الاثنين، 25 فبراير، 2008

المرجعية العليا والبصرة



البصرة - د . جمال حسين علي

خلال زيارة محسن عبد الحميد رئيس الحزب الاسلامي العراقي السابق للمرجع الاعلى السيد علي السيستاني، قال له المرجع الشيعي: يا دكتور محسن لا تخبر احدا من العراقيين اذا قتلت على يد سني في العراق بأن السيستاني قتل على يد سنيِِ فأجابه محسن عبد الحميد: 'يا سيدنا وانا كذلك لا يفترض ان يعرف احد من اعداء الشعب العراقي بأني قتلت على يد شيعي"! واذا كان السيد علي السيستاني الذي دخل اللعبة السياسية في العراق بكل قوة قد تمكن من احتواء ازمة النجف المعروفة والخروج ببيان النجف ذائع الصيت الذي جعل المدينة تعيش للسنة الثانية على التوالي هدوءا حسنا، فلماذا لم يبادر ويتدخل من اجل ظهور 'اتفاق البصرة'؟ ولاسيما ان الوضع في البصرة الآن شبيه الى حد كبير بما كان يجري في النجف: الصراع ما بين الاطراف الشيعية حول مكاسب المراقد المقدسة في النجف، وفي البصرة الصراع مع الاطراف نفسها على النفوذ والنفط؟! ربما لا تريد المرجعية ان تعيد 'هفوتها' النجفية بعد ان نجح السيد مقتدى الصدر في تعليق الازمة على ثوب المرجعية، وخرج من حرب النجف سالما معافى مع جيشه ولكن قد تصل حرب البصرة الى مفترق طرق لا ينفع بعدها اللوم والتأخير وربما تبعد نهايتها المأساوية اي جهد كان حتى لو صدر من الامام الذي لا ترداوامره والقادر على فرض الحلول خاصة حين يصل الامر الى الاقتتال ما بين المجموعات المسلحة داخل المذهب الواحد وفي حالات كثيرة الدين الواحد، وهنا: الا يحرج ما يجري في البصرة المرجعية بقوة؟ لابد من التأكيد ان ظهور 'جيش المهدي' احرج المرجعية ايضا خاصة ان شعاره الاول هو 'حماية المرجعية' بالاستناد الى الارث العائلي وتقريبا السياسي وصعود نجم مقتدى الصدر على حساب الكثير من الشخصيات الحزبية - الدينية المشهورة التي عملت في الساحة العراقية لاكثر من اربعة عقود، ولكنها فشلت في بناءالشعبية التي منحتها ظروف كثيرة للشاب مقتدى في غضون اشهر قليلة والتي صدمت غرماءه الشيعة اكثر من السنة خاصة بعد بنائه علاقات واسعة النطاق مع رموز ما سيظهر فيما بعد بمسميات مختلفة كهيئة علماء المسلمين وجبهات لا عد لها ولا حصر من واجهات سياسية لما يعتبرها البعض 'المقاومة العراقي".
طاقة الصدريين
لم تستطع قوة سياسية ولا حتى الاميركان من استيعاب وتقليل الطاقة الرهيبة التي بثها الصدريون في الساحة الجنوبية وجزء كبير من بغداد خاصة المناطق الشيعية المعروفة التي استقبلت التيار بهبة جماهيرية عفوية بدون التوقف عند برنامج هذا التيار الذي يبدو انه آخر شيء يهتم به القادة والقاعدة على السواء واقتصر الخطاب السياسي للصدريين الجدد على قذف الجميع بكل الاتهامات المتاحة علاوة على طرح الشعارات الكبرى التي لا يستطيع ذراعه العسكري المتمثل في جيش المهدي تنفيذ حدها الادنى على الرغم من التعمد في الظهور العسكري المهرجاني له منحيا اساليب اخرى جانبا كالحوار وجلسات العملوالممارسة السياسية المعتادة التي بدأت كل الاطراف التمرن عليها في ظل مراقبة كاملة للطرف الاهم في المعادلة: الاميركان. وكان على الصدريين الدخول بقوة في حياة 'الميليشيات العقائدية' التي تأسست وترعرعت ونمت وكبرت وازدهرت قبله بكثير كقوات بدر والبيشمركه وغيرها من المسميات، وينبغي التوقف طويلا وبعمق عند الاسباب التي جعلت الاميركان يتفاهمون مع البيشمركه وبدر وباقي الميليشيات ولكنهم لم يتعاملوا بايجابية معالشباب المتحمس في جيش المهدي، والافلات من الاجابة منطقي كونه ليس موضوعنا الآن. لقد دخل جيش المهدي ولاسباب محيرة منذ البداية في سياسة زعزعة وكسر كل من يواجهه ويختلف معه، ولم يتقبل الشبان غير الناضجين سياسيا حتى الآن شيئا غير فرض آرائهم ومعتقداتهم بالقوة وقرروا خوض المعركة لا بالحجة، بل بالارث الشامل الذي بنوا حتى اسم جيشهم على اساسه. وكعادة مثل هذه الحركات، فان نجاحها ليس بفضل شكيمتها او قدرتها الفكرية، بل لانها تبني نجاحها على فشل الآخرين، المفترض ان يكونوا متعقلين، وهم حاملو تاريخ النضال والكفاح المرير الذين لم يرفعوا الشبان الى مستواهم، بل نزلوا اليهم وصاروا مثلهم متصابين في السياسة ولم يكونوا لهم قدوة حسنة حينبدأت منهم، وليس من رجال الصدر نزعة السلطة وحب الذات والحزبية الضيقة والفساد وكسب اكبر ما يمكن كسبه من النفوذ والسلطة والمال، ليضعوا شبان المذهب في الخانة التي تعودوا الولوج فيها: المضطهدين ! يطالبون مقتدى الصدر بحل الجيش والقاء السلاح وهو يرى يوميا انهم يسلحون انفسهم ولا يحلون ميليشياتهم ويدعونه للمشاركة في العملية السياسية التي وافق عليها في الانتخابات الاخيرة ولكنهم لا يمنحونه سوى الفتات بتوزيع المناصب، وفي النهاية فان الشعارات التي ابرزت الصدر قد تختفي لشهر او سنة، ولكنهاتعاود الظهور في اي لحظة: مقارعة الاحتلالِِ وبها فقط يمكنه استرداد مكانته في مزاحمة الآخرين الراضين عن بقاء 'القوات المتعددة الجنسية ! ان كل الاتهامات التي علقوها على مقتدى الصدر، اقترفوها للاسف، ولعله اقل شخص او تيار بينهم تنازع على الغنيمة والاضواء، وحين قاتل اوقات بريمر تركوه وحيدا وسط النار التي اشعلوها جميعا ضده، وادرك في تلك الايام المريرة بأن اعداءه ليس فقط الاميركان كما كان يعتقد. ان تركيزنا على الصدريين في موضوع يخص البصرة، ذلك لانهم بشطريهم اليعقوبي والصدر، اصحاب اللعبة الرئيسية فيما يجري ولان الشيعة في البصرة (والعراق عموما) مجتمعات متعددة وليسوا على شاكلة واحدة من حيث الاتجاهات الفكرية والسياسية والحزبية والفقهية والعشائرية كما يعتقد الكثيرون (تمسك السيدالسيستاني بقائمة شيعية موحدة لادراكه هذه الحقيقة) ولكن هل ان كل المخارج لأي ازمة شيعية - شيعية،في متناول السيد السيستاني؟
عدم التجانس الشيعي
ومن هنا لابد فهم الاختلاف في عدم تجانس الشيعة في حكم مدينة او اقليم يتمتعون فيه بكامل الحرية وبيدهم سلطته المطلقة نسبيا! ومشكلتهم ان الائتلاف العراقي الموحد الذي دخلوه بامر المرجعية هو ائتلاف سياسي وليس مذهبيا ولا يوجد فيه مشروع وطني موحد لهم جميعا، لذلك لم يفاجأ احد بانسحاب حزبالفضيلة في اللحظة الاخيرة من تشكيل الحكومة او تهديدات الصدريين المختلفة وتلويحهم بالعصيان المدني الذي خبروه، لذلك فقد صارت البصرة نموذجا لتباين الموقف الشيعي (وان سبقتها احداث النجف ولكن بشكل غير واضح). ولكي تقدم المرجعية الحلول لمشكلة البصرة، الا تحتاج قبلها الى امتلاك صورة واضحة عما يجري؟ ولتحقيق ذلك لابد من وجود هيئة مستشارين قادرين على التدخل ودراسة الخيارات بغية فض الاشتباك، ولكن المفاجأة وقعت في البصرة تحديدا حين بدأت الاصوات تتعالى وتتهم المرجعية هذه المرة !
الدخول في المعركة
وممثل المرجع الاعلى السيد علي السيستاني في البصرة محمد فلك المالكي دخل هو ايضا في لعبة الاتهامات حين وجه اصابع الاتهام لزعيم الفضيلة محمد اليعقوبي متهما اياه بالسلبية وحزبه بانشاء سجون خاصة يعذب فيها خصومه وان يقصي الآخرين وخاصة السنة وان انصار الفضيلة:'اتخذوا انفسهم اوصياء على الناس بممارساتهم التعسفية والاضطهاد الذي فاق نظام صدام المخلوع". ولم يكتف ممثل المرجعية في المدينة بتوجيه الاتهام الى الفضيلة وزعيمها، بل انتقد حامل'ملف البصرة' نائب الرئيس عادل عبد المهدي لانه برأيه : " لم يفعل شيئا يهدئ من الوضع المتأزم ولم يحل اي مشكلة ولم يلتق بالاطراف الرئيسية ومنهم ممثلو المرجعيات"!ويبدو ان ممثل المرجعية العليا في البصرة لم يمهل السلطة المحلية في تصريحاته، وطالب في خطبه وتصريحاته باقالة المحافظ الذي وصفه: 'ان هذا الشخص يمتلك قابلية على الكذب والافتراء والطعن بالرموز الدينية الشامخة'، واخيرا اعلنوا الوثيقة التي ننشرها (مرفقة) والتي تتهم المحافظ بالعمل وكيلا للامن اوقات النظام السابق عندما كان وعائلته مهربين للسلاح. وكشف ممثل المرجعية ان هناك سجونا للتعذيب تابعة للمحافظ ولا يعلم بامرها قائد الشرطة في البصرة حسن سوادي. من جهته، حمل المحافظ ممثل المرجعية محمد المالكي وممثل التيار الصدري عماد البطاط المسؤولية القانونية ل 'قيامهما بتحريض الناس البسطاء على الوقوف ضد القانون وزرع الفوضى في اواسط الدوائر ومؤسسات الدولة ودعمهما للاحزاب الدموية وفرق القتل والاغتيال بدعم خارجي ! ولعل هذا التصريح هو الاول من نوعه الذي يطلقه مسؤول رسمي في الدولة العراقية يتهم فيها المرجعية هذه التهم الخطيرة: دعم الاحزاب الدموية والاشارة الواضحة للدعم الخارجي. تجدر الاشارة الى ان المرجع الاعلى السيد علي السيستاني كان قد اصدر فتوى حرم بموجبها 'التعرض للمساجد السنية' وحض العشائر على 'الاسهام في محاصرة فرق القتل واستهداف المساجد !
المرجعية والميليشيات
اتخذت المرجعية العليا موقفها من مسألة الميليشيات، لكنه موقف زاد من غموض الدور الذي تلعبه الميليشيات، ويمكن العودة الى دعوة السيد علي السيستاني بحل الميليشيات الناشطة في العراق، وصرح مرة بان 'السلاح يجب ان يكون في ايدي الحكومة فقط او فئات سياسية بعينها'ِ. الجزء الثاني من التصريح كما هو واضح منح 'الحق' لان تتسلح فئات سياسية بعينها، وهذا بيت القصيد في الازمات التي تمسك بالعراق الواحدة تسلمه للاخرىِمن الذي يمتلك الحق بتسليح فئات سياسية بعينها؟الى اي مدى يمكن تسليح هذه الفئات؟اي انواع السلاح ستستخدم ومتى وكيف ومن سيحاسبها لو انطلقت النيران الصديقة والمعادية؟الم يحدد الدستور الدائم وبوضوح الموقف بالنسبة للميليشيات؟لماذا زجت المرجعية العليا نفسها بشأن قضية كان الدستور قد حسمها؟ولعل هذا الموقف الذي اقل ما يمكن وصفه بانه 'غامض' وموقف آخر كان عبارة عن تعهد من رئيس الحكومة نوري المالكي اساسه مواجهة الميليشيات، لكنه ايضا، ترك الكثير من الاسئلة معلقة كتصريح المرجعية: كيف سيواجهها وباي قوة اذا كانت بعض الميليشيات تمثل اساس القوة العسكرية للدولة نفسها؟!وهل سيضم الميليشيات الى الجيش والشرطة كما تعهد كل قادة العراق لكي تتعقد الازمة اكثر ويمنح هؤلاء المسلحون هذه المرة غطاء حكوميا شرعيا وفوق ذلك ستمولهم خزينة الدولة؟ِاجاب نوري المالكي في وقت لاحق من تصريحاته الاولى على نمط الاسئلة الفائتة بقوله انه 'لا توجد ميليشيا موالية لحزب حكومي ستكون مستثناة' من خطته لتفكيك القوات المسلحة غير النظامية، كما وصف الميليشيات، ولم يستثن احدا، اي ان خطته ستشمل: البيشمركه بشطريها وجيش المهدي وقوات بدر،، وهؤلاءرفاقه وشركاؤه في السلطة، فهل سيوافقون على هذه الخطط؟لا نعتقد كالكثيرين ممن يطلعون جيدا على تصريح السيد السيستاني الذي استثنى البعض، ولو نعيد التاريخ القريب قليلا، سنجد انه حتى في 'اتفاق النجف' الشهير الذي اخرج جيش المهدي من مطحنة النجف لم يشر في هذا الاتفاق لا من بعيد ولا من قريب على حل جيش المهدي، حيث كان المطلب الاول لقوات حكومة علاوي- الشعلان التي كانت تحاصر المدينة بمؤازرة القوات الاميركيةِان تجربة 'اتفاق النجف' تشير بما لا يقبل الشك، إلى ان المرجعية لا تريد ان تتورط في اصدار فتوى او تصريح وليس لديها حتى قناعة ذاتية، لحل الميليشيات الشيعية بالاخص بعد نشوب المواجهة المفتوحة بعد تفجير مرقدي الامامين الهادي والعسكري مع الجماعات السنية المسلحة وتلك الجماعات الارهابية التي لمتخف رغبتها في ابادة الشيعة تحديدا كقاعدة بلاد الرافدين وعشرات من المجموعات المسلحة المعروفة.الطوق الغريب الذي وجدت المرجعية نفسها فيه جعلها لا تستطيع تأييد الميليشيات علنا ولا بمستطاعها الاعتراض عليها او تفكيكها، فهؤلاء في النتيجة هم الستر الامامي لحماية المذهب واحزابه، والمخزون الاحتياطي الذي سيأتي اليوم الذي تحتاج المرجعية الى كل فرد فيه، في مواجهات محتملة مع جماعات سريةمعلنة منذ ثلاث سنوات وفي مواجهات غير مستبعدة مع قوات اجنبية لا يعرف احد التكهن بتقلباتها ومزاجها السياسي وطموحها الاقتصادي والجيوبوليتيكي في البلاد.