقوى دائما. فحصار النجف الذي امتد 40 يوما والذي فرضه الغزاة البريطانيون مطلع القرن الماضي، لم يفككه غير المقبرة، وتناولتها اشتباكات عديدة ابان الاستعمار البريطاني، وعاش فيها لاجئا، هاربا الكثير من السياسيين بعد بطش أنظمة الثوار التي تعاقبت على العراق، لغاية الانتفاضة المجيدة في 1991 التي شهدت فيها المقبرة أعنف المعارك بين المنتفضين وقوات الحرس الجمهوري. لقد زحفت الألوية المدرعة للحرس وسحقت دباباتهم القبور في تلك الأيام بمناظر لا يمكن أن تعيدها أحرف ولا عبارات، ووصلت بهم الحال إلى أنهم كدسوا تلالا من الشواهد والرخام والأحجار والصور والبيارق لقبور سووها مع الأرض. وأدرك الطاغية ما لمقبرة النجف من دور في انتفاضات قد تحصل وملاذ آمن للمعارضين، فقرر 'تكريمها' بشق شوارع عريضة داخلها، لم تكن سوى محاولة للسيطرة عليها، فقد كانت الشوارع الرئاسية مخصصة لمسيرالدبابات والمدرعات ولم يخطر بذهنه أبدا شقها لخدمة زوار المقبرة.
في الزمن الديموقراطي
الذي فتحت فيه الحدود والجيوب، تحولت المقبرة الى مرتع لكل من دب على أرض البلاد، فكانت النعوش تحمل البنادق والقذائف وما ملكت أيديهم من سلاح بغير حساب، وتناثرت الأنباء من كل حدب عن استقرار'الأجانب' بكامل عددهم وعدتهم وأجهزتهم، ولم يسأل أحد وقتها، ما الذي يجبر هذا 'الزائر الأجنبي' على السكن في المقبرة مع هاتفه الفضائي وكمبيوتره المحمول؟! كان الرسميون العراقيون يصيحون في مناسبات عديدة وينبهون، وكانت الدول المعنية ترد بأن هؤلاء 'ليسوا سوى أناس بسطاء قصدوا النجف لأداء الزيارة'.
حمى القبور
لغاية اليوم الذي بدأ العالم مجددا يعرف اسم المقبرة الأولى على أرضه ويرددها كنغمة إخبارية أولى، بعدما استخدمت القوى العظمى وحليفتها إسبانيا كل ما لديها من قوة لدك المقبرة التي تحصن فيها عناصرجيش المهدي في القصة المعروفة للجميع. لم تنفع معهم، على الرغم من كثرة الضحايا، الوسائل العسكرية والقصف العادي، حتى استخدم الأميركان في معارك أبريل ومن ثم في مواجهات أغسطس الدموية أبشع قنابل التدمير الشامل وهي العنقودي! ليس اتهاما ولا ادعاء على المحررين أبدا، فبأوامر منهم والحرس الوطني حذروا من زيارة القبور لامتلاء المقبرة بالعنقودي غير المنفلق. وستمر السنون، كما الحواكي، لتظهر علينا قنابل المحررين والمتمردين لتقض نومتنا الأخيرة، وتنسف من تسول له نفسه ويقرأ الفاتحة على عظامنا المنخورة.