الجمعة، 29 فبراير، 2008

كرمة الكلمة


المنامة - د.جمال حسين علي:


الاسماء والاقلام والكراسي والوجوه نفسها المقص والهراوة والمحبرة ذاتها، لم يطرأ اي تغيير على ما فعلوه او الذي خطوا نحوه، لكنه الغموض الذي تتبناه الجمل السهلة.. الانزلاق في فهمها وحجابها، والعبارة التي لها معنيان، عادة ما تشبه خط النار، تهرأ الحب حين يصبح حربا. ولم لا، فلنتحدث عن لعبة الاحرف ومساقطها وسوء فهمها والتلاعب بها في خضم مهنة ليس لها صاحب، سوى الناس الذين ابتلوا بالتسمية المفروضة عليهم: القارئ. طرفا القضية الآمر والمامور، الشجرة بأوراقها وثمارها ومن يحشها ويشذبها ويهذبها، والشجرة ان انطلقت في رحاب الطبيعة لا تحب المقص ولا الجرافات ولا السماد الكيميائي،، الشجرة خلقت لكي تحلق باغصانها وتلم الطيور بين اجفانها، هذا كنزها ومآلها، رحابتها واصابعها المفتوحة نحو الشمس. ولو اعطي لكل خباز تنوره، لما طفر احد على مقام آخر، ولما اختلت دورتنا الدموية، ولا كان معنى لمثل هذا المواضيع، لكنها المشاجرة بين الفأس والشجرة والمطرقة والسندان والسيف والدرع والحبر والغبار، لعل التاريخ ينعم بالراحة فعلا، لمثل هذه المشاجرات، وهو المولع باطفاء الرمضاء بالنار والريح بالهوجاء. لنغص في اعماق من لا يهوى الحسيب والرقيب، كما الندى في قمة وداعته ولابد الانحياز مهما كلف الامر للاطيار، فهي وحدها الناقلة لنا ومنا والينا فلهم جميعا نقدم هذا التحقيق، لكل زملاء المهنة الذين بهذلتهم القرارات.

اللوح العام
حين اعلنوا قانون الصحافة في البحرين قالوا حوله انه 'يهدف لحماية الصحافة' ويؤكد على 'استقلالية الصحافة' وعلى ان 'مسؤولية الصحافيين تقع فقط امام القانون'، ونص على 'حق الصحافيين في الحصول على المعلومات ونشرها'، اما الذين يسيئون الى الصحافة فسيتعرضون ل 'الملاحقة القانونية'.. وهنا وصلنا الى مربط الصحافيين: الملاحقة!فحسب خبرتنا المناسبة، لم نلمس قانونا حتى في الولايات المتحدة يحمي الصحافة او حماها فعلا، لسبب بسيط ان الحرية لا تمنح بقرارات وفوق ذلك كما قال اكتوفيو باث: حرية مشروطة. والشروط بانت بعد التعديل الذي قام به مجلس الوزراء وتصريح رئيسه الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة الذي حدد الشرط الرئيسي المقصود بالحرية المشروطة بقوله: 'ان الضوابط التي اشتمل عليها قانون تنظيم الصحافة والطباعة والنشر لم تأت بهدف التضييق على حرية الصحافة بقدر ما تهدف الى حماية الصحافة من الاستغلال السيئ للحرية'. و'الاستغلال السيئ للحرية' تمت ترجمته بلغة مفهومة اعترضت عليها جمعية الصحافيين البحرينية بالطبع لان عقوبتها 'السجن' الذي نص عليه القانون الجديد ورأت ان ثمة تناقضا حول حرية الكتابة، ناهيك عن عودة الرقابة على الكتب. وبذلك سيسجن الصحافي لمدة لا تقل عن ستة اشهر لو اقترف الذنوب التالية التي حددها القانون: - التعرض للملك. - التعرض للدين. - التحريض على قلب نظام الحكم. - اي جرم يهدد امن البحرين. وتبقى الممنوعات الاربعة التي تؤدي الى سجن الصحافي مفتوحة على كل الاحتمالات، فلم نفهم الجرم الذي يهدد الامن، او التعرض للدين، انها عبارات طالما اوقعتنا في المهنة بمزالق التفسير المزدوج او المكعب. وقد يلعب معها الاجتهاد وتشابك اللفظ وما بين السطور لعبته الفذة.

اللجوء إلى القضاء
وما دام الحديث يدور عن السجن لابد العثور على محام يفسر لنا اسباب وظروف زج الصحافيين بالسجن والطرق القانونية التي تبنى عليها مثل هذه الدعاوى. تقول المحامية فاطمة الحواج في هذا الصدد، ان 'كل شيء ينبغي ان يرجع للدستور لانه الوحيد الذي ينظم شؤون الدولة ومؤسساتها'. ودخلت في موضوع قانون الصحافة الجديد بقولها 'نحن والصحافيين اكدنا على عدم تضمين القانون الجديد نصا يجيز حبس الصحافي، لانهم مراقبون للسلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية وهم العين الساهرة على الاعمال التي تصدر عن الجهات الثلاث، لكن الذي حصل ان قانون الصحافة في المادة 81 ذكر بداية انه لا يجوز حبس الصحافي احتياطيا لكن المادة 365 من قانون العقوبات تحبس الصحافي ثلاث سنوات وتغرمه 500 دينار بتهمة السب والقذف لو تعرض لها موظف عام وتخفف العقوبة لو تعرض لها شخص عادي.لكن قانون الصحافة اشار الى معاقبة رئيس التحرير، والكلام لفاطمة الحواج، لو ارتكبا اي صحافي يعمل في مؤسسته، مخالفة ما، معتبرة ذلك مخالفا للدستور لان الجريمة اذا كانت شخصية، لا يجوز معاقبة رئيس التحرير على ما ارتكبه شخص آخر. وبالمناسبة هذه تشريعات قديمة في الدول العربية تم الغاؤها، لكننا في البحرين ما زلنا نسير عليها حتى في قانوننا الجديد. واعتقد ان المحكمة الدستورية ستلغي هذا النص. لكن المحامية الحواج اشارت الى ان بعض الصحافيين في البحرين بعد الحرية الكبيرة التي يشعرون بها والتحولات الديموقراطية في البلاد، تمادوا قليلا في الالفاظ التي يستخدمونها، لذلك نجد ان 70 صحافيا تمت معاقبتهم بعد هذه التحولات وفي غضون فترة قصيرة نسبيا لا تتجاوز السنة، هذا عدد ليس هينا قياسا لبلدنا الصغير وعدد السكان والصحف في البحرين. وتساءلت الحواج:'لماذا علينا الدخول الى المحاكم بسبب الصغيرة والكبيرة؟'. ومع ذلك ترى المحامية ان قانون الصحافة يقيد الصحافيين وتميل الى الغرامة كونها عقوبة ايضا. وهناك المادة 42 منعت التعرض للملك والعلم والشعار وعاقبت الصحافي بالحبس الاحتياطي على ذمة التحقيق، لذلك نصحت الحواج كل الصحافيين البحرينيين الابتعاد وعدم المساس بهذه الامور الثلاثة.
دور البرلمان
يعتقد النائب السابق في البرلمان عبد النبي سلمان ان دولة كمملكة البحرين تتوجه نحو الاصلاح والحريات والديموقراطية والانفتاح السياسي تحتاج تشريعات جديدة، فحرية الصحافة، برأيه، يتم التعامل معها بنفس عقلية وذهنية قانون امن الدولة وهو واضح بشكل يومي ليس آخرها ما حصل في 'ربيع الثقافة'، فلا يوجد مجتمع يمكنه التطور في ظل تحديد الحريات وخاصة حرية الصحافة. ففي فترة السنوات الخمس الماضية التي اعقبت صدور الميثاق كان هناك نهم كبير في الشارع البحريني والصحافة البحرينية من اجل تأسيس لبنات جديدة للحرية وهذا مؤشر جيد على ممارسة الصحافي حقه الطبيعي في الحياة والتعبير. فلا يمكن ان نؤسس دولة ديموقراطية حقيقية في ظل غياب حرية الصحافة. وضرب سلمان مثلا على تقييد الصحافة بقوله ان ثمة تعميما صدر من جهة رسمية منع النشر في قضية معروفة للجميع، الامر الذي ادى الى الغاء دور الصحافة، علما بان الجهة التي اصدرت التعميم هي تنفيذية، لقد الغت هذه المؤسسة كل شيء تحدث عنه 'الميثاق' و'الدستور' الذي تؤكد المادة 23 فيه على حرية الصحافة والرأي، فكيف يحدث لدولة تسير نحو الديموقراطية وتنطلق نحو المستقبل ان تسمح لنفسها بتقييد الحريات بتعميمات يصدرها وزير وجد ان من حقه اصدار قيود على المجتمع.. من يستفيد من هذه العشوائية في التعامل؟ من خلال عملي في البرلمان، يقول عبد النبي سلمان، ان دور الكتل النيابية والجمعيات السياسية بالتحديد كانت بالفعل تسعى بكل ما اوتيت من قوة ان تحاصر حرية التعبير والصحافة ولا تؤمن بها، بل هي لا تفهم دور الصحافة في بناء مجتمع اصيل ولا تفهم ماذا يعني المجتمع العصري الذي نتحدث عنه. هناك تخلف حقيقي في فهم هذه الكتل التي تحتل مركز الصدارة في مجلس النواب الجديد ايضا. لذلك نتوقع اي ممارسة من هذه الكتل والالاعيب من اجل تقييد الممارسة الصحفية.
ممثل الصحافيين
نائب رئيس مجلس ادارة جمعية الصحافيين عادل مرزوق قال اننا في الصحافة نفعل ما نريد ولتفعل الدولة ما تريد ايضا. لقد اراد البحرينيون من الصحافة ان تكون اكثر فاعلية وقدرة على مساعدة مؤسسات المجتمع المدني في البحرين لغرض الوصول نحو الهدف الرئيسي: دولة المواطن والمؤسسات ودولة الملكية الدستورية بحق، الا ان مزاج الدولة جراء ما صدر من ممثليها من اخطاء فادحة اعاد السمة المعروفة لها وعلى هذا الاساس سنت الحكومة قوانينها وبدأت ممارسة ضغوطها المباشرة وغير المباشرة ومن هذه الزاوية بدأت تكون المواد الخام للعودة بالصحافة البحرينية صوب الصحافة الرسمية وصحافة العلاقات العامة وصحافة التسويق للدولة عبر اقصر الطرق واكثرها استخفافا باذهان القراء.
خيمة الأحزاب
وعن دور الاحزاب والجمعيات السياسية قالت زينب الدرازي عضو الهيئة المركزية لجمعية العمل الوطني الديموقراطي بانه في الوقت الذي تسعى الدول المتقدمة ديموقراطيا لمنع صدور قوانين تحدد حرية الصحافة نجد اننا نصدر كل يوم قانون يحدد هذه الحرية. الامم المتحدة في قرارها 89 اعتبرت ان حرية المعلومات حق اساسي للانسان. في الاربعينات مثلا، وبالرغم من ان البحرين كانت تقع تحت الاحتلال الاجنبي، الا ان الصحافة فيها كانت تختلف عن صحافتنا اليوم، وكانت تبذل كل جهدها من اجل التعبير عن معاناة الانسان البحريني. ولكن بعد حل البرلمان في مطلع السبعينات فقدت النكهة التي تعودنا عليها. واضافت ان الصحافة الحزبية في البحرين ممنوعة بالشكل الذي نراه في العالم المتقدم وثمة رقابة شديدة عليها، والموجود هو مجموعة من النشرات الشهرية تصدرها الجمعيات السياسية، ومع ذلك يمنع بيعها.
حقوق الإنسان
عبد النبي العكري عضو الجمعية البحرينية لحقوق الانسان وناشط حقوقي تحدث عن حرية تداول المعلومات في البحرين مستشهدا في هذا الصدد بما حصل عند اقرار ميزانية الدولة باعتبارها المال العام وتوزيع الاراضي وهنا فالصحافي مواطن له الحق في الحصول على المعلومات بالاضافة الى ما تفرضه مهنته عليه من واجب لمعرفة ما يحصل في مثل هذه المسائل الاساسية، لكن مثل هذا الامر لم يحصل، فهو لم يطلب اسرارا عسكرية او استخبارية.
شهادات صحافيين أحيلوا إلى المحاكمة
بتول السيد - صحافية في جريدة الايام: قضيتي بدأت في 9 نوفمبر 2004 عندما كنت اقوم بالتغطية الصحفية في البرلمان مندوبة لجريدة 'الوسط' وكانت هناك مشادة بين بعض النواب بسبب خلاف حول اصدار بيان يندد بالانتهاكات الحاصلة في غضون معارك مدينة الفلوجة العراقية. لا اريد الدخول في حيثيات هذه القضية التي انحرفت بشكل طائفي لكنه تم طردي من البرلمان ومنعوني من التغطية واستمر رفع القضية في المحاكم لغاية 16 يناير من هذا العام حيث برأتني المحكمة من الدعوى التي وجهها عضو في البرلمان ضدي. ذلك يثبت ان الصحافة تبقى ابقى ولا ازال اواجه هؤلاء النواب الذين سببوا لي محاكمة استمرت اكثر من سنتين ولا ازال اغطي ما يجري في جلسات البرلمان واعلم انهم لا يريدون رؤية وجهي كما قالها صراحة رئيس المجلس آنذاك.محمد السواد واحمد العرادي - جريدة 'الوقت': القضية لا تزال مستمرة وتم الافراج عنا بضمان محل الاقامة. بدأت حين نشرنا من خلال مصادرنا الخاصة تقريرا صحفيا يخص تطورات ما يسمى 'ملف البندر'. وكان هناك تعميما من احد الجهات يمنع نشر اي شيء بخصوص هذه القضية، وذلك حسب رأيهم لضمان امن التحقيقات، فيما هناك الكثير من القضايا لم يتم منع التطرق اليها او نشرها وايضا لم يراع احد سلامة ونزاهة وامن التحقيقات، الامر الذي يجعلنا نشك في ان من منعنا من نشر تفاصيل تخص شهودا واسماء استدعوا للتحقيق، يحاول طمس حقيقة هذا الملف الذي شغل الرأي العام عندنا طويلا ولا تزال تداعياته ليومنا هذا حيث قضيتنا ينظر فيها القضاء.