الجمعة، 29 فبراير، 2008

أيام الألق في نجمة الخليج .. الغائرة في النقاء (1)


المنامة - د. جمال حسين علي


الأسطورة التي تدعي ان مياه دجلة والفرات تغذي عيون البحرين، ذاتها التي ألقت بنا في مغامرة جديدة للتفكير أكثر في ما تخبئه الدنيا في النأي الذي يلفه الماء من كل صوب.إنها البحرين أخيرا، التي جابت أحاديث الطفولة لأجيال مسترسلة من البصرة، فلا يوجد عاشق بصري، تنبه لشيخوخته مبكرا، الا وأحب فيها. يا لها من نشوة! مراقبة العابرين ورؤية شعب حي ، يا للجمال حين تكون وسط شعب مركز ضارب العمق كأنه إبصار ورفرفة مخطوطات وجذب حواري وانقضاض على المعرفة وتوضيح للصدمات التي لا تكل. وبينهم تعبر من حفل لمأتم لأنشودة لمذاق كلمة مرصعة لسقف حلقوم جفت فيه منذ دهور رؤية مناكب رجال ونور نساء لا يغالين امتطاء الامتلاء، ذلك الدفق الحبيس بالوهج.ويا لروعة الأيام في البحرين حين تشفيك من علل الأسئلة وضياع الترقب، حين يبعث كل شيء حولك مؤانسة الأرجوان وما فقدته مما يسمونها الحياة، إنهم اذا، أولئك الناس الذين يردون أمانة ما ضيعت وشردت من أجله، يتراصون، بغية تثبيت مواضع عينيك وفرش الروائح بمقدمك، وهم الرشيقو الصمت ورماح الغضب ان شب لأي سبب، وهم المأوى والسبيل والمتمسكون بحقهم أينما يقبع. وان صمتوا فان أضواء براكين تنبعث من عيونهم ووشاح ان هزك التعب ومالت بك الأيام نحوهم، هم الشجرة الصامدة في عالم زائف، وأيام صيف منسلخ من صقيع، وحضن ألم يسع المجرة وصمامات تنظير ورؤى أفكار لا تنضب، ونهش لزحام طارئ وصعود سلم من رقبته المقطوعة، مخالب مطمورة في جزر لم يفسح لها الطوفان تلوالآخر، أن تقف ولو للحظة لتزكي نفسها كتبا وأجرانا ونفائس وأطيافا وحجرا.. كل ثغرة فيها تاريخ وكل قبضة كف من رمالها وميض انسانية جفت عروقها هناك، وبالذات هناك، حيث فتحت صوانها وأبهرت بزينتها ملاذ شمس لم تغب عنها.فلنشد الرحال اليها ونفتح أبوابها ونمسح عن أحجارها بعض التألق بنسق فوضاها التي أمست نظاما، كأنما نغمرها بفسائل كلمات جديدة، هي أرث ودين علينا نحمله من أوقات الطفولة، تلك الأزمنة التي كان يحلو لشيوخ العائلة التجمع حول موقد بصري، ينيرون فيه كلماتهم، عن تلك البحرين التي أهدتهم الاطلالة والنبع والعشق الأول، الفريد.. والخالد.
اللغز الأول
كأنه المنعطف الذي لم يستطع الاجابة عنه أحد حتى الآن: لماذا الأموات في البحرين أكثر عددا من الأحياء ؟! منذ الأوقات التي أزهرت بالبساتين والحدائق وزارتها كل السفن التي مرت بها، وان ذكرت في الألواح السومرية بهيئة دلمون مرورا بالجغرافيين اليونانيين والعرب وكتاب سير الملوك، الا أنها تبقى محافظة على قبور أكثر عددا من البيوت!تمر الرياح كل يوم لتسلم على القبور القديمة بأجزاء غبار، وتندفع ضالة بين ممرات القرى وأزقتها المتعرجة، مذكرة الأحياء باستقرار الأموات في أماكنهم، ملبية رغبات أسهم الهواء، جاثية عند أضرحة الأوائل المثقلين بالأمنيات التي لم يتحقق أي منها، ومن خلال قطعة لكأس مندثرة، يمكن للعابر رؤية ادهاش آخر، لسلسلة أكف تحمل بيارق تتموج عبر حافة الكأس العتيقة بألوان كل العصور التي مرت والتي ستمر من هنا.
مملكة الجزر
وكقطرات مطر تسيل من المجرة، تتوزع جزرها غريزيا بين أركانها في تكاتف ربى تجعل البحر فيها أنقى من دموعها، يضربها جيشان أقوام مروا فيها أونزحوا اليها أومستقرين منذ ظهور النبتة الأولى.بمطلعها وأبهتها تنغرز 'المحرق' في كبد البحرين، جميلة في كل ميعاد، مزدانة بقصورها التاريخية ومبانيها التراثية وامتهان المرجان وخوذ الجص وإحكام النورة وأردية الجبس ومآرب الأبواب الخشبية التي تدمج كل لحظة في التاريخ الذي أينما تحل هناك تجده يجلس الى جوارك.و'حوار' التي يطمح أهل نجمة الخليج في جعلها: جزيرة الأحلام بعد 15 عاما، حسب توقيت براين دايت صاحب مشروع تحويل الجزيرة الى حلم، يمكن الوصول اليها بحرا في الوقت الحاضر حيث افتتحت فيها بعض الفنادق والشاليهات كلفة الأولى 40 دينارا في الليلة والثانية نصف هذا المبلغ.ومن بين ثلاث وثلاثين جزيرة تؤلف البحرين، تبرك جزيرة 'أم نعسان' كناقة يجرف وجودها جزيرة 'أم الصبان' المحافظة على نخيل الزمان الجميل التي تنافس نخيل جزيرة 'النبي صالح' السارحة نحوالبحر.
الجزر الصناعية
تعاني البحرين من صغر مساحتها، حيث يشكوالجميع هنا من عدم وجود أرض!لقد استحوذ من نجح في ذلك على أراضي المملكة ولم يبق شيء لعامة الناس ولا للأجيال القادمة وقضية الأرض ربما ستكون واحدة من قنابل كثيرة موقوتة في البلاد.يشير من تحدثنا معهم الى أصحاب نفوذ بعينهم، هوايتهم استملاك الأراضي، وترك الناس يبنون السقف على السقف الى ما لا نهاية.هي معضلة الصديق الكاتب والصحافي علي الديري الذي يخطط لفتح ملف سؤاله الرئيسي أكثر من معقد وصعب ومختصره: كيف تم توزيع وامتلاك الأراضي في البحرين؟والسؤال ليس أقل من مشقة مشروع حكومي انطلق بتكلفة مليار دولار واجبه بناء جزر صناعية. غير ان هذه الجزر ستطفو بفلل وقصور وشاليهات وفنادق، كما عرفنا، ولن تضجر بزعيق المسحوقين ومركباتهم القديمة ولافتاتهم المشاكسة ومواكبهم الحسينية، انها في كل الأحوال جزر ستبنى للسعداء.
دفن البحر
وبمناسبة الجزر السعيدة، شدد على مسامعنا بعض البيئيين وسياسيين يحلو لهم انتقاد الحكومة في كل ظرف وكذلك عامة الناس بأن الجهود قائمة على مصراعيها لدفن البحر!لم نفاجأ بمثل هذا الأمر الذي لمحناه وصورناه في امارات مجاورة مثل دبي التي بنت جزر النخيل، وفعلنا الشيء نفسه بزيارتنا للبحر المطمور، فوجدنا ان الحال قد تطور كثيرا وثمة كيلومترات امتدت بها اليابسة وأطلت عليها مبان وعمارات ونجحت حتى في لم زبالتها وشوارعها المتعثرة.حين صورنا هذه المباني التي كانت بحرا في يوم ما، كانت مجموعة من النوارس تتجمع في خليج توبلي، راسية على القمامة الطافية، لم تمنحنا قصيدة جديدة، الا أنها حملت غلظة الحياة التي لم تعرب عن أسفها لتلك النوارس التي ضاعت أصواتها في تلاطم أمواج ماضية حلت بركات الزبالة جاحظة تحتها مبددة حصنها الوحيد.
عيون السمك
لا تزال دور تجار اللؤلؤ المرصعة بالخشب الذكي تطل على البحر، المهنة التي انسحبت نحو غموض البحر، متموجة، شاردة معه، والتي ان أردت ان تذكر شيئا ما تصدره البحرين بهيبة سيطل عليك لؤلؤها الشديد النقاء، الذي ذكر في أكثر من مدونة تاريخية وتجملت به نساء من حضر مع الاسكندر المقدوني ومخطوطات الرومان وقصائد من مروا بهذه الأرض ومأثورات الأدب الهندي.ولا يشك الانثروبولوجيون في أن اللؤلؤ الذي تناغم في حضارة وادي الرافدين كان مصدره دلمون: بياعة اللؤلؤ للمستقبل! وطوال القرن الماضي كانت مئات السفن تنهمر على البحر بغواصيها ومناداتها وأغانيها وتوادها وتراحمها الممزوج بأصوات الباعة الذين لا يمهلون الزائر والناظر بذلك اللمعان الذي لا يضاهيه نور.
صباحات المنامة
لا يزال سوق المنامة القديم محافظا على انسياقه، وقنواته المتفرعة. وهو وان كان سوقا حقيقيا، لم يقتصر على التجارة، وتعدى التزامه التقليدي ليضم أجناسا مختلفة أثرت تنوعه الثقافي. يحتفظ السوق حتى الآن بتعدديته، حيث تجد هناك الكراشي ( الايراني حسب التسمية المحلية) والهندي والباكستاني والأحسائي ولكل نمطه ونوعية تجارته. هنا كل الثقافات والروائح وأفضل صناعي البشوت وأول العجائز وأقدم الأسطوانات وأعرق المسبحات وأكبر مأتم في البحرين، إنه سوق مفتوح لكل المجموعات الأثنية التي تعاقبت عليه، تستطيع تناولهم مع الافطار قبل الثامنة صباحا حيث يبدأ صباح المنامة في توقه، نائيا هذا السوق عن المنامة الأخرى بفرقه المختلفة، لا سنة ولا شيعة ولا سيخ ولا هندوس ولا بوذيين، هم أصحاب السوق وعمود عائلته الكبيرة وحين تجلس مع أي فرقة منهم ولو لدقائق ستكون مثلهم، تقليد مرعي منذ سنوات أناشيد الصيد وأيام الشوق الفائض بالعبرات.
حمى الفورمولا
بيعت أكثر من 100 ألف تذكرة، ولكن الذين سيحضرون في مدرجات المضمار أقل من هذا العدد بكثير جدا.حل هذا اللغز الأخير لم يكن صعبا على الصديق الكاتب والصحافي عادل مرزوق الذي فككه لنا كالتالي: شراء تذكرة الفورمولا تمنح الأجانب فيزا مفتوحة للبحرين من 1 - 14 أبريل من كل عام. وهذا السماح الأخضر يجذب آلاف الفلبينيات والصينيات وفتيات ما كان يسمى الاتحاد السوفيتي وبنات الأمة العربية للمثول في المراقص والديسكوات لأداء واجبهن في غضون أسبوعين من الحرية. بمعنى أن تذكرة الفورمولا هي تأشيرة العبور والبقاء، حسب مواطن ضعف وقوة المكان الذي سيأوون اليه.وهناك من يسهل لهم تأدية خدمات لأجانب حضروا من كل أصقاع الدنيا. فهو اذا موسم للمرح والهوى وليس لمحركات السيارات الحديثة فحسب، حيث امتلأت الفنادق كلها، وزال الضيق الذي ألم ببهجة المدينة وستزال كل الفوارق في حمرة الليالي المديدة ببركة الفورمولا. وحمى السباق ليست بالفنادق والمراقص، سيجدها الزائر في كل مكان، فهنا تسوق كل الشركات المتخصصة بالملابس والاكسسوارات والصور والأجهزة الالكترونية وألعاب الأطفال بضاعة الفورمولا، في ذكراها التي تعاد كل عام على الجميع بنشوة السرعة التي لا ناقة لأحد فيها من المحليين ولا كفن.